|
بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر السبحاني
- ص 47 |
|
الفصل الرابع : تعريف العبادة
إذا وقفت على مقومات
العبادة ، فيكون من السهل تعريف العبادة تعريفا منطقيا
جامعا للأفراد ومانعا للأغيار بأحد التعاريف التالية :
التعريف الأول العبادة هي الخضوع عن اعتقاد بألوهية
المعبود ، فما لم يكن القول والعمل ناشئين من الاعتقاد
بالألوهية ، لا يكون الخضوع والتعظيم والتكريم عبادة .
والذي يجب أن نلفت نظر القارئ إليه ، هو أن المراد من الألوهية ليست المعبودية كما هو الرائج في الألسن ، بل
المراد منها الاعتقاد بكونه إله العالم وخالقه ومدبره
وأن أزمة الأمور كلها أو بعضها بيده ، فهذا هو المراد
من الإله ، والألوهية ، فلفظ الإله كلي و ( الله ) لفظ
الجلالة علم ، فليس بينهما فرق إلا بالكلية والجزئية .
والذي يدل على ذلك ( الخضوع النابع عن الاعتقاد
بالألوهية ) أن بعض الآيات تأمر بعبادة الله وتنهى عن
عبادة غيره مدللا بأنه لا إله غيره ، يقول : * (
يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ ) * .
( 1 ) ومعنى
ذلك أن الذي يستحق العبادة من كان إلها وليس هو إلا
الله ، عندئذ كيف تعبدون ما ليس بإله حقيقة وإنما
تدعون له الألوهية ؟ وكيف تنبذون عبادة الله وهو الإله
الذي يجب أن يعبد دون سواه ؟ وقد وردت هذه الآية بنصها
أو مضمونها في كثير من الآيات .
( 2 )
فهذه التعابير
تفيد أن العبادة هي ذلك الخضوع والتذلل النابعين من
الاعتقاد بألوهية المعبود ، إذ نلاحظ - بجلاء - كيف
استنكر القرآن على المشركين عبادة غير الله بأن هذه
المعبودات ليست آلهة وأن العبادة من شؤون الألوهية .
وحيث إن هذا الوصف لا يوجد إلا في الله سبحانه لذلك
تجب عبادته دون سواه .
التعريف الثاني العبادة هي
الخضوع أمام من يعتقد أنه رب يملك شأنا من شؤون وجوده
وحياته وشؤونه في آجله وعاجله . سواء كان أمرا ماديا
كالعزة والنصر ، أم معنويا كمغفرة الذنوب .
| |
1 . الأعراف / 59 .
2 . وللقارئ الكريم
أن يراجع في ذلك الآيات التالية :
الأعراف / 65 ، 73 ،
85 ، هود / 50 ، 61 ، 84 ،
الأنبياء / 25 ، المؤمنون /
23 ، 32 ، طه / 14 . |
|
|
والمقصود من الرب ، هو المالك لشؤون الشئ ، المتكفل
لتدبيره وتربيته ، ولذلك تكون العبودية في مقابل
الربوبية . ويدل على ذلك طائفة من الآيات التي تعلل
الأمر بحصر العبادة في الله وحده بأنه الرب لا غير ،
وإليك بعض هذه الآيات : * (
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ
اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) * .
( 1 ) * (
إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ
أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
) * .
( 2 ) * (
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا
صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) * .
( 3 )
وقد ورد مضمون هذه الآيات في آيات أخرى هي : يونس : 3
، الحجر : 99 ، مريم 36 ، 65 ، الزخرف : 64 .
وعلى كل
حال فإن أوضح دليل على هذا التفسير للفظ العبادة هو
الآيات التي سبق ذكرها .
التعريف الثالث العبادة هي
الخضوع أمام من نعتقد أنه إله العالم ، أو من فوض إليه
أعماله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة التي تعد من
الأفعال الكونية أو التقنين والتشريع وحق الشفاعة
والمغفرة التي تعد من
| |
1 . المائدة / 72 . |
2 . الأنبياء / 92 . |
3 . آل عمران / 51 . |
|
|
الأفعال التشريعية .
إن الموحد يعبد الله سبحانه بما
أنه قائم بهذه الأفعال ، من دون أن يفوض شيئا منها إلى
مخلوقاته ، ولكن المشركين مع اعتقادهم بأن آلهتهم
وأربابهم مخلوقون لله تبارك وتعالى ، لكن كانوا على
اعتقاد أنه فوض إلى الآلهة أمور التكوين والتشريع كلها
أو بعضها ، فلذلك كانوا يستمطرون بالأنواء والأصنام
ويطلبون الشفاعة منهم بتصور أنهم مالكون لحق الشفاعة ،
ويطلبون منهم النصرة والعزة في الحرب بزعم أن الأمر
بيدهم وأنه فوض إليهم .
وعلى ضوء هذه التعاريف الثلاثة
يظهر الفرق الجوهري بين التوحيد في العبادة والشرك
فيها ، فكل خضوع نابع عن اعتقاد خاص بإلهية المخضوع له
وربوبيته أو تفويض الأمر إليه فهو عبادة للمخضوع له
سواء كان ذلك الاعتقاد الخاص في حق المعبود حقا - كما
في الله سبحانه - أو باطلا كما في حق الأصنام .
وعلى
كل تقدير فالخضوع الناجم عن هذا النوع من الاعتقاد ،
عبادة للمخضوع له . وأما لو كان الخضوع مجردا عن هذه
العقيدة فهو تعظيم وتكريم ، وليس بعبادة ، ولا يكون
الخاضع مشركا ، ولا عمله موصوفا بالشرك ، غاية الأمر
ربما يكون حلالا كما في الخضوع أمام الأنبياء
والأولياء ومن وجب له حق بالتعليم والتربية ، وربما
يكون حراما كالسجود أمام النبي " صلى الله عليه وآله
وسلم " والولي " عليه السلام " وغيرهما لا لأنه عبادة
للمسجود له ، بل لأنه لا يجوز السجود لغيره سبحانه وأن
السجود خضوع لا يليق بغيره .
وبمثل هذا البيان تتميز العبادة عن التعظيم ، فتقبيل
المصحف وضرائح الأنبياء وما يمت إليهم بصلة إذا كان
فارغا عن اعتقاد الألوهية والربوبية والتفويض فهو ليس
عبادة للمخضوع له .
إذا عرفت تلك الضوابط فلنتناول
بالبحث الموضوعات الخاصة التي ربما يتصور أنها شرك
وعبادة لغير الله أو أنها بدعة دخلت في الدين أو حرام
كسائر المحرمات ، ويأتي كل ذلك في ضمن الفصل الآتي .
|