بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر السبحاني - ص 150

- 10 - الحلف على الله بحق الأولياء

إن القرآن الكريم يصف بعض عباد الله ، بقوله : * ( الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ) * . ( 1 ) فلو أن أحدا قام في آناء الليل وصلى ناشئته ثم ابتهل إلى الله متضرعا ، وقال : " اللهم إني أسألك بحق المستغفرين بالأسحار اغفر لي ذنبي " فهل يجوز ذلك أو لا ؟ يمكن استكشاف الحكم من الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار .

 1 . قد أخرج الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد عن عثمان بن حنيف : أن رجلا ضريرا أتى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وقال : أدعو الله أن يعافيني ، ثم نقلوا أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعوا بهذا الدعاء : " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة ، يا محمد إني

 

 1 . آل عمران / 17 .

 
 

- ص 151 -

أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى اللهم شفعه في " . ( 1 )

 2 . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " الدعاء التالي : " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا " . ( 2 )

 3 . أخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب ، قال : قال رسول الله : ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما اقترف آدم الخطيئة رفع رأسه إلى السماء فقال : أسألك بحق محمد إلا غفرت لي . ( 3 )

 4 . أخرج الحاكم في مستدركه ، والطبراني في معجمه الأوسط ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ، عن أنس بن مالك ، أنه لما ماتت فاطمة بنت أسد ، حفروا قبرها ، فلما بلغوا اللحد ، حفره رسول الله بيده ، وأخرج ترابه بيده ، فلما فرغ ، دخل رسول الله فاضطجع فيه ، وقال : الله الذي يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الرحمين . ( 4 )

 

 1 . صحيح الترمذي 5 ، كتاب الدعوات ، الباب 119 برقم 3578 ، سنن ابن ماجة : 1 / 441 برقم 1385 ، مسند أحمد : 4 / 138 ، إلى غير ذلك من المصادر ، وقد مر في مبحث التوسل .
 2 . سنن ابن ماجة : 1 / 256 برقم 778 ، باب المساجد ، مسند أحمد : 3 / 21 .
 3 . البيهقي : دلائل النبوة : 5 / 489 .
 4 . الحاكم : المستدرك : 3 / 108 ، الطبراني ، المعجم الأوسط : 356 ، حلية الأولياء : 3 / 121 .

 
 

- ص 152 -

إن هذه الأدعية وإن خلت من لفظ القسم بعينه إلا أنها تضمنت معنى القسم لوجود باء القسم فيها فكأنما يقول : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك أي أقسمك بحقهم .

وقد ورد الحلف على الله بحق الأولياء في غير واحد من أدعية أئمة أهل البيت " عليهم السلام " الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه بنص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حيث قال : " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي " . ( 1 )

يقول الإمام الطاهر الحسين بن علي " عليهما السلام " في دعاء يوم عرفة وهو يناجي ربه : " بحق من انتخبت من خلقك ، وبمن اصطفيته لنفسك ، بحق من اخترت من بريتك ، ومن اجتبيت لشأنك ، بحق من وصلت طاعته بطاعتك ، وبحق من نيطت معاداته بمعاداتك . ( 2 )

لما زار الإمام الصادق " عليه السلام " مرقد جده الإمام أمير المؤمنين " عليه السلام " دعا في ختام الزيارة بقوله : اللهم استجب دعائي ، واقبل ثنائي ، وأجمع بيني وبين أوليائي ، بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين " . ( 3 ) وهذه الأدعية عن أئمة أهل البيت " عليهم السلام " تدل على جواز الحلف على الله بحق أوليائه الصالحين .

 

 1 . حديث متواتر عن كلا الفريقين .

 2 . ابن طاووس : الاقبال : 309 . 3 . الطوسي : مصباح المتهجد : 682 .  
 

- ص 153 -

سؤال وإجابة ربما يقال : إن المسألة بحق المخلوقين غير جائز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق .

والجواب
 أولا : إن هذا اجتهاد في مقابل النص الصريح ، إذ لو لم يكن للمخلوق حق في ذمة الخالق ، فلماذا أقسم النبي آدم " عليه السلام " والنبي محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " على الله بالحقوق ، الواردة في الروايات ؟

 وثانيا : إنه سبحانه يثبت لعباد الله الصالحين حقوقا في ذمته ، ويقول : * ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( 1 ) * ، * ( وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ) * ( 2 ) ، * ( كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ) * : ( 3 ) ، * ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ) * . ( 4 )

وثمة مجموعة من الروايات تشير إلى وجود الحق للمخلوق في ذمة الخالق ، وإليك نماذج منها :
 1 . " حق على الله عون من نكح التماس العفاف مما حرم الله " .
( 5 )

 

 1 . الروم / 47 .

 2 . التوبة / 111 .  3 . يونس / 103 .  4 . النساء / 17 .  5 . الجامع الصغير للسيوطي : 2 / 33 .  
 

- ص 154 -

 2 . قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " : " ثلاثة حق على الله عونهم : الغازي في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد التعفف " . ( 1 )

 3 . " أتدري ما حق العباد على الله " . ( 2 )

نعم من الواضح أنه ليس لأحد بذاته حق على الله تعالى ، حتى لو عبد الله قرونا طويلة ، لأن كل ما للعبد من حول وقوة ، ونعمة فهو لله تعالى فلم يبذل العبد شيئا من نفسه في سبيل الله حتى يستحق بذاته الثواب . فإذا فما معنى الحق ؟

والجواب : إن المقصود من الحق في هذه الأدعية أو الأحاديث هو المنزلة التي يمنحها الله لعباده مقابل طاعتهم وانقيادهم ، لكن بتفضل وعناية منه ، لا باستحقاق من العبد ، فالحق الذي يقسم به على الله حق ، جعله الله على ذمته لا أن العبد استحق حقا على الله ، ونظير هذا استقراضه سبحانه من عبده ، يقوله : * ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) * . ( 3 )

إن هذا التعبير نابع من لطفه سبحانه وعنايته الفائقة بعباده الصالحين حتى يعتبر ذاته المقدسة مديونا لعباده ، وعباده ديانا أصحاب الحق ، ففي هذا الأمر من الترغيب والتشجيع إلى طاعة الله ما لا يخفى .

 

 1 . سنن ابن ماجة : 2 / 841 .

 2 . النهاية لابن الأثير : مادة حق .  3 . البقرة / 245 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب