|
- الإمامة وأهل البيت ج 2 - محمد بيومي مهران ص 27 :
|
ثانيا : أحقية الإمام علي
في الخلافة :
من المعروف أن أبا بكر الصديق -رضوان الله عليه- إنما بويع بالخلافة في سقيفة
بني ساعدة في المدينة المنورة يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول عام 11 ه
( 8 يونية 632 م ) ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد دفن بعد ، ومن ثم
فلم
يشهد الإمام علي بن أبي طالب - وكذا جميع بني هاشم - اجتماع السقيفة هذا ،
فقد كان رضوان الله عليه مشغولا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، هو وجماعة من
بني هاشم ، تولوا غلسه وتكفينه ، وإنزاله صلى الله عليه وسلم ، في قبره الشريف
.
وبدهي أن الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - لو شهد اجتماع
السقيفة لكان له فيه مقال ، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم اتجاها آخر ، غير
اتجاهها الذي سارت فيه ، فقد كان الإمام علي - كما كانت شيعته - يرون أنه أحق
الناس - كل الناس - بخلافة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم فقد كان أبدا لا
يشك في أن الأمر له ، وأن أحدا من الناس لا ينازعه في الخلافة
، ومن ثم فقد قال له عمه العباس بن عبد المطلب : ( أمدد يدك أبايعك ) ، فيقال :
عم رسول الله ، بايع ابن عم رسول الله ، فلا يختلف عليك اثنان ) ، فقال الإمام
، يا عم ، وهل يطمع
فيها طامع غيري ؟ قال : ستعلم ، فقال الإمام : ( إني لا أحب
هذا الأمر من وراء رتاج ، وأحب أن أصحر به ، فسكت عنه ) ( 1 ) .
وفي رواية : يقول العباس للإمام : فلما قبض رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، أتانا أبو سفيان بن حرب تلك الساعة ، فدعوناك إلى أن
نبايعك ، وقلت لك : أبسط يدك أبايعك ، ويبايعك هذا الشيخ ، فإنا إن بايعناك ،
لم يختلف عليك أحد من بني
عبد مناف ، وإذا بايعك بنو عبد مناف ، لم يختلف عليك أحد من
قريش ، وإذا بايعتك قريش لم يختلف عليك أحد من العرب ، فقلت : لنا بجهاز رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، شغل ، وهذا الأمر فليس نخشى عليه ، فلم نلبث أن
سمعنا التكبير من
سقيفة بني ساعدة فقلت : يا عم ، ما هذا ؟ قلت : ما دعوناك
إليه فأبيت ، قلت : سبحان الله ! أيكون هذا ! قلت : نعم ، قلت : أفلا يرد ؟ قلت
لك : وهل رد مثل ذا قط ! ) ( 2 ) .
وروى البلاذري عن جابر بن عبد الله قال : قال
العباس لعلي : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرج حتى أبايعك على
أعين الناس ، فلا يختلف عليك اثنان ، فأبى وقال : أو منهم من ينكر حقنا ،
ويستبد علينا ؟ فقال العباس : سترى أن ذلك سيكون ، فلما بويع أبو بكر ، قال له
العباس : ألم أقل لك يا علي ( 3 ) .
وهكذا نظر الإمام علي - ومعه بنو هاشم جميعا - إلى ميراثهم من النبي صلى الله
عليه وسلم ، وأنهم أحق الناس بالخلافة ، فلقد قال أبو بكر للأنصار في اجتماع
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي طالب 1 /
153 - 154 ( بيروت 1990 ) .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 2 / 48 (
بيروت 1965 ) .
( 3 ) البلاذري : أنساب الأشراف - تحقيق محمد حميد الله 1 / 583
( القاهرة 1959 ) ، وانظر : ابن قتيبة : الإمامة والسياسة 1 / 12 ( ط الحلبي -
القاهرة 1967 ) . ( * )
|
|
|
السقيفة عن المهاجرين ، ( هم أولياء النبي وعشيرته ، وأحق
الناس بالأمر من بعده ، لا ينازعهم فيه إلا ظالم ) .
وقال عمر بن الخطاب -رضوان الله
عليه- ( وإنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ، ونبيها من
غيركم ، إن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر ، إلا من كانت النبوة فيهم ،
وأولي الأمر منهم ، لنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة ، والسلطان
المبين ، لا ينازعنا سلطان محمد
وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته : ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط
في هلكة ) ، ثم بايع عمر أبا بكر ، فبايعه الناس ، فقالت الأنصار - في
رواية للطبري - أو بعض الأنصار : لا نبايع إلا عليا .
وهكذا إذا سلم الأنصار بحجة المهاجرين - من أنهم أولياء النبي وعشيرته - كانت
القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلما قربت واتصلت ، هي الفيصل الذي
يرجع إليه في اختيار من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
وانطلاقا من كل هذا ، فعندما بويع الصديق - رضوان الله عليه - استأخرت يمين
الإمام - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وقد أعطى الإمام السبب في
وضوح ، خلال حواره مع كبار الصحابة - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر - فقال :
( زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم ، لما كان محمد
صلى الله عليه وسلم منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتج
عليكم بمثل ما احتججتم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر عن أخبار يوم السقيفة ( سيرة ابن هشام 4 / 488 - 492 ،
شرح نهج البلاغة 2 / 21 - 16 (
بيروت 1979 ) 6 / 5 - 45 ( بيروت 1965 ) ، تاريخ الطبري 3 / 201 - 207 ، 218 -
223 ، السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 5 - 70 ( القاهرة 1952 ) ،
ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 2 / 325 - 332 ، ابن كثير :
البداية والنهاية 6 / 340 - 341
،
البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 579 - 591 ،
تاريخ ابن خلدون 2 / 853 - 855 ،
سليم بن قيس الهلالي : كتاب سليم بن قيس - أو السقيفة ( النجف ) ، ابن عبد ربه
: العقد الفريد 5 / 11 - 14 ( بيروت 1983 ) ،
نور الأبصار ص 53 ، محمد حسين
هيكل : الصديق أبو بكر ص 47 - 71 ( القاهرة 1964 ) ،
الفاروق عمر ص 74 - 76 ، (
القاهرة 1963 ) ، حسن إبراهيم : تاريخ الإسلام السياسي 1 / 204 - 206 ( القاهرة
1964 ) . ( * )
|
|
|
به على الأنصار ، إن كانت الإمامة في قريش ، فأنا أحق قريش
بها ، وإلا فالأنصار على دعواهم ، نحن أولى برسول الله حيا وميتا ، فأنصفونا إن
كنتم مؤمنين ) .
وقال الإمام : (
إنكم تدفعون آل محمد عن مقامه ومقامهم في الناس ،
وتنكرون عليهم حقهم ، أما والله لنحن أحق منكم بالأمر ، ما دام فينا القارئ
لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر
الرعية ، القاسم بينهم بالسوية ) .
فالإمام علي إذن يرى - بل يعتقد - أنه ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
لم يعهد بالخلافة لأحد بذاته ، فإن البيت الذي اختارته السماء ، ليكون منه
النبي المصطفى ، إنما هو البيت الذي يختار منه المسلمون خليفتهم ، ما دام في
رجال هذا البيت من يتمتع بالكفاية الكاملة لشغل منصب الخلافة ( 1 ) .
وطبقا لرواية ( ابن قتيبة ) في ( الإمامة
والسياسة ) فقد قال الإمام علي - كرم الله وجهه - عندما أتي به إلى أبي بكر
للبيعة : ( أنا عبد الله وأخو رسول الله ، فقيل له :
بايع أبا بكر ، فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم ، وأنتم أولى
بالبيعة لي ،
أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم
عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟
ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم ، لما كان محمد منكم ، فأعطوكم
المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة ، فأنصفونا
إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبوؤوا بالظلم ،
وأنتم تعلمون ) .
فقال له عمر : إنك لست متروكا
حتى تبايع .
فقال الإمام علي : أحلب حلبا لك
شطره ، وأشدد له اليوم أمره ، يردده
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) خالد محمد خالد : في رحاب علي ص 103 - 104 ( دار
المعارف - القاهرة 1980 ) . ( * )
|
|
|
عليك غدا ، ثم قال : والله يا عمر : لا أقبل قولك ، ولا
أبايعه ، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع ، فلا أكرهك .
فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي
- كرم الله وجهه - ( يا ابن عم ، إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك
مثل تجربتهم ، ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر ، إلا أقوى على هذا الأمر
منك ، وأشد احتمالا واضطلاعا به ، فسلم
لأبي بكر هذا الأمر ، فإن تعش ويطل بك بقاء ، فأنت لهذا الأمر
خليق ، وبه حقيق ، في فضلك ودينك ، وعملك وفهمك ، وسابقتك ونسبك وصهرك ) .
فقال الإمام علي كرم الله وجهه ،
( الله الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد
في العرب عن داره وقعر بيته ، إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن
مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين ، لنحن أحق الناس به ،
لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر
منكم ، ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول
الله ، المضطلع بأمر الرعية ، المدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم
بالسوية ، والله إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، فتزدادوا
عن الحق بعدا ) .
فقال بشير بن سعد الأنصاري : ( لو كان هذا الكلام
سمعته الأنصار منك يا علي ، قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلف عليك اثنان ) ( 1 )
.
والواقع أن المنذر بن أرقم ، إنما قال - ما قاله بشير بن سعد - يوم السقيفة ،
في رده على عبد الرحمن بن عوف ، عندما قال : يا معشر الأنصار : ( إنكم ، وإن
كنتم على فضل ، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي ، فقام المنذر بن أرقم فقال :
( ما ندفع فضل من ذكرت ، وإن فيهم لرجلا ، لو طلب هذا الأمر ، لم ينازعه فيه
أحد ، يعني علي بن أبي طالب ) ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن قتيبة : الإمامة والسياسة -
تحقيق طه محمد الزيني - الجزء الأول ص 18 - 19 ( ط الحلبي - القاهرة 1967 ) .
(
2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 123 ( دار بيروت - بيروت 1980 ) . ( * )
|
|
|
وروى أبو الحسن علي بن محمد
المدائني ( 135 ه / 752 م - 235 ه / 850 م ) ( 1 ) عن عبد الله بن جنادة ،
خطبة الإمام علي ، عليه السلام ، في أول إمارته ، حيث قال فيها :
( أما بعد ، فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم
، قلنا : نحن
أهله وورثته وعترته وأولياؤه ، دون
الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذا انبرى لنا قومنا
، فغصبونا سلطان نبينا ، فصارت الإمرة لغيرنا ، وصرنا سوقة ، يطمع فينا الضعيف
، ويتعزز علينا الذليل ، فبكت الأعين ،
منا لذلك ، وخشيت الصدور ، وجزعت
النفوس ، وأيم الله ، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ، ويبور
الدين ، لكنا على غير ما كنا لهم عليه ، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا ،
ثم استخرجتموني ، أيها الناس ، من بيتي ،
فبايعتموني على شين مني لأمركم ،
وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم . . . ) ( 2 ) .
وأما عن الفترة منذ قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى بيعة الإمام بالخلافة
، فيلخصها الإمام في قوله الذي رواه ابن الأثير بسنده عن يحيى بن عروة المرادي
قال : سمعت عليا ، رضي الله عنه ، يقول : ( قبض النبي
صلى الله عليه وسلم ،
وأنا أرى أني أحق بهذا الأمر ، فاجتمع
المسلمون على أبي بكر ، فسمعت وأطعت ، ثم إن أبا بكر أصيب ، فظننت أنه لا
يعدلها عني ، فجعلها في عمر ، فسمعت وأطعت ، ثم إن عثمان قتل ، فجاءوا فبايعوني
، طائعين غير مكرهين ، ثم خلعوا
بيعتي ، فوالله ما وجدت إلا السيف ، أو
الكفر بما أنزل الله ، عز وجل ، على محمد صلى الله عليه وسلم ) ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي المجلد الأول - الجزء
الثاني ص 139 - 142 ( الرياض 1983 - نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية )
.
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 1 / 307 ( بيروت 1965 ) .
( 3 ) ابن
الأثير : أسد الغابة 4 / 112 ( كتاب الشعب - 1970 ) . ( * )
|
|
|
|