- الإمامة وأهل البيت ج 2 - محمد بيومي مهران ص 51 :

 3 - قوله صلى الله عليه وسلم : يكون من بعدي اثنا عشر أميرا ، كلهم من قريش :


روى البخاري في صحيح بسنده عن شعبة عن عبد الملك قال : سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميرا ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي إنه قال : كلهم من قريش ( 3 ) .
 

  * هامش *  
 

( 3 ) صحيح البخاري 9 / 101 ( دار الجيل - بيروت ) . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 52

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سماك بن حرب قال : سمعت جابر بن سمرة يقول : لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلهم من قريش ( 1 ) .
 

وعن داوود عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يزال هذا الأمر عزيزا ، إلى اثني عشر خليفة ، قال : ثم تكلم بشئ لم أفهمه ، فقلت لأبي : ما قال : فقال : كلهم من قريش ( 2 ) .
 

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع ، أن أخبرني بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فكتب إلي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم جمعة عشية رجم الأسلمي ، يقول : لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش ( 3 ) .
 

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون من بعدي اثنا عشر أميرا ، قال : ثم تكلم بشئ لم أفهمه ، فسألت الذي يليني ، فقال : قال : كلهم من قريش ( 4 ) ( ورواه الإمام أحمد في مسنده ، وابن حجر في صواعقه ) ( 5 ) .
 

وروى الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة وبسنده عن قتادة عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا يزال هذا الدين عزيزا لا يضره من ناوأه ، حتى يمضي اثنا عشر خليفة ، فضج الناس فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال صلى الله عليه وسلم ، فقال : كلهم من قريش ( 6 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 12 / 202 ( دار الكتب العلمية - بيروت 13 / 19 ) .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 202 ، وانظر ( صحيح مسلم 12 / 199 - 206 ) .
( 3 ) صحيح مسلم 12 / 203 .
( 4 ) صحيح الترمذي 2 / 35 .
( 5 ) مسند الإمام أحمد 5 / 92 ، 94 ، 99 ، 108 ، ابن حجر الهيثمي : الصواعق المحرقة ص 113 .
( 6 ) أبو نعيم الأصفهاني : دلائل النبوة ص 481 ، 482 ( مكتبة الباز - مكة المكرمة 1977 م ) . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 53

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن مسروق قال : كنا جلوسا ليلة عند عبد الله يقرئنا القرآن ، فسأله رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله : ما سألني عن هذا أحد

منذ قدمت العراق قبلك ، قال : سألناه ، فقال : اثنا عشر ، عدة نقباء بني إسرائيل ( 1 ) ( رواه الإمام أحمد في المسند والهيثمي في مجمع الزوائد ، والمتقي في كنز العمال ) ( 2 ) .
 

وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تخلو الأرض من حجة ) ، وفي ينابيع المودة ، وإحياء علوم الدين قال الإمام علي بن أبي طالب - وكرم الله وجهه في الجنة - : لا تخلو من قائم لله بحجة ، إما ظاهر مكشوف ، وإما خائف مقهور ، لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته .

وتذهب الشيعة - وعلى رأسهم الإمامية - إلى أن المقصود بالأمراء أو الخلفاء الاثني عشر ، إنما هم الأئمة الاثني عشر :

 1 - الإمام علي بن أبي طالب
 2 - الإمام الحسن
 3 - الإمام الحسين
 4 - الإمام علي زين العابدين
 5 - الإمام الباقر
 6 - الإمام جعفر الصادق
 7 - الإمام موسى الكاظم
 8 - الإمام علي الرضا
 9 - الإمام محمد الجواد
 10 - الإمام علي الهادي
 11 - الإمام الحسن العسكري
 12 - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري .

والسبب في ذلك - كما أشرنا من قبل - أن الأحاديث الشريفة - الآنفة الذكر - لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة - والخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام - إليهم ، لكونهم أقل عددا ، أو خلافة من سواهم من بني أمية وبني العباس ، لكونهم أكثر عددا ، فضلا عن أن أكثرهم من أهل
 

  * هامش *  
 

( 1 ) المستدرك للحاكم 4 / 501 .
( 2 ) مسند الإمام أحمد 1 / 389 ، 406 ، مجمع الزوائد 5 / 190 - 191 كنز العمال 3 / 205 ، 6 / 160 ، 201 ، وانظر : مسند الإمام أحمد 5 / 86 ، 92 ، 106 ، السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 9 - 11 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 54

الفسق والفجور ، قضوا أعمارهم في شرب الخمور والملاهي والملاعب ، والاستمتاع بالغناء وضرب الدفوف ، وسفك الدماء المحرمة ، وغير ذلك من المحرمات التي لا تتفق وسير خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أنها لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة - من الزيدية والإسماعيلية والفاطمية وغيرهم - لكون أئمتهم أقل .


ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية - إنما يراد بهؤلاء الاثني عشر أميرا أو خليفة ، عترة النبي صلى الله عليه وسلم ، أولهم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب ، وآخرهم المهدي الحجة ، بن الحسن العسكري ، عليهم السلام ( 1 ) .


هذا ويلخص ابن أبي الحديد ، آراء الفرق المختلفة في كون الأئمة من قريش بقوله : اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة ، فقال قوم من قدماء أصحابنا : إن النسب ليس بشرط فيها أصلا وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي ، إذا كان فاضلا مستجمعا للشرائط المعتبرة ، واجتمعت الكلمة عليه ، وهو قول الخوارج .


وقال أكثر أصحابنا ( المعتزلة ) وأكثر الناس : إن النسب شرط فيها ، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة ، ومن العرب في قريش خاصة ، وقال أكثر أصحابنا : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الأئمة من قريش ) إن القرشية شرط ، إذ وجد في قريش من يصلح للإمامة ، فإن لم يكن فيها من يصلح ، فليست القرشية شرطا فيها .


وقال بعض أصحابنا : معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبدا ممن يصلح للإمامة ، فأوجبوا بهذا الخبر من يصلح من قريش لها في كل عصر وزمان . وقال معظم الزيدية : إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين ، لا تصلح في

  * هامش *  
 

( 1 ) فضائل الخمسة 2 / 26 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 55

غير البطنين ( أبناء الحسن والحسين ) ولا تلح إلا بشرط أن يقوم بها ، ويدعو إليها فاضل زاهد عالم ، شجاع سائس ، ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي عليه السلام ، وهو من أقولهم الشاذة .


وأما الراوندية : فقد خصصوها للعباس رحمه الله وولده ، من بين بطون قريش كلها ، وهذا القول ظهر في أيام المنصور ( 136 - 158 ه‍ / 754 - 775 م ) والمهدي ( 158 - 169 ه‍ / 775 - 785 م ) .


وأما الإمامية فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي عليه السلام في أشخاص مخصوصين ، ولا تصلح عندهم لغيرهم . وجعلها الكيسانية ( 1 ) في محمد بن الحنفية ( 2 ) وولده ، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره ( 3 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر عن الكيسانية ( البغدادي : الفرق بين الفرق ص 38 - 51 ، مروج الذهب 3 / 87 ، مقالات الإسلاميين 1 / 89 ، التنبيه لأبي الحسين الملطي ص 29 ، 148 ، 152 ، الملل والنحل للشهرستاني 1 / 147 ) .
( 2 ) محمد بن الحنفية : هو أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب ، المعروف بابن الحنفية نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة من بني حنيفة ، قيل كانت من سبي اليمامة ، وصارت إلى الإمام علي ، وقيل كانت سبية سوداء ، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم ،

وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ، ولم يصالحهم على أنفسهم . وأما كنية أبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال للإمام علي : سيولد لك بعدي غلام ، وقد نحلته اسمي وكنيتي ، ولا تحل لأحد من أمتي بعده ، وكان ابن الحنفية عالما

فاضلا شجاعا ، وكان شديد القوة ، وقد حكى المبرد في الكامل قصصا كثيرة عن قوته ، وكانت راية أبيه معه يوم صفين ، وكان بينه وبين ابن الزبير عداء ، وقد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ( أي 21 ه‍ - 642 م ) ، وتوفي عام 81 ه‍ ، أو 82 ه‍ بل قيل 72 ه‍ أو 73 ه‍ ،

وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان ، والي المدينة يومئذ ، ودفن بالبقيع ، وقيل إنه خرج إلى الطائف هربا من ابن الزبير ، ومات هناك . وقيل مات ببلاد أيلة ( وفيات الأعيان 4 / 169 - 173 ، تهذيب التهذيب 9 / 354 ، العبر 1 / 93 ،

أنساب الأشراف 5 / 214 ، 260 - 273 ، حلية الأولياء 3 / 174 - 180 ، صفة الصفوة 2 / 42 شذرات الذهب 1 / 88 - 90 ،
طبقات الشيرازي
ص 62 ، الكامل للمبرد 2 / 114 ، 3 / 266 . ( 3 ) شرح نهج البلاغة 9 / 86 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 56

هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة - بشأن الاثني عشر أميرا وخليفة - وقال في آخره : كلهم من بني هاشم ( 1 ) ،
 

وروى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال عليا من بعد ، وليوال وليه ، وليقتد بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا فهما وعلما ، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي ) ( 2 )


وعن سلمان الفارسي قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا الحسين علي فخذه ، وهو يقبل عينه ويقبل فاه ، ويقول : أنت سيد بن سيد ، وأنت إمام وابن إمام ، وأنت حجة وابن حجة ، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائما ( 3 ) .


وفي شرح العقيدة الطحاوية : وكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة ، وبينهم عمر بن عبد العزيز ، ثم أخذ الأمر في الإنحلال ، وعند الرافضة أن أمر

الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا منغصا ، يتولى عليهم الظالمون المعتدون ، بل المنافقون الكافرون ، وأهل الحق أذل من اليهود ، وقولهم ظاهر البطلان ، بل لم يزل الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر ( 4 ) .


والواقع أن لنا على هذا الاتجاه عدة ملاحظات ، منها ( أولا ) عهد الإمام الحسن بن علي ، مع أن الإمام الطحاوي ( 5 ) نفسه يذكره فيقول : وكانت خلافة

  * هامش *  
 

( 1 ) سليمان الحنفي القندوزي : ينابيع المودة ص 107 .
( 2 ) حلية الأولياء 3 / 86 .
( 3 ) مهدي السماوي : الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ص 157 ( القاهرة 1977 ) .
( 4 ) شرح العقيدة الطحاوية ص 552 - 553 .
( 5 ) الإمام الطحاوي : هو أبو جعفر بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك . . . الأردي الطحاوي - نسبة إلى قرية بصعيد مصر - الإمام المحدث الفقيه الحافظ ، ولد عام 239 ه‍ ، وتوفي =>

 

 

 ج 2 - ص 57

أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر ، وخلافة عمر عشر سنين ونيفا ، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر ، وخلافة الحسن ستة أشهر ، وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه ، وهو خير ملوك المسلمين ،

لكنه إنما صار إماما حقا ، لما فوض إليه الحسن بن علي رضي الله عنهم الخلافة ، فإن الحسن رضي الله عنه ، بايعه أهل العراق بعد موت أبيه ثم بعد ستة أشهر فوجه الأمر إلى معاوية ( 1 ) ، فظهر صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ( 2 ) .


ومنها ( ثانيا ) أنه بدأ ملوك بني أمية بمعاوية وولده يزيد ، ثم تجاهل معاوية الثاني ( 64 ه‍ / 683 م ) آخر ملوك السفيانيين من بني أمية ، ثم تجاهل كذلك ( مروان بن الحكم ) ( 64 - 65 ه‍ / 683 - 685 م ) وهو الذي نقل الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين ، وهم فرع آخر من بني أمية .


ومنها ( ثالثا ) أنه وقف عند ( عمر بن عبد العزيز - وهو ليس الخليفة رقم 12 بعد النبي صلى الله عليه وسلم - وإما لشهرة عمر بن عبد العزيز بالورع والتقى ، وإما ليكمل العدد 12 ، فدولة بني أمية لم تنته بعمر بن عبد العزيز ، وإنما استمرت بعده ، كما كانت قبله .


ومنها ( رابعا ) أن دولة بني أمية ( معاوية - يزيد - معاوية الثاني - مروان -

  * هامش *  
 

=> عام 321 ه‍ ، تلقى العلم على خاله إسماعيل بن يحيى المزني ، أفقه أصحاب الإمام الشافعي ، ثم أخذ ينظر في كتاب الحنفية حتى تحول إلى لمذهب الحنفي ، وله مصنفات كثيرة أشهرها : العقيدة الطحاوية ومشكل الآثار وأحكام القرآن والمختصر وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير وكتاب الشروط والنوادر الفقهية والرد على أبي عبيد والرد على عيسى ابن أبان وغيرها

( أنظر عن ترجمته : شذرات الذهب 2 / 288 ، وفيات الأعيان 1 / 71 - 72 ، العبر 2 / 186 ، النجوم الزاهرة 3 / 239 ،
غاية النهاية
1 / 116 ، تهذيب ابن عساكر 2 / 54 ، المنتظم 6 / 250 ، الجواهر المضيئة 1 / 102 ،
مقدمة شرح العقيدة الطحاوية
ص 9 - 11 ) .

( 1 ) شرح العقيدة الطحاوية ص 545 - 546 ، على أن الأمر المثير للانتباه هنا : يذكر الخلفاء : أبا بكر وعمر وعثمان ، دونما أية إشارة ) بينما يردف بعد اسم معاوية ( رضي الله عنه ) .
( 2 ) متفق عليه ، من حديث أبي بكرة . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 58

عبد الملك - الوليد - سليمان - عمر بن عبد العزيز - يزيد الثاني - هشام - الوليد الثاني - يزيد الثالث - إبراهيم - مروان الثاني ) وهي التي أنهت الخلافة الراشدة إنما كانت دولة عربية ، أكثر منها إسلامية ، كما كانت انتقالا جديدا في تاريخ

الإسلام ، وفرصة انتهزتها الجاهلية التي كانت لا تزال بالمرصاد ، فعاشت النزعات التي قضى عليها السلام وعادت العصبيات القبلية والنخوة الجاهلية التي نعاها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه ، وأصبح بيت المال - الذي كان على أيام

الرسول والخلفاء الراشدين ملكا للأمة - أصبح في عهد بني أمية ملكا خاصا للخليفة ، خاضعا لشهواته وتصرفاته ، وقد حدث المؤرخون أن الأخطل ( حوالي 640 ه‍ - 710 م ) - الشاعر النصراني ، أصبح يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن ،

وعليه جبة خز ، وفي عنقه صليب ذهب ، ولحيته تنفض خمرا ، ثم لا يتورع أن يهجو المسلمين من الأنصار . . . إلى غير ذلك من تصرفات بعيدة عن الإسلام ومبادئه ( 1 ) .


ومنها ( خامسا ) أن ملوك بني أمية الذين رأى الإمام الطحاوي أن الإسلام لم يزل عزيزا في أيامهم ، إنما كانت أفعالهم ، كثيرا ما تبعد عن الإسلام ومبادئه ، فأول ملوكهم معاوية بن أبي سفيان ، هو الذي سن تلك البدعة الخسيسة ، بدعة سب الإمام

علي وأهل البيت على منابر المسلمين ، وهو صاحب الموبقات الأربع ، روى الطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم عن الإمام الحسن البصري أنه قال : أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن له منهن إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه

الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا ، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، وقتله حجرا ويلا له من حجر مرتين ) ( 2 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) أبو الحسن الندوي رجال الفكر والدعوة في الإسلام 1 / 33 - 36 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 487 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 141 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 59

وأما ولده يزيد ، فيكفي أن نشير إلى قول سعيد بن المسيب : كانت سنوات يزيد شؤما ، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مذبحة كربلاء ) ، وفي الثانية : استبيح حرم رسول الله ، وانتهكت حرمة المدينة ، وفي الثالثة سفكت الدماء في حرم الله وحرقت الكعبة ( 1 ) .


وأما مروان بن الحكم - رأس البيت المرواني - فهو الذي قتل طلحة بن عبيد الله - أحد العشرة المبشرين بالجنة - غدرا في موقعة الجمل ، ثم هو ابن الحكم لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد لعنه النبي ، ومروان في صلبه ، وروى أن السيدة عائشة قالت لمروان : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه فهو فضض ( قطعة ) من لعنة الله ورسوله ( 2 ) .
 

وأما عبد الملك بن مروان فقد كان طاغية جبارا ، لا يبالي بما يصنع ، وهو القائل - بعد أن ولي الخلافة - وكان يقرأ في مصحف : هذا فراق بيني وبينك ، وقيل أنه قال : هذا آخر العهد بك ، ثم هو الذي خطب الناس فقال لا يأمرني أحد بتقوى

الله ، بعد مقامي هذا ، إلا ضربت عنقه ، ثم هو القائل : لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف ، وهو القائل : وإني لست بالخليفة المستضعف ( يعني عثمان ) ولا الخليفة المداهن ( يعني معاوية ) ولا الخليفة المأفون ( يعني يزيد بن معاوية ) ( 3 ) .

وفي عهده ظهر الحجاج الثقفي لينشر الخراب والقتل في كل مكان

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 253 ، وانظر : تاريخ الطبري 5 / 338 - 471 ، 482 - 494 ، 498 - 499 . 498 - 499 .
( 2 ) أنظر : أسد الغابة 2 / 37 - 38 الإستيعاب 1 / 317 - 319 ، الإصابة 1 / 345 - 346 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 280 ، طبقات ابن سعد 5 / 24 - 26 ، محمد بيومي مهران : الإمام علي زين العابدين ص 113 - 118 .
( 3 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 218 - 219 ( القاهرة 1964 ) ، المقريزي الذهب المسبوك ص 39 ، النزاع والتخاصم فيما بين أمية وبني هاشم ص 37 ، طبقات ابن سعد 5 / 176 - 177 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 297 - 303 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 60

باسم الأمويين ( 1 ) ، وعبد الملك هذا - كما يقول السيوطي - أول من غدر في الإسلام ، وأول من نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء ، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف ( 2 ) .


وأما الوليد فكان فاجرا ماجنا فاسقا ، حتى اشتهر بلقب ( خليع بني أمية ) ، بسبب ولعه بالنساء وحتى اتهم الجنسي بأمهات أولاد أبيه ، وحتى أن رأسه - بعد أن طيف بها على رمح في دمشق - دفعت إلى أخيه سليمان ، فلما نظر إليها قال : بعدا له ، أشهد أنه كان شروبا للخمر ، ماجنا فاسقا ، ولقد راودني في نفسي الفاسق ( 3 ) .


ولعل أول من شرب المسكر من الخلفاء ، إنما هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقد روي أنه كان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخمورا ، فقيل له ( يزيد الخمور ) ( 4 ) ، وكان عبد الملك بن مروان يشرب في كل شهر مرة ، حتى لا يعقل :

أفي السماء أو في الماء ؟ وكان يقول : إنما أقصد من هذا إلى إشراق العقل ، وتقوية منة الحفظ ، وتصفية موضع الفكر ، غير أنه إذا بلغ آخر الشراب - أو السكر - أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شئ ، وأما ولده الوليد بن عبد الملك فكان - فيما رووا - يشرب يوما ، ويدع يوما ، واعتاد هشام بن عبد الملك الشرب يوم الجمعة من بعد الصلاة ( 5 ) .


وأما الوليد الثاني فقد بز الجميع في الشراب والتهتك ، وقد حكى أنه اتخذ بركة في قصرة ، فكان يملؤها خمرا ، ثم ينزع ثيابه ويغتسل فيها ، ويشرب منها ،

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر : محمد بيومي مهران : الإمام علي زين العابدين ص 123 - 134 .
( 2 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 203 .
( 3 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 5 / 280 - 288 .
( 4 ) فيليب حتى : تاريخ العرب ص 294 ، وانظر : العقد الفريد 3 / 403 ، النويري : النهاية 4 / 91
( 5 ) الجاحظ التاج في أخلاق الملوك - نشره أحمد زكي باشا - القاهرة 1914 ص 165 ، فيليب حتى : المرجع السابق ص 294 - 295 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 61

ويظل كذلك حتى يظهر النقص في البركة ، وكان يقضي معظم أيامه في قصوره في البادية ، في قريتين تقعان في منتصف الطريق بين دمشق وتدمر ( 1 ) ، وقد أورد صاحب الأغاني خبرا يصور مجلسا من مجالس شربه ، رواه شاهد عيان ، ووصف فيه ما كان يمارسه هذا الخليفة من التهتك والمجون ( 2 ) .


ولم يكتف ملوك بني أمية بالشراب ، بل استهواهم الغناء والموسيقى وبعض ضروب الرقص ، فإذا كان الخليفة ممن لا يريد أن يشهر عنه ذلك ، جعل ستارة بينه وبين الندماء ، ولم يكن الوليد الثاني ممن يتحاشى الرفث والمجون .


وكان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، أول من سن الملاهي ، واستجلب المغنين إلى الشام ، وكان شاعرا، فجعل يقيم الحفلات الكبرى في بلاطه ، ومن ثم فقد أصبح الغناء والشراب صنوين متآلفين في تاريخ الدولة الإسلامية ، وقد شمل عبد الملك بن

مروان برعايته ( ابن مسجح ) من مغني الحجاز ، واستقدم ولده الوليد ( ابن شريح ) و ( معبدا ) إلى دمشق ، واحتفى بهما ، ثم أعاد الوليد الثاني الشعر والموسيقى إلى البلاط ، بعد أن حال دونهما الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز .


هذا وقد شاع الغناء في عهد ملوك بني أمية شيوعا عظيما ، وعظم الشغف به في حواضر الدولة الإسلامية ، حتى يزور مغن مثل ( حنين ) - الحيري النصراني ، وكان يعيش في العراق - يزور المدينة ، ويجتمع الناس في أحد منازل المدينة ،

ويزدحمون على السطح ويكثرون ليسمعوه ، فيسقط الرواق على من تحته ، ويموت المغني ( حنين ) ( حوالي عام 720 م ) - على أيام يزيد بن عبد الملك ( 101 - 105 ه‍ 720 - 724 م ) ( 3 ) . تحت الهدم .


ويقول الدكتور

  * هامش *  
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 295 .
( 2 ) الأغاني 2 / 72 .
( 3 ) أبو الحسن الندوي : المرجع السابق ص 36 ، الأغاني 2 / 127 ، فيليب حتى : المرجع السابق ص 343 - 348 ،
أحمد أمين : فجر الإسلام ص 176 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 62

أحمد أمين : واجتمع في زمن واحد من مشهوري المغنين والمغنيات في الحجاز : جميلة وهيت و ( طويس ) ( 632 - 715 م ) و ( الدلالا ) و ( برد الفؤال ) و ( نومة الضحى ) و ( رحمة ) و ( هبة ) و ( معبد ) ( ت 743 م ) و ( مالك )

و ( ابن عائشة ) و ( نافع بن طنبورة ) و ( عزة الميلاء ) و ( حبابة ) و ( سلامة ) و ( بلبلة ) و ( لذة العيش ) و( سعيدة ) و ( الزرقاء ) . . . الخ ، ويرون أن هؤلاء حجوا فتلقاهم في مكة ) ( سعيد بن مسجح ) ( ت 714 م ) ، و ( ابن شريح )

( 634 - 726 م ) و ( الغريض ) - واسمه عبد الملك - و ( ابن محرز ) ( ت 715 م ) ، وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى حسن هيئتهم ( 1 ) .


هذا وقد اشتهر ( يزيد بن عبد الملك ) باللهو والخلاعة ، والتشبب بالنساء ، كما كان يبالغ في المجون بحضرة الندماء ، كما سوى بين الطبقة العليا والسفلى ، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه ، فلم يتورعوا عن الرد عليه ، وحذا حذوه ولده الوليد ( 2 ) .


وأما عن الكتاب والسنة ، فلقد كان معاوية بن أبي سفيان أول من رد السنة في قضية نسب زياد بن أبيه ، أو زياد بن عبيد ، بأبي سفيان ، قال ابن الأثير : ) أول ما ردت أحكام الشريعة علانية ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقضى معاوية بغيره ( 3 ) .


وروى ابن كثير في البداية والنهاية عن مخالفات معاوية للسنة : قال المغيرة عن الشعبي : أول من خطب جالسا معاوية ، حين كثر شحمه ، وعظم

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد أمين : فجر الإسلام ص 176 - 177 ( بيروت 1969 ) .
( 2 ) حسن إبراهيم : تاريخ الإسلام السياسي 1 / 331 ، 335 .
( 3 ) تاريخ الطبري 5 / 214 - 215 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 218 - 219 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 441 - 445 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 266 - 274 ، المسعودي : مروج الذهب 2 / 5 - 8 ، ابن عبد البر : الإستيعاب 1 / 570 - 571
محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي طالب 1 / 235 - 240 صحيح البخاري 8 / 194 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 63

بطنه ، وقال قتادة عن سعيد بن المسيب : أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية ، وقال الإمام أبو جعفر الباقر : كانت أبواب مكة لا أغلاق لها ، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية ، وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري : مضت السنة أن لا

يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر ، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية ، وقضى بذلك بنو أمية بعده ، وبه قال الزهري ، ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم ، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف لنفسه ( 1 )


هذا وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن معاوية قد أخرج المنابر إلى المصلين في العيدين ، وأنه خطب الخطبة قبل الصلاة ، وذلك أن الناس كانوا - إذا صلوا - انصرفوا لئلا يسمعوا لعن الإمام علي بن أبي طالب ( والعياذ بالله ) فقدم معاوية الخطبة

قبل الصلاة ، ووهب ( فدكا ) لمروان بن الحكم ، ليغيظ بذلك آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) . على أن أهل السنة إنما ينسبون ذلك إلى مروان بن الحكم - رأس البيت المرواني -

روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يصلي في الأضحى والفطر ، ثم يخطب ( 3 ) ، وعن ابن عباس قال : شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة ( 4 ) .


وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عطاء : أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير - أول ما بويع له - أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر ، فلا تؤذن لها ، فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه ، وأرسل إليه مع ذلك ، إنما الخطبة بعد الصلاة

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 150 - 151 صحيح البخاري 8 / 194 .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 223 .
( 3 ) صحيح البخاري 2 / 22 .
( 4 ) صحيح البخاري 2 / 23 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 64

وأن ذلك قد كان يفعل ، قال : فصلى ابن الزبير قبل الخطبة ( 1 ) .

وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر ، فيبدأ بالصلاة ، فإذا صلى صلاته وسلم ، قام فأقبل على الناس ، وهم جلوس في مصلاهم ، فإن كان له حاجة يبعث ذكره للناس ، أو كانت له

حاجة بغير ذلك ، أمرهم بها ، وكان يقول : تصدقوا تصدقوا تصدقوا ، وكان أكثر من يتصدق النساء ، فلم يزل كذلك ، حتى كان مروان بن الحكم ، فخرجت مخاصرا مروان ، حتى أتينا المصلى ، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرا من طين ، فإذا

مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت : أين الابتداء بالصلاة ؟ فقال : لا ، يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم ، قلت : كلا، والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرات ثم انصرف ( 2 ) .


 وفي الموطأ عن مالك عن ابن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة ( 3 ) ، وعن مالك : أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك ( 4 ) .

وقال أبو عبيد : ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان ، فجاء فصلى ، ثم انصرف فخطب ، وقال : إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان ، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة ، فلينتظرها ، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له ( 5 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 6 / 176 .
( 2 ) صحيح مسلم 6 / 177 - 178 ، وانظر : المسهوري : وفاء الوفاء 3 / 787 - 789 .
( 3 ) الإمام مالك : الموطأ ص 127 ( كتاب الشعب - القاهرة 1970 ) .
( 4 ) الموطأ ص 127 .
( 5 ) الموطأ ص 128 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 65

وقال أبو عبيد : ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب ( وعثمان محصور ) فجاء فصلى ، ثم انصرف فخطب ( 1 ) .

ورى الإمام الشافعي في ( الأم ) بسنده عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ، كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة ( 2 ) ،
 

وعن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يصلون في العيدين قبل الخطبة ( 3 ) .

وعن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح : أن أبا سعيد قد أرسل إلى مروان ، وإلى رجل قد سماه ، فمشى بنا حتى أتى المصلى ، فذهب ليصعد فجبذته إلي ، فقال : يا أبا سعيد ترك الذي تعلم ، قال أبو سعيد : فهتفت ثلاث مرات ، فقلت : والله لا تأتون إلا شرا منه ( 4 ) .
 

وعن عبد الله بن يزيد الخطمي : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر وعثمان ، كانوا يبتدأون الصلاة قبل الخطبة ، حتى قدم معاوية ( ابن أبي سفيان ) فقدم الخطبة ( 5 ) .
 

وفي نهج البلاغة عن عمرو بن علي بن الحسين عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام قال : قال لي مروان : ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا ( أي عثمان بن عفان ) من صاحبكم ( أي الإمام علي بن أبي طالب ) قلت : فما بالكم تسبونه على المنابر ؟ قال : إنه لا يستقيم لنا الأمر ، إلا بذلك ( 6 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) الموطأ 128 .
( 2 ) الإمام الشافعي : الأم 1 / 208 ( كتاب الشعب - القاهرة 1969 ) .
( 3 ) الأم 1 / 208 .
( 4 ) الأم 1 / 208 .
( 5 ) الأم 1 / 208 ، وانظر : ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 194 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 278 .
( 6 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 13 / 220 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 66

وعن ابن أبي سيف قال : خطب مروان - والحسن عليه السلام جالس - فقال من علي عليه السلام ، فقال الحسن : ويلك يا مروان ! أهذا الذي تشتم شر الناس ! قال : لا ، ولكنه خير الناس ( 1 ) .


وعن أبي سعيد قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى ( وكان خارج المسجد على مبعدة ألفي ذراع ) ، وأول شئ يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم

ويوصيهم ويأمرهم ، وإن كان يريد أن يقطع بعثا ، أو يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف ، قال أبو سعيد : فلم يزل الناس على ذلك ، حتى خرجت مع مروان ، وهو أمير المدينة ( في عهد معاوية ) في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى ، إذا منبر بناه

كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه ، قبل أن يصلي ، فجبذت بثوبه ، فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة ، فقلت له : غيرتم والله ، فقال : أبا سعيد ، قد ذهب ما تعلم ، فقلت : ما أعلم والله خيرا ما لا أعلم ، فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلتها قبل الصلاة ( متفق عليه ) ( 2 ) .


وعن عبد الله بن السائب قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، العيد ، فلما قضى الصلاة ، قال : ( إنا نخطب ، فمن أحب أن يجلس للخطبة فيجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب ) ( رواه النسائي وأبو داوود وابن ماجة ) ( 3 ) .


وروى أبو داوود في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : أخرج مروان المنبر في يوم عيد ، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة ، فقام رجل فقال : يا مروان ، خالفت السنة ، أخرجت المنبر في يوم عيد ، ولم يكن يخرج فيه ، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ،

فقال أبو سعيد : من هذا ؟ قالوا : فلان بن فلان ، قال : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رأى منكرا ،

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 13 / 220 - 221 .
( 2 ) السيد سابق : فقه السنة 1 / 271 ( بيروت 1977 ) .
( 3 ) فقه السنة 1 / 271 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 67

فاستطاع أن يغيره بيده ، فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ( 1 ) .


هذا وقد قالت الإمامية : تجب الخطبتان في العيدين ، تماما كما في الجمعة ، وقالت : بقية المذاهب بالاستحباب ، واتفق الجميع على أن مكانها بعد الصلاة ، بخلاف خطبتي الجمعة ، فإنهما قبلها ( 2 ) .


وقالت السنة : يسن للإمام أن يخطب بعد صلاة العيد خطبتين ، يعلم الناس فيها أحكام زكاة الفطر في عيد الفطر ، وأحكام الأضحية ، وتكبير الإشراق في عيد الأضحى . وخطبتا العيدين كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط والسنن والمكروهات ،

إلا في أمور : منها أن خطبتي الجمعة يشترط فيها أن تكون قبل الصلاة ، بخلاف خطبتي العيد ، فإنه يشترط فيها تأخرهما عن الصلاة ، فإن قدمهما لا يعتد بهما ، ويندب إعادتهما بعد الصلاة .


هذا وكان الوليد بن يزيد يستخف بالصلاة - عماد الدين - وسخر من أهلها ، روى الفقيه ابن عبد ربه عن إسحاق بن محمد الأرزق قال : دخلت على المنصور بن جمهور الكلبي - بعد قتل الوليد بن يزيد - وعنده جاريتان من جواري الوليد فقال :

إسمع من هاتين الجاريتين ما تقولان ؟ قالتا : قد حدثناك ، قال : بل حدثاه كما حدثتماني ، قالت إحداهن : كنا أعز جواري عنده ، فنكح هذه ، فجاء المؤذنون يؤذنونه بالصلاة ، وأخرجها ، وهي سكرى متلعثمة ، فصلت بالناس ( 3 ) .


ولم يكتف هذا الوليد
- الذي كتب على المسلمين أن يكون إمامهم -

  * هامش *  
 

( 1 ) سنن أبي داود 1 / 160 - 261 .
( 2 ) محمد جواد مغنية : الفقه على المذاهب الخمسة 1 / 123 ( دار الجود - بيروت 1984 ) .
( 3 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 205 .

 

 

 ج 2 - ص 68

بمجونه هذا ، واستهتاره بالصلاة ، وبالمسلمين ، وإنما زاد في فسوقه ، حتى اعتدى على المصحف الشريف ، وروي أنه قرأ ذات يوم ، قول الله تعالى : ( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * ومن ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد ) ( 1 ) ، فدعا

بالمصحف ، فنصبه غرضا للنشاب ، وأقبل يرميه ، وهو يقول :

أتوعد كل جبار عنيد * فهأنا ذا جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب خرقني الولي
د ( 2 )


وأذن يوما المؤذن - وقد أخذ منه السكر - فقال لمغنية : غنني في ديني واعتقادي وقال :

تذكرني الحساب ولست تدري * أحقا ما تقول من الحساب
فقل للرب يمنعني طعاما * وقل للرب يمنعني شرابي
( 3 )


ويقول محمد بن يزيد المبرد النحوي في كتابه الكامل ، أن الوليد لحن في شعر له ، ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الوحي لم يأته عن ربه - كذب أخزاه الله ولعنه - ومن ذلك قوله :

تلعب بالخلافة هاشمي * بلا وحي أتاه ولا كتاب ( 4 )

ثم لم ينته الفاجر عند ذلك ، وإنما أخذ يفسر القرآن الكريم بهواه ، من ذلك ، قول الله تعالى : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ، يزعم الفاجر كذبا : أن المراد هو الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - أخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن
 

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة إبراهيم : آية 15 - 16 .
( 2 ) مروج الذهب 2 / 199 - 200 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 5 / 290 ، الأغاني 6 / 125 ،
ابن دقماق : الجوهر الثمين في سير الملوك والخلفاء والسلاطين ص 79 .
( 3 ) ابن دقمان : المرجع السابق ص 79 .
( 4 ) المسعودي : مروج الذهب 2 / 200 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 69

الزهري ، أنه قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك بن مروان فقال : الذي تولى كبره منهم ، علي ، فقلت : لا ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة بن مسعود - وكلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره ،

عبد الله بن أبي . وقد بينت رواية ابن مردويه سبب مقالة الوليد هذه ، قال الزهري : كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور مستلقيا ، فلما بلغ هذه الآية : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم . . . ) حتى بلغ قوله تعالى

: ( والذي تولى كبره ) جلس ثم قال : يا أبا بكر ، من تولى كبره منهم ؟ أليس : علي بن أبي طالب ؟ قال : قلت في نفسي : ماذا أقول ، لئن قلت لا ، لقد خشيت أن ألقى منه شرا ، ولئن قلت نعم ، لقد جئت بأمر عظيم ، قلت في نفسي : لقد عودني

الله على الصدق خيرا ، قلت : لا ، قال : فضرب بقضيبه على السرير ، ثم قال : فمن ، حتى ردد ذلك مرارا ، قلت : لكن عبد الله بن أبي . هذا وكان هشام بن عبد الملك يعتقد مثل هذا كأخيه الوليد ،


فلقد أخرج ابن شيبة في مسنده عن الإمام الشافعي عن عمه محمد بن علي بن شافع قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سليمان : الذي تولى كبره من هو ؟ قال : ابن أبي ، قال هشام : كذبت ، هو علي ، قال : أمير المؤمنين

اعلم بما يقول ، فدخل الزهري ، فقال هشام : يا ابن شهاب ، من تولى كبره ، قال : ابن أبي ، قال هشام : كذبت ، هو علي ، فقال الزهري : أنا أكذب ، لا أبا لك ، والله لو نادى مناد من السماء ، أن الله أحل الكذب ، ما كذبت ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة النور : آية 11 ، صحيح البخاري 3 / 227 - 231 ، 5 / 148 - 155 ، صحيح مسلم 8 / 102 - 116 ،
مسند الإمام أحمد
6 / 59 ، سنن الترمذي 5 / 13 ، فتح الباري 7 / 437 ، الزهري : المغازي النبوية ص 119 ،
تفسير ابن كثير
3 / 436 - 437 ، تفسير الطبري 18 / 89 ،
إبراهيم قريبي : مرويات غزوة بني المصطلق ص 227 - 226 ( نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ) . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 70

هذا وقد وصف الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - بني أمية ، فقال : ( والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما ، إلا استحلوه ، ولا عقدا إلا حلوه ، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر ، إلا دخله ظلمهم ، ونبا به

سوء رعيتهم وحتى يقوم الباكيان يبكيان ، باك يبكي لدينه ، وباك يبكي لدنياه ، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم ، كنصرة العبد من سيده ، إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه ، وحتى يكون أعظم فيها غناء ، أحسنكم بالله ظنا ) ( 1 ) .


فهل هؤلاء يمكن أن يقارنوا بأهل بيت النبوة ، والذين هم - كما قال عبد الله بن عمر بن الخطاب - ( أهل بيت لا يقاس بهم ) ( 2 ) ، وقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في حديث الثقلين ، وغيرهم من الأحاديث الشريفة .


وقال الإمام علي فيهم : ( هم عيش العلم ، وموت الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، وهمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، وهم دعائم الإسلام ، وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحق إلى نصابه ،

وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية ، لا عقل سماح ورواية ، فإن رواة العلم كثير ، ووعاته قليل ) ( 3 ) .


وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله مصابيح الدجى ، والعروة الوثقى ، وسلم تسليما كثيرا ( 4 ) .

وقال الإمام علي فيهم : ( فاستودعهم الله في أفضل مستودع ، وأقرهم في غير مستقر ، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام ، كلما مضى منهم سلف ، قام منهم بدين الله خلف ، حتى

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 7 / 78 .
( 2 ) الرياض النضرة 2 / 275 .

( 3 ) شرح نهج البلاغة 13 / 317 ، محمد عبده : نهج البلاغة ص 284 .
( 4 ) محمد عبده : نهج البلاغة ص 284 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 71

أفضت كرامة الله ، سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ، وأعز الأرومات مغرسا ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه ، وانتجب فيها أمناءه ، عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر ، وشجرته خير

الشجر ، نبتت في حرم ، وبسقت في كرم ، لها فروع طوال ، وثمر لا ينال ، فهو من إمام من اتقى ، وبصيرة من اهتدى . سراج لمع ضوؤه ، وشهاب سطع نوره ، وزند برق لمعه ، سيرته المقصد ، وسنته الرشد ، وكلامه الفصل ، وحكمه العدل ، أرسله الله على حين فترة من الرسل ، وهفوة عن العمل ، وغباوة من الأمم . . . ( 1 ) .


وقال الإمام علي : ( أنظروا أهل بيت نبيكم ، فالزموا سمتهم ، واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتهلكوا ) ( 2 ) .


وقال الإمام علي : ألا إن مثل آل محمد صلى الله عليه وسلم ، كمثل نجوم السماء ، إذا خوى نجم طلع نجم ، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع ، وأراكم ما كنتم تأملون ) ( 3 ) .


وقال الإمام علي : ( أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذبا وبغيا علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى ) . ثم قال : ( إن الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم ) ( 4 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8 / 62 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 8 / 76 .

( 3 ) شرح نهج البلاغة 8 / 84 .
( 4 ) شرح نهج البلاغة 9 / 84 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 72

ومن ثم فالرأي عندي أن الاثني عشر أميرا - أو خليفة - إنما هم أئمة أهل البيت النبوي الشريف ، وهم سادتنا الكرام البررة :
- الإمام علي بن أبي طالب
- الإمام الحسن بن علي
- الإمام الحسين بن علي
- الإمام علي زيد العابدين
- الإمام محمد الباقر
- الإمام جعفر الصادق
- الإمام موسى الكاظم
- الإمام علي الرضا
- الإمام محمد الجواد
- الإمام علي الهادي
- الإمام الحسن العسكري
- الإمام الحجة محمد المهدي .

 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب