
|
بقلم : د/ إياد حرفوش - 18/03/2010م - 6:35 ص | مرات القراءة: 2009
وأولى الخطوات نحو ثقافة الجمع هي فهم الآخر، فبفهمه نُكَوِنْ صورة واضحة عنه خالية من المبالغات والخرافات التي غالباً ما تزيد الهوة بيننا وبينه... كلما زادت درجة تحضر ونضج مجتمع من المجتمعات الإنسانية ازدادت ثقافة الجمع فيه، وثقافة الجمع هي ببساطة ثقافة قبول الآخر ومحاولة فهمه وإيجاد أرضيات مشتركة لبناء علاقة إيجابية معه، وعلى النقيض نرى المجتمعات الأقل نضجا تميل إلى ثقافة الخصم على حد تعبير أستاذنا الجليل "محمد حسنين هيكل"، وهي النقيض المباشر لثقافة الجمع، فهي رفض الآخر والنفور منه بل والسعي إلى تدميره إن أمكن، تدميراً مادياً حيناً ومعنوياً في أحيان كثيرة. وأولى الخطوات نحو ثقافة الجمع هي فهم الآخر، فبفهمه نُكَوِنْ صورة واضحة عنه خالية من المبالغات والخرافات التي غالباً ما تزيد الهوة بيننا وبينه، ونفهم من هذه الصورة آماله وآلامه واهتماماته ومخاوفه، فلو فعل هو مثل ذلك وفهم من أمرنا ما فهمناه من أمره بدون وجود أجندات خفية، فلابد أن نصل جميعا لأرضية مشتركة في النهاية. ولعل الخطوة الأولى في هذا هي نفي الأساطير ومعرفة الحقائق الأساسية، فعندما يكون لديك انطباعا أن الهندوسي يعبد البقرة ستميل إلى اتهامه بالحمق، ولكن عندما تعلم أن حقيقة الأمر ليس فيها عبادة، ولكنه شكل من أشكال التقديس الفلسفي المعقد يجعل البقرة تحمل رمزية الأمومة، سوف تقل درجة ميلك لاتهامه بالحمق وسوف ترى فقط أنه إنسان مضلل، وفارق كبير بين الأحمق والضال وكمسلمون على المذهب السني، يكون بديهيا أن نفهم على الأقل المذهب الرئيسي الثاني في ديننا، والذي يتبعه قرابة المائتي مليون مسلم في العالم، فهل هذه هي الحال؟ هل نفهم الفكر الشيعي بما يكفي ونعرف أساسياته؟ بكل أسف أجد درجة فهمنا للمذاهب الشيعية وفهم الشيعة لنا لا تؤهلنا جميعا سنة وشيعة لدرجات مرتفعة في اختبار ثقافة الجمع، فما من حوار دار أمامي في مصر حول الشيعة إلا وأثار في نفسي الألم لجهلنا بالآخر وبالتبعية رفضه والنفور منه، ما كل هذه الخرافات التي نلصقها بهم عن غير عمد؟ وما هذا التعميم المخل الذي يحيي مذاهبا ماتت منذ قرون كالسبئية، ثم يسحبها لتغطي على صحة إيمان إخوان لنا في العقيدة أولاً وفي الإنسانية ثانياً وفي الاضطهاد الغربي ثالثاً؟ تعالوا نطالع معاً بعض وجوه الخلط الذي تتناوله ليس الألسنة وحسب، بل وبعض الأقلام أيضاً! فنطرح عددا من الأسئلة ونرى كم تبعد الإجابة الصحيحة عليها عما هو شائع بين الناس وفي مقالات تنشرها صحف الدرجة الثانية! فهل يدعي الشيعة بحلول الله تعالى في شخص سيدنا "على بن أبي طالب"؟ أو بعودة سيدنا "علي" في نهاية الزمان؟ نأتي لسؤال هام ومرتبط بما يدور اليوم في العراق الشقيق، هل يستحل الشيعي دم المسلم السني؟ هل هناك نوع من الزواج الجماعي عند الشيعة؟ هل هناك فارق بين زواج المتعة المحدد المدة وبين الزنا؟ ولست هنا في مقام دفاع عن الشيعة أو بيان أنهم مذهب من المذاهب الإسلامية باستثناء الطوائف الشاذة منهم، فهذا أمر أقره الأزهر الشريف منذ زمن بعيد، معتبرا المذهبين الزيدي والجعفري من المذاهب التي يجوز التعبد بها كالمذاهب الأربعة السنية. ولكني في مقام نفي أشهر الأساطير أولاً، وهذا ما فعلناه، ثم البحث عن أسباب سوء الفهم وسوء الظن بالشيعة في مصر، وهي البلد الذي كان شيعيا ذات يوم، ثم بيان ما يثير الطغاة في المذهب الشيعي عموماً، ويجعلهم نافرين منه ومعادين له. فأما عن أسباب سوء الفهم المتفشي بيننا في مصر عن الشيعة فإنني أجدها خمسة أسباب، أولها تاريخي وهو قيام الدولة الفاطمية بمصر، وما واكب قيامها من محاولات لنشر مذهبها، فطبيعي أن تسيء الظن بمستعمر يدعوك إلى اعتناق ما يعتنق، وقد أسرفت الدولة الفاطمية في محاولة صبغ المجتمع بالصبغة الشيعية على مذهبها الإسماعيلي، وهو أحد مذاهب غلاة الشيعة، وهذا بذاته سبب آخر لسوء الظن لأن احتكاكنا كان بطائفة من غلاة الشيعة وليس طائفة معتدلة. في كل الأحوال، نجح الفاطميون في تشييع مصر إلى حد كبير، حتى كان يوم عُدَّت فيه مصر قطراً شيعياً، وكرد فعل مساو في المقدار ومضاد في الاتجاه، بالغت الدولة الأيوبية السنية الشافعية بعد قيامها على أنقاض الفاطميين في محو هذه الصبغة الشيعية، فكما تطرف الشيعة في إظهار الحزن يوم عاشوراء لذكرى مقتل سيد الشهداء "الحسين بن على" رضي الله عنهما في موقعة الطف، بالغ الأيوبيون في نفي هذا الحزن، حتى تحولوا إلى إظهار الاحتفال بصناعة الحلوى، وما زالت هذه العادة الغريبة موجودة للآن! وكلا الفريقين في رأينا بالغ فضَلَّ، فليس من المنطق أن نجلد أنفسنا اليوم لأن أقواماً من حزب "الحسين" خذلوه في كربلاء ولم يستحقوا ثورته الشريفة من أجلهم! ولا من العقل أن نحتفل ونحن مسلمون بصناعة الحلوى في يوم استأصلت فيه عترة المصطفى صلى الله عليه وسلم! حتى لو كانت هناك مناسبة دينية متزامنة مع هذا اليوم، ولكن هكذا ينحرف الشطط دائما بالمبالغين إلى ما يثير العجب! السبب الثاني يأتي من تاريخنا المعاصر وهو الثورة الإيرانية عام 1979م، تلك الثورة التي ارتعدت لها فرائص الحكام العرب في الخليج والعراق، حيث يمثل الشيعة التابعين طائفيا لمراجع إيران نسبة لا يستهان بها من السكان، خاصة في المناطق البترولية كما في السعودية والعراق والكويت، فخاف الحكام العرب من تصدير الثورة إلى بلادهم، وتصدير الثورة مصطلح سكه "الخميني" في ذاك الوقت وتداولته الصحف بغزارة من وقتها للآن، فكان وبالاً على السياسة الخارجية لإيران، أما في مصر، فقد أبت حكمة الرئيس "السادات" – وكل من يحكمنا فهو حكيم، من الحُكم وليس من الحِكمَة- إلا أن تتورط مصر في هذا الصراع الذي لا ناقة لها فيه ولا جمل، فغضب سيادته لطرد صديقه الشاه "محمد رضا بهلوي"، والذي عرفه العالم كشرطي أمريكا في الشرق الأوسط! فآوت مصر الصابرة هذا الشاه الذي لفظته بلاده ثم لفظته أمريكا لأنه أصبح بلا قيمة حين فقد عرشه. السبب الثالث أيضاً من تاريخنا المعاصر، هو حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، حين شاءت الولايات المتحدة أن تضرب حكومة الثورة في إيران ردا على قلم احتجاز الرهائن في سفارتها بطهران لمدة 444 يوما كاملة، فكانت عراق "صدام" هي ذراعها الذي تضرب به، وكانت تلك الحرب بداية اكتراء الجيوش العربية لتحارب للأمريكان حروبهم، حيث حاربت العراق إيران سنينا طالت وتساقط فيها من الجانبين مئات الآلاف، كان "صدام" خلالها رجل أمريكا الأثير، واستمر صحفجيتنا في الدق على نفس النغمة، وسميت الحرب بقادسية "صدام"! كأن "الخميني" هو كسرى وكأن هذا الصدام هو "سعد بن أبي وقاص"! و لقب "صدام" في صحفنا القومية بحامي البوابة الشرقية للوطن العربي! وهي أمور قد تبدو عجيبة في ظل الأوضاع السياسية الراهنة وذكرى شنق صدام بأيد أمريكية في ذاكرتنا جميعا، لكنها السياسة، لا تدوم فيها صداقة ولا عداء! في كل هذه الأزمات السياسية، وإكمالا لتابلوه الرقص السياسي على نغمة أمريكية، كان الهجوم على الشيعة دائما هو موسيقى الخلفية، وكان الهدف الواضح هو إخراج الشيعة من الملة في ضمير المواطن العربي حتى لا يرمش له جفن وهو يردى الدم المسلم يسيل بيد مسلمة، وكان الشيعة على غالبيتهم العددية في العراق لا يستطيعون الدفاع عن ذاتهم ضد دعاوى النظام، لأنهم متهمون مسبقاً بالعمالة لآيات الله في حوزات إيران، وأي دفاع عن مذهبهم سيزيد من أوضاعهم تدهوراً، فكانت العمالة المصرية العاملة بالعراق تتأثر بالخرافات المترددة ضد إيران في زمن الحرب، ثم تعود لمصر بما سمعته وعرفته فتردده بين الناس. أما السبب الرابع فهو النسبة المحدودة نوعا للشيعة في مصر مقارنة بدول الخليج والعراق وسوريا، حيث ساعدت هذه النسبة المحدودة على ترويج الشائعات ذات الخلفية السياسية وترسيخها في ذهن رجل الشارع كحقائق، لغياب عنصر الاحتكاك المستمر الذي نعرف الآخر من خلاله. وختاماً يأتي السبب الخامس وهو خطأنا المعرفي التقليدي، نقرأ في المذهب الشيعي لكاتب سني، ونقرأ في المسيحية لشيخ أزهري، ونقرأ في الإسلام لقس! نقرأ عن الاقتصاد الاشتراكي في كتب أمريكية، ونقرأ عن ثورة إيران لكاتب عراقي! في كل هذا لا نكون طلاب حقيقة، فعندما نقرأ عن أي فكر أو مذهب أو عقيدة مغايرة في كتب كتبها أبناء عقيدتنا، لا نقرأ لنعرف ولا نقرأ بحثا عن الحقيقة، ولكننا نقرأ ليكون الكتاب أشبه بعملية طبطبة على عقولنا، تؤكد لنا أننا وحدنا نمتلك الحقيقة وكل من عدانا باطل، وهذا أمر مريح للعقل، لكنها راحة أشبه براحة التخدير أو راحة الموت! » التعليقات «0»
لاتوجد تعليقات!
|