- سيرتنا وسنتنا - الشيخ الأميني  ص 60 :

 - 3 -
مأتم رأس السنة
 

لعل تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات ، والجري على مواسم النهضات الدينية أو الشعبية العامة ، والحوادث العالمية الاجتماعية ، وما يقع من الطوارق المهمة في الطوائف والإحياء بعد

سنيها ، واتخاذ رأس كل سنة بتلكم المناسبات أعيادا وأفراحا ، أو مأتما وأحزانا ، وإقامة الحفل السار ، أو التأبين ، من الشعائر المطردة، والعادات الجارية منذ القدم، دعمتها الطبيعة

البشرية ، وأيدتها الفكرة الصالحة لدى الأمم الغابرة عند كل ملة ونحلة قبل الجاهلية وبعدها وهلم جرا حتى اليوم .


هذه مواسم اليهود والنصارى والعرب في أمسها ويومها ، وفي الإسلام وقبله ، سجلها التاريخ في صفحاته . وكأن هذه السنة نزعة إنسانية تنبعث من عوامل الحب والعاطفة ، وتسقى من

منابع الحياة ، وتتفرع على أصول التبجيل والتجليل والتقدير والإعجاب لرجال الدين والدنيا ، وأفذاذ الملأ وعظماء الأمة ، إحياء لذكرهم وتخليدا لاسمهم ، وفيها فوائد تاريخية اجتماعية ،

ودروس أخلاقية ضافية راقية لمستقبل الأجيال ، وعظات وعبر ، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب ، ولا تخص بجيل دون جيل ولا بفئة دون

أخرى . وإنما الأيام تقتبس نورا وازدهارا وتتوسم بالكرامة والعظمة . وتكتسب سعدا ونحسا ، وتتخذ صبغة مما وقع فيها من الحوادث الهامة ، وقوارع الدهر ونوازله ، ولا ينبئنا التاريخ قط يوما أجل وأعظم

- ص 61 -

وأدهى حادثة من يوم الحسين السبط المفدى ، ويوم نهضته المباركة التي يعتز بها كل مسلم غيور أبي شريف ، وفيها دروس عالية تعتبر صفا نهائيا من الحكمة العملية في مدرسة

التوحيد والتعبد ، كما تعد أبهى صورة جلية ناصعة كاملة من ترسيم الآباء والشمم والتفاني دون الله ، وعملا مثبتا في كسح عراقيل العيث والفساد عن مسير الإنسان السامي الصحيح ،

والتحاشي والتنزه والتباعد عن الرذائل والدنايا ، وأصلا مبرما في كسر شوكة المعتدين ونكس أعلام الشرك والنفاق ، ودحض عادية الجور والظلم ، وانقاذ البشر عن أسارة الهوى السائد ،

وإعلاء كلمة التوحيد ، كلمة الحق والصدق ، كلمة الحياة السعيدة ، والإنسانية السامية ، ( تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ) .


فأحق يوم يبقى ذكره في التاريخ زاهرا غضا طريا دائما أبد الدهر خالدا مدى الدنيا لأمة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو يوم الحسين بضعة رسول الله سيد الأنبياء ، وقطعة

لحمه ودمه ، وفلذة كبده ، وقرة عينه وريحانته من الدنيا ، وهو يوم الله الأكبر قبل كل أحد ، ويوم نبيه ، ويوم ضحيته وذبحه العظيم .


فلا بدع عندئذ أن نتلقى بحسن القبول ما ذكره أبو المؤيد الموفق الخوارزمي الحنفي المتوفى سنة 568 في كتابه السائر الدائر : مقتل الإمام السبط الشهيد ، ج 1 ص 163 من رواية :

ولما أتى على الحسين من ولادته سنة كاملة هبط على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اثنا عشر ملكا محمرة وجوههم قد نشروا أجنحتهم وهم يقولون : يا محمد سينزل بولدك الحسين

ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل ، قال : ولم يبق في السماء ملك إلا ونزل على النبي يعزيه بالحسين ويخبره بثواب ما يعطى،

ويعرض عليه تربته ، والنبي يقول : اللهم اخذل من خذله ، واقتل من قتله ، ولا تمتعه بما طلبه .
 

- ص 62 -

ولما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان خرج النبي في سفر فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك فقال : هذا جبريل يخبرني عن أرض

بشاطئ الفرات يقال لها : كربلاء يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة، فقيل : من يقتله يا رسول الله ؟ فقال : رجل يقال له يزيد ، لا بارك الله في نفسه، وكأني أنظر إلى منصرفه ومدفنه بها

وقد أهدي رأسه ، والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه - يعني ليس في قلبه ما يكون بلسانه من الشهادة - . قال : ثم رجع النبي من سفره

ذلك مغموما فصعد المنبر فخطب ووعظ والحسين بن يديه مع الحسن ، فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسين ورفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إني محمد عبدك

ونبيك وهذان أطائب عترتي وخيار ذريتي وأرومتي ومن أخلفهما بعدي . اللهم وقد أخبرني جبريل بأن ولدي هذا مقتول مخذول ، اللهم فبارك لي في قتله واجعله من سادات الشهداء إنك

على كل شئ قدير ، اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله . قال : فضج الناس في المسجد بالبكاء ، فقال النبي : أتبكون ولا تنصرونه ؟ ! اللهم فكن له أنت وليا وناصرا .


ثم ذكر عن ابن عباس خطبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد أوبته من سفره قبل وفاته بأيام ولعلها بعد رجوعه من حجة الوداع يقرب لفظها مما ذكرناه . وربما يظن ( وظن

الألمعي يقين ) أن تكرر المآتم التي أقامها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في بيوت أمهات المؤمنين - كما تسمع حديثها بعيد هذا - إنما كان على حلول الأعوام والسنين إما نظرا

إلى ميلاد الحسين السبط ( سلام الله عليه ) ، أو إلى يوم استشهد فيه ، أو إلى هذا وذاك معا ، سنة الله في الذين خلوا من قبل ، ولن تجد لسنة الله تحويلا .

 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب