|
بحوث قرآنية في التوحيد والشرك - الشيخ جعفر السبحاني
- ص 129 |
|
- 7 - التبرك بآثار الأنبياء والصالحين
جرت سنة الله
الحكيمة على إجراء فيضه إلى الناس عن طريق الأسباب
العادية ، كما هو المشاهد لكل واحد منا إلا أنه سبحانه
ربما يجري فيضه عن طريق علل غير مألوفة أو خارقة
للعادة لغايات مختلفة ، فتارة تكون الغاية هي الاعجاز
وإثبات النبوة وأخرى تكون هي إجلال الشخص وتكريمه .
أما الأول ، فكالمعاجز التي يأتي بها الأنبياء بإذن
الله سبحانه في مقام الدعوة والتحدي ، والقرآن يعج
بهذا النوع من المعجزات .
وأما الثاني : فنذكر منه
نموذجين : قال سبحانه : * (
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ
وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى
لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ) * .
( 1 )
وقال سبحانه : * (
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ
النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) * . (
2 )
| |
1 . آل عمران / 37 . |
2 . مريم / 25 .
|
|
|
وما ورد في هذه الآيات من ظهور فيضه سبحانه على خاصة
أوليائه إنما هو من باب الكرامة لا الإعجاز ، فلم تكن
مريم " عليها السلام " مدعية للنبوة حتى تتحدى بهذه
الكرامة ، بل كان تفضلا من الله سبحانه عليها في فترات
متلاحقة .
ويقرب مما ذكرنا قوله سبحانه : * (
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا
فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا . . . *
فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى
وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ) *
. ( 1 )
ومما لا شك فيه أن يوسف
لم يكن مدعيا للنبوة أمام إخوته حتى يتحدى بهذه
الكرامة ، وإنما كان تفضلا من الله عن هذا الطريق
لإعادة بصر أبيه يعقوب .
هذه الآيات توقفنا على
أنه سبحانه : يجري فيضه على عباده عن طريقين فتارة عن
طريق الأسباب العادية ، وأخرى عن طريق أسباب غير عادية
. وأما تأثير تلكم الأسباب غير العادية كالأسباب
العادية فكلها بإذن الله سبحانه .
وعلى ضوء ذلك كان
المسلمون يتبركون بآثار رسول الله " صلى الله عليه
وآله وسلم " حيث يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وثيابه
وآنيته ومس جسده الشريف ، إلى غير ذلك من آثاره
الشريفة
التي رواها الأخيار عن الأخيار . فصار التبرك بها سنة
الصحابة واقتدى آثارهم من نهج نهجهم من التابعين
والصالحين .
قال ابن هشام في الفصل الذي عقده لصلح
الحديبية : إن قريشا بعثت عروة بن مسعود الثقفي إلى
رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فجلس بين يديه
وبعد ما وقف على نية الرسول من خروجه إلى مكة رجع
إلى قومه وأخبرهم بما دار بينه وبين الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم ، ثم قال : إن محمدا لا يتوضأ إلا
وابتدر أصحابه بماء وضوئه ، ولا يسقط من شعره شئ إلا
أخذوه ، ثم قال : يا معشر قريش لقد رأيت كسرى في ملكه
، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، وإني والله ما
رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت
قوما لا يسلمونه لشئ أبدا فروا رأيكم .
( 1 )
وقد ألف
غير واحد من علماء الإسلام ما قام به الصحابة من
التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم نذكر
عناوينها : التبرك بتحنيك الأطفال . التبرك بالمسح
والمس . التبرك بفضل وضوئه وغسله . التبرك بسؤر شرابه
وطعامه .
| |
1 . السيرة النبوية : ابن هشام : 2 /
314 ، صلح الحديبية . |
|
|
إن تبرك الصحابة لم يقتصر على ذلك بل كانوا يتبركون
بماء أدخل فيه يده المباركة ، وبماء من الآنية التي
شرب منها ، وبشعره ، وعرقه ، وظفره ، والقدح الذي شرب
منه ، وموضع فمه ، ومنبره ، والدنانير التي أعطاها ،
وقبره وجرت عادتهم على التبرك به ، ووضع الخد عليه
والبكاء عنده .
وقد ألف المحقق العلامة محمد طاهر بن
عبد القادر كتابا باسم " تبرك الصحابة " ، وهو من
علماء مكة المكرمة قال فيه : أجمعت صحابة النبي " صلى
الله عليه وآله وسلم " على التبرك بآثار رسول الله
والاهتمام في جمعها وهم الهداة المهديون والقدوة
الصالحون فيتبركون بشعره وبفضل وضوئه وعرقه وثيابه
وآنيته وبمس جسده الشريف ، وبغير ذلك مما عرف من آثاره
الشريفة التي صحت به الأخبار عن الأخيار .
وقد وقع
التبرك ببعض آثاره في عهده وأقره ولم ينكر عليه ، فدل
ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته ، ولو لم يكن مشروعا
لنهى عنه وحذر منه .
وكما تدل الأخبار الصحيحة وإجماع
الصحابة على مشروعيته تدل على قوة إيمان المتبركين
وشدة محبتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الأعظم " صلى
الله عليه وآله وسلم " كقول الشاعر :
أمر على الديار
ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار
شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا
( 1 )
|