المدينة ، فكيف يترك أمر هذه الأمة من بعده سدى ويعرضها إلى
الفتن دون أن يوصي أو يرشح للأمر شخصا من بعده ،
وبما أن هذه المسألة قد أشبعتها أقلام الباحثين من مختلف الفرق الإسلامية فلا
أريد العودة إلى ما دار حولها ، وكل ما يعنيني هنا أن أبين أن مسألة الوصية مصدرها القرآن والسنة ، أما
القرآن فقد أشرك عليا بالولاية العامة وجعل إمامته امتدادا للنبوة حين تختم
النبوة بموت الرسول فقال تعالى : * ( إِنَّمَا
وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * وقد ذكرنا نزول هذه الآية في علي ( ع ) وما يترتب عليها من لوازم في
مكان آخر من هذا الكتاب ، وأما السنة الشريفة فإن الروايات المعتبرة متظافرة
بأن رسول الله ( ص ) نص على علي بالوصية في أكثر من مورد ، ومن تلك الموارد :
لما نزل عليه قوله تعالى : * ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِينَ )
* الشعراء / 214 ، فجمع أقاربه وعددهم أربعون على
فخذ شاة وطلب منهم أن يؤازروه على الدعوة فلم يقم إليه إلا علي فأخذ برقبته
وقال : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا (
1 ) .
فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك
وتطيع .
هذا وقد ذكر ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة فصلا ممتعا في موضوع
وصاية الإمام علي ( ع ) للنبي وأشبع الموضوع وبوسع القارئ الرجوع إليه ، وها
أنت قد سمعت أن الوصية جاءت على لسان النبي ( ص ) لفظا ومعنى ومع ذلك ترى هؤلاء يقولون إن موضوع الوصية اخترعه عبد الله بن سبأ
وستسمع لو قلت لهم إن الوصية لها مصادرها من السنة : من يقول لك هذه أحاديث
دسها الشيعة على لسان السنة .
2 - العصمة :
موضوع العصمة موضوع مهم في الفكر الشيعي خاصة والإسلامي عامة
| |
( 1 ) أنظر
تاريخ الطبري ج2 ص 216 ، وتاريخ
ابن الأثير ج2 ص 28 ، وتفسير الدر المنثور
للسيوطي ج45 ص 97 طبعة أوفست . ( * ) |
|
|
وسأضطر للإطالة فيه لأنه يرتبط بأمور هامة لا بد من التعريف
عليها .
فالعصمة لغة هي المنع ومنه قوله تعالى : *
(
سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء
) * سورة هود / 43 . أما في الاصطلاح
الكلامي فالعصمة : لطف يفعله الله تعالى بالمكلف لا يكون معه داع إلى ترك
الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك ( 1 ) .
وواضح من هذا التعريف أن العصمة لا إلجاء فيها وإنما هي مجدد مدد من الله تعالى
واستعداد من العبد ، فهي أشبه شئ بأستاذ يقبل على تلميذه لأنه وجد عند التلميذ
استعدادا أكثر من غيره لتلقي العلم .
وقد أجمعت الأمة الإسلامية على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيما يبلغونه عن الله تعالى واختلفوا
بعد ذلك في صدور ما ينافي العصمة منهم على سبيل السهو أو النسيان سواء كانت
أدلتهم في ذلك سمعية أو عقلية ، على صدور أو عدم صدور ما ينافي العصمة ذهب بعض
أئمة السنة إلى جواز وقوع كل ذنب منهم صغيرا كان أو كبيرا حتى الكفر
وبوسع القارئ الرجوع إلى آراء الباقلاني والرازي والغزالي مفصلا في
نظرية الإمامة ( 2 )
بينما البعض الآخر فصل في ذلك ولم بصل إلى هذا الحد في تجريدهم من العصمة .
أما الشيعة فقد ذهبوا إلى عصمة الأنبياء مطلقا قبل البعثة وبعدها
( 3 ) وقد ساقوا لذلك أدلة كثيرة .
وقد تعرض
الفخر الرازي في كتابه عصمة الأنبياء وكذلك الشيخ
المجلسي في البحار مفصلا لذلك والذي يهمني هنا
عصمة الأئمة لأنها موضع البحث ، إن عصمة الأئمة أمر مفروغ منه عند الشيعة وقد أثبتها
الشيعة للإمام بأدلة من العقل والنقل أقتصر على ذكر بعضها وبوسع طالب المزيد أن
يرجع إلى الكتب والبحوث المطولة في ذلك .