- الخدعة - صالح الورداني ص 189 :

القرآن لو لا إحراق المصاحف من قبل عثمان ما قامت لبني أمية قائمة


 

- ص 191 -

أوقفتني الكثير من النصوص القرآنية وحار فيها عقلي ولم أجد بين صفحات كتب التفسير ما يقضي على هذه الحيرة ويحقق لي الطمأنينة وعلى رأس هذه النصوص التي استوقفتني قوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

تطهيرا ) إذ وجدت هذا النص قد حشر وسط آيات خاصة بنساء النبي في سورة الأحزاب وهذا يعني التمويه على حقيقة أهل البيت ويدعم موقف أهل السنة الذي ينص على أن نساء النبي من أهل البيت . . وهو من جهة أخرى يثير الشك إذ أن القرآن

قد ذكر بعض نساء النبي بالذم في سورة التحريم وهذا يشير إلى أنهن لسن المقصودات بآية التطهير . وأن الآية تقصد فئة أخرى .

من هنا بدأت رحلة الشك في ترتيب القرآن وتدوينه والتي قام بها بعض الصحابة بهدف التمويه على مكانة آل البيت ( ع ) ودورهم .

وتبنى أهل السنة من بعد هذا القرآن على هذا النحو مما أتاح الفرصة للرجال ليفسروا آيات القرآن على هواهم خاصة تلك التي تتعلق بآل البيت ( ع ) . . من هنا كانت قراءاتي في تاريخ القرآن أحد العوامل التي أدت بي إلى الشك في الأطروحة السنية . فمن ثم أنا أقدم هنا خلاصة بحثي حول هذا الأمر . .



 - جمع القرآن :

كانت هناك عدة مصاحف منتشرة بين الصحابة منذ عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحتى عهد عثمان . ولم يكن أحد من الصحابة أو الخليفة الأول
 

- ص 192 -

والثاني قد أبدى أية اعتراضات على هذه المصاحف حتى جاء عثمان فأصدر أمره بحرق هذه المصاحف وإلزام الأمة بمصحفه . .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :

 لماذا أقدم عثمان على هذا العمل ؟ . .

 هل فعل هذا حسما للخلاف وحفاظا على وحدة الأمة ؟ . .

لو سلمنا بهذا فإن هذا يعني أن الخلاف كان واقعا من قبل عثمان . وأن أبا بكر أو عمر لم يتحرك أي منهما لحسمه . إلا أن الأمر على ما يبدو يشير إلى دلالات أخرى .
 

والمشهور عند القوم أن عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة للقرآن ومنع القراءات الأخرى . . لكن هذا التفسير لا يحسم القضية إذ أن القراءات السبع للقرآن وردت فيها أحاديث صحيحة عند القوم والجميع يلتزم بهذه القراءات إلى يومنا هذا .

فإذا كان عثمان قد منع القراءات الأخرى وألزم الأمة بقراءة واحدة . فلماذا بقيت هذه القراءات حتى اليوم ؟ وألا يعتبر عمله هذا مخالفا لقول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه ( 1 ) . .


وإذا كان الهدف من القراءات هو التيسير على الأمة . فما الذي يدعو إلى الخلاف في ذلك حتى يضطر عثمان إلى إلغاء القراءات ؟ . .

إلا أن هناك شبهة تثار حول مسألة القراءات وهي إذا كان الرسول قد أباح قراءة القرآن على أحرف مختلفة فإن هذا يبرر عدم وقوع الخلاف وما دام قد وقع الخلاف فإن هذا يؤكد على أن مسألة القراءات مسألة اجتهادية لا نص فيها . . والحق أن هناك طعنا واضحا في الأحاديث الواردة بشأن القراءات من حيث السند ومن حيث المتن .


وهناك خلاف واضح بين أهل التفسير حول القراءات : هل هي توقيفية ؟ أم اختيارية ؟ وهذا الخلاف يدل على عدم وجود نص فيها ( 2 ) . . ومن هنا يمكن القول أن مسألة القراءات لم تكن هي الدافع الذي أدى بعثمان إلى حرق المصاحف وإنما هناك سبب آخر .


لقد دفعت بي هذه الشبهة إلى العودة للوراء لدراسة عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر فقد دلت الروايات أن عمر هو الذي دفع بأبي بكر إلى جمع القرآن . .

 

* هامش *

 

 

( 1 ) أنظر البخاري كتاب فضائل القرآن . باب أنزل القرآن على سبعة أحرف .
( 2 )
أنظر فتح الباري شرح البخاري ( ج 9 / 23 ) وما بعدها .

 

- ص 193 -

يروي البخاري أن عمر قال لأبي بكر : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن . وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن . وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر : هذا والله خير . فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ( 3 ) . .

وهذه الرواية نخرج منها بالملاحظات التالية :

 - أن الرسول ترك الأمة والقرآن في صدور الرجال . .

 - أن القرآن مهدد بالضياع بسبب معركة اليمامة . .

 - أن أبا بكر لم يكن يعنيه هذا الأمر . .

 - أن عمر ذكره بأهميته وضرورته . .

 - أن أبا بكر احتج بأن الرسول لم يفعل ذلك . .

 - أن عمر أكثر من الالحاح عليه في هذا الأمر . .

ومثل هذه الملاحظات إنما تؤكد شيئا واحدا هو أن الرسول قصر في مهمته وترك القرآن مشتتا بين صدور الرجال مما يهدد بضياعه . وهذا يعني اتهام الرسول بالإهمال . .


لكن تقصي الروايات الواردة على لسان الرسول عن القرآن تكشف لنا أن القرآن كان موجودا ومجموعا في عهده وأن هناك عددا من مشاهير الصحابة كانوا من كتاب الوحي منهم الإمام علي وأن هناك الكثير من النصوص التي جاءت عن الرسول تحض الأمة على ضرورة التمسك بالقرآن والإكثار من قراءته والعناية به ( 4 ) . .


وإذا ما صح هذا التفسير فإن هذا يعني نفي شبهة التقصير والاهمال عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وظهور شبهة أخرى تتعلق بموقف أبي بكر وعمر من القرآن .


فإذا كان القرآن مجموعا وموجودا فلماذا أصر عمر على جمعه متحججا بوقعة اليمامة وملحا على ذلك ؟ . . إن عدم حماسة أبو بكر لهذا الأمر تدل على أن المراد بالجمع شئ آخر . فلو

 

* هامش *

 

 

( 3 ) البخاري كتاب فضائل القرآن . باب جمع القرآن .
( 4 )
من هذه النصوص قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( تعاهدوا القرآن ) . . وقوله : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
      وقوله لابن عمر : ( في كم تقرأ القرآن ) . . وقوله : ( اقرؤا القرآن ) . . أنظر البخاري . وتأمل حديث الثقلين : كتاب الله وعترتي .

 

- ص 194 -

كانت المسألة تتعلق بمستقبل الكتاب الذي ورثه الرسول ما تردد أبو بكر لحظة واحدة فهذه مسألة لا تحتاج إلى تردد كما لا تحتاج إلى تذكير من أحد فضلا عن الالحاح . إلا أن ما يبدو أن هذا الجمع كان وراءه هدف آخر . .


ولا يعقل أن يقوم أبو بكر بتكليف زيد بن ثابت بقوله : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله      ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتتبع القرآن فاجمعه . . فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى

وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره . . فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله . ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر ( 5 ) .


لا شك أن مثل هذه الطريقة في جمع القرآن تثير الشك من حوله وتدفع إلى القول بتحريفه وهي لا بد وأن ينتج عنها نسيان شئ من آياته أو تبديل آية مكان آية . فإنما المتصدي للجمع هو بشر . وقد دفعهم هذا إلى ضرورة وجود شاهدين لإثبات صحة الآية ( 6 ) . .


وبالتأمل في كيفية الجمع يمكن الخروج بالنتائج التالية :

 - أن متتبع القرآن هو زيد وحده . .

 - أن آيات القرآن كانت متفرقة بين العسب واللخاف وصدور الرجال . .

 - أن آخر سورة التوبة كانت في حوزة خزيمة وحده . .

 - أن القرآن بعد جمعه استقر عند أبي بكر ثم عمر ثم حفصة . .


وأمام هذه النتائج تطرح التساؤلات الآتية :

 هل يكفي زيد وحده للقيام بمهمة جمع القرآن ؟ .

 ولماذا لم يقم أبو بكر أو عمر بهذه المهمة ؟ .

 وما هو سر تواجد آخر آيات التوبة بحوزة خزيمة وحده ؟ .

 هل هذا يعني أن القرآن كانت توزع آياته على الصحابة بحيث تكون هناك آية عند صحابي لا توجد عند آخر ؟ .

 وأين ما حفظ أبو بكر وعمر من هذا القرآن ؟ .
 

 

* هامش *

 

 

( 5 ) أنظر البخاري كتاب فضائل القرآن . باب جمع القرآن .
( 6 )
كان أبو بكر وعثمان يستشهدان شاهدين على الآيات المختلف عليها في القرآن أنظر فتح الباري ( ج 9 ) كتاب فضائل القرآن .

 

- ص 195 -

 ولماذا احتفظ أبو بكر بالقرآن عنده بعد جمعه ولم ينشره في الأمة ؟ . .

 ولماذا سار عمر على نفس السياسة ؟ .

 وما قيمة أن يستقر المصحف في النهاية عند حفصة ؟ .

 ثم أين دور الإمام علي في كل هذا وقد كان من كتاب الوحي ؟ .

إن تبني هذه الرواية يعني أن الجمع لم يكن الهدف منه الحفاظ على القرآن ونشره بين المسلمين فذلك لم يحدث .

فالأمة لم تستفد من هذا الجهد الذي بذل في الجمع ولم تر هذا المصحف ومثل هذا الموقف كان من الممكن أن يدفع بالمسلمين من الصحابة وغيرهم إلى الثورة والصدام مع أبي بكر لاحتكاره القرآن بعد جمعه .


إلا أن شيئا من هذا لم يحدث . والسبب في ذلك واضح وضوح الشمس وهو أن القرآن كان موجودا أو مجموعا عند كثير من الصحابة . . إذن الفهم الوحيد الذي يمكن استنباطه من هذه الرواية هو أن الجمع الذي قام به أبو بكر كان جمعا خاصا به وبنهجه ولم يكن جمعا عاما للأمة . . وكان لا بد من هذا المدخل لفهم حقيقة الدور الذي لعبه عثمان تجاه القرآن . .


يروي فقهاء القوم أن عثمان لما أراد جمع القرآن أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ( 7 ) . .

وفي رواية : فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها حتى عاهدها ليردنها إليها ( 8 ) . .


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :

 لماذا أرسل عثمان يأخذ مصحف حفصة .

 هل هذا يعني أنه لا توجد مصاحف سواه بالمدينة ؟

 وإذا كان هو المصحف الوحيد فمن أين جاءت المصاحف الأخرى التي انتشرت في الأمصار ؟

 ولماذا رفضت حفصة أن تدفعه إليه إلا بميثاق ؟

إن وجود مصاحف الأمصار يدل على وجود مصاحف أخرى بالمدينة فهي التي خرجت منها المصاحف للأمصار .

وهذا يشير إلى أن الصحابة كانت لديهم مصاحفهم الخاصة بهم والتي أخذوها عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ) . . ومن هنا يتبين لنا أن هناك مصاحف أخرى غير المصحف الذي بحوزة حفصة .
 

 

* هامش *

 

 

( 7 ) المرجع السابق .
( 8 )
أنظر كتاب تاريخ القرآن للزنجاني وعبد الصبور شاهين وكتب تاريخ القرآن .

 

- ص 196 -

لم يتجه إليها عثمان واتجه إلى مصحف حفصة خاصة . . ثم لما أتم عثمان نسخ صورة من مصحف حفصة رد الصحف إليها وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخ رجاله وأمر بما سواه من القرآن في صحيفة أو مصحف أن يحرق ( 9 ) . .


وبهذا يكون ما أقدم عليه عثمان هو جمع الأمة على مصحف حفصة الذي قام بجمعه أبو بكر والتخلص من المصاحف الأخرى التي بحوزة الصحابة . .

وهنا يطرح سؤال :

ماذا كان من المصاحف الصحابة استفز عثمان ودفعه إلى إحراقها ؟

إن الإجابة على هذا السؤال تدعونا إلى استعراض مصاحف الصحابة .
 

 

* هامش *

 

 

( 9 ) أنظر فتح الباري ( ج 9 ) والمراجع السابقة .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب