|
بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر السبحاني
- ص 12 - |
|
الفصل الأول تحديد الإيمان والكفر
الإيمان عبارة عن
الإذعان بالله سبحانه واليوم الآخر ورسالة النبي " صلى
الله عليه وآله وسلم " فهذه الأمور الثلاثة تشكل
دعامات الإيمان وأركانه ، وما سواها ترجع بشكل إليها .
نعم لما كان ما خلف النبي " صلى الله عليه وآله
وسلم " من تراث في مجال المعارف والأحكام ضخما لا يمكن
استحضاره في الضمير ثم التصديق به ، اضطر العلماء إلى
تقسيم عندما جاء به النبي إلى قسمين :
قسم معلوم
بالتفصيل كتوحيده سبحانه والحشر يوم المعاد في مجال
العقائد ، ووجوب الصلاة والزكاة ونحوهما في مجال
الأحكام ، وقسم منه معلوم بالإجمال نعلم وروده في
الكتاب والسنة ، فلا محيص للمؤمن أن يؤمن بالأول على
وجه التفصيل ، وبالثاني على وجه الإجمال .
قال عضد
الدين الإيجي : الإيمان : التصديق للرسول فيما علم
مجيئه به ضرورة وتفصيلا فيما علم تفصيلا ، وإجمالا
فيها علم إجمالا . ( 1 )
| |
1 . الإيجي ، المواقف
، ص 384 .
|
|
|
وبعبارة أوضح : أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم إما أن يعلم به بالضرورة كوجوب الصلاة
والزكاة والجهاد والحج ، وإما أن لا يعلم به كذلك .
فالمؤمن هو الذي يعتقد بصحة كل ما بعث به الرسول "
صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أمته ، غير أن المعلوم
بالضرورة ، يؤمن به تفصيلا وما لم يعلم ، يؤمن به على
وجه الإجمال .
ويظهر مما تقدم أن الإيمان يتجلى في
أصول ثلاثة :
الأصل الأول : الإيمان بالله سبحانه
وتوحيده .
الأصل الثاني : الإيمان بالآخرة وحشر الناس
في اليوم الموعود .
الأصل الثالث : الإيمان برسالة
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء بها .
والاعتقاد بهذه الأصول الثلاثة يورث الإيمان ويدخل
الإنسان في حظيرته ويتفئ في ظلاله وظلال الإسلام . هذا
ما عليه علماء الإسلام دون فرق بين طائفة وأخرى ،
وقد آثروا في ذلك ما روي عن النبي " صلى الله عليه
وآله وسلم " في غير واحد من المواقف .
1 . روى الإمام علي بن موسى الرضا " عليهما السلام " ، عن آبائه ، عن علي "
عليهم السلام " ، قال : " قال النبي صلى الله عليه
وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
إلا الله ، فإذا قالوا حرمت علي دماؤهم وأموالهم " .
( 1 )
2 . أخرج الشيخان ، عن
عمر بن الخطاب ، أن عليا صرخ : يا رسول الله على ماذا
، أقاتل ؟ قال (ص) : " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد
منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
" .
( 1 )
3 . روى أبو هريرة أن
رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال : " لا
أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا
قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها
وحسابهم على الله " .
( 2 )
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن محور الإسلام
والكفر كلمة " لا إله إلا الله ومحمد رسول الله " ولو
اقتصر في بعض على أصل واحد ولم يذكر المعاد وحشر الناس
أو لم يذكر رسالته فلوضوحهما .
نعم
، ليس الإيمان بالأصول الثلاثة فقط مورثا للسعادة ،
ومنقذا عن العذاب والعقاب ، بل لا بد من انضمام العمل
إليه واقترانه بامتثال أوامره ونواهيه في الكتاب
والسنة ، وذلك من الوضوح بمكان ، وقد وردت في هذا
الصدد روايات عديدة نقتصر على قليل منها :
1 . روى عبد
الله بن عمر قال : قال رسول الله " صلى الله عليه وآله
وسلم " : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمدا
| |
1 . صحيح البخاري
: 1 / 10 ، كتاب الإيمان ، صحيح مسلم : 7
/ 17 ، كتاب فضائل علي " عليه السلام " .
2 . الشافعي : الأم : 6 / 157 ، اقرأ كلامه فيه
حول هذا الموضوع . |
|
|
رسول الله ، وإقامة
الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم شهر رمضان " .
( 1 )
2 . ما روي عن
رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " متضافرا أنه
قال : " من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ،
وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم ، له ما
للمسلم وعليه ما على المسلم " .
( 2 )
وعلى ضوء ذلك فالذي
يميز المؤمن عن الكافر هو الاعتقاد بالأصول الثلاثة ،
وأما عندما يوجب السعادة الأخروية فهو في ظل العمل
بالواجبات والانتهاء عن المحرمات .
ويشير إلى الأمر الأول
ما مر من الروايات التي تركز على العقيدة ولا تذكر من
العمل شيئا . كما تشير إلى الأمر الثاني الروايات التي
تركز على العمل وراء العقيدة . إذا عرفت ما يخرج
الإنسان من الإيمان ويدخله في الكفر ، يعلم منه أنه لا
يصح تكفير فرقة من الفرق الإسلامية ما دامت تعترف
بالأصول الثلاثة .
وفي الوقت نفسه لا تنكر
ما علم كونه من الشريعة بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة
وأمثالهما . هذا ما نص عليه جمهور المتكلمين والفقهاء
. ( 3 )
وها نحن نذكر بعض الشواهد على هذا الموضوع .
| |
1 . صحيح البخاري
: 1 / 16 ، باب أداء الخمس من كتاب الإيمان .
2 . ابن الأثير : جامع الأصول : 1 / 158 . |
3 . لاحظ المواقف
للإيجي : 392 .
|
|
|
1 . قال ابن حزم عندما تكلم " فيمن يكفر ولا يكفر " :
" وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول
قاله في اعتقاد أو فتيا ، وإن كل من اجتهد في شئ من
ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال ، إن
أصاب الحق فأجران ، وإن أخطأ فأجر واحد . وهذا قول ابن
أبي ليلى ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وسفيان الثوري ،
وداود بن علي وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه
المسألة من الصحابة ( رضوان الله عليهم ) عندما نعلم
منهم في ذلك خلافا أصلا " . ( 1
)
2 . وقال شيخ
الإسلام تقي الدين السبكي : إن الإقدام على تكفير
المؤمنين عسر جدا ، وكل من في قلبه إيمان ، يستعظم
القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلا
الله ، محمد رسول الله ، فإن التكفير أمر هائل عظيم
الخطر . ( 2 )
3 . وقال أحمد بن زاهر السرخسي
الأشعري : لما حضرت الوفاة أبا الحسن الأشعري في داري
ببغداد أمر بجمع أصحابه ثم قال : اشهدوا على أنني لا
أكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ، لأني رأيتهم كلهم
يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمهم .
( 3 )
| |
1 . ابن حزم : الفصل
: 3 / 291 .
2 . الشعراني : ، اليواقيت والجواهر : 2 / 125
، ط عام 1378 ه . |
3 . الشعراني : اليواقيت
والجواهر : 2 / 126 .
|
|
|
4 . وقال التفتازاني : إن مخالف الحق من أهل القبلة
ليس بكافر ما لم يخالف ما هو من ضروريات الدين
كحدوث العالم وحشر الأجساد ، واستدل بقوله : إن النبي
ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على
ما هو الحق . ( 1 )
السنة النبوية وتكفير المسلم
قد
وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقر
بالشهادتين فضلا عمن يمارس الفرائض الدينية ، وإليك
طائفة من هذه الروايات :
1 . بني الإسلام على خصال :
شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ،
والإقرار
بما جاء من عند الله ، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى
آخر عصابة تكون من المسلمين . . . فلا تكفروهم بذنب
ولا تشهدوا عليهم بشرك " . ( 2
)
2 . أخرج أبو
داود عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله (
صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أيما رجل مسلم أكفر
رجلا مسلما فإن كان كافرا وإلا كان هو الكافر " .
( 3 )
| |
1 . التفتازاني : شرح المقاصد : 5 / 227
.
2 . كنز العمال : 1 / 29 ، برقم 30 .
|
3 . سنن أبي داود
: 4 / 221 ، برقم 4687 ، كتاب السنة . |
|
|
4 . أخرج مسلم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي "
صلى الله عليه وآله وسلم " قال : " إذا كفر الرجل أخاه
فقد باء بها أحدهما " . ( 1 )
4 . أخرج مسلم ، عن عبد
الله بن دينار ، أنه سمع ابن عمر ، يقول : قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أيما امرء قال لأخيه
يا كافر ، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا
رجعت عليه . ( 2 )
5 . عقد البخاري بابا باسم "
المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها
إلا بالشرك " ، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
إنك امرء فيك جاهلية ، وقول الله : * (
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاء
) * . ( 3 )
. ( 4 )
6 . أخرج الترمذي
في سننه عن ثابت بن الضحاك ، عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : " ليس على العبد نذر فيما لا يملك ،
ولا عن المؤمن كقاتله ، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله
" . ( 5 )
7 . أخرج أبو
داود عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم
| |
1 . صحيح مسلم : 1
/ 56 ، باب " من قال لأخيه المسلم يا كافر " من كتاب الإيمان .
2 . صحيح مسلم : 1 / 57 ، باب " من قال لأخيه
المسلم يا كافر " من كتاب الإيمان ، الإمام أحمد
في مسنده : 2 / 22 و 60 و 142 ، وأخرجه
الترمذي في سننه : 5 / 22 برقم 2637 ، كتاب الإيمان . وأخرجه الإ ؟ ؟
3 . النساء / 48 .
4 .
صحيح البخاري : 1 / 11 ، باب " المعاصي من أمر
الجاهلية " من كتاب الإيمان .
5 . سنن الترمذي : 5 /
22 برقم 2636 ، كتاب الإيمان . |
|
|
سرية إلى الحرقات ، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلا
فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فضربناه حتى
قتلناه فذكرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : "
من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ " قال : قلت :
يا رسول الله ، إنما قالها مخافة السلاح والقتل ، فقال
: " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم
لا ؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ " قال :
فما زال يقولها حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ .
( 1
)
8 . لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الأعظم صلى الله
عليه وآله وسلم بقوله : اعدل ، ثارت ثورة من كان في
المجلس ، منهم خالد بن الوليد قال : يا رسول الله إلا
أضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
" لا ، فلعله يكون يصلي " فقال : إنه رب مصل يقول
بلسانه عندما ليس في قلبه ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم : " إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس
ولا أشق بطونهم " . ( 2 )
وعلى ضوء هذه الأحاديث
المتضافرة والكلمات المضيئة عن الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم وعلمائنا السابقين المقتفين أثره يعلم أن
تكفير مسلم ليس بالأمر الهين بل هو من الموبقات ، قال
سبحانه : * ( وَلاَ تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ
مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ) * ( 3 )
لم يزل المسلمون منذ قرون غرضا لأهداف المستعمرين
| |
1 . سنن أبي داود
: 3 / 45 برقم 2643 ، صحيح
البخاري : 5 / 144 ، باب بعث النبي أسامة بن
زيد إلى الحرقات من كتاب المغازي .
2 . صحيح البخاري : 5 /
164 ، باب بعث علي وخالد بن الوليد من كتاب المغازي .
-
3 . آل عمران / 105 .
|
|
|
ومخططاتهم في بث الفرقة بين صفوفهم وجعلهم فرقا وأمما
متناحرة ينهش بعضهم بعضا ، وكأنهم ليسوا من أمة واحدة
كل ذلك ليكونوا فريسة سائغة للمستعمرين .
وبالتالي
ينهبوا ثرواتهم ويقضوا على عقيدتهم وثقافتهم الإسلامية
بشتى الوسائل ، ولأجل ذلك نرى أنه ربما يشعلون نيران
الفتن لأجل مسائل فقهية لا تمس إلى العقيدة بصلة فيكفر
بعضهم بعضا مع أن المسائل الفقهية لم تزل مورد خلاف
ونقاش بين الفقهاء ، فمثلا : في مسألة قبض اليد اليسرى
باليمنى أقوال فمن قائل بالاستحباب ، إلى آخر قائل
بالكراهة ، إلى ثالث قائل بالتحريم .
فلكل مجتهد رأيه
فلا يجوز لفقيه أن يكفر فقيها أو اتباعه في مسألة
القبض ، وقس على ذلك مسائل كثيرة تعد من الأحكام
وللاجتهاد فيها مجال واسع .
ونظير ذلك بعض المسائل
العقائدية التي ليست من ضروريات الإسلام بل للعقل
والاستدلال دور في تحقيقها ، مثلا : عصمة الأنبياء قبل
البعثة أو بعدها ، أو حدوث القرآن وقدمه ، أو صفاته
تعالى عين ذاته أو زائد عليها ، فليست هذه المسائل
محور التوحيد والشرك والإيمان والكفر ولكل محقق ،
عقيدته ودليله ولا يجوز لآخر تكفيره ، ويكفي في ذلك ،
الاعتقاد بما جاء به النبي إذا لم يكن من أهل التحقيق
.
وبما ذكرنا يعلم أن تكفير طائفة ، طائفة أخرى لمسائل
فقهية أو عقائدية لم يثبت كونها من ضروريات الدين ،
أمر محظور وزلة لا تغتفر وخدمة للاستعمار الغاشم لا
غير .
ونحن لا نريد الإطالة في الكلام وتكثير الأمثلة
، وتكفي في الاطلاع دراسة وضع المسلمين وتشتتهم ضمن
اختلاف بعضهم مع بعض في فروع فقهية أو عقائدية ليست من
الضروريات .
|