- هوية التشيع - الدكتور الشيخ أحمد الوائلي ص 129

الفصل الثاني : عبد الله بن سبأ

بالرغم من وفرة المصادر عن الشيعة وبالرغم من خطورة موضوع الكتابة عن العقائد ، وبالرغم من الواقع المجسد للشيعة من مؤسسات دينية وفعاليات عقائدية ومساجد تردد كلمة التوحيد ليل نهار برغم ذلك كله فإننا ما زلنا نرى من يكتب عن الشيعة يترك هذا الواقع القائم وراء ظهره ويولي وجهه شطر كتابات صدرت من قوم كتبوا ومن خلفهم دوافع غير سليمة لمختلف الأسباب فبدلا من أن يعودوا إلى مؤلفات الشيعة أنفسهم رأيناهم يرجعون إلى أقوال صاغها الوهم وافترضها الحقد وخلقتها الخصومة وقد يكون الجهل أحد عوامل وجودها .

ومما افترضه هؤلاء الكتاب بأن عقائد الشيعة الأساسية وضعها يهودي حاقد اندس في صفوف المسلمين اسمه عبد الله بن سبأ .

وهذا العبد المفترض موضوعه طريف جدا ، فقد صنعه قوم واخترعوه اختراعا وأعطوه من الصفات والنعوت ما هو من المعجزات وصنعوا له من القابليات ما لا يمكن نسبته إلا إلى عفاريت الأساطير ومردة الجن وما تعجز عن تحقيقه أمة قوية فضلا عن فرد وإن مثل هذا الكلام يجسد فجيعتنا بعقولنا قيل أن يجسد هذه الخرافات في تاريخنا وسنرى من الذي حاك عبد الله بن سبأ ، ومن هو ، وما الذي عمله ، ولماذا تربط الشيعة به .

- ص 130 -

من الذي حاك عبد الله بن سبأ إن الذي يريد التعرف على مصدر ولادة عبد الله بن سبأ سيجد أنه ولد من روايات الطبري وروايات الطبري تستند في هذا الموضوع على ركيزتين هما :
 أ - الركيزة الأولى : سيف بن عمر وتقول عنه كتب التراجم ما يلي بالحرف الواحد .
يقول ابن حبان كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات وقالوا إنه كان يضع الحديث واتهم بالزندقة ، كما يقول عنه الحاكم النيسابوري اتهم سيف بالزندقة وهو بالرواية ساقط .
ويقول عنه ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها .
ويقول عنه ابن معين ضعيف الحديث فليس فيه خير .
وقال ابن حاتم متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي .
وقال عنه أبو داود صاحب السنن ليس بشئ .
وقال عنه النسائي صاحب السنن : ضعيف .
وقال عنه السيوطي إنه وضاع  .
وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه : سيف بن عمر متروك اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعا ( 1 ) .

 ب - الركيزة الثانية : السري بن يحيى كما يسميه الطبري ، وهو ليس بالسري بن يحيى الثقة ، لأن السري بن يحيى الثقة يكون زمانه أقدم من الطبري فقد توفي سنة 167 ه‍ .

في حين ولد الطبري سنة 224 ، فالفرق بينهما سبعة وخمسون عاما ، ولا يوجد عند الرواة سري بن يحيى غيره ، ولذلك يفترض أهل الجرح والتعديل أن السري الذي يروي عنه الطبري يجب أن يكون واحدا من اثنين : كل منهما

 

( 1 ) تهذيب التهذيب لابن حجر ج4 ص 295 ، والغدير للأميني ج8 ص 68 . ( * )

 
 

- ص 131 -

كذاب وهما : السري بن إسماعيل الهمداني الكوفي وهو أولهما ، وثانيهما السري ابن عاصم الهمداني نزيل بغداد المتوفى سنة 258 ، والذي أدرك ابن جرير الطبري وعاصره أكثر من ثلاثين عاما .

وكل من هذين قد كذبه أهل الحديث واتهموه بالوضع فقد كذبهما صاحب تهذيب التهذيب ، وصاحب ميزان الاعتدال ، وصاحب تذكرة الموضوعات ، وصاحب لسان الميزان ، وغيرهم واتهموا كل واحد منهم بالوضع وبوسع القارئ مراجعة المصادر التي ذكرتها في ترجمة المذكورين ( 1 )

وقد ذكر النقاد للطبري سبعمائة حديث وحديثا واحدا ، وهذه الأحاديث تغطي زمن الخلفاء الثلاثة وأسانيد هذه الروايات كلها عن السري الكذاب ، وعن شعيب المجهول وعن سيف الوضاع المتهم بالزندقة .

ومن تلك الروايات رواياته في أحوال عبد الله بن سبأ وسنده عن شعيب وعن سيف بن عمر ، وكل من كتب عن عبد الله بن سبأ فهو عيال عن الطبري وعنه أخذ وإليه استند ( 2 ) ومن ذلك تعرف مقدار ما في موضوع عبد الله بن سبأ من وثاقة وصدق وفي رأيي أن من العبث أن نلفت أنظار هؤلاء الذين يصرون على وجوده وما قام به من أعمال لأنهم يوجدونه حتى لو لم يكن موجودا وذلك لأمور في نفوسهم .

 1 - من هو عبد الله بن سبأ : للتعرف على هوية عبد الله بن سبأ سوف أبدا بالمنبع الأساس وهو تاريخ الطبري وأعقبه بباقي المصادر عنه ، وسأنقل قول الطبري من خلال ما نقله أبو زهرة ، قال : كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم أيام عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام ، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فقال لهم فيما يقول : العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا

 

( 1 ) لسان الميزان ج3 ص 12 ، والغدير للأميني ج8 ص 143 .

( 2 ) أنظر الغدير للأميني ج9 ص 218 . ( * )  
 

- ص 132 -

يرجع وقد قال الله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) * القصص / 85 .
ثم أن محمدا أحق بالرجعة من عيسى ، ثم قال بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وعلي وصي محمد ، ومحمد خاتم النبيين وعلى خاتم الأوصياء ( 1 ) .

وهنا نقاط ذكرها أريد أن أؤكد عليها للمقارنة مع غيرها وهي : أولا أنه ابن السوداء وثانيا أنه من أهل صنعاء ، وثالثة أنه يؤكد رجوع النبي ( ص ) للدنيا ورابعا أنه ذكر أن عليا وصي النبي ، وخامسا أنه أسلم أيام عثمان ، وبعد ذلك نعود لأبي زهرة وفي نفس كتابه المذكور أي تاريخ المذاهب الإسلامية قال في مورد آخر : عبد الله بن سبأ كان يهوديا من أهل الحيرة ، أظهر الإسلام وأخذ ينشر بين الناس أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا وصي محمد ، وأن عليا أراد قتله ولكن نهاه عبد الله بن عباس فنفاه للمدائن بدل قتله ( 2 ) .

وبين هذين المقتطفتين الفروق التالية ألفت النظر إليها وهي : أنه في الأولى من أهل صنعاء ، وفي الثانية من أهل الحيرة ، وأنه في الأولى أسلم أيام عثمان وفي الثانية أظهر الإسلام ولم يحدد وقت إسلامه ، وأن الإمام أراد قتله كما ذكر في الثانية في حين لم يذكر ذلك في الأولى ، وأنه من المقتطفة الثانية قرأ فكرة الوصاية في التوراة في حين في الأولى لم يذكر مصدر فكرة الوصاية فلنحفظ هذا لنرى ما بين المقتطفات من فروق وخصائص قد تتضارب .

 2 - محمد فريد وجدي في دائرة المعارف ، قال : السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في الانتصار لعلي وزعم أنه كان نبيا ثم غلا فزعم أنه الله ودعا إلى ذلك قوما من أهل الكوفة فاتصل خبرهم بعلي فأمر بإحراق قوم منهم ، ثم خاف من إحراق الباقين أن ينتقض عليه قوم فنفى

 

( 1 ) تاريخ المذاهب الإسلامية ج1 ص 32 . 

( 2 ) تاريخ المذاهب الإسلامية ج1 ص 43 . ( * )  
 

- ص 133 -

ابن سبأ للمدائن ، فلما قتل علي زعم ابن سبأ أنه ليس المقتول عليا وإنما هو شيطان صور على صورته وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي ، وكان ابن السوداء في الأصل يهوديا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة ، فذكر لهم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا وصي محمد ( ص ) فلما سمعوا ذلك قالوا لعلي إنه من محبيك فرفع علي قدره وأجلسه تحت درجة منبره ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم بقتله فنهاه عبد الله بن عباس فنفاه إلى المدائن ( 1 )

وفي هذه المقتطفة : أنه من أهل الحيرة لا صنعاء ، وأنه ابن السوداء وأن الإمام عليا خدع به ، وأنه ادعى النبوة لعلي ، ثم ادعى له الألوهية وإلى هنا يمكن الجمع بين هذا الخلط العجيب ولكن كيف يمكن بعد ذلك أن نجمع بين كونه ينسب له الألوهية ثم يجعله وصيا لمحمد : أترك تقدير هذا إلى العقول الجبارة كمحمد فريد وجدي ونظائره ممن يقود خطى الجماهير في دروب الثقافة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، ولا تستعجل أيها القارئ فستسمع أمورا أخرى من المقتطفات القادمة تصطدم مع ما مر .

 3 - أحمد عطية الله ، قال حفظه الله : ابن سبأ رأس الفرقة السبائية من الشيعة وهو عبد الله بن سبأ كان من يهود صنعاء وأظهر إسلامه في خلافة عثمان يعرف بابن السوداء انتقل إلى المدينة وبث فيها أقوالا وآراء منافية لروح الإسلام ونابعة من يهوديته ومن معتقدات فارسية كانت شايعة في اليمن ، برز في صورة المنتصر لحق علي ، وادعى أن لكل نبي وصيا ، وأن عليا وصي محمد ، كما ادعى أن في علي جزءا إلهيا ، طاف بأنحاء العراق ناشرا دعوته فطرده عبد الله بن عامر من البصرة فنزل الكوفة وأوغر صدور الناس على عثمان ، وانتقل إلى دمشق في ولاية معاوية وفيها التقى بأبي ذر الغفاري وحرضه على الثورة مدعيا أنه ليس من حق الأغنياء أن يقتنوا مالا ، وأخرج من الشام فنزل مصر فالتف حوله الناقمون على عثمان وفيهم محمد بن أبي

 

( 1 ) دائرة معارف القرن العشرين ج5 ص 17 فصاعدا . ( * )

 
 

- ص 134 -

بكر وأبو حذيفة ، ووضع على لسان علي أقوالا لم يقلها كادعاء علم الغيب وبعد استشهاد علي قال إنه لم يقتل وسيرجع وبذلك وضع فكرة الرجعة بين الشيعة ( 1 ) .

وفي هذه المقتطفة التي رواها عطية الله أمور : منها : أن ابن سبأ جمع إلى عقائده اليهودية معتقدات أخرى فنقلها للتشيع ومنها الرجعة ولكن الرجعة هنا لعلي وليست لمحمد كما هي عند أبي زهرة ، ومنها أنه أعطى لعلي جزءا من الألوهية لا كلها ، حتى يمكن الجمع بين كونه جزء إله وبين كونه وصيا للنبي ( ص ) ، ومنها الكشف عن هذه الطاقات الهائلة عند ابن سبأ بحيث أن كل الثورات على عثمان ومعاوية كانت من فعله .

 4 - وبنفس هذا المضمون المتضارب كتب كل من أحمد أمين في فجر الإسلام ، ومحمد بن يحيى في التمهيد والبيان في مقتل عثمان والزركلي في الأعلام ( 2 ) .

ولا أريد أن أطيل عليك فإن كل خلف يأخذ عن سلفه بدون تمحيص مما أدى إلى هذا الخلط والاضطراب في الروايات فهو في هذه الأخبار تارة من أهل الحيرة وأخرى من أهل صنعاء ، وهو عند ابن حزم والشهرستاني وغيرهما ابن السوداء ، بينما يذهب ابن طاهر البغدادي في الفرق بين الفرق والأسفرايني في كتابه التبصير في الدين أن ابن السوداء شخص آخر ليس عبد الله بن سبأ ( 3 ) .

وهو في بعض هذه الروايات يدعي الرجعة للنبي ، وفي بعضها الآخر يدعي الرجعة لعلي وهو تارة يدعي بأن في علي جزءا من الألوهية وأخرى أنه إله كامل ، وفي هذه الروايات نجد عليا مرة يحرق الغلاة ولا يخاف ، وأخزى يخاف أن يحرق ابن السوداء مع أنه يهودي بسيط لا يأبه له أحد ، وهكذا نقع في هذا الخليط المضطرب ، وأهم هذه الأمور في نظرنا هو أنه مرة يكون داعيا لفضل علي

 

( 1 ) القاموس الإسلامي ج3 ص 222 .
( 2 ) أنظر فجر الإسلام ص 276 ، والتمهيد والبيان ص 96 ، والأعلام للزركلي ج4 ص 220 .
( 3 ) أنظر هامش منهاج السنة لابن تيمية ص 220 .

 
 

- ص 135 -

فقط وأخرى يكون محرضا على عثمان وواضعا لأهم عقائد الشيعة من وصية وعلم غيب للأئمة وقول بالرجعة ، وهذان الأمران هما روح الموضوع فإن من صنع فرية عبد الله بن سبأ رمى فيها عصفورين بحجر واحد وأراد هذين الأمرين :
الأول : أن عثمان قتل بتحريض من السبائية لا أنه صنع أشياء نقم فيها عليه المسلمون واشتركوا في قتله وفيهم صحابة النبي مما ذكره التاريخ مفصلا بل كل ما في الأمر أن يهوديا حاقدا حرك المسلمين فانساقوا معه بغباء وبدون تفكير حتى ارتكبوا هذه الجناية وقتلوا الخليفة بدون أن يصدر منه ذنب .

والثاني : أن عقائد الشيعة لا سند لها من الإسلام وإنما هي من هذا اليهودي العبقري عبد الله بن سبأ فالشيعة إذا يهود لا صلة لهم بالمسلمين .

وعلى كل حال إن هذا الاضطراب في الصورة المرسومة لعبد الله بن سبأ أيقظ الباحثين ودفعهم لإلقاء الضوء على هذه الشخصية الأسطورية فأصحروا بآرائهم وكسروا الطوق وأعلنوا للناس زيف هذه الفرية التي لا سبيل للجمع بين أبعادها وأجزائها ، وبدأ الواقع يتضح رويدا رويدا والأهداف من وراء أسطورة ابن سبأ كشفت عن وجهها وسأذكر لك آراء كثير من النقاد بعد أن أذكر ما عندي في هذه المسألة لنصل إلى صورة واضحة في هذا الموضوع . رأينا في عبد الله بن سبأ إننا نرى أن عبد الله بن سبأ شخصية وهمية مخترعة وندلل على وهميتها بالأمور التالية :
 1 - الإختلاف في أنه هو ابن السوداء أم لا مع أن الذي قام بكل المصائب هو ابن السوداء ، وابن طاهر والإسفرايني يقولان إن ابن السوداء شخص آخر شارك عبد الله بن سبأ بمقالته .

 2 - الإختلاف في وقت ظهوره فالطبري وجماعة يصرحون بأنه ظهر أيام عثمان بينما يذهب جماعة آخرون إلى أنه ظهر أيام علي ( ع ) أو بعد موته ومن هؤلاء

- ص 136 -

سعد بن عبد الله الأشعري في كتابه المقالات ( 1 ) وابن طاهر في الفرق بين الفرق ( 2 ) وغيرهما كثير .

 3 - الإضطراب في الروايات في أصل دعوته فبينما رأينا الطبري وجماعة معه يقولون إن دعوته اقتصرت على الغلو في علي والانتصار لحقه وكل ما يدور حول علي فقط نجد جماعة من المتأخرين يذهبون ومعهم أسانيدهم طبعا إلى أنه كان في كل بلد له دعوة خاصة ، يقول محب الدين الخطيب بأسانيده التي ذكرها : ومن دهاء ابن سبأ ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي ( ع ) وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة ، وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير ( 3 ) .

 4 - إن بعض الروايات ذكرت أنه كان مقتصرا على الإشادة بفضل علي ( ع ) فقط في حين ذهب آخرون إلى أنه كان يحرض على عثمان ويدس الدسائس وهو الذي دفع أبا ذر للثورة أما على معاوية أو على عثمان بروايات أخرى .

 5 - لم يعلل لنا واضعوا خرافة ابن سبأ لماذا سكت عنه عثمان وولاته مع أنهم ضربوا المعارضين بمنتهى الشدة والقسوة وهم من خيرة الصحابة كعمار وابن مسعود وغيرهم .

 6 - لماذا تخلو المصادر الصحيحة عن ذكر قصة ابن سبأ كالبلاذري وابن سعد وغيرهما ممن يعتد بتاريخهم .

 7 - إن رواية عبد الله بن سبأ رواها الوضاعون الكذابون كما أسلفنا فيما مر .

 8 - يساعد على أن الرواية موضوعة أنها ليست الوحيدة التي وضعت ضد الشيعة وإنما هي جزء من كل مما سنذكره لك فيما يأتي ونبرهن على كذبه . حتى تعرف أن قصة عبد الله بن سبأ خرجت من نفس المقلع ولنفس الهدف . والآن

 

( 1 ) المقالات والفرق ص 15 .
( 2 ) أنظر هامش منهاج السنة لابن تيمية ص 15 .

( 3 ) الإمام الصادق لأسد حيدر ج6 ص 237 . ( * )  
 

- ص 137 -

لنستعرض آراء النقاد والباحثين في هذه القصة لنصل إلى الحقيقة .

رأي طه حسين استعرض الدكتور طه حسين الصورة التي رسمت لابن سبأ ومزقها بعد تحليل دقيق وانتهى إلى أن ابن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة ودعم رأيه بالأمور التالية :
 أولا : إن كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا .

 ثانيا : إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنه وضاع .

 ثالثا : إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض : في منتهى البلاهة والسخف .

 رابعا : عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمار وغيرهم .

 خامسا : قصة الإحراق وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر .

 سادسا : عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان ، وقد انتهى طه حسين إلى القول : أن ابن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج ( 1 ) ويشترك مع طه حسين كثير من

 

( 1 ) طه حسين الفتنة الكبرى فصل ابن سبأ ( * ) .

 
 

- ص 138 -

المستشرقين في وهمية وجود عبد الله بن سبأ ومنهم : آراء المستشرقين

 1 - الدكتور برناد لويس : قال : ولكن التحقيق قد أظهر أن هذا استباق للحوادث وأنه - أي ابن سبأ - صورة مثل بها في الماضي وتخيلها محدثوا القرن الثاني للهجرة من أحوالهم وأفكارهم السائدة حينئذ .

 2 - فلهوزن : ذهب إلى أن المؤامرة والدعوة والفعاليات المنسوبة لابن سبأ من اختلاق المتأخرين ، وقد محص النصوص ودرس الموضوع وقام بتحليل دقيق .

 3 - فريدليندر : اشترك مع فلهوزن وانتهى لنفس النتيجة معه .

 4 - كايتاني شك في وجود عبد الله بن سبأ وقال عما ينسب له من أعمال ضخمة ومؤامرة مثل هذه بهذا التفكير وهذا التنظيم لا يمكن أن يتصورها العالم العربي المعروف عام خمسة وثلاثين بنظامه القائم على سلطان الأبوة ، إنها تعكس أحوال العصر العباسي الأول بجلاء ( 1 ) .

آراء إسلامية أخرى بابن سبأ

هناك آراء أخرى في عبد الله بن سبأ تتراوح بين وجوده وعدم صلته بالشيعة ، وبين عدم التصديق بما ينسب إليه لأنه من غير الممكن صدور تلك الأعمال من شخص عادي ، وبين نسبة هذه الأعمال لشخص آخر سمي بابن السوداء فلنستمع لهذه الآراء .

 أ - محمد كرد علي قال في خطط الشام : أما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن

 

( 1 ) أنظر آراء المستشرقين المذكورة في نظرية الإمامة لأحمد محمود ص 37 . ( * )

 
 

- ص 139 -

سبأ المعروف بابن السوداء فهو وهم وقلة بتحقيق مذهبهم ، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله ، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك علم مبلغ هذا القول من الصواب ( 1 ) .

 ب - الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الإمامة قال : وليس ما يمنع أن يستغل يهودي الأحداث التي جرت في عهد عثمان ليحدث فتنة وليزيدها اشتعالا وليؤلب الناس على عثمان ، بل أن ينادي بأفكار غريبة ، ولكن السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين ( 2 ) .

 ج‍ - الدكتوران علي الوردي وكامل الشيبي التقيا في الآتي : إن المقصود بابن السوداء عمار بن ياسر وقد رمزت له قريش بابن السوداء ولم تصرح باسمه لأن له ثقلا ومركزا بين الصحابة وكان على رأس الثائرين على عثمان ، فلم ترد قريش أن تضعه مقابل عثمان وبجانب علي لأنه يرجح كفة علي ويهبط بكفة عثمان فرمزوا له وسموه بابن السوداء لأن أمه أمة سوداء ولا وجود لابن سوداء غيره .

إن رأي الدكتورين يلتقي مع رأي الأسفرايني ، وابن طاهر البغدادي الذي أشرنا إليه فيما مضى عند ذكرنا لتعيين هوية ابن سبأ .

وبعد هذه الجولة من الآراء اتضح أنه لا وجود لابن سبأ لأن تسليمنا بوجوده يفضي إلى إلغاء عقولنا ، ولأن منهج البحث العلمي يأبى وجوده لأن مصادره مختلقة ، ولأن من خلقوا عبد الله بن سبأ خلقوا له أخوة من الادعاءات سنوقفك عليها قريبا وإن كانت ستهز مشاعرك وتدمر ثقتك بمن قد تعتبرهم من القمم في دنيا الإسلام ، ولأن الخوارق التي تنسب لابن سبأ لا يمكن تصديقها ، ولأن سكوت عثمان عنه عجيب مع أنه نفى أبا ذر للربذة مع أن أبا ذر من كبار

 

( 1 ) خطط الشام ج1 ص 251 .
( 2 ) نظرية الإمامة ص 37 ، وعاظ السلاطين ص 279 والصلة بين التصوف والتشيع ص 84 . ( * )

 
 

- ص 140 -

الصحابة لأن أبا ذر كان له رأي في البذخ في أموال المسلمين أيام عثمان ، فلماذا هذا الحلم عن ابن سبأ ، ولأن عليا وهو الخشن في ذات الله لماذا سكت عن ابن سبأ ولم يحرقه كغيره ، ولأن معاوية وهو الذي يقتل على التهمة والظنة كيف سكت عن ابن سبأ والحال هو الذي دفع بسر للغارة على خصومه وأدت الغارة إلى قتل ثلاثين ألفا من الناس ( 1 ) إن كل هذه الأمور تجعل حديث ابن سبأ حديث خرافة ، وإنما اختراع لما ذكرنا سابقا ليصنع منه مصدرا لعقائد الشيعة كلها كما جعله مصدرا لعقائد الشيعة كل من محيي الدين عبد الحميد في تعليقته على كتاب مقالات الإسلاميين وعلي سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي ( 2 ) وما كان كل من النشار ومحيي الدين عبد الحميد بالذي يجهل عقائد الشيعة أو لا يهتدي إلى مصادرها وبين أيديهما من المصادر ما ينهض بالمطلوب وأمام بصرهما من الممارسات العقائدية ما هو واضح في تجسيد عقائد الشيعة ومع ذلك كله كتبا عن الشيعة ما لا يجتمع وأمانة التاريخ وروح الإسلام ولا ينبغي أن يفت في عضد المصلحين أمثال هؤلاء ممن هم على أحسن الفروض أصداء بلهاء لغيرهم وإلا فعلامات الاستفهام موجودة إزاء ما كتباه ، في حين يؤكد الكتاب الموضوعيون أن حديث ابن سبأ خرافة .

يقول أحمد عباس الصالح : عبد الله بن سبأ رجل خرافي بغير شك فأنى هو من هذه الأحداث جميعا وساذج بغير شك الذي يتجه إلى خلق شخصية كهذا ليعطيها أثرا أي أثر فيما حدث من الأحداث إن كل ما حيك من قصص حول عبد الله بن سبأ من وضع المتأخرين فلا دليل على وجوده في المراجع ( 3 ) .

 

( 1 ) مروج الذهب للمسعودي ج3 ص 30 . ( 2 ) نشأة الفكر الفلسفي ص 28 . ( 3 ) مجلة الكاتب عدد آذار 1965 . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب