|
بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر
السبحاني - ص 155 |
|
- 11
- الحلف بغير الله
هل يجوز الحلف بغير
الله سبحانه كالحلف بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم
" والقرآن والكعبة وغيرها من المقدسات أو لا ؟ عندما
نستنطق القرآن في ذلك ، نرى أنه سبحانه حلف في سورة
الشمس وحدها بثمانية أشياء من مخلوقاته هي : الشمس ،
ضحاها ، القمر ، النهار ، الليل ، السماء ، الأرض ،
والنفس الإنسانية . ( 1 )
وكذلك ورد الحلف بغير
الله في سورة النازعات والمرسلات والطارق والقلم
والعصر والبلد وإليك نماذج من الحلف بالمخلوق في غير
تلك السور . * ( وَالتِّينِ
وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا
الْبَلَدِ الأَمِينِ ) *
. ( 2 )
* ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) * . ( 3 )
* ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ
عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا
يَسْرِ ) * .
( 4 )
| |
1 . الشمس / 1 - 7 .
- 2 . التين / 1 - 3
. - 3 . الليل / 1 - 2 .
- 4 . الفجر / 1 - 4 .
|
|
|
* (
وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ
مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ *
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ
الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) * .
( 1
) * (
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
) * . ( 2 ) فلو
كان الحلف بغير الله شركا وأمرا قبيحا ، فكيف يصدر منه
سبحانه وقد وصف الشرك بالفحشاء ، وقال : * (
وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً
قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ
أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ
بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ ) * . ( 3 )
والقبيح قبيح مطلقا دون فرق بين
ارتكابه من قبل الخالق أو المخلوق ، وهذا يعرب عن أن
الحلف بغير الله سبحانه إذا كان لغاية عقلائية أمر لا
محذور فيه .
ثم إن الغاية - غالبا - من حلفه سبحانه
بالأمور الكونية هي الإشارة إلى الأسرار المكنونة فيها
ودعوة الناس إلى الإمعان فيها وكشف رموزها ، ولكن
الغاية في حلف الإنسان بالذوات القدسية - وراء الإشارة
إلى قدسيتهم - هي إما الترغيب أو الترهيب أو كسب ثقة
المقابل .
وإذا عطفنا النظر إلى السنة النبوية نجد أن
رسول الله يحلف
| |
1 . الطور / 1 - 6 .
- 2 . الحجر / 72 . -
3 . الأعراف / 28 . |
|
|
بغير الله سبحانه .
أخرج مسلم في صحيحه : عن أبي هريرة
، قال : " جاء رجل إلى النبي " صلى الله عليه وآله
وسلم " فقال : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا ؟
فقال : أما - وأبيك - لتنبأنه أن تصدق وأنت صحيح شحيح
تخشى الفقر وتأمل البقاء " . (
1 )
وأخرج أيضا عن طلحة بن
عبيد الله ، قال : " جاء رجل إلى رسول الله - من نجد -
يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم : خمس صلوات في اليوم والليل . فقال : هل علي
غيرهن ؟ قال : لا . . . إلا أن تطوع ، وصيام شهر رمضان
. فقال : هل علي غيرها ؟ قال : لا . . . إلا أن تطوع ،
وذكر له رسول الله الزكاة . فقال الرجل : هل علي غيره
؟ قال : لا . . . إلا أن تطوع . فأدبر الرجل وهو يقول
: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه . فقال رسول
الله : أفلح - وأبيه - ( 2 )
إن صدق .
| |
1 . صحيح مسلم : 3 / 94 ، باب أفضل
الصدقة من كتاب الزكاة .
- 2 . أي : قسما بأبيه ، و "
الواو " للقسم . |
|
|
أو قال : دخل الجنة - وأبيه - إن صدق .
( 1 )
وثمة
أحاديث أخرى طوينا الكلام عن ذكرها مخافة الإطالة .
سؤال وجواب أخرج النسائي في سننه ، عن ابن عمر : أن
رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال : من حلف
بغير الله فقد أشرك . ( 2 )
ومعه كيف يجوز الحلف بغير
الله سبحانه ؟
والجواب : إن رسول الله " صلى الله عليه
وآله وسلم " يشير في قوله هذا إلى نوع خاص من الحلف
الرائج في ذلك العصر وهو الحلف بالأصنام كاللات والعزى
، ويدل على ذلك ما أخرجه النسائي أيضا في سننه عن
النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : " من حلف
، فقال في حلفه باللات والعزى ، فليقل لا إله إلا الله
" . ( 3 )
وأخرج أيضا عن النبي "
صلى الله عليه وآله وسلم " قال : لا تحلفوا بآبائكم
ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد . (
4 ) إن الحديث
الأول يكشف عن أن رواسب الجاهلية عندما زالت عالقة في
بعض النفوس ، فكانوا يحلفون بأصنامهم ، فأمرهم النبي
صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا بعد الحلف " لا إله
إلا الله " ، لأجل القضاء على تلك الخلفيات .
| |
1 . صحيح مسلم : 1 / 32 ، باب "
الإسلام عندما هو وبيان خصاله " من كتاب الإيمان .
2 . سنن النسائي : 7 / 8 . - 3 . سنن النسائي : 7 / 8 .
- 4 . سنن النسائي : 7 / 8 . |
|
|
كما أن الحديث الثاني يشير إلى أن وجه المنع عن الحلف
بالآباء والأمهات لشركهم ويؤيد ذلك اقترانها بقوله ولا
بالأنداد ، والمراد منها هي الأصنام والأوثان .
ويظهر
من كثير من الفقهاء جواز الحلف بغير الله غير أنهم
اختلفوا في وجوب الكفارة عند الحنث ، وهذا يعرب عن تصافقهم على جواز الحلف وإنما الاختلاف في انعقاده
وكفارته ، وإليك بعض النصوص :
قال ابن قدامة : الحلف
بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله يمين منعقدة تجب
الكفارة بالحنث فيها ، وبهذا قال ابن مسعود ، والحسن
وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وعامة أهل البيت .
وقال أبو حنيفة : وأصحابه ليس بيمين ولا تجب به كفارة
. ( 1 )
وقال ابن قدامة في موضع آخر : ولا تنعقد
اليمين بالحلف بمخلوق والأنبياء وسائر المخلوقات ولا
تجب الكفارة بالحنث فيها ، وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو
قول أكثر الفقهاء ، وقال أصحابنا : الحلف برسول الله
يمين موجبة للكفارة . ( 2 )
نعم اتفق الفقهاء على
أنه لا تفض الخصومات عند القاضي إلا بالحلف بالله .
| |
1 . المغني : 11 / 193 ، كتاب اليمين . |
2 . المصدر نفسه : 11 / 209 .
|
|
|
|