- الخدعة - صالح الورداني ص 63 :

التأويل والتبرير


من خلال اطلاعاتي في كتب التراث كنت اكتشف الكثير من النصوص التي أفلتت من رقابة القوم وشكلت حرجا كبيرا للفقهاء وأصبحت نقطة ضعف في أطروحتهم . . إلا أن القوم لم يستسلموا لهذه النصوص وإنما حاصروها بتأويلاتهم التي حلت محل النص في النهاية وغطت عليه . . وهذه التأويلات إنما كان الهدف منها تحصين المسلمين وربطهم بالخط السائد من جهة .


ومن جهة أخرى إغلاق الباب أمام التيارات المعارضة والحيلولة بينها وبين استخدام هذا النص لصالحهم وضربهم به . . ولم ينحصر مأزق القوم في حدود النصوص وحدها بل امتد إلى كثير من الوقائع التأريخية التي ارتبطت بالصحابة والتابعين والحكام والتي فتحت ثغرة كبيرة للطعن في أطروحتهم والتشكيك فيها وفي مواجهة هذه الوقائع اضطروا إلى تبني منهج التبرير .


أي خلق دوافع تبرز وقوع الحدث على غير الوجهة التي يوحى بها ظاهره . . ونظرا لأن هناك الكثير من المواجهات الفكرية والصدامات العقائدية التي وقعت بين الأطروحة السائدة والأطروحات الأخرى على مر التاريخ كان النصر فيها بالطبع للأطروحة السائدة فهي المتمكنة على ساحة الواقع المدعومة من الحكام .


فقد دفع القوم دفعا إلى تبني سلاح التأويل والتبرير لتقوية الأتباع ودفع
 

- ص 64 -

الخصوم . . إن هذه التأويلات والتبريرات لا تخرج عن كونها مسكنات يحاول القوم أن يخدروا بها جماهير المسلمين ويطمئنوا الحكام .


إلا أن هذه المسكنات مع مرور الزمن سرعان ما سوف تتلاشى وتتكشف الحقائق أمام الجميع كما تكشفت لي . . وفي مقدمة النصوص التي أحرجت القوم واضطروا إلى تأويلها تلك النصوص الواردة في الإمام علي وأهل البيت وهي صحيحة في أغلبها حسب قواعد هم .


فهذه النصوص تضع الإمام في مكانة خاصة ترفعه فوق جميع الصحابة . وهي من جهة أخرى تكشف أن له ولأهل البيت دورا خاصا في واقع الأمة . ذلك الدور الذي حالت السياسة دون بروزه .


وتلك هي القناعة التي خرجت بها بعد اطلاعي على تأويلات القوم لهذه النصوص وكذلك تبريراتهم للوقائع والأحداث التأريخية فقد ازددت يقينا أنهم يحاولون لي أعناق النصوص وتقويم حركة التأريخ . .


يروي مسلم قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ثم يعلق على النص بقوله : والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة بعد له بعد رسول الله زائغ عن منهج الصواب فإن الخلافة من الأهل في حياته لا تقتضي الخلافة من الأمة بعد مماته ( 1 ) . .


ويروي أيضا قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم خيبر : " أعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله . قال : فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي عليا . فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه . . " . ويعلق مسلم على هذا الحديث بقوله : هذا من أعظم فضائل علي وأكرم مناقبه ( 2 ) . .


ولما نزلت آية المباهلة وهي قوله تعالى : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ) ( آل عمران : 61 ) دعا الرسول عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي ( 3 ) . .


ويروي مسلم : قام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر . ثم قال : أما
 

 

* هامش *

 

 

( 1 ) - مسلم شرح النووي . كتاب فضائل الصحابة . باب من مناقب علي .
( 2 )
- المرجع السابق . وهذا ما فقهه النووي من هذا الحديث غير أنه لا يريد أن يفهم منه ما يفيد مكانة الإمام ودوره الخاص .
( 3 )
- المرجع السابق .

 

- ص 65 -

بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في

أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . فقال له حصين - أي لزيد بن أرقم الراوي - ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته ؟ . . قال : نساؤه من أهل بيته . ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده . . قال : ومن هم ؟ . قال : هم آل علي وآل عقيل

وآل جعفر وآل عباس . . قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ . قال : نعم ( 4 ) . .


وفي رواية أخرى أجاب زيد على سؤال حصين بقوله : لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها . أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده ( 5 ) . .


وروى البخاري قول الرسول لعلي : أنت مني وأنا منك ( 6 ) . .


وروى مسلم قول علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلي ، أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ( 7 ) . .


ويروي النسائي والترمذي قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : من كنت مولاه فعلي مولاه ( 8 ) . .


وينقل ابن حجر قول أحمد والنسائي وإسماعيل القاضي وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي ( 9 ) . .


وكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى عن علي الكذب ( 10 ) . .


ويقول ابن حجر معلقا على كلام ابن سيرين : والمراد بذلك ما ترويه الرافضة عن علي من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين ( 11 ) . .


وقال ابن حجر معلقا على حديث : أنت مني بمنزلة هارون من موسى .

 

* هامش *

 

 

( 4 ) - المرجع السابق .
( 5 )
- المرجع السابق .
( 6 )
- البخاري . كتاب فضائل الصحابة . باب مناقب الإمام علي . وانظر سنن ابن ماجة ج 1 / 42 .
( 7 )
- أنظر مسلم كتاب الإيمان . باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان وعلاماته . وبغضهم من علامات النفاق .
         وانظر الترمذي كتاب المناقب . وفتح الباري ج 7 / 72 .
( 8 )
- وانظر مسند أحمد بن حنبل ج 1 / 84 . وقال السيوطي في هذا الحديث أنه متواتر .
( 9 )
- أنظر فتح الباري ج 7 / 74 .
( 10 )
- المرجع السابق ص
74 .

 

- ص 66 -

واستدل - أي بهذا الحديث - على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة فإن هارون كان خليفة موسى . وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته . لأنه مات قبل موسى باتفاق ( 12 ) . .


وقال عن حديث الراية : وقوله - أي الرسول - أن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله أراد بذلك وجود حقيقة المحبة . وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفي الحديث تلميح بقوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ( آل عمران : 31 ) فكأنه أشار إلى أن عليا تام الاتباع لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى اتصف بصفة محبة الله له ولهذا كانت محبته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق ( 13 ) . .


والقوم على ما هو واضح من حديث غدير خم في حيرة من أمرهم أمام قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أذكركم الله في أهل بيتي .


ولم يجدوا وسيلة لضرب هذا النص سوى تأويل المعنى المقصود بآل البيت فتارة يعرفونهم في حدود علي وفاطمة والحسن والحسين كما أقر بذلك مسلم في آية المباهلة وتارة يعرفونهم بآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس . .

وتارة أخرى يدخلون معهم نساء النبي وتارة يخرجونهم كما هو واضح من إجابتين متناقضتين لسؤال واحد في رواية واحدة .


والهدف من ذلك هو تمييع فكرة آل البيت وتشتيتها بين نساء النبي وبني هاشم فتشتت القدوة أمام المسلمين ويفتح الباب بالتالي أمام القدوة الفاسدة لتحل محلهم . . ويبدو أن مسلم لم يسترح لهذه الرواية فقام بنقل رواية أخرى في حجة الوداع وهي في نفس المكان السابق ذكره - غدير خم - ليس فيها ذكر لآل البيت ( 14 ) . .


وحتى يتم التمويه على آل البيت وحجبهم عن المسلمين اخترعوا رواية تناقض رواية غدير خم وتضرب وصية الرسول بآل البيت . .

يروي مالك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله وسنتي ( 15 ) .

ولقد اشتهرت رواية مالك على ألسنة القوم ومنابرهم وكتبهم بينما حجبت رواية مسلم حتى أصبح ذكرها محل استنكار ورفض ( 16 ) . .

 

* هامش *

 

 

( 11 ) - المرجع السابق ص 71 . . ويقول ابن حجر : فصار الناس في حق علي ثلاثة : أهل السنة والمبتدعة من الخوارج والمحاربون له من بني أمية وأتباعهم . فاحتاج أهل السنة إلى بث فضائله فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك . وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - من الفضائل إذا حرر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة . . وكلام ابن حجر إنما يهدف إلى تمييع النصوص الواردة في الإمام علي وإيهام المسلم أنه لا يتميز عن الثلاثة الذين سبقوه . ثم أنه عند الحديث عن مواقف الناس تجاه الإمام أغفل الشيعة تماما وحصر هذه المواقف في دائرة الخوارج وأهل السنة وبني أمية فقط . . ولا يمكن أن يكون هذا سهوا بالطبع .

( 12 ) - أنظر فتح الباري ج 7 / 74 .
( 13 )
- المرجع السابق .
( 14 )
- أنظر مسلم والرواية تنص على أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أوصى بكتاب الله فقط .
( 15 )
- ورواه الحاكم في مستدركه أيضا .
( 16 )
- في حواراتي الكثيرة مع رموز القوم كثيرا ما كنت اكتشف جهلهم بحديث العترة وإنكارهم له وكانوا يصابون بالدهشة حين
          يكتشفون وجود الحديث في مسلم . ( * )

 

- ص 67 -

وفي مواجهة الأحاديث الواردة حول الأئمة الاثني عشر الواردة في مسلم اضطر القوم إلى صرفها عن معناها وتحويلها نحو الحكام حتى لا تكون حجة عليهم من قبل خصومهم الشيعة ( 17 ) . .


وقد حدد الفقهاء الأئمة الاثنا عشر الذين بشر بهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وربط عزة الإسلام بهم في دائرة الخلفاء وحكام بني أمية . فأولهم أبو بكر - ثم عمر - ثم عثمان - ثم - علي - ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم عبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة الوليد وسليمان ويزيد وهشام ثم عمر بن عبد العزيز وبعدهم أخذ الأمر في الانحلال ( 18 ) . .


وبتفحص سيرة هؤلاء دون سيرة الإمام بالطبع سوف يتبين لنا أنه لا تتوافر في أحدهم أدنى صفات الإمامة وأن هؤلاء لا يخرجون عن كونهم مجرد حكام طبق عليهم الفقهاء النص تحت ضغط السياسة ولصرف المسلمين عن أئمة آل البيت الذين يقصدهم النص والذين تنطبق سيرتهم وصفاتهم على النص المذكور ( 19 ) . .


ولقد تبين لي أن فقهاء القوم يتتبعون الروايات الواردة في آل البيت والروايات التي تساندهم ويعمدون إلى تأويلها وتبريرها حتى يغلقوا باب الشك حول خطهم وأطروحتهم . . ففي مواجهة رواية غضب فاطمة وهجرها لأبي بكر فلم تكلمه حتى ماتت


ينقل ابن حجر أقوال الفقهاء حولها على النسق التالي : فلم تكلمه : أي فلم تكلمه في ذلك المال . أن فاطمة حملت كلام أبي بكر على أنه لم يسمع ذلك من رسول الله وإنما سمعه من غيره ولذلك غضبت . . ومن قول فاطمة لأبي بكر وعمر لا أكلمكما أي في هذا الميراث ( 20 ) . .


ونقل عن بعضهم : إنما كانت هجرتها انقباضا عن لقائه والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم . . وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في

قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا نورث . ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه . وتمسك أبو بكر بالعموم . واختلفا
 

 

* هامش *

 

 

( 17 ) - من هذه الأحاديث قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة . . وقوله : أن هذا الأمر - الدين - لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة . . أنظر مسلم . كتاب الإمارة . وانظر البخاري كتاب الأحكام ( باب 51 ) . . وانظر مقدمة تأريخ الخلفاء للسيوطي . .

( 18 ) - أنظر شرح العقيدة الطحاوية . وفتح الباري ( ج 13 ) أخر كتاب الأحكام . وشرح النووي لمسلم . والقوم قد جعلوا الإيمان بهؤلاء الاثني عشر من أصول الإعتقاد .

( 19 ) - إن أئمة آل البيت الذين قصدهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأغفلهم القوم تحت تأثير السياسة هم : الإمام علي بن أبي طالب . والإمام الحسن بن علي . والإمام الحسين بن علي . والإمام علي بن بن الحسين زين العابدين . والإمام محمد بن علي الباقر . والإمام جعفر بن محمد الصادق . والإمام موسى بن جعفر الكاظم . والإمام علي بن موسى الرضا . والإمام محمد بن علي الجواد . والإمام علي بن محمد الهادي . والإمام الحسن بن علي العسكري . ثم الإمام المهدي المنتظر . .

أنظر سيرة هؤلاء الأئمة في كتاب أعيان الشيعة لمحسن الأمين . وسلسلة حياة الأئمة لباقر شريف القرشي . وسيرة الأئمة الاثني عشر لهاشم معروف الحسني . والتاريخ الإسلامي لمحمد تقي المدرسي . والقوم يمرون على سيرة هؤلاء الأئمة مرور الكرام في كتب التأريخ . أنظر الكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير .

( 20 ) - أنظر فتح الباري ( ج 6 / 202 ) .

 

- ص 68 -

في أمر محتمل للتأويل . فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك ( 21 ) . .


وينقل ابن حجر رواية تفيد أن فاطمة تصالحت مع أبي بكر . ويعلق على الرواية بقوله : وهو - أي الحديث - وإن كان مرسلا فإسناده صحيح وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة على هجر أبي بكر ( 22 ) . .


والهدف من وراء جميع هذه التبريرات كما هو واضح هو تبرئة أبي بكر وإضفاء المشروعية على موقفه المعادي لآل البيت والذي كانت أولى نتائجه هو حرمان السيد فاطمة من ميراث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . وفقهاء التبرير إنما

يهدفون من تبريراتهم هذه أيضا إضفاء صفة العلم على أبي بكر تلك الصفة التي سوف ينبني عليها تلقائيا جهل الطرف الآخر وعدم إلهامه بعلم الرسول وأحكام الدين وهو طرف السيدة فاطمة والإمام علي ( 23 ) . .


ومن أخطر نتائج فقه التبرير مساواة الفقهاء القوم معاوية بالإمام علي واعتبار معاوية مجتهدا مخطئا مثابا على ما فعل من جرائم ومنكرات معتمدين في ذلك على حديث منسوب للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران . وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " ( 24 ) . .


وهذا النص طبقه فقهاء القوم في محيط الأحكام الشرعية إلا أن السياسة اقتضت استثماره في دعم موقف معاوية وإضفاء المشروعية علية ( 25 ) . .


ولقد أثارت مسألة مساواة معاوية بالإمام الشكوك في نفسي وتقوت هذه الشكوك بالموقف المشرف للنسائي صاحب السنن الذي قتل شهيدا بسبب عدم اعترافه بمنقبة لمعاوية واعتبره نكرة من المستقبح أن يتساوى مع الإمام ( 26 ) . .


ونظرا لكون معاوية يعد من الصحابة في عرف فقهاء القوم والصحابة عدول فمن ثم يجب تبرير جميع مواقفه وممارساته وحملها على المحمل الحسن ( 27 ) . .


ومثل هذا الموقف التبريري تبناه فقهاء القوم تجاه يزيد بن معاوية قاتل الحسين ومنتهك حرمات مدينة رسول الله حيث بررت أفعاله القبيحة من قبل ابن تيمية وابن كثير وابن خلدون ، يقول ابن تيمية عن يزيد : كان من شبان المسلمين ولا كان كافرا ولا

زنديقا تولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم وكان فيه شجاعة وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه

 

* هامش *

 

 

( 21 ) - أنظر المرجع السابق .
( 22 )
- المرجع السابق .
( 23 )
- أنظر الخلاف حول ميراث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتوسع في البداية والنهاية لابن كثير .
           وفدك في التأريخ لباقر الصدر . وكتب التأريخ .
( 24 )
- أنظر البخاري كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة باب 21 .

( 25 ) - أنظر تأريخ وقعة صفين في كتب التأريخ والفصل في الملل والنحل لابن حزم . والملل والنحل للشهرستاني .
          والعواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي .

( 26 ) - توفي النسائي عام 303 ه‍ على أيدي الشوام . أنظر ترجمة النسائي في وفيات الأعيان لابن خلكان وكتب التراجم الأخرى . وكان
          النسائي قد ألف كتابا أسماه خصائص الإمام علي وكان هذا الكتاب سبب مصرعه . أنظر الخصائص طبعة القاهرة أو بيروت ؟ .

( 27 ) - أنظر البداية والنهاية وفتاوي ابن تيمية ( ج 3 / 411 ) والعواصم من القواصم وتأريخ ابن خلدون . وتنص عقائد القوم على عدم
          ذكر الصحابة إلا بخير . وقال ابن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا .

          ويقول الإسفرائيني : والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل واحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف
          عن الطعن فيهم والثناء عليهم . . أنظر عقيدة الإسفرائيني .

          ويقول ابن أبي زرعة العراقي : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأعلم أنه زنديق
         أنظر عقيدة الإسفرائيني . والقوم بهذا إنما يهدفون إلى إرهاب المسلمين حتى لا يخوضوا في معاوية وأمثاله من الدخلاء على الصحابة

 

- ص 69 -

وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله ولا نكت بالقضيب على ثناياه ولا حمل رأس الحسين إلى الشام . لكن أمر بمنع الحسين وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله فزاد النواب على أمره وحض الشمر والجيوش على قتله لعبيد الله بن زياد

فاعتدى عليه عبيد الله بن زياد فطلب منهم الحسين أن يجئ إلى يزيد أو يذهب إلى الثغر مرابطا أو يعود إلى مكة فمنعوه وأمر عمر بن سعد بقتاله فقتلوه ظلما له ولطائفة من أهل بيته ( 28 ) . .


وبقدر ما كنت أجل هذا الرجل المدعو ابن تيمية وأكن له احتراما عظيما طوال فترة نشأتي الإسلامية بقدر ما أصبحت أبغضه وأحط من قدره بعد تبين موقفه من يزيد الملعون . . ولقد تمادى ابن تيمية في موقفه المتحالف مع بني أمية حتى أنه خطأ الحسين وانتقده لخروجه على يزيد ملقيا عليه بتبعة مأساة كربلاء ( 29 ) . .


وابن تيمية بالإضافة إلى دفاعه عن يزيد وإنكاره الروايات التي تطعن فيه وتبرئته من دم الحسين هو من جهة أخرى يمتهن الحسين ويحط من قدره ويصوره بصورة المتخاذل عديم المبدأ حين يقر الرواية التي تقول أن الحسين عرض على جيش يزيد

ثلاثة عروض جميعها تدينه وتثير الشبهات من حوله . . إن منهج التأويل والتبرير هو الأساس الذي بني عليه منهاج القوم وعقائدهم ولم يكن مجرد طرح عابر في مذهبهم وإنما كان سلاحهم الذي يشهرونه في وجه خصومهم وفي وجه المسلمين

الذين ينتابهم الريب في رواياتهم ومواقفهم وأحداث التأريخ بوجه عام . . وعقيدة تقوم على التبرير والتأويل عقيدة واهية مهزوزة لا بد للعقل من أن يلفظها يوما ، يروي البخاري قول الإمام علي : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ( 30 ) . .


وقد قام البخاري بوضع هذا النص في كتاب المغازي وربطه بقوله تعالى : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) ( سورة الحج : 19 ) ، محددا أن المتخاصمين هم الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبه . مشيرا إلى أن الآية نزلت في هؤلاء الستة ( 31 ) . .
 

 

* هامش *

 

 

( 28 ) - أنظر فتاوي ابن تيمية ( ج 3 / 411 ) .
( 29 )
- أنظر المرجع السابق ( ج 35 ) .

( 30 ) - البخاري . كتاب المغازي . باب قتل أبي جهل .
( 31 )
- أنظر فتح الباري ( ج 7 / 297 ) .

 

- ص 70 -

يقول ابن حجر معلقا على قول الإمام : المراد بهذه الأولية تقييده - أي علي - بالمجاهدين من هذه الأمة لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام ( 32 ) . .


فكل من البخاري وابن حجر عملا على تقييد قول الإمام وتخصيصه بغزوة بدر كمبرر للهروب من مدلوله مع أن فقهاء القوم يرفعون شعارا يقول : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . .


 

 

* هامش *

 

 

( 32 ) - المرجع السابق . ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب