بالتخريف ، وما أسهل نفي فكرة إذا كانت لا تلتقي مع مصلحة شخص
أو كان يجهلها . على أنني لا أصحح جميع ما أحاط بها من ذيول بل لا بد من
الاقتصار على ما تثبت صحته بالطرق المعتبرة ويجدر بالبعض أن يبتعد عن التهريج
الذي يصل ببعضهم إلى القول :
ما آن للسرداب أن يلد الذي * صيرتموه
بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفاء لأنكم * ثلثتموا العنقاء والغيلانا
إن هؤلاء
تسرعوا فقالوا بما لا يعرفون وإننا نقول لأمثال هؤلاء سلاما كما أمر القرآن
الكريم .
المردود الإيجابي في عقيدة المهدي بقي أن نعرف ما هي حصيلة
عقيدتنا بوجود المهدي فإن تقييم مثل هذه الأمور يصحح كثيرا من التصورات الخاطئة
عن أمثال هذه العقائد خصوصا إذا عرفنا أن العقائد فواعل بالنفوس .
1 - المردود الأول : فأول المردودات الإيجابية
بهذه العقيدة حصول الامتثال لأمر الله تعالى بهذه العقيدة ككل العقائد ، فإن
المفروض أن النصوص تحتم الإيمان بها كما ذكرنا آراء العلماء بذلك .
2 - المردود الثاني : الشعور بقيام الحجة على
العباد لله تعالى بوجود الإمام إذ لو حصلت الكفاية بغيره لما حصل الخلاف بين
المسلمين ، فإن قيل إن الخلاف حاصل بالفعل قيل : إن ذلك ناتج من عدم الالتزام
بإمامته ، بالإضافة إلى الشعور بالتسديد في آراء العلماء لوجود الإمام بين
أظهرهم وإن لم يعرفوه .
3 - المردود الثالث : في وجود
المهدي لطف يقرب العباد إلى الله تعالى لشعورهم بأن الله تعالى يهيئ لإقامة
العدل ورفع الظلم ، فإن قيل إن رفع الظلم يجب أن يحدث بالأسباب الطبيعية من قبل
الناس : قيل إن ذلك صحيح ولكن إذا تهاونوا بذلك فلا بد أن يدافع الله تعالى عن الذين آمنوا ، فإن قيل إن ذلك
يحصل بالآخرة ، قيل إن مثل ذلك كمثل إقامة الحدود في الدنيا مع أن المجرم لا
يترك بالآخرة ، هذه بعض الفوائد في موضوع الإمام المهدي وليست هي علة تامة بل
حكمة ونحن نتعبد بما ورد في النصوص ، وهناك فوائد أخرى ذكرتها المطولات وغطت
أبعاد المسألة يمكن الرجوع إليها .
المردود السلبي في عقيدة المهدي
1 - المردود الأول : إن أول
المردودات السلبية أن هذه الفكرة تشل الإنسان وتمنعه عن القيام بواجباته وتخدر
الإنسان وتتركه خائفا ذليلا بانتظار ظهور الإمام ليأخذ له بحقه ، وقد صور بعضهم
شدة لهفة الشيعة لانتظار ظهور الإمام بأن قسما من الشيعة لا يصلون مخافة أن يخرج الإمام وهم مشغولون بالصلاة
فلا يستطيعون اللحاق به ( 1 ) وهذا التصور مردود
جملة وتفصيلا فلا أحتاج إلى إكثار القول فيه بل ألفت النظر إلى كتب فقه
الإمامية فإن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الدفاع عن النفس قائم بالفعل ولا يرتبط بالمهدي
من قريب أو بعيد ومن ادعى خلاف ذلك فليدلنا على المصدر ، أما الدعاوى الفارغة
والقول البذئ فمردود على القائل وهو به أولى ، ومن قفا مؤمنا بما ليس فيه حسبه
الله تعالى في ردغة الخبال ، كما يقول الحديث النبوي الشريف ( 2 ) .
| |
( 1 )
منهاج السنة لابن تيمية ج1 ص 29 .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي عند قوله
تعالى * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) * الخ . ( * ) |
|
|
2 - المردود الثاني : أن
الإيمان بفكرة المهدي يؤدي إلى الازدراء بالعقل لما في ذلك من مفارقات مثل طول
العمر غير المعتاد ، وغيبته من الأبصار ، وعدم وجود فائدة في إمام كهذا وغير
ذلك .
والجواب على ذلك بالاختصار : أن
الشيعة لا يجعلون بقاءه هذه المدة أمرا طبيعيا وإنما هو معجزة لأنهم يقولون لما
ثبت بالأدلة وجوده وغيبته والوعد بظهوره فلا بد والحالة هذه من الإيمان بذلك
بالإضافة لعدم خلو الزمان من إمام مفترض الطاعة ، وبناءا على أن وجوده معجزة ينقل حينئذ الكلام إلى المعجزات
ككل فأما أن تصدق أو تكذب وإذا كذبناها كذبنا الثابت في الإسلام أما أنه لا يرى
فليس بمعلوم بل يجوز أن يرى ولا يعرف ويستفاد بآرائه لأنه يشترك مع الناس
بالآراء ويلقي بالرأي الصحيح ، يبقى الكلام على عدم تعليل اختفائه ، وما أكثر
العقائد والأحكام التي لا نجد لها علة ونقول بمضمونها مثل رمي الجمرات في الحج
، والهرولة ، ومعاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية وأعداد ركعات الصلاة وهكذا .
فإنها كلها أحكام غير معللة بل معظم الأحكام هكذا ، وكذلك كثير من العقائد .
3 - المردود الثالث : الازدواجية التي تحصل من
وجود إمام تجب طاعته ولا يحكم وآخر يحكم ولا تجب طاعته ، والجواب أن فقهاء
الإمامية بالجملة في حال غيبة الإمام يقرون حكومة الحاكم العادل الذي يرعى
مصالح المسلمين ويحمي ثغورهم ويجاهد عدوهم ويرتبون المشروعية على تصرفاته
بالجملة .
أما بعد فهذه إلمامة موجزة بفكرة الإمام المهدي أردت أن أذكر من يكتبون عنها
فيصورون الشيعة كأنهم اقتبسوا أحكامهم من كسرى وقيصر مع وفرة ما أوردناه من
أحاديث حول فكرة المهدي فهل يسع مسلما يؤمن بالله نكرانها أو رميها بعيدا عن الإسلام ، اللهم إلا أن يقال إن أحاديث المهدي دسها الشيعة في
كتب السنة كما قيل ذلك في موارد أخر فإن بعضهم إذا لزمته الحجة بحديث قال ذلك ،