|
- الإمامة وأهل البيت ج 2 - محمد بيومي مهران ص 51 :
|
3 - قوله صلى الله عليه وسلم : يكون
من بعدي اثنا عشر أميرا ، كلهم من قريش :
روى البخاري في صحيح بسنده عن شعبة عن عبد الملك
قال : سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا
عشر أميرا ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي إنه قال : كلهم من قريش ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 3 ) صحيح البخاري 9 / 101 ( دار الجيل - بيروت ) . ( * )
|
|
|
وروى مسلم في صحيحه
بسنده عن سماك بن حرب قال : سمعت جابر بن سمرة يقول : لا يزال الإسلام عزيزا
إلى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال :
كلهم من قريش ( 1 ) .
وعن داوود عن الشعبي
عن جابر بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يزال هذا الأمر عزيزا
، إلى اثني عشر خليفة ، قال : ثم تكلم بشئ لم أفهمه ، فقلت لأبي : ما قال :
فقال : كلهم من قريش ( 2 ) .
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص
قال : كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع ، أن أخبرني بشئ سمعته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال : فكتب إلي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
يوم جمعة عشية رجم الأسلمي ، يقول : لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة ، أو
يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش ( 3 ) .
وروى الترمذي في صحيحه
بسنده عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون من بعدي
اثنا عشر أميرا ، قال : ثم تكلم بشئ لم أفهمه ، فسألت الذي يليني ، فقال : قال
: كلهم من قريش ( 4 ) ( ورواه الإمام أحمد في مسنده ، وابن حجر في صواعقه ) ( 5
) .
وروى الحافظ أبو نعيم
في دلائل النبوة وبسنده عن قتادة عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال : خطب النبي
صلى الله عليه وسلم فقال : لا يزال هذا الدين عزيزا لا يضره من ناوأه ، حتى
يمضي اثنا عشر خليفة ، فضج الناس فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة لم
أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال صلى الله عليه وسلم ، فقال : كلهم من قريش ( 6 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 12 / 202 ( دار الكتب العلمية -
بيروت 13 / 19 ) .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 202 ، وانظر (
صحيح مسلم 12 / 199 -
206 ) .
( 3 ) صحيح مسلم 12 / 203 .
( 4 )
صحيح الترمذي 2 / 35 .
( 5 )
مسند
الإمام أحمد 5 / 92 ، 94 ، 99 ، 108 ، ابن حجر الهيثمي :
الصواعق المحرقة ص 113
.
( 6 ) أبو نعيم الأصفهاني : دلائل النبوة ص 481 ، 482 ( مكتبة الباز - مكة
المكرمة 1977 م ) . ( * )
|
|
|
وروى الحاكم في المستدرك بسنده
عن مسروق قال : كنا جلوسا ليلة عند عبد الله يقرئنا القرآن ، فسأله رجل فقال :
يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كم يملك هذه
الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله : ما سألني عن هذا أحد
منذ قدمت العراق قبلك ، قال : سألناه ، فقال : اثنا عشر ، عدة
نقباء بني إسرائيل ( 1 ) ( رواه الإمام أحمد في المسند والهيثمي في مجمع
الزوائد ، والمتقي في كنز العمال ) ( 2 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تخلو الأرض من حجة ) ، وفي
ينابيع المودة ، وإحياء علوم الدين قال الإمام علي بن أبي طالب - وكرم الله
وجهه في الجنة - : لا تخلو من قائم لله بحجة ، إما ظاهر مكشوف ، وإما خائف
مقهور ، لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته .
وتذهب الشيعة - وعلى رأسهم الإمامية - إلى أن المقصود
بالأمراء أو الخلفاء الاثني عشر ، إنما هم الأئمة الاثني عشر :
1 - الإمام علي بن أبي طالب
2 - الإمام الحسن
3 -
الإمام الحسين
4 - الإمام علي زين العابدين
5 - الإمام الباقر
6 - الإمام جعفر الصادق
7 - الإمام موسى الكاظم
8 - الإمام علي الرضا
9 -
الإمام محمد الجواد
10 - الإمام علي الهادي
11 - الإمام الحسن العسكري
12 - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري .
والسبب في ذلك - كما أشرنا من قبل - أن الأحاديث الشريفة -
الآنفة الذكر - لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة - والخمسة بانضمام
الإمام الحسن بن علي عليهما السلام - إليهم ، لكونهم أقل عددا ، أو خلافة من
سواهم من بني أمية وبني العباس ، لكونهم أكثر عددا ، فضلا عن أن أكثرهم من أهل
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المستدرك للحاكم 4 / 501 .
( 2 )
مسند الإمام
أحمد 1 / 389 ، 406 ، مجمع الزوائد 5 / 190 - 191
كنز العمال 3 / 205 ، 6 / 160
، 201 ، وانظر : مسند الإمام أحمد 5 / 86 ، 92 ، 106 ، السيوطي :
تاريخ الخلفاء
ص 9 - 11 . ( * )
|
|
|
الفسق والفجور ، قضوا أعمارهم في شرب الخمور والملاهي
والملاعب ، والاستمتاع بالغناء وضرب الدفوف ، وسفك الدماء المحرمة ، وغير ذلك
من المحرمات التي لا تتفق وسير خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أنها
لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة - من الزيدية والإسماعيلية والفاطمية
وغيرهم - لكون أئمتهم أقل .
ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني
عشرية - إنما يراد بهؤلاء الاثني عشر أميرا أو خليفة ، عترة النبي صلى الله
عليه وسلم ، أولهم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب ، وآخرهم المهدي الحجة ، بن
الحسن العسكري ، عليهم السلام ( 1 ) .
هذا ويلخص ابن أبي الحديد ، آراء الفرق المختلفة
في كون الأئمة من قريش بقوله : اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة ، فقال
قوم من قدماء أصحابنا : إن النسب ليس بشرط فيها أصلا وأنها تصلح في القرشي وغير
القرشي ، إذا كان فاضلا مستجمعا للشرائط المعتبرة ، واجتمعت الكلمة عليه ، وهو
قول الخوارج .
وقال أكثر أصحابنا ( المعتزلة ) وأكثر الناس : إن
النسب شرط فيها ، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة ، ومن العرب في قريش خاصة ،
وقال أكثر أصحابنا : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الأئمة من قريش ) إن
القرشية شرط ، إذ وجد في قريش من يصلح للإمامة ، فإن لم يكن فيها من يصلح ،
فليست القرشية شرطا فيها .
وقال بعض أصحابنا : معنى الخبر أنه لا تخلو قريش
أبدا ممن يصلح للإمامة ، فأوجبوا بهذا الخبر من يصلح من قريش لها في كل عصر
وزمان . وقال معظم الزيدية : إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين ، لا تصلح في
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) فضائل الخمسة 2 / 26 . ( * )
|
|
|
غير البطنين ( أبناء الحسن والحسين ) ولا تلح إلا بشرط أن
يقوم بها ، ويدعو إليها فاضل زاهد عالم ، شجاع سائس ، ومعظم الزيدية يجيز
الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي عليه السلام ، وهو من أقولهم الشاذة .
وأما الراوندية : فقد خصصوها للعباس رحمه الله
وولده ، من بين بطون قريش كلها ، وهذا القول ظهر في أيام المنصور ( 136 - 158
ه / 754 - 775 م ) والمهدي ( 158 - 169 ه / 775 - 785 م ) .
وأما الإمامية فقد جعلوها سارية في ولد مولانا
الإمام الحسين بن علي عليه السلام في أشخاص مخصوصين ، ولا تصلح عندهم لغيرهم .
وجعلها الكيسانية ( 1 ) في محمد بن الحنفية ( 2 ) وولده ، ومنهم من نقلها منه
إلى ولد غيره ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر عن الكيسانية ( البغدادي : الفرق
بين الفرق ص 38 - 51 ، مروج الذهب 3 / 87 ،
مقالات الإسلاميين 1 / 89 ،
التنبيه
لأبي الحسين الملطي ص 29 ، 148 ، 152 ، الملل والنحل للشهرستاني 1 / 147 ) .
(
2 ) محمد بن الحنفية : هو أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب ، المعروف بابن
الحنفية نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة من بني حنيفة ، قيل كانت من
سبي اليمامة ، وصارت إلى الإمام علي ، وقيل كانت سبية سوداء ، وكانت أمة لبني
حنيفة ولم تكن منهم ،
وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ، ولم يصالحهم
على أنفسهم . وأما كنية أبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وأنه قال للإمام علي : سيولد لك بعدي غلام ، وقد نحلته اسمي وكنيتي ،
ولا تحل لأحد من أمتي بعده ، وكان ابن الحنفية عالما
فاضلا شجاعا ، وكان شديد
القوة ، وقد حكى المبرد في الكامل قصصا كثيرة عن قوته ، وكانت راية أبيه معه
يوم صفين ، وكان بينه وبين ابن الزبير عداء ، وقد ولد لسنتين بقيتا من خلافة
عمر ( أي 21 ه - 642 م ) ، وتوفي عام 81 ه ، أو 82 ه بل قيل 72 ه أو 73 ه
،
وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان ، والي المدينة يومئذ ، ودفن بالبقيع ، وقيل
إنه خرج إلى الطائف هربا من ابن الزبير ، ومات هناك . وقيل مات ببلاد أيلة (
وفيات الأعيان 4 / 169 - 173 ،
تهذيب التهذيب 9 / 354 ،
العبر 1 / 93 ،
أنساب
الأشراف 5 / 214 ، 260 - 273 ، حلية الأولياء 3 / 174 - 180 ،
صفة الصفوة 2 /
42 شذرات الذهب 1 / 88 - 90 ،
طبقات الشيرازي ص 62 ،
الكامل للمبرد 2 / 114 ، 3
/ 266 . ( 3 ) شرح نهج البلاغة 9 / 86 . ( * )
|
|
|
هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة -
بشأن الاثني عشر أميرا وخليفة - وقال في آخره : كلهم من بني هاشم ( 1 ) ،
وروى الحافظ أبو نعيم في حليته
بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يحيا
حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال عليا من بعد ، وليوال
وليه ، وليقتد بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا فهما
وعلما ، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله
شفاعتي ) ( 2 )
وعن سلمان الفارسي قال : دخلت على النبي صلى الله
عليه وسلم ، فإذا الحسين علي فخذه ، وهو يقبل عينه ويقبل فاه ، ويقول : أنت سيد
بن سيد ، وأنت إمام وابن إمام ، وأنت حجة وابن حجة ، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم
قائما ( 3 ) .
وفي شرح العقيدة الطحاوية : وكان الأمر كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم : الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد
الملك بن مروان وأولاده الأربعة ، وبينهم عمر بن عبد العزيز ، ثم أخذ الأمر في
الإنحلال ، وعند الرافضة أن أمر
الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا منغصا ، يتولى عليهم
الظالمون المعتدون ، بل المنافقون الكافرون ، وأهل الحق أذل من اليهود ، وقولهم
ظاهر البطلان ، بل لم يزل الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر (
4 ) .
والواقع أن لنا على هذا الاتجاه عدة ملاحظات ، منها (
أولا ) عهد الإمام الحسن بن علي ، مع أن الإمام الطحاوي ( 5 ) نفسه
يذكره فيقول : وكانت خلافة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سليمان الحنفي القندوزي : ينابيع
المودة ص 107 .
( 2 ) حلية الأولياء 3 / 86 .
( 3 ) مهدي السماوي :
الإمامة في
ضوء الكتاب والسنة ص 157 ( القاهرة 1977 ) .
( 4 )
شرح العقيدة الطحاوية ص 552
- 553 .
( 5 ) الإمام الطحاوي : هو أبو جعفر بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد
الملك . . . الأردي الطحاوي - نسبة إلى قرية بصعيد مصر - الإمام المحدث الفقيه
الحافظ ، ولد عام 239 ه ، وتوفي =>
|
|
|
أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر ، وخلافة عمر عشر سنين ونيفا ،
وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر ، وخلافة الحسن
ستة أشهر ، وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه ، وهو خير ملوك المسلمين ،
لكنه إنما صار إماما حقا ، لما فوض إليه الحسن بن علي رضي
الله عنهم الخلافة ، فإن الحسن رضي الله عنه ، بايعه أهل العراق بعد موت أبيه
ثم بعد ستة أشهر فوجه الأمر إلى معاوية ( 1 ) ، فظهر صدق قول النبي صلى الله
عليه وسلم : ( إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين
) ( 2 ) .
ومنها ( ثانيا ) أنه بدأ ملوك بني أمية بمعاوية
وولده يزيد ، ثم تجاهل معاوية الثاني ( 64 ه / 683 م ) آخر ملوك السفيانيين من
بني أمية ، ثم تجاهل كذلك ( مروان بن الحكم ) ( 64 - 65 ه / 683 - 685 م ) وهو
الذي نقل الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين ، وهم فرع آخر من بني أمية .
ومنها ( ثالثا ) أنه وقف عند ( عمر بن عبد العزيز
- وهو ليس الخليفة رقم 12 بعد النبي صلى الله عليه وسلم - وإما لشهرة عمر بن
عبد العزيز بالورع والتقى ، وإما ليكمل العدد 12 ، فدولة بني أمية لم تنته بعمر
بن عبد العزيز ، وإنما استمرت بعده ، كما كانت قبله .
ومنها ( رابعا ) أن دولة بني أمية ( معاوية -
يزيد - معاوية الثاني - مروان -
| |
* هامش * |
|
| |
=> عام 321 ه ، تلقى العلم على خاله إسماعيل بن يحيى
المزني ، أفقه أصحاب الإمام الشافعي ، ثم أخذ ينظر في كتاب الحنفية حتى تحول
إلى لمذهب الحنفي ، وله مصنفات كثيرة أشهرها : العقيدة الطحاوية ومشكل الآثار
وأحكام القرآن والمختصر وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير وكتاب الشروط
والنوادر الفقهية والرد على أبي عبيد والرد على عيسى ابن أبان وغيرها
( أنظر عن
ترجمته : شذرات الذهب 2 / 288 ،
وفيات الأعيان 1 / 71 - 72 ،
العبر 2 / 186 ،
النجوم الزاهرة 3 / 239 ،
غاية النهاية 1 / 116 ،
تهذيب ابن عساكر 2 / 54 ،
المنتظم 6 / 250 ، الجواهر المضيئة 1 / 102 ،
مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ص 9 -
11 ) .
( 1 ) شرح العقيدة الطحاوية ص 545 - 546 ، على أن الأمر المثير للانتباه
هنا : يذكر الخلفاء : أبا بكر وعمر وعثمان ، دونما أية إشارة ) بينما يردف بعد
اسم معاوية ( رضي الله عنه ) .
( 2 ) متفق عليه ، من حديث أبي بكرة . ( * )
|
|
|
عبد الملك - الوليد - سليمان - عمر بن عبد العزيز - يزيد
الثاني - هشام - الوليد الثاني - يزيد الثالث - إبراهيم - مروان الثاني ) وهي
التي أنهت الخلافة الراشدة إنما كانت دولة عربية ، أكثر منها إسلامية ، كما
كانت انتقالا جديدا في تاريخ
الإسلام ، وفرصة انتهزتها الجاهلية التي كانت لا تزال
بالمرصاد ، فعاشت النزعات التي قضى عليها السلام وعادت العصبيات القبلية
والنخوة الجاهلية التي نعاها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه ، وأصبح بيت
المال - الذي كان على أيام
الرسول والخلفاء الراشدين ملكا للأمة - أصبح في عهد بني أمية
ملكا خاصا للخليفة ، خاضعا لشهواته وتصرفاته ، وقد حدث المؤرخون أن الأخطل (
حوالي 640 ه - 710 م ) - الشاعر النصراني ، أصبح يدخل على عبد الملك بن مروان
بغير إذن ،
وعليه جبة خز ، وفي عنقه صليب ذهب ، ولحيته تنفض خمرا ، ثم لا
يتورع أن يهجو المسلمين من الأنصار . . . إلى غير ذلك من تصرفات بعيدة عن
الإسلام ومبادئه ( 1 ) .
ومنها ( خامسا ) أن ملوك بني أمية الذين رأى
الإمام الطحاوي أن الإسلام لم يزل عزيزا في أيامهم ، إنما كانت أفعالهم ، كثيرا
ما تبعد عن الإسلام ومبادئه ، فأول ملوكهم معاوية بن أبي سفيان ،
هو الذي سن
تلك البدعة الخسيسة ، بدعة سب الإمام
علي وأهل البيت على منابر المسلمين ، وهو صاحب الموبقات
الأربع ، روى الطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم عن الإمام الحسن البصري أنه
قال : أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن له منهن إلا واحدة لكانت موبقة :
انتزاؤه على هذه
الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم
بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا ، يلبس الحرير
ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (
الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، وقتله حجرا ويلا له من حجر مرتين ) ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أبو الحسن الندوي رجال الفكر والدعوة في الإسلام 1 / 33
- 36 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 3 / 487 ،
ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 141 . ( * )
|
|
|
وأما ولده يزيد ، فيكفي أن نشير إلى
قول سعيد بن المسيب : كانت سنوات يزيد شؤما ، في السنة الأولى قتل
الحسين بن علي وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مذبحة كربلاء ) ، وفي
الثانية : استبيح حرم رسول الله ، وانتهكت حرمة المدينة ، وفي الثالثة سفكت
الدماء في حرم الله وحرقت الكعبة ( 1 ) .
وأما مروان بن الحكم - رأس البيت المرواني - فهو
الذي قتل طلحة بن عبيد الله - أحد العشرة المبشرين بالجنة - غدرا في موقعة
الجمل ، ثم هو ابن الحكم لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد لعنه النبي ،
ومروان في صلبه ، وروى أن السيدة عائشة قالت لمروان : أشهد أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه فهو فضض ( قطعة ) من لعنة الله ورسوله (
2 ) .
وأما عبد الملك بن مروان فقد
كان طاغية جبارا ، لا يبالي بما يصنع ، وهو القائل - بعد أن ولي الخلافة - وكان
يقرأ في مصحف : هذا فراق بيني وبينك ، وقيل أنه قال : هذا آخر العهد بك ، ثم هو
الذي خطب الناس فقال لا يأمرني أحد بتقوى
الله ، بعد مقامي هذا ، إلا ضربت عنقه ، ثم هو القائل : لا
أداوي هذه الأمة إلا بالسيف ، وهو القائل : وإني لست بالخليفة المستضعف ( يعني
عثمان ) ولا الخليفة المداهن ( يعني معاوية ) ولا الخليفة المأفون ( يعني يزيد
بن معاوية ) ( 3 ) .
وفي عهده ظهر الحجاج الثقفي لينشر الخراب والقتل في كل مكان
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ
اليعقوبي 2 / 253 ، وانظر : تاريخ الطبري 5 / 338 - 471 ، 482 - 494 ، 498 -
499 . 498 - 499 .
( 2 ) أنظر : أسد الغابة 2 / 37 - 38
الإستيعاب 1 / 317 -
319 ، الإصابة 1 / 345 - 346 ، ابن كثير :
البداية والنهاية 8 / 280 ،
طبقات
ابن سعد 5 / 24 - 26 ، محمد بيومي مهران : الإمام علي زين العابدين ص 113 - 118
.
( 3 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 218 - 219 ( القاهرة 1964 ) ، المقريزي
الذهب المسبوك ص 39 ، النزاع والتخاصم فيما بين أمية وبني هاشم ص 37 ،
طبقات
ابن سعد 5 / 176 - 177 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ
4 / 297 - 303 . ( * )
|
|
|
باسم الأمويين ( 1 ) ، وعبد الملك هذا - كما يقول السيوطي -
أول من غدر في الإسلام ، وأول من نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء ، وأول من نهى
عن الأمر بالمعروف ( 2 ) .
وأما الوليد فكان فاجرا ماجنا فاسقا ، حتى اشتهر
بلقب ( خليع بني أمية ) ، بسبب ولعه بالنساء وحتى اتهم الجنسي بأمهات أولاد
أبيه ، وحتى أن رأسه - بعد أن طيف بها على رمح في دمشق - دفعت إلى أخيه سليمان
، فلما نظر إليها قال : بعدا له ، أشهد أنه كان شروبا للخمر ، ماجنا فاسقا ،
ولقد راودني في نفسي الفاسق ( 3 ) .
ولعل أول من شرب المسكر من الخلفاء ، إنما هو
يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقد روي أنه كان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا
مخمورا ، فقيل له ( يزيد الخمور ) ( 4 ) ، وكان عبد الملك بن مروان يشرب في كل
شهر مرة ، حتى لا يعقل :
أفي السماء أو في الماء ؟ وكان يقول : إنما أقصد من هذا إلى
إشراق العقل ، وتقوية منة الحفظ ، وتصفية موضع الفكر ، غير أنه إذا بلغ آخر
الشراب - أو السكر - أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شئ ، وأما
ولده الوليد بن عبد الملك فكان - فيما رووا - يشرب يوما ، ويدع يوما ، واعتاد
هشام بن عبد الملك الشرب يوم الجمعة من بعد الصلاة ( 5 ) .
وأما الوليد الثاني فقد بز الجميع في الشراب
والتهتك ، وقد حكى أنه اتخذ بركة في قصرة ، فكان يملؤها خمرا ، ثم ينزع ثيابه
ويغتسل فيها ، ويشرب منها ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر : محمد بيومي مهران : الإمام علي زين العابدين ص 123 - 134
.
( 2 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 203 .
( 3 ) ابن الأثير :
الكامل في التاريخ
5 / 280 - 288 .
( 4 ) فيليب حتى : تاريخ العرب ص 294 ، وانظر :
العقد الفريد 3
/ 403 ، النويري : النهاية 4 / 91
( 5 ) الجاحظ
التاج في أخلاق الملوك - نشره
أحمد زكي باشا - القاهرة 1914 ص 165 ، فيليب حتى : المرجع السابق ص 294 - 295 .
( * )
|
|
|
ويظل كذلك حتى يظهر النقص في البركة ، وكان يقضي معظم أيامه
في قصوره في البادية ، في قريتين تقعان في منتصف الطريق بين دمشق وتدمر ( 1 ) ،
وقد أورد صاحب الأغاني خبرا يصور مجلسا من مجالس شربه ، رواه شاهد عيان ، ووصف
فيه ما كان يمارسه هذا الخليفة من التهتك والمجون ( 2 ) .
ولم يكتف ملوك بني أمية بالشراب ، بل استهواهم الغناء والموسيقى وبعض ضروب
الرقص ، فإذا كان الخليفة ممن لا يريد أن يشهر عنه ذلك ، جعل ستارة بينه وبين
الندماء ، ولم يكن الوليد الثاني ممن يتحاشى الرفث والمجون .
وكان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، أول من سن
الملاهي ، واستجلب المغنين إلى الشام ، وكان شاعرا، فجعل يقيم الحفلات الكبرى
في بلاطه ، ومن ثم فقد أصبح الغناء والشراب صنوين متآلفين في تاريخ الدولة
الإسلامية ، وقد شمل عبد الملك بن
مروان برعايته ( ابن مسجح ) من مغني الحجاز ، واستقدم ولده
الوليد ( ابن شريح ) و ( معبدا ) إلى دمشق ، واحتفى بهما ، ثم أعاد الوليد
الثاني الشعر والموسيقى إلى البلاط ، بعد أن حال دونهما الخليفة الراشد عمر بن
عبد العزيز .
هذا وقد شاع الغناء في عهد ملوك بني أمية شيوعا عظيما ، وعظم الشغف به في حواضر
الدولة الإسلامية ، حتى يزور مغن مثل ( حنين ) - الحيري النصراني ، وكان يعيش
في العراق - يزور المدينة ، ويجتمع الناس في أحد منازل المدينة ،
ويزدحمون على السطح ويكثرون ليسمعوه ، فيسقط الرواق على من
تحته ، ويموت المغني ( حنين ) ( حوالي عام 720 م ) - على أيام يزيد بن عبد
الملك ( 101 - 105 ه 720 - 724 م ) ( 3 ) . تحت الهدم .
ويقول الدكتور
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نفس المرجع السابق ص 295 .
( 2 ) الأغاني 2 / 72 .
( 3 ) أبو الحسن الندوي : المرجع السابق ص 36 ، الأغاني 2 / 127 ، فيليب حتى :
المرجع السابق ص 343 - 348 ،
أحمد أمين : فجر الإسلام ص 176 . ( * )
|
|
|
أحمد أمين : واجتمع في زمن واحد
من مشهوري المغنين والمغنيات في الحجاز : جميلة وهيت و ( طويس ) ( 632 - 715 م
) و ( الدلالا ) و ( برد الفؤال ) و ( نومة الضحى ) و ( رحمة ) و ( هبة ) و (
معبد ) ( ت 743 م ) و ( مالك )
و ( ابن عائشة ) و ( نافع بن طنبورة ) و ( عزة الميلاء ) و (
حبابة ) و ( سلامة ) و ( بلبلة ) و ( لذة العيش ) و( سعيدة ) و ( الزرقاء ) . .
. الخ ، ويرون أن هؤلاء حجوا فتلقاهم في مكة ) ( سعيد بن مسجح ) ( ت 714 م ) ،
و ( ابن شريح )
( 634 - 726 م ) و ( الغريض ) - واسمه عبد الملك - و ( ابن
محرز ) ( ت 715 م ) ، وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى حسن
هيئتهم ( 1 ) .
هذا وقد اشتهر ( يزيد بن عبد الملك ) باللهو
والخلاعة ، والتشبب بالنساء ، كما كان يبالغ في المجون بحضرة الندماء ، كما سوى
بين الطبقة العليا والسفلى ، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه ،
فلم يتورعوا عن الرد عليه ، وحذا حذوه ولده الوليد ( 2 ) .
وأما عن الكتاب والسنة ، فلقد كان معاوية بن أبي
سفيان أول من رد السنة في قضية نسب زياد بن أبيه ، أو زياد بن عبيد ، بأبي
سفيان ، قال ابن الأثير : ) أول ما ردت أحكام الشريعة علانية ، فإن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقضى معاوية بغيره ( 3
) .
وروى ابن كثير في البداية والنهاية عن مخالفات
معاوية للسنة : قال المغيرة عن الشعبي : أول من خطب جالسا معاوية ، حين كثر
شحمه ، وعظم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد أمين : فجر الإسلام ص 176 - 177 ( بيروت 1969 ) .
( 2 ) حسن إبراهيم :
تاريخ الإسلام السياسي 1 / 331 ، 335 .
( 3 ) تاريخ الطبري 5 / 214 - 215 ،
تاريخ اليعقوبي 2 / 218 - 219 ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 3 / 441 - 445
،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 266 - 274 ، المسعودي :
مروج الذهب 2 / 5 - 8
، ابن عبد البر : الإستيعاب 1 / 570 - 571
محمد بيومي مهران :
الإمام علي بن
أبي طالب 1 / 235 - 240 صحيح البخاري 8 / 194 . ( * )
|
|
|
بطنه ، وقال قتادة عن سعيد بن المسيب : أول من أذن وأقام يوم
الفطر والنحر معاوية ، وقال الإمام أبو جعفر الباقر : كانت أبواب مكة لا أغلاق
لها ، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية ، وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري :
مضت السنة أن لا
يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر ، وأول من ورث المسلم
من الكافر معاوية ، وقضى بذلك بنو أمية بعده ، وبه قال الزهري ، ومضت السنة أن
دية المعاهد كدية المسلم ، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف
لنفسه ( 1 )
هذا وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن معاوية قد أخرج
المنابر إلى المصلين في العيدين ، وأنه خطب الخطبة قبل الصلاة ، وذلك أن الناس
كانوا - إذا صلوا - انصرفوا لئلا يسمعوا لعن الإمام علي بن أبي طالب ( والعياذ
بالله ) فقدم معاوية الخطبة
قبل الصلاة ، ووهب ( فدكا ) لمروان بن الحكم ، ليغيظ بذلك آل
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) . على أن أهل السنة إنما ينسبون ذلك إلى
مروان بن الحكم - رأس البيت المرواني -
روى البخاري في صحيحه بسنده عن
عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يصلي في الأضحى
والفطر ، ثم يخطب ( 3 ) ، وعن ابن عباس قال : شهدت العيد مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، فكلهم كانوا يصلون قبل
الخطبة ( 4 ) .
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عطاء : أن ابن عباس
أرسل إلى ابن الزبير - أول ما بويع له - أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر ،
فلا تؤذن لها ، فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه ، وأرسل إليه مع ذلك ، إنما
الخطبة بعد الصلاة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 150 - 151
صحيح البخاري 8 / 194 .
( 2 )
تاريخ
اليعقوبي 2 / 223 .
( 3 ) صحيح البخاري 2 / 22 .
( 4 )
صحيح البخاري 2 / 23 . (
* )
|
|
|
وأن ذلك قد كان يفعل ، قال : فصلى ابن الزبير قبل الخطبة ( 1
) .
وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر ، فيبدأ بالصلاة ،
فإذا صلى صلاته وسلم ، قام فأقبل على الناس ، وهم جلوس في مصلاهم ، فإن كان له
حاجة يبعث ذكره للناس ، أو كانت له
حاجة بغير ذلك ، أمرهم بها ، وكان يقول : تصدقوا تصدقوا
تصدقوا ، وكان أكثر من يتصدق النساء ، فلم يزل كذلك ، حتى كان مروان بن الحكم ،
فخرجت مخاصرا مروان ، حتى أتينا المصلى ، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرا من
طين ، فإذا
مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو
الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت : أين الابتداء بالصلاة ؟ فقال : لا ، يا أبا
سعيد قد ترك ما تعلم ، قلت : كلا، والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم،
ثلاث مرات ثم انصرف ( 2 ) .
وفي الموطأ عن مالك عن ابن شهاب : أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة ( 3 ) ،
وعن مالك : أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك ( 4 ) .
وقال أبو عبيد : ثم شهدت العيد
مع عثمان بن عفان ، فجاء فصلى ، ثم انصرف فخطب ، وقال : إنه قد اجتمع لكم في
يومكم هذا عيدان ، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة ، فلينتظرها ، ومن
أحب أن يرجع فقد أذنت له ( 5 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 6 / 176 .
( 2 )
صحيح مسلم 6 /
177 - 178 ، وانظر : المسهوري : وفاء الوفاء 3 / 787 - 789 .
( 3 ) الإمام مالك
: الموطأ ص 127 ( كتاب الشعب - القاهرة 1970 ) .
( 4 )
الموطأ ص 127 .
( 5 )
الموطأ ص 128 . ( * )
|
|
|
وقال أبو عبيد : ثم شهدت العيد
مع علي بن أبي طالب ( وعثمان محصور ) فجاء فصلى ، ثم انصرف فخطب ( 1 ) .
ورى الإمام الشافعي في ( الأم )
بسنده عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر
وعمر ، كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة ( 2 ) ،
وعن ابن عمر : أن النبي صلى
الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يصلون في العيدين قبل الخطبة ( 3 ) .
وعن عياض بن عبد الله بن سعد بن
أبي سرح : أن أبا سعيد قد أرسل إلى مروان ، وإلى رجل قد سماه ، فمشى بنا حتى
أتى المصلى ، فذهب ليصعد فجبذته إلي ، فقال : يا أبا سعيد ترك الذي تعلم ، قال
أبو سعيد : فهتفت ثلاث مرات ، فقلت : والله لا تأتون إلا شرا منه ( 4 ) .
وعن عبد الله بن يزيد الخطمي :
أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر وعثمان ، كانوا يبتدأون الصلاة
قبل الخطبة ، حتى قدم معاوية ( ابن أبي سفيان ) فقدم الخطبة ( 5 ) .
وفي نهج البلاغة عن عمرو بن علي
بن الحسين عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام قال : قال لي مروان : ما كان في
القوم أدفع عن صاحبنا ( أي عثمان بن عفان ) من صاحبكم ( أي الإمام علي بن أبي
طالب ) قلت : فما بالكم تسبونه على المنابر ؟ قال : إنه لا يستقيم لنا الأمر ،
إلا بذلك ( 6 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الموطأ 128 .
( 2 ) الإمام الشافعي :
الأم
1 / 208 ( كتاب الشعب - القاهرة 1969 ) .
( 3 ) الأم 1 / 208 .
( 4 )
الأم 1 /
208 .
( 5 ) الأم 1 / 208 ، وانظر : ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 4 / 194 ،
ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 278 .
( 6 ) ابن أبي الحديد :
شرح نهج البلاغة
13 / 220 . ( * )
|
|
|
وعن ابن أبي سيف قال : خطب
مروان - والحسن عليه السلام جالس - فقال من علي عليه السلام ، فقال الحسن :
ويلك يا مروان ! أهذا الذي تشتم شر الناس ! قال : لا ، ولكنه خير الناس ( 1 ) .
وعن أبي سعيد قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يخرج يوم الفطر
والأضحى إلى المصلى ( وكان خارج المسجد على مبعدة ألفي ذراع ) ، وأول شئ يبدأ
به الصلاة ، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم
ويوصيهم ويأمرهم ، وإن كان يريد أن يقطع بعثا ، أو يأمر بشئ
أمر به ثم ينصرف ، قال أبو سعيد : فلم يزل الناس على ذلك ، حتى خرجت مع مروان ،
وهو أمير المدينة ( في عهد معاوية ) في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى ، إذا
منبر بناه
كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه ، قبل أن يصلي ،
فجبذت بثوبه ، فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة ، فقلت له : غيرتم والله ، فقال :
أبا سعيد ، قد ذهب ما تعلم ، فقلت : ما أعلم والله خيرا ما لا أعلم ، فقال : إن
الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلتها قبل الصلاة ( متفق عليه ) ( 2
) .
وعن عبد الله بن السائب قال : شهدت مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، العيد ، فلما قضى الصلاة ، قال : ( إنا نخطب ، فمن أحب أن
يجلس للخطبة فيجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب ) ( رواه النسائي وأبو داوود وابن
ماجة ) ( 3 ) .
وروى أبو داوود في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري
قال : أخرج مروان المنبر في يوم عيد ، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة ، فقام رجل فقال
: يا مروان ، خالفت السنة ، أخرجت المنبر في يوم عيد ، ولم يكن يخرج فيه ،
وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ،
فقال أبو سعيد : من هذا ؟ قالوا : فلان بن فلان ، قال : أما
هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رأى منكرا
،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 13 / 220 - 221 .
( 2 ) السيد سابق :
فقه
السنة 1 / 271 ( بيروت 1977 ) .
( 3 ) فقه السنة 1 / 271 . ( * )
|
|
|
فاستطاع أن يغيره بيده ، فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه
، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ( 1 ) .
هذا وقد قالت الإمامية : تجب الخطبتان في العيدين
، تماما كما في الجمعة ، وقالت : بقية المذاهب بالاستحباب ، واتفق الجميع على
أن مكانها بعد الصلاة ، بخلاف خطبتي الجمعة ، فإنهما قبلها ( 2 ) .
وقالت السنة : يسن للإمام أن يخطب بعد صلاة العيد
خطبتين ، يعلم الناس فيها أحكام زكاة الفطر في عيد الفطر ، وأحكام الأضحية ،
وتكبير الإشراق في عيد الأضحى . وخطبتا العيدين كخطبتي الجمعة في الأركان
والشروط والسنن والمكروهات ،
إلا في أمور : منها أن خطبتي الجمعة يشترط فيها أن تكون قبل
الصلاة ، بخلاف خطبتي العيد ، فإنه يشترط فيها تأخرهما عن الصلاة ، فإن قدمهما
لا يعتد بهما ، ويندب إعادتهما بعد الصلاة .
هذا وكان الوليد بن يزيد يستخف بالصلاة - عماد
الدين - وسخر من أهلها ، روى الفقيه ابن عبد ربه عن إسحاق بن محمد الأرزق قال :
دخلت على المنصور بن جمهور الكلبي - بعد قتل الوليد بن يزيد - وعنده جاريتان من
جواري الوليد فقال :
إسمع من هاتين الجاريتين ما تقولان ؟ قالتا : قد حدثناك ، قال
: بل حدثاه كما حدثتماني ، قالت إحداهن : كنا أعز جواري عنده ، فنكح هذه ، فجاء
المؤذنون يؤذنونه بالصلاة ، وأخرجها ، وهي سكرى متلعثمة ، فصلت بالناس ( 3 ) .
ولم يكتف هذا الوليد - الذي كتب على المسلمين أن يكون إمامهم -
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سنن أبي داود 1 / 160 -
261 .
( 2 ) محمد جواد مغنية : الفقه على المذاهب الخمسة 1 / 123 ( دار الجود -
بيروت 1984 ) .
( 3 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 205 .
|
|
|
بمجونه هذا ، واستهتاره بالصلاة ، وبالمسلمين ، وإنما زاد في
فسوقه ، حتى اعتدى على المصحف الشريف ، وروي أنه قرأ ذات يوم ، قول الله تعالى
: ( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد *
ومن ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد ) ( 1 ) ، فدعا
بالمصحف ، فنصبه غرضا للنشاب ، وأقبل يرميه ، وهو يقول :
أتوعد كل جبار عنيد * فهأنا ذا جبار
عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب خرقني الوليد
( 2 )
وأذن يوما المؤذن - وقد أخذ منه السكر - فقال لمغنية : غنني في ديني واعتقادي
وقال :
تذكرني الحساب ولست تدري * أحقا ما
تقول من الحساب
فقل للرب يمنعني طعاما * وقل للرب يمنعني شرابي ( 3 )
ويقول محمد بن يزيد المبرد النحوي في كتابه الكامل ، أن الوليد لحن في شعر له ،
ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الوحي لم يأته عن ربه - كذب أخزاه الله
ولعنه - ومن ذلك قوله :
تلعب بالخلافة هاشمي *
بلا وحي أتاه ولا كتاب ( 4 )
ثم لم ينته الفاجر عند ذلك ، وإنما أخذ يفسر القرآن الكريم
بهواه ، من ذلك ، قول الله تعالى : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ،
يزعم الفاجر كذبا : أن المراد هو الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم
الله وجهه في الجنة - أخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي
عن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة إبراهيم :
آية 15 - 16 .
( 2 ) مروج الذهب 2 / 199 - 200 ، ابن الأثير :
الكامل في
التاريخ 5 / 290 ، الأغاني 6 / 125 ،
ابن دقماق : الجوهر الثمين في سير الملوك
والخلفاء والسلاطين ص 79 .
( 3 ) ابن دقمان : المرجع السابق ص 79 .
( 4 )
المسعودي : مروج الذهب 2 / 200 . ( * )
|
|
|
الزهري ، أنه قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك بن مروان
فقال : الذي تولى كبره منهم ، علي ، فقلت : لا ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن
الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة بن مسعود - وكلهم سمع عائشة تقول :
الذي تولى كبره ،
عبد الله بن أبي . وقد بينت رواية ابن مردويه سبب مقالة
الوليد هذه ، قال الزهري : كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو
يقرأ سورة النور مستلقيا ، فلما بلغ هذه الآية : ( إن
الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم . . . ) حتى بلغ قوله تعالى
: ( والذي تولى كبره ) جلس ثم
قال : يا أبا بكر ، من تولى كبره منهم ؟ أليس : علي بن أبي طالب ؟ قال : قلت في
نفسي : ماذا أقول ، لئن قلت لا ، لقد خشيت أن ألقى منه شرا ، ولئن قلت نعم ،
لقد جئت بأمر عظيم ، قلت في نفسي : لقد عودني
الله على الصدق خيرا ، قلت : لا ، قال : فضرب بقضيبه على
السرير ، ثم قال : فمن ، حتى ردد ذلك مرارا ، قلت : لكن عبد الله بن أبي . هذا
وكان هشام بن عبد الملك يعتقد مثل هذا كأخيه الوليد ،
فلقد أخرج ابن شيبة في مسنده عن الإمام الشافعي
عن عمه محمد بن علي بن شافع قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك
فقال له : يا سليمان : الذي تولى كبره من هو ؟ قال : ابن أبي ، قال هشام : كذبت
، هو علي ، قال : أمير المؤمنين
اعلم بما يقول ، فدخل الزهري ، فقال هشام : يا ابن شهاب ، من
تولى كبره ، قال : ابن أبي ، قال هشام : كذبت ، هو علي ، فقال الزهري : أنا
أكذب ، لا أبا لك ، والله لو نادى مناد من السماء ، أن الله أحل الكذب ، ما
كذبت ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة النور : آية 11 ،
صحيح البخاري 3 / 227 - 231 ، 5 / 148 - 155 ،
صحيح مسلم 8 / 102 - 116 ،
مسند الإمام أحمد 6 / 59 ،
سنن الترمذي 5 / 13 ،
فتح
الباري 7 / 437 ، الزهري : المغازي النبوية ص 119 ،
تفسير ابن كثير 3 / 436 -
437 ، تفسير الطبري 18 / 89 ،
إبراهيم قريبي :
مرويات غزوة بني المصطلق ص 227 -
226 ( نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ) . ( * )
|
|
|
هذا وقد وصف الإمام علي بن أبي طالب
- رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - بني أمية ، فقال : ( والله لا
يزالون حتى لا يدعوا لله محرما ، إلا استحلوه ، ولا عقدا إلا حلوه ، وحتى لا
يبقى بيت مدر ولا وبر ، إلا دخله ظلمهم ، ونبا به
سوء رعيتهم وحتى يقوم الباكيان يبكيان ، باك يبكي لدينه ،
وباك يبكي لدنياه ، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم ، كنصرة العبد من سيده ، إذا
شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه ، وحتى يكون أعظم فيها غناء ، أحسنكم بالله ظنا )
( 1 ) .
فهل هؤلاء يمكن أن يقارنوا بأهل بيت النبوة ، والذين هم - كما قال عبد الله بن
عمر بن الخطاب - ( أهل بيت لا يقاس بهم ) ( 2 ) ، وقدمهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، في حديث الثقلين ، وغيرهم من الأحاديث الشريفة .
وقال الإمام علي فيهم : ( هم عيش العلم ، وموت
الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، وهمتهم عن حكم منطقهم ،
لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، وهم دعائم الإسلام ، وولائج الاعتصام ،
بهم عاد الحق إلى نصابه ،
وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا
الدين عقل وعاية ورعاية ، لا عقل سماح ورواية ، فإن رواة العلم كثير ، ووعاته
قليل ) ( 3 ) .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله مصابيح الدجى ، والعروة
الوثقى ، وسلم تسليما كثيرا ( 4 ) .
وقال الإمام علي فيهم : (
فاستودعهم الله في أفضل مستودع ، وأقرهم في غير مستقر ، تناسختهم كرائم الأصلاب
إلى مطهرات الأرحام ، كلما مضى منهم سلف ، قام منهم بدين الله خلف ، حتى
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 7
/ 78 .
( 2 ) الرياض النضرة 2 / 275 .
|
( 3 )
شرح نهج البلاغة 13 / 317 ، محمد
عبده : نهج البلاغة ص 284 .
( 4 ) محمد عبده :
نهج البلاغة ص 284 . ( * )
|
|
|
أفضت كرامة الله ، سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم
، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ، وأعز الأرومات مغرسا ، من الشجرة التي صدع
منها أنبياءه ، وانتجب فيها أمناءه ، عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر ،
وشجرته خير
الشجر ، نبتت في حرم ، وبسقت في كرم ، لها فروع طوال ، وثمر
لا ينال ، فهو من إمام من اتقى ، وبصيرة من اهتدى . سراج لمع ضوؤه ، وشهاب سطع
نوره ، وزند برق لمعه ، سيرته المقصد ، وسنته الرشد ، وكلامه الفصل ، وحكمه
العدل ، أرسله الله على حين فترة من الرسل ، وهفوة عن العمل ، وغباوة من الأمم
. . . ( 1 ) .
وقال الإمام علي : ( أنظروا أهل بيت نبيكم ،
فالزموا سمتهم ، واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى ،
فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتهلكوا ) ( 2 ) .
وقال الإمام علي : ألا إن مثل آل محمد صلى الله
عليه وسلم ، كمثل نجوم السماء ، إذا خوى نجم طلع نجم ، فكأنكم قد تكاملت من
الله فيكم الصنائع ، وأراكم ما كنتم تأملون ) ( 3 ) .
وقال الإمام علي : ( أين الذين زعموا أنهم
الراسخون في العلم دوننا ، كذبا وبغيا علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا
وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى ) . ثم قال : (
إن الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا تصلح
الولاة من غيرهم ) ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8 / 62 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 8 / 76
.
|
( 3 ) شرح نهج البلاغة 8 / 84 .
( 4 )
شرح نهج البلاغة 9 / 84 . ( * )
|
|
|
ومن ثم فالرأي عندي أن الاثني عشر أميرا - أو خليفة - إنما هم
أئمة أهل البيت النبوي الشريف ، وهم سادتنا الكرام البررة :
- الإمام علي بن أبي طالب
- الإمام الحسن بن علي
- الإمام الحسين بن علي
- الإمام علي زيد العابدين
- الإمام محمد الباقر
- الإمام جعفر الصادق
- الإمام موسى الكاظم
- الإمام علي الرضا
- الإمام محمد الجواد
- الإمام علي الهادي
- الإمام الحسن العسكري
- الإمام الحجة محمد المهدي .
|