|
بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر السبحاني
- ص 52 -
|
|
الفصل الخامس : تطبيقات على ضوء تعريف العبادة
ينطوي هذا
الفصل على مسائل صارت ذريعة للاختلاف والتشتت ، وهي لا
تمس العقيدة بصلة ، وإنما هي مسائل فقهية تستنبط
أحكامها من الكتاب والسنة وهذه المسائل هي كالتالي :
1
. زيارة القبور .
2 . شد الرحال إلى زيارة قبر النبي
صلى الله عليه وآله وسلم .
3 . البناء على القبور .
4
. بناء المساجد على القبور والصلاة فيها .
5 . التوسل
بالأنبياء والأولياء والصالحين وأقسامه .
6 . انتفاع
الموتى بأعمال الأحياء والنذر لهم .
7 . التبرك بآثار
الأنبياء والصالحين .
8 . الاحتفال بميلاد النبي صلى
الله عليه وآله وسلم .
9 . البكاء على الميت .
10 .
الحلف على الله بحق الأولياء .
11 . الحلف بغير الله
سبحانه .
12 . تسمية المواليد بإضافة العبد إلى غير
الله سبحانه .
وإليك البحث فيها واحدة تلو الأخرى :
- 1 - زيارة القبور
( 1 )
إن زيارة القبور تنطوي على
آثار أخلاقية وتربوية هامة ، لأن مشاهدة المقابر التي
تضم في طياتها مجموعة كبيرة من رفاة الذين عاشوا في
هذه الحياة ، ثم انتقلوا إلى الآخرة ، تؤدي إلى الحد
من الطمع والحرص على الدنيا ، وربما يغير سلوك الإنسان
فيترك الظلم والمنكر ويتوجه إلى الله والآخرة . لذا
يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : " زوروا
القبور فإنها تذكركم بالآخرة " .
( 2 )
نعم يستفاد من
بعض الأحاديث أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "
نهى يوما عن زيارة القبور ثم رخصها ، ولعل النهي كان
لملاك آخر ، وهو أن أكثر الأموات - يومذاك - كانوا من
المشركين ،
| |
1 . إن زيارة القبور من المسائل الفرعية الفقهية
، ولا تمت إلى العقيدة الإسلامية أحمد
في ؟ ؟ ؟ وهذه المسألة شأن سائر المسائل يرجع فيها إلى
الكتاب والسنة حتى يعلم جوازها أو عدم جوازها . بصلة ،
ولا يتهم القائل بجوازها بالشرك .
2 . شفاء السقام :
107 . |
|
|
فنهى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن زيارتهم ،
ولما كثر المؤمنون بينهم رخصها بإذن الله عز وجل ،
وقال : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها
تزهد في الدنيا وتذكر في الآخرة " .
( 1 )
وقالت عائشة
: إن رسول الله رخص في زيارة القبور ، وقالت : إن
النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال : أمرني ربي أن
آتي البقيع وأستغفر لهم . قلت : كيف أقول يا رسول الله
" صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ قال : قولي : السلام
على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات يرحم الله
المستقدمين منا والمستأخرين ، إنا إن شاء الله بكم
لاحقون .
( 2 )
وجاء في الصحاح والمسانيد صور الزيارات
التي زار بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم البقيع .
قال مؤلف كتاب " الفقه على المذاهب الأربعة " : زيارة
القبور مندوبة للاتعاظ وتذكر الآخرة وتتأكد يوم الجمعة
، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرع ، والاعتبار
بالموتى ، وقراءة القرآن للميت فإن ذلك ينفع الميت على
الأصح ، وبما ورد أن يقول الزائر عند رؤية القبور : "
السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم
لاحقون " ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو
بعيدة
( 3 )
بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصا مقابر الصالحين .
| |
1 . سنن ابن ماجة : 1 / 117 ، باب عندما
جاء في زيارة القبور .
2 . لاحظ صحيح مسلم : 2 / 64 ،
باب عندما يقال عند دخول القبور .
3 . إلا الحنابلة
فقالوا إذا كانت القبور بعيدة فزيارتها مباحة لا
مندوبة . |
|
|
هذه كلمات فقهاء المذاهب الأربعة حول زيارة القبور .
(
1 )
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا كله
حول زيارة قبور المسلمين ، وأما زيارة قبر النبي وأئمة
الإسلام والشهداء والصالحين فلا شك أن لزيارتهم نتائج
بناءة نشير إليها ، كما نشير إلى الأحاديث الواردة حول
زيارة قبورهم ليكون البحث مرفقا بالتحليل وجامعا
للدليل .
أما التحليل : إن زيارة مراقد هذه الشخصيات
هو نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم وإعلام للجيل
الحاضر بأن هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى
، والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة ، وهذا لا
يدفعنا إلى زيارة قبورهم فحسب ، بل إلى إبقاء ذكرياتهم
حية ساخنة ، والمحافظة على آثارهم وإقامة المهرجانات ،
في ذكرى مواليدهم ، وعقد المجالس وإلقاء الخطب المفيدة
في أيام التحاقهم بالرفيق الأعلى ، وهذا شئ يدركه كل
ذي مسكة .
ولأجل ذلك ترى أن الأمم الحية يتسابقون في
زيارة مدفن رؤسائهم وشخصياتهم الذين ضحوا بأنفسهم
وأموالهم في سبيل نجاة الشعب ، وإنقاذه من مخالب
المستعمرين والظالمين ، ويقيمون المجالس لإحياء
معالمهم ، دون أن يخطر ببال أحد أن هذه الأمور
| |
1 . الفقه على المذاهب الأربعة : 1 /
540 . |
|
|
عبادة لهم ، فأين التعظيم للشخصيات من عبادتهم ، فإن
التعظيم تقدير لجهودهم ، والعبادة تأليههم واتخاذهم
أربابا . أفهل هناك من يخلط بين الأمرين منا أو من
غيرنا ؟ ! كلا ، لا ، شريطة الإمعان في مقومات العبادة
وتعريفها الماضيتين في الفصلين السابقين .
إذا وقفت
على الآثار البناءة لزيارة مطلق القبور وزيارة قبور
الأولياء والصالحين ، نذكر خصوص عندما ورد من الروايات
التي جاء فيها الحث على زيارة قبر النبي الأعظم صلى
الله عليه وآله وسلم .
أخرج أئمة المذاهب الأربعة
وحفاظها في الصحاح والمسانيد أحاديث جمة في زيارة قبر
النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نذكر شطرا منها :
1
. عن عبد الله بن عمر مرفوعا : من زار قبري وجبت له
شفاعتي .
2 . عن عبد الله بن عمر مرفوعا : من جاءني
زائرا لا تحمله إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له
شفيعا يوم القيامة .
3 . عن عبد الله بن عمر مرفوعا :
من حج فزار قبري بعد وفاتي كمن زارني في حياتي .
4 .
عن عبد الله بن عمر مرفوعا : من حج البيت ولم يزرني
فقد جفاني .
5 . عن عمر مرفوعا : من زار قبري أو من
زارني كنت له شفيعا أو شهيدا .
6 . عن حاتم بن أبي بلتعة مرفوعا : من زارني بعد موتي
فكأنما زارني في حياتي .
7 . عن أبي هريرة مرفوعا : من
زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي ، ومن زارني كنت
له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة .
8 . عن أنس بن مالك
مرفوعا : من زارني في المدينة محتسبا كنت له شفيعا .
9
. عن أنس بن مالك : من زارني ميتا فكأنما زارني حيا ،
ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة ، وما من أحد
من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر .
10 . عن ابن
عباس مرفوعا : من زارني في مماتي كمن زارني في حياتي ،
ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة
شهيدا ، أو قال شفيقا .
فهذه أحاديث عشرة أخرجها
الحفاظ من المحدثين ، وقد جمع أسانيدها وطرقها وصححها
تقي الدين السبكي ( المتوفى سنة 756 ه ) في كتاب شفاء
السقام في زيارة خير الأنام فمن أراد التفصيل فليرجع
إليه .
( 1 )
| |
1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام ،
الباب الأول في الأحاديث الواردة في زيارته ، ولاحظ
أيضا وفاء الوفاء بأحوال دار المصطفى : 4 / 1336 .
|
|
|
ونظم الشيخ شعيب الحريفيش في " الروض الفائق " هذا
المعنى في قصيدة مطلعها :
من زار قبر محمد * نال
الشفاعة في غد
بالله كرر ذكره * وحديثه يا منشدي
واجعل
صلاتك دائما * جهرا عليه تهتدي
فهو الرسول المصطفى *
ذو الجود والكف الندي
وهو المشفع في الورى * من هول
يوم الموعد
والحوض مخصوص به * في الحشر عذب المورد
صلى
عليه ربنا * عندما لاح نجم الفرقد
( 1 )
| |
1 . الروض الفائق : 2 / 238 .
|
|
|
|