بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر السبحاني - ص 61

- 2 - شد الرحال إلى زيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

كان الكلام في استحباب زيارة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " للحاضر في المدينة ، وأما استحباب السفر للغائب عنها فيدل عليه أمور :
 الأول : ما ورد في الأحاديث من الحث على زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنها بين صريح في الغائب أو مطلق يعم المقيم والمسافر والحاضر والغائب .
فمن القسم الأول ما رواه عبد الله بن عمر ، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : من جاءني زائرا لا تحمله إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة . فهذا صريح في الغائب وغيره .

 الثاني : سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كان يشد الرحال إلى زيارة قبور شهداء أحد .
أخرج أبو داود عن ربيعة - يعني ابن الهدير - عن طلحة بن عبيد الله ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد قبور الشهداء حتى

- ص 62 -

إذا أشرفنا على حرة وأقم ( 1 ) فلما تدلينا منها وإذا بقبور بمحنية ( 2 ) ، قال : قلنا يا رسول الله : أقبور إخواننا هذه . قال : قبور أصحابنا ، فلما جئنا قبور الشهداء ، قال : هذه قبور إخواننا . ( 3 )

 الثالث : إطباق السلف والخلف على شد الرحال إلى زيارة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ، لأن الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج .

قال السبكي : هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة . . . وكلهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم ، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الأموال ، ويبذلون فيه المهج ، معتقدين أن ذلك قربة وطاعة ، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مر السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل أن يكون خطأ وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى الله عز وجل ، ومن تأخر عنه من المسلمين فإنما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه ووده لو تيسر له ، ومن ادعى أن هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطئ .

 

 1 . الحرة : الأرض ذات الحجارة ، وأقم : أطم من آطام المدينة وإليه تنسب الحرة .
 2 . المحنية : انعطاف الوادي .               3 . سنن أبي داود : 2 / 218 برقم 2043 ، آخر كتاب الحج .

 
 

- ص 63 -

وربما يقال من أن سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أخرى وهو الصلاة في المسجد ، باطل جدا ، فإن المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة ، فمن عرف الناس ، عرف أنهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة ، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلا ببال قليل منهم ، ولهذا قل القاصدون إلى البيت المقدس مع تيسر إتيانه ، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرف ، فالمقصود الأعظم في المدينة ، الزيارة كما أن المقصود الأعظم في مكة ، الحج أو العمرة وهو المقصود ، وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل كل من توجه إلى المدينة ما قصد بذلك ؟ ( 1 )

 الرابع : إنه إذا كانت الزيارة قربة وأمرا مستحبا على الوجه العام أو الخاص ، فالسفر وسيلة القربة ، والوسائل معتبرة بالمقاصد فيجوز قطعا .

 الخامس : ما نقله المؤرخون عن بعض الصحابة والتابعين في هذا المجال .
 1 . قال ابن عساكر : إن بلالا رأى في منامه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وهو يقول له : ما هذه الجفوة يا بلال ، أما آن لك أن تزورني يا بلال ؟ فانتبه حزينا ، وجلا خائفا ، فركب راحلته وقصد

 

 1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام لتقي الدين السبكي : 85 - 86 ، ط بولاق مصر ، وانظر الطبعة الرابعة : 211 - 212 .

 
 

- ص 64 -

المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه ، وأقبل الحسن والحسين - رضي الله عنهما - فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا له يا بلال : نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ، في السحر ففعل ، فعلا سطح المسجد ، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه ، فلما أن قال : " الله أكبر - الله أكبر " ارتجت المدينة ، فلما أن قال : " أشهد أن لا إله إلا الله " ازدادت رجتها ، فلما أن قال : " أشهد أن محمدا رسول الله " خرجت العواتق من خدورهن فقالوا : أبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! فما رئي يوم أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله من ذلك اليوم . ( 1 )

 2 . أن عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصدا من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي السلام ثم يرجع . ( 2 ) قال السبكي : فسفر بلال في زمن صدر الصحابة ، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة ، لم يكن إلا للزيارة والسلام على النبي ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك لا من أمر الدنيا ولا من أمر الدين ، لا من قصد المسجد ولا من غيره . ( 3 )

 3 . إن عمر لما صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه ، قال عمر له : هل لك أن تسير

 

 1 . تاريخ ابن عساكر : 7 / 137 في ترجمة إبراهيم بن محمد ، برقم 493 .
 2 . شفاء السقام ، ص 142 . أخرجه البيهقي في شعب الإيمان كما نقله في الصارم المنكي : 246 ، لاحظ تعليقة شفاء السقام .
 3 . شفاء السقام : 143 ، ط الرابعة .

 
 

- ص 65 -

معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتع بزيارته ؟ فقال لعمر : أنا أفعل ذلك ، ولما قدم عمر المدينة أول عندما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله . ( 1 )

 4 . ذكر ابن عساكر في تاريخه ، وابن الجوزي في " مثير الغرام الساكن " ، بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال : دخلت المدينة ، فأتيت قبر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وزرته وسلمت بحذائه ، فجاءه أعرابي فزاره ، ثم قال : يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا ، قال فيه : * ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) * . ( 2 ) وإني جئتك مستغفرا ربك ذنوبي ، مستشفعا بك إلى الله ثم بكى وأنشأ يقول :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والاكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم

وقد ذيله أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بأبيات وقال :

وفيه شمس التقى والدين قد غربت * من بعد ما أشرقت من نورها الظلم
حاشا لوجهك أن يبلى وقد هديت * في الشرق والغرب من أنواره الأمم
( 3 )

 

 1 . فتوح الشام ، ج 1 ، " صلى الله عليه وآله وسلم " 148 ، باب فتح القدس .
 2 . النساء / 64 .                            3 . شفاء السقام : 151 - 152 .

 
 

- ص 66 -

سؤال وإجابة

وثمة سؤال وهو أنه إذا كان شد الرحال إلى زيارة القبور وبالأخص زيارة قبر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " جائزا ، فما معنى هذا الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه ، وهو لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ؟

والجواب
 أولا : إن هذا الحديث وإن أخرجه مسلم ، لكنه معارض بفعل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حيث إنه كان يشد الرحال إلى مساجد غير هذه الثلاثة . فقد أخرج الشيخان في صحيحهما أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يأتي مسجد قبا راكبا وماشيا فيصلي فيه .
( 1 ) فكيف يجتمع هذا الحديث مع حديث النهي الذي لسانه آب عن التخصيص ، وهذا يدل على أن الحديث الأول إما غير صحيح وعلى فرض صحته نقل محرفا . والدليل على التحريف أنه نقل بوجه آخر أيضا ، وهو إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : مسجد الكعبة ، ومسجدي ، ومسجد إيلياء . وأيضا بصورة ثالثة تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد . ( 2 )

 

 1 . صحيح مسلم : 4 / 127 ، صحيح البخاري : 2 / 176 .
 2 . أورد مسلم هذه الأحاديث في صحيحه : 4 / 126 ، باب لا تشد الرحال من كتاب الحج وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي : 2 / 37 - 38 ، وقد ذكر السبكي صورا أخرى للحديث هي أضعف دلالة على مقصود المستدل لاحظ شفاء السقام : 98 .

 
 

- ص 67 -

فعلى هذين الصورتين ليس هناك نهي عن شد الرحال إلى غير الثلاثة خصوصا الصورة الثالثة ، وأقصى ما فيها الدعوة إلى السفر إلى هذه الثلاثة .

 وثانيا : نفترض أن الصحيح هو الصورة الأولى لكن المستثنى منه بقرينة المستثنى محذوف وهو لفظ المسجد ، فيكون معناه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى هذه المساجد الثلاثة ، فلو دل فإنما يدل على النهي على شد الرحال إلى مسجد سوى المساجد الثلاثة ، وأما السفر إلى الأماكن الأخرى فالحديث ساكت عنه غير متعرض لشئ من أحكامه ، فإن النفي والإثبات يتوجهان إلى السفر إلى المسجد لا إلى الأمكنة الأخرى ، كزيارة النبي ومشاهد الشهداء ومراقد الأولياء .

 وثالثا : إن الحديث لا يدل - حتى - على حرمة السفر إلى مسجد غير هذه الثلاثة ، وإنما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في السفر إلى غيرها ، وذلك كما قاله الإمام الغزالي : لأن سائر المساجد متماثلة في الفضيلة بعد هذه المساجد فلا وجه لشد الرحال إلى غيرها وإنما يشد الرحال إذا كان هناك تفاوت في الفضيلة . ( 1 ) وأما شد الرحال إلى زيارة أئمة أهل البيت " عليهم السلام " أو الشهداء فيعلم ذلك مما قد أوردناه من الأحاديث ، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة لزيارة قبور الشهداء فأئمة أهل البيت أئمة الشهداء

 

 1 . إحياء علوم الدين للإمام الغزالي : 2 / 247 .

 
 

- ص 68 -

تجوز زيارتهم بطريق أولى ، إن الإمام أمير المؤمنين من أفضل الشهداء ، والحسين بن علي أبو الشهداء . فسلام الله عليهم يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يبعثون أحياء .

وعلى كل حال فشد الرحال ، مسألة فقهية لا صلة لها بالمسائل العقائدية ولا بالشرك ولكل مجتهد دليله .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب