- الإمامة وأهل البيت ج 2 - محمد بيومي مهران ص 33 :

ثالثا - أدلة إمامة الإمام علي بن أبي طالب :


انقسم العلماء في تفسيرهم لأدلة إمامة سيدنا الإمام علي بن أبي طالب إلى فريقين ،

الواحد : يرى أنها كانت بمثابة توجيهات من النبي صلى الله عليه وسلم ،

والآخر : يرى أنها كانت نصا - بل نصوصا - من النبي صلى الله عليه وسلم .

فأما عن الفريق الأول - وتمثله جمهرة كبيرة من المسلمين من أهل السنة ، أو قل من غير الشيعة ، يقول الأستاذ العقاد : مهما اختلف الرواة في تأويل الأحاديث النبوية في فضل الإمام علي ومحبته ومنزلته عند الله ونبيه صلى الله عليه وسلم - وهي تعد

بالعشرات - فالذي يسعك أن تجزم به من وراء اختلافهم ، أن عليا كان من أحب الناس إلى النبي ، إن لم يكن أحبهم إليه على الإطلاق .


لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يغمر بالحب كل من أحاط به ، من الغرباء والأقربين ، فأي عجب أن يخص بالحب من بينهم إنسانا ، كان ابن عمه ، الذي كفله وحماه ، وكان ربيبه الذي أوشك أن يتبناه ، وكان زوج ابنته العزيزة عنده ، وكان

بديله في الفراش ليلة الهجرة ، التي هم المشركون فيها بقتل من يبيت في فراشه ، وكان نصيره ، الذي أبلى أحسن البلاء في جميع غزواته ، وتلميذه الذي علم من فقه الدين ، ما لم يعلمه ناشئ في سنه ؟ حب النبي صلى الله عليه وسلم ، لهذا الإنسان -

الإمام علي - حقيقة لا حاجة بها إلى تأويل ، ولا إلى تفسير النصوص ، لأنها حقيقة طبيعية ، أو حقيقة بديهية ، قائمة من وراء كل خلاف .


ومما لا خلاف فيه كذلك ، أنه صلى الله عليه وسلم ، كان لا يكتفي بحبه إياه ، بل كان يسره ويرضيه ، أن يحببه إلى الناس ، وكان يسوءه ويغضبه أن يسمع من يكرهه ويجفوه .

وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يرد على من يشكو الإمام علي بقوله الشريف : ( علي مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي ) ، أو بقوله الشريف : ( أيها
 

 ج 2 - ص 34

الناس ، لا تشكو عليا ، فوالله إنه لجيش في ذات الله ) .

ويلوح لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يحب الإمام علي ، وكان يحببه إلى الناس ، ليمهد له سبيل الخلافة في وقت من الأوقات ، لكن على أن يختاره الناس طواعية وحبا ، لا أن يكون اختياره حقا من حقوق العصبية الهاشمية ، فإنه - عليه

الصلاة والسلام - قد اتقى هذه العصبية ، جهد اتقائه ، ولم يحذر خطرا على الدين ، أشد من حذره أن يحسبه الناس سبيلا إلى الملك والدولة في بني هاشم - أو في غيرهم - وقد حرم صلى الله عليه وسلم ، نفسه من حظوظ الدنيا ، وأقصى معظم بني هاشم عن الولاية والعمالة ، لينفي هذه الظنة ، ويدع الحكم للناس ، يختارون من يرضونه له ، بالرأي والمشيئة .


فالتزم في التمهيد للإمام علي وسائل ملموحة ، لا تتعدى التدريب والكفالة، إلى التقديم والوكالة، أرسله في سرية إلى ( فدك ) لغزو قبيلة بني سعد اليهودية ، وأرسله إلى اليمن للدعوة إلى الإسلام ، وأرسله إلى ( منى ) ليقرأ على الناس سورة براءة

، ويبين لهم حكم الدين في حج المشركين ، وزيارة بيت الله الحرام ، وأقامه على المدينة ، حين خرج المسلمون إلى غزوة تبوك . ولم يفته - مع هذا كله - أن يلمح الجفوة بينه وبين بعض الناس ، وأن يكله إلى السن تعمل عملها مع الأيام ، ويكلهم في شأنه إلى ما ارتضوه ، عسى أن تسنح الفرصة لمزيد من الألفة بينهم وبينه .


ثم يقول الأستاذ العقاد : هذا - فيما نعتقد - أصح علاقة يتخيلها العقل ، وتنبئ عنها الحوادث بين النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين ابن عمه العظيم ، وربما كانت أصح العلاقات المعقولة ، لأنها هي وحدها العلاقة الممكنة المأمونة ، وكل ما عداها فهو

بعيد من الإمكان ، بعده من الأمان ، فهو يحبه ، ويمهد له ، وينظر إلى غده ، ويسره أن يحبه الناس ، كما أحبه ، وأن يحين الحين الذي يكلون فيه أمورهم إليه .
 

 ج 2 - ص 35

وما عدا ذلك فليس بالممكن ، وليس بالمعقول ، ليس بالممكن أن يكره له التقدم والكرامة ، وليس بالممكن أن يحبها له ، وينسى في سبيل هذا الحب حكمته الصالحة للدين والخلافة .

وإذا كان قد رأى الحكمة في استخلافه ، فليس بالممكن أن يرى ذلك ، ثم لا يجهر به في مرض الوفاة وبعد حجة الوداع .

وإذا كان قد جهر به ، فليس بالممكن أن يتألب أصحابه على كتمان وصيته ، وعصيان أمره ، إنهم لا يريدون ذلك مخلصين ، وإنهم إن أرادوه لا يستطيعونه بين جماعة المسلمين ، وإنهم إن استطاعوه لا يخفى شأنه ببرهان ، ولو بعد حين .


فكل أولئك ليس بالممكن ، وليس بالمعقول ، وإنما الممكن والمعقول هو الذي كان ، وهو الحب والإيثار ، والتمهيد لأوانه ، حتى يقبله المسلمون ، ويتهيأ له الزمان ( 1 ) .
 

هذا فضلا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما كان يخاف على ذريته وأهله ( 2 ) ، فإنه عليه الصلاة والسلام ، قد وتر كثيرا من الناس ، وعلم أنه - إن مات - وترك ابنته وولدها سوقة ، ورعية تحت أيدي الولاة ، كانوا بعرض خطر عظيم ،

فما زال يقرر لابن عمه - أي الإمام علي - قاعدة الأمر بعده ، حفظا لدمه ودماء أهل بيته ، فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر ، كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة والعصمة ، مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم ، فلم يساعده القضاء والقدر ، وكان من الأمر ما كان ، ثم أفضى أمر ذريته من بعده إلى ما قد علمنا ( 3 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) العقاد : عبقرية الإمام ص 162 - 166 .
( 2 ) روي أن الحباب بن المنذر الأنصاري قال يوم السقيفة : منا أمير ومنكم أمير ، إننا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر أيها الرهط ، ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم ( شرح نهج البلاغة 2 / 53 ) - وقد حدث ذلك يوم الحرة 63 ه‍ ، كما حدث في كربلاء مع ( آل بيت النبي عام 61 ه‍ ) .
( 3 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 2 / 53 ، وانظر 2 / 54 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 36

على أن فريقا آخر من المسلمين - على رأسهم الشيعة الإمامية - إنما يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد أوصى إلى علي عليه السلام ، وأن الوصية كانت تلميحا وتصريحا ، وأن هناك كثيرا من العوامل التي أدت إلى إخفاء نص الوصية ، لعل

من أهمها : الخصومات السياسية ، وخاصة تلك التي كانت بين هاشم وبني أمية ، ومن المعروف - كما أشرنا من قبل - أن معاوية بن أبي سفيان قد أمر الناس في العراق والشام وغيرهما بسب الإمام علي والبراءة منه ، وخطب بذلك على منابر

الإسلام ، كما منع الناس من إظهار فضائله ورواية الحديث عنه، بل وأعلن للناس جميعا ( أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته ، ثم أمر بأن لا يجيزوا لأحد من شيعة الإمام علي وأهل بيته شهادة . . . الأمر الذي فصلناه من قبل .

ومن الواضح أن فضائل الإمام علي ، وما ورد في حقه من نصوص ، مما يثير سخط الولاة ونقمتهم على من يتصدى لذكرها ، الأمر الذي حدث مع عمرو بن الحمق الخزاعي ، وحجر بن عدي - وهما صحابيان جليلان - وغيرهما كثير ، مثل ميثم

التمار ورشيد الهجري ، والإمام النسائي ، والكميت ودعبل ، وغيرهم من محبي الإمام علي وآل البيت ، وجرأتهم في التحدث بفضائل أهل البيت ، وخاصة الإمام علي .

 


 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب