وأنا أجيبك أنه لا ينتقدهم إذا كانوا غير شيعة وهو ما وقع
بالفعل لأنهم قالوا بهذه الأمور التي نقد بها الشيعة وسأوقفك على قولهم فيما
يلي :
1 - فالأمر الأول : الذي نقد
به الشيعة القول بالعصمة ولا أحتاج أن أكرر ما سبق أن ذكرته ودللت عليه من قول
كثير من السنة بالعصمة إن لم يكن كلهم ومع ذلك لم يعرض لهم يحيى فرغل بالنقد ،
على أن يحيى فرغل أهون من غيره في هذا الباب ، ذلك أن غيره كان أكثر منه عنفا وتهجما خذ مثلا :
الدكتور نبيه حجاب أستاذ الأدب - لو كان هناك أدب - في دار العلوم بالقاهرة ،
إن هذا الرجل يشتم الشيعة شتما عجيبا ويعتبر عقيدتهم بالعصمة مظهرا من مظاهر
الشعوبية فاسمعه يقول : إن هذه العقيدة تسربت للشيعة عن الفرس الذين نشأوا على تقديس
الحاكم لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية - ولا أعرف أحدا من العرب قال
ذلك في حدود اطلاعي - ولعل غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى
تنزيه علي ع عن الخطأ حتى يتضح للملأ عدوان بني أمية في اغتصاب الخلافة
هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب التي تسربت إلى الشيعة
( 1 ) أسمعت هذه الأنشودة التي يتناقلها الخلف عن السلف بصورة بلهاء وقد
فندنا لك هذا الزعم فيما مضى من مبحث فارسية التشيع .
لكن الذي أريد السؤال عنه ما هو الخطأ في سلوك الإمام علي ( ع
) في نظر نبيه حجاب هل هو الحروب التي قام بها من أجل مبادئ مما أدى إلى عدم
الاستقرار في الوقت الذي لم يستقر فيه وضع الأمويين إلى على الجماجم وعلى كل
حال لا يضر عليا أن يخطئه نبيه حجاب بعد أن قال فيه الرسول علي مع
الحق والحق مع علي .
ومن الطبيعي جدا أن يكون علي في جانب مع من هو من معدنه
ونبيه حجاب ومن هم من معدنه في الجانب المقابل .
| |
( 1 )
مظاهر الشعوبية في الأدب العربي ص 492 . ( *
) |
|
|
2 -
الأمر الثاني : الذي
استنكره فرغل هو كون النبي ( ص ) وأهل بيته من نور واحد ، ولا أدري ما هو وجه
الاستغراب بعد أن أثبت الشيعة ذلك من مصادره الصحيحة هل لأن ذلك لم يصادف هوى
في نفوس من لا يوالون أهل البيت أم ماذا ؟ ثم لماذا إذا وجد مثل هذا عند السنة
لا يكون داعيا للاستغراب : هذا الذهبي يروي في ميزان الاعتدال حديثا عن طريق
أبي هريرة عن النبي ( ص ) أنه قال : خلقني الله من نور وخلق أبا بكر من نوري
وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق عثمان من نور عمر وعمر سراج أهل الجنة ( 1 ) ولا
أدري لماذا جاء النور إلى حد عثمان ولم يصل إلى علي مع أنه على الأقل خليفة
رابع ، لك الله يا ابن أبي طالب ، وما أدري ماذا يقول الأستاذ فرغل هل هذا غلو
أم لا أفتونا يرحمكم الله ، هذا مع أنه من الطبيعي وحدة السنخية بين الإنسان
وأهله ، وآل محمد عدل الكتاب وعيبة علم النبي فلماذا يستكثر عليهم الأستاذ فرغل
ما لا يستكثره على غيرهم .
3 - الأمر الثالث : الذي استنكره الأستاذ فرغل
هو علم أهل البيت بالشريعة والعلوم القرآنية وعلوم السنة الشريفة وأن يكونوا
محدثين ، وهنا يقال إن علم أهل البيت أما أن يكون بالطرق العادية كالتلقي
والمدارسة ، أو يكون من قبيل الإلهام وأنهم محدثون ، أم الطريق الأول فهو محقق لأهل البيت لأنهم نشأوا في
بيت محمد ( ص ) وتربوا في حجره وأخذوا العلوم من هذه البيئة وهذا أمر لا غبار
عليه ، أما العلم بالطريقة الثانية وهو الإلهام والتحديث كما تذهب إليه
الروايات فالمسلمون كلهم يقرون بذلك وسأذكر جملة من نصوصهم في إمكان مثل هذا العلم :
يقول الآلوسي في تفسيره روح المعاني عند تفسير الآية 65 من سورة النحل : وهي
قوله تعالى : * ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا
اللَّهُ ) * عقب عليها فقال : لعل الحق أن يقال إن علم
الغيب عن غيره جل وعلا هو ما كان للشخص بذاته أي بلا واسطة في ثبوته له ، وما
وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شئ وإنما هو من الواجب عز وجل إفاضة منه
عليهم بوجه من الوجوه ، فلا يقال إنهم علموا بالغيب بذلك المعنى فإنه كفر بل
يقال إنهم اظهروا واطلعوا على الغيب ( 1 ) .
وما قاله الآلوسي هو عين ما ورد عن أئمة أهل البيت : يقول الإمام الرضا ثامن
أئمة أهل البيت : " يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا
نعلم " وهذا المعنى هو عين مفاد الآية : 27 من سورة
الجن وهي قوله تعالى : * (
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا
* إِلَّا مَنِ
ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ) * وفي شرح هذه الآية يقول
الرضا لعمرو بن هداب وقد سأله عن علم الأئمة قال : " إن رسول الله ( ص ) هو المرتضى عند الله ونحن ورثة ذلك
الرسول الذي أطلعه الله على غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة " ( 2 )
وفي هذا المعنى يقول النيسابوري المفسر : إن امتناع الكرامة عن الأولياء إما
لأن الله ليس أهلا لأن يعطي المؤمن ما يريد ، وإما لأن المؤمن ليس أهلا لذلك
وكل منهما بعيد فإن توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب منه تعالى لعبده
فإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى - .
وقد ألقى
الإمام الصادق ( ع ) الضوء على بعض العلوم التي أخذوها من القرآن بالطرق
الطبيعية وذلك عندما سأله بعض أصحابه ، فقال الصادق : " إني أعلم ما في
السماوات والأرض وأعلم ما في الجنة والنار وأعلم ما كان وما يكون " فلما رأى أن السائل
استغرب كلامه قال الإمام : " إني علمت ذلك من كتاب الله عز وجل الذي يقول : *
( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) * الآية 89 / من سورة النحل " وقد روى ذلك
عنه وعن
| |
( 1 ) روح المعاني
ج20 ص 9 . |
( 2 )
البحار للمجلسي ج21
ص 22 . ( * ) |
|
|
نظرية تلقي أهل البيت للعلم المقرم في فصل كبير ( 1 ) .