|
|
|
|
بعد التشيع
بدأت رحلتي مع الشيعة في مصر بمنتصف الثمانينات بعد خروجي من المعتقل . وكان الجو وقتها مشحونا بالعداء ضد الشيعة وإيران . فقد كانت الحرب على أشدها بين العراق وإيران وكانت مصر قد ألقت بثقلها من خلف العراق وأطلقت أجهزة إعلامها على إيران وأعطت الضوء الأخضر لصحافتها لتقول في الشيعة وإيران ما تشاء .
وجه الخصوص ( 1 ) . . كانت العيون مفتوحة علينا من كل جانب وفي كل مكان . . عيون الحكومة ورجال الأمن . . وعيون الصحافة والإعلام . . وعيون بعض الدول وبالخصوص العراق . . وعيون أمريكا وإسرائيل . . كل هؤلاء كانوا يتربصون بالشيعة في مصر . وقد انتهى هذا التربص إلى توجيه عدة
ضربات متتالية لهذا التيار الناشئ من أجل إجهاضه والقضاء عليه
( 2 ) . . ولقد استمرت حملة العداء ضد الشيعة
وإيران طوال سنوات الحرب . حتى إذا
ما توقفت هذه الحرب توقفت معها هذه الحملة وكأنها كانت موقوتة
بها . ومنذ ذلك الحين بدأت الضغوط الأمنية على الشيعة المصريين في التلاشي . . - الشخصية المصرية كان من الضروري وأنا أتحدث عن مرحلة ما بعد التشيع أن ألقي الضوء على الشخصية المصرية وتركيبتها لأن هذه الشخصية قد ألقت بظلالها على التشيع حتى يمكن القول أن هناك تشيعا مصريا له معالمه الخاصة والمرتبطة بالمجتمع المصري . . لقد عانيت من الشخصية المصرية على مستوى التشيع كما عانيت منها على مستوى التسنن فهذه الشخصية لم يغيرها التشيع كما لم يغيرها التسنن . . إن الشخصية المصرية إنما تتلقى العقائد الوافدة عليها لتصيغها على مزاجها ووفق تركيبتها لا أن تصيغ مزاجها ومقوماتها وفق هذه العقائد .
المصرية السلفية أي الميل إلى الماضي وقد انعكس هذا المعلم بوضوح على الإسلام المصري حيث نرى نموذج التدين والالتزام يقوم على أساس تقمص شخصيات السلف والعيش بروحهم .
العوامل المساعدة على نسيان الواقع . ومع أن الخمر أقل تكلفة
وأرخص سعرا من المخدرات إلا أنها أقل انتشارا بين العامة والسبب في ذلك يعود
إلى التدين . فالمصريون لا يرون تناقضا
بين المخدرات والدين بينما يرون هذا التناقض بوضوح بينه وبين الخمر . .
لا يسافر إلا بعقد عمل يضمن له وظيفة هناك خارج مصر فهو لا يفكر مطلقا في المغامرة بالخروج دون عقد عمل أو الذهاب إلى بلد غير مشهود له برخاء العيش ويضمن له رزقه كبلاد أفريقيا مثلا .
الأصلي وكيف يعود إليه حاملا المال الوفير ليبني بيتا في قريته أو يشتري شقة في مدينة ثم يعود إلى عمله الذي كان عليه إن كان موظفا أو مدرسا أو عاملا . . ومن أخطر معالم الشخصية المصرية التسيب .
واعتقدوا أن بيدها كل شئ فمن ثم أسلموا لها أنفسهم في طواعية وانتظروا الخلاص على يديها . ولعل هذا يفسر سر تعلق المصريين بالعمل عند
الحكومة فهو مقدم عندهم على أي عمل آخر وإن كان أفضل وذلك لكون الحكومة مضمونة في نظرهم ورزقها ثابت أما الرزق من الأبواب الأخر فغير مضمون . . وتشكل عقيدة الرزق عند المصريين حجر الأساس في نظرتهم العامة للحياة .
يعنيهم فما يعنيهم فقط هو الرزق وما دام هو في متسع فليست هناك مشاكل والسادات حين قرر الاعتراف بإسرائيل ربط خطوته هذه بقضية الرزق وأعلن أمام الشعب أن الصلح مع إسرائيل سوف يحقق الرخاء للبلاد وكان هذا هو الدافع الكبير الذي دفع بالمصريين إلى التحالف معه في هذا الموقف ومباركته . . وما يبرر مثل هذه العقيدة - عقيدة الرزق واللامبالاة بالحاكم - هو أن الشعب المصري خليط من أجناس مختلفة ليس لها جذور ضاربة في مصر .
وأصبحت تتاجر بفريضة الحج عن طريق بيع التأشيرات التي تحصل عليها من السعودية لأداء فريضة الحج إلى شركات السياحة التي تقوم بدورها ببيعها للجمهور بأثمان باهظة تحت ما يسمى بالحج السياحي ( 3 ) . .
فنسبة ضئيلة فقط هي التي تمارس الصلاة اليومية بينما الغالبية العظمى منهم تداوم على صلاة الجمعة فقط . وجميعهم يحلم بأداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا أن تحقق هذا الحلم لديهم لا يغير من سلوكياتهم شيئا فالمعوج يظل معوجا . وتارك الصلاة يظل تاركها . . ويتكل المصريون على فريضة الحج وفريضة الصوم التي لا يتخلف عنها أحد اتكالا وذلك لاعتقادهم أن الحج والصوم يجب ما قبله من الآثام والموبقات فمن ثم هم يعتبرون صوم رمضان فرصة للتطهير من أوزار العام الماضي فيقبلون على الصلاة فيه ويكثرون من تلاوة القرآن ثم إذا انتهى الشهر عادوا إلى ما كانوا عليه . ويعتقد الحاج أيضا أنه بحجه قد غسل نفسه وطهرها وعاد كيوم ولدته أمه . . وحتى حب آل البيت الكامن في نفوس المصريين كان بتأثير الحكومات وهو وليد العهد الفاطمي على وجه الخصوص . وهو حب سطحي لا ينم عن ولاء حقيقي لآل البيت . ومثل هذا الحب هو الذي أدى لانتشار الطرق الصوفية بكثرة بين صفوف المصريين لتصبح التيار الإسلامي الرئيسي في مصر ( 4 ) . .
الإسلامية في إيران ليس بسبب أنهم يؤمنون بنهج التغيير الثوري
ولكن لأنهم يحلمون بتحقيق مثل هذه الثورة في واقعهم . وحتى هذا الحلم حاسبتهم
عليه الدولة ( 5 ) . .
ولقد كان لفكرة الإمام الغائب وقع كبير في نفوس المصريين إذ أن هذه الفكرة تنسجم مع ميولهم وتركيبتهم وحلمهم بالتغيير على يد غيرهم . ثم أن المهدي سوف يكون قوة خارقة مؤيدة من الله سبحانه وهذا يعني أن انتصاره أمر محتوم . فمعلم اللين والاتكالية والسلفية وجدوا له ما يبرره في التشيع . . ومثلما كان هناك اتجار بالدين على مستوى السنة . برز الاتجار بالدين على مستوى الشيعة أيضا . وقد فوجئت ببعض العناصر المنتسبة للتشيع تستثمر هذا التشيع في تحقيق مكاسب خاصة لنفسها . ومنذ التزامي بخط آل البيت أردت أن أكفر عن هذه السنوات . فمن ثم فقد آليت على نفسي ألا أترك أحدا ممن كنت أعرفه في الوسط الإسلامي من قبل إلا وأفقده الثقة في الأطروحة السنية . . من هنا فقد تجنبني القوم والتزموا تجاهي بسياسة القذف بالطوب من بعيد دون أن يحاولوا الاقتراب مني . قلة قليلة فقط التي تخلت عن هذه السياسة واحتكت بي ولما تكشفت أمامها الحقائق تبنت خط آل البيت . . وكنت قد استطعت بعون الله أن استقطب الكثير من العناصر لصف التشيع من مختلف التيارات الإسلامية العاملة في الوسط الإسلامي بمصر . . من تيار التكفير . . ومن تيار الجهاد . . ومن التيار السلفي . . ومن تيار الأخوان . . وكما كنت في الوسط السني ألعب دورا قياديا . فرض علي في الوسط الشيعي أن ألعب نفس الدور حيث أن حركة التشيع في بداية الثمانينات كانت لا تزال في طور النمو وفي حاجة إلى إبراز معالمها وشخصيتها . . كانت حركة التشيع في حاجة إلى الدعم الإعلامي لصد الحملات الضارية التي تشن عليها من جهة . وتوعية المؤمنين وتثبيتهم من جهة أخرى . . وبحكم خبرتي في الحقل الاعلامي حملت على كاهلي هذا
الدور واستطعنا بفضل الله أن نؤسس دار نشر صغيرة تحت اسم البداية وكان هذا في
أواخر
عام 1986 م وقد قامت هذه الدار على كاهلي بدعم من بعض الأخوة من الشيعة العرب الذين كانوا يقيمون بمصر وكان ظهور هذه الدار في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1987 ، بمثابة مفاجأة كبيرة للشيعة وخصومهم على السواء . . ولقد حوربت هذه الدار من التيار السلفي الوهابي الذي أصدر فيها عدة منشورات تحذيرية للإسلاميين من التعامل معها وضرورة مقاطعتها . . ومن أشهر هذه المنشورات كتيب صدر بعنوان : بداية الشر ونهج البربر . ويحوي داخله هجوما شخصيا علي ونقدا لاذعا ومغاليا لبعض مؤلفاتي التي كانت قد صدرت قبل تلك الفترة . ويحاول المنشور إقناع المسلمين أن إيران تقف وراء دار البداية مبرهنا على ذلك بأدلة واهية ساذجة . . ومثل هذه الحرب التي شنت على دار البداية من قبل التيار السلفي الوهابي إنما كانت علامة على نجاحنا . إلا أن الشئ الغريب والغير مبرر هو تلك الحرب التي شنت علينا من قبل بعض الشيعة الذين اعتبروا هذا النشاط الاعلامي بمثابة تهديد لحركة التشيع من شأنه أن يجعل القوى المتربصة بنا تعجل بضربنا وتجهض الدعوة في مهدها . . ولقد كنت أعتقد من منظور إعلامي أن دعوتنا في حاجة ماسة إلى أن تظل بارزة معلنة وذلك لعدة أسباب : الأول : أنه ليس هناك مبرر للتحفي وانتظار انفراج الأوضاع فهذا معناه أن تظل حركة التشيع مرهونة بأمر ظني . . الثاني : أن حركتنا لا
تتبنى تصورات معادية للواقع أو الحكم وأنه لا سبيل لإثبات صدق النوايا إلا
بالعمل الاعلامي الذي هو الثالث : أن الصدع الفكري في مواجهة الواقع لا يصح تأجيله وربطه بمرحلية التحرك إذ أن التصورات لا تخضع للمرحلية الرابع : أن مستقبل
الدعوة لا يجوز ارتهانه بفئة أو جماعة معينة . ومستقبل حركة التشيع في مصر ليس
مرهونا بنا حتى الخامس : أن المكاسب التي
تحققها الدعوات على مر الزمان إنما تكون عن
طريق العلن ومواجهة الواقع لا الانعزال عنه . . وهذا ما حدث بالفعل إذ أن المواجهة مع الواقع والحملة الإعلامية التي قمنا بها قد دفعت بخصومنا من التيارات الإسلامية المناهضة إلى إعلان الحرب علينا وهذا بدوره قد خلق رد فعل إعلامي كبير حقق دعاية للتشيع واسعة لم نكن لنستطيع القيام بها . . وكان كم الكتب والمقالات والخطب المنبرية الموجهة ضد الشيعة هي أكبر بكثير من حجمهم ووزنهم . ثم تحركت الحكومة فوجهت ضربتها للشيعة في عامين متتاليين ( 1988 - 1989 ) وتم حل دار البداية والقبض علينا واتهامنا بالعمل على قلب نظام الحكم لحساب إيران . إلا أن هذه القضية لم تخرج عن كونها قضية ورقية استهلاكية وسرعان ما أخلي سبيلنا بعد أن قدم لنا الخصوم أكبر هدية وهي شغل الرأي العام بحركتنا وتوسيع دائرة الدعاية لدعوتنا وهكذا خرجنا من هذه المحنة أكثر صلابة وأكبر رصيدا ولم نكن لنستطيع تحقيق ذلك لو لم ندفع هذا الثمن . وهذه هي سنة الدعوات . . إن الحقوق لا تستجدى والحريات لا تمنح وإنما تنتزع انتزاعا . وهذا ما آمنت به من خلال تجاربي وما يجب أن يؤمن به كل عاقل مجرب .
- تبديد الشبهات التي تحوم من حول الشيعة لدى الكثير من قطاعات المثقفين في مصر من التيارات الإسلامية وغيرها . . - توسيع رقعة التعاطف مع خط آل البيت . . - توسيع رقعة انتشار الكتاب الشيعي . . - استقطاب الكثير من العناصر الصفوف الشيعة . . - تغير نظرة الدولة وجهاز الأمن تجاه حركة الشيعة . . ومثل هذه النتائج لم تكن لتتحقق لو كنا ملتزمين بالسرية التي
سوف تجعلنا
نعيش في دائرة الشك وفقدان الثقة . . وبعد توقف دار البداية قمنا بتأسيس دار الهدف وهي لا تزال مستمرة حتى اليوم وتشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام . وتعد الواجهة الإعلامية للشيعة في مصر . . ويؤسفني أن أذكر أن بعض الشيعة قد تآمروا على هذه الدار وتسببوا في تجميد نشاطها فترة من الزمن في الوقت الذي لم تتعرض فيه الحكومة لهذه الدار منذ قيامها عام 1989 م وحتى اليوم . . ونظرا لكوني أقف في الواجهة أمام الحكومة وأمام التيارات الإسلامية والتيارات السياسية الأخرى . فقد وضعني جهاز الأمن تحت الرصد الدائم واعتبرني الرجل الأول عند الشيعة بل بالغ في الأمر واعتبرني رجل إيران في مصر وأنني أعمل لحساب المخابرات الإيرانية . .
استمرت أكثر من ثلاث سنوات . . وفقد استطعت بعون الله سبحانه أن أدخل في حوارات مع جهاز الأمن من أجل كسر حاجز الشك وتوضيح الرؤيا وإزالة الشبهات خاصة شبهة العلاقة بإيران .
وقد نتج عن هذه الحوارات أن تبنت هذه التيارات موقفا متعاطفا مع الشيعة وأقبلت على الكتب الشيعية وطالبتنا بمشاركتها الندوات واللقاءات الفكرية التي
تقيمها . . ولم تكن تلك الحوارات والمواجهات الفكرية مع التيارات الأخرى تنحصر في دائرة التعريف بالشيعة وتبديد الشبهات من حول أطروحتها وإنما تجاوز الحوار هذا الحد ليشمل الجمهورية الإسلامية ووقعها وسياستها . . إن الحديث عن الجمهورية إنما يفرض نفسه على الواقع المصري اليوم وفي الأوساط الثقافية خاصة .
مستوى العالم بأكمله . . ومن هنا فقد كان الحديث عن إيران يفرض نفسه على الحوارات المتعلقة بالشيعة . وقد أسهمنا بفضل الله في تبديد كثير من الشبهات والغموض الذي كان يكتنف تصور مثقفي مصر تجاه إيران ( 7 ) . .
في مصر تسير ببركة آل البيت فليس لديها من الإمكانيات ما يعينها على أداء هذا الدور الاعلامي الذي يتسع يوما بعد يوم في الواقع المصري . . ففضلا عن كونها لا تنطلق من قاعدة ثابتة وقيادة موحدة هي تفتقد الكتاب الشيعي الذي يزداد الطلب عليه والذي يعد مصدره الأساس معرض الكتاب الذي يقام سنويا فهو
المتنفس الوحيد للشيعة .
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||