|
- الإمامة وأهل البيت ج 2 - محمد بيومي مهران ص 9 :
|
الباب الثالث الإمام علي والإمامة
أولا -
من خصائص الإمام علي :
الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن
قصي ، سيد القوم ، محب المشهود ، ومحبوب المعبود ، باب مدينة العلم والعلوم
ورأس المخاطبات ، ومستنبط الإرشادات ، راية المهتدين ، ونور المطيعين ، وولي
المتقين ، وإمام
العادلين ، أقدمهم إجابة وإيمانا ، وأقومهم قضية وإتقانا ،
وأعظمهم حلما ، وأوفرهم علما ، قدوة المهتدين ، وزينة العارفين ، المنبئ عن
حقائق التوحيد ، المشير إلى لوامع علم التفريد ، صاحب القلب العقول ، واللسان
السؤول ، والأذن الواعي ،
والعهد الوافي ، فقاء عيون الفتن ، ووقي من فنون المحن ، فدفع
الناكثين ، ووضع القاسطين ، ودفع المارقين ، الأخيشن في دين الله ، الممسوس في
ذات الله ( 1 ) .
والإمام علي هو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصهره ، وابن عمه ، وأبو
سبطيه - الحسن والحسين - وكاتب وحيه ، وحامل رايته ، وأحد العشرة المبشرين
بالجنة . وكان الإمام علي يكنى ( بأبي الحسن ) - نسبة إلى ولده الإمام الحسن -
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أبو نعيم الأصفهاني : حلية الأولياء
وطبقات الأصفياء ( 1 / 61 - 62 دار الفكر ) . ( * )
|
|
|
و( بأبي السبطين - نسبة إلى ولديه- الحسن والحسين - سبطي
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكناه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (
بأبي الريحانتين ) - الحسن والحسين - لقوله صلى الله عليه وسلم ، : ( سلام عليك
يا أبا الريحانتين )
و( بأبي تراب ) ، وذلك عندما وجده نائما في المسجد النبوي
الشريف ، فأيقظه ومسح التراب عنه ، وقال له : ( قم يا أبا تراب ) ، وكانت تلك
أحب كنى الإمام علي ، وأقربها إلى قلبه ، لأنها تسمية من حبيبه وكافله ، وقدوته
ومثله الأعلى ،
ولأنها اقترنت بمسحه بيده الشريفة ، التي أزال التراب بها عن
بدنه الطاهر . وقد فسق ناس من بني أمية عن أمر ربهم ، فأذاعوا بين من تبعهم من
الناس على غيهم ، أن هذه الكنية إنما تدل على الحط من مكانة الإمام علي ، عند
النبي صلى الله
عليه وسلم ، فساء قولهم ، كما ساء فعلهم . والإمام علي - رضي
الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - هو رابع الخلفاء الراشدين ، وأول الخلفاء
الهاشميين ، علم العلماء ، وفارس الفرسان ، وخطيب الخطباء ، وأزهد الزهاد ، أول
الناس إسلاما،
وأول من شرى نفسه في الله ، ليلة الهجرة المباركة ، وأول
هاشمي يولد من أبوين هاشميين ، هما أبناء عم في نفس الوقت ، وقد ولد في الكعبة
المشرفة ، حوالي عام 600 م ( 23 قبل الهجرة ) ، وتوفي في الكوفة شهيدا في 17
رمضان سنة 40 ه ( 25 يناير 661 م ) .
هذا وقد تميز الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة
- على غيره من أقرانه - فضلا عن أن يكون ذلك على أمة الإسلام جميعا -
بميزات ثلاث هي :
1 - ثناء النبي صلى الله عليه
وسلم ، على الإمام علي أكثر من غيره من الصحابة : لقد أثنى سيدنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، على ربيبه ، وابن عمه ، وزوج ابنته الزهراء ، وأبو
سبطيه ، الإمام علي بن أبي طالب ، بما لم يثن به على غيره من الصحابة الكرام ،
رضوان الله عليهم .
روى الإمام أحمد في الفضائل
بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال : ( سمعته يقول : ليس من آية في القرآن ، يا
أيها الذين آمنوا ، إلا وعلي رأسها وأميرها وشريفها ، ولقد عاتب الله أصحاب
محمد في القرآن ، وما ذكر عليا إلا بخير ) ( وذكره المحب الطبري في ذخائر
العقبى ، وفي الرياض النضرة ) ( 1 ) .
وروى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن الأعمش
عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، : ( ما أنزل
الله آية فيها ( يا أيها الذين آمنوا ) ، إلا
وعلي على رأسها وأميرها ) ( 2 ) .
وفي تاريخ الخلفاء : وأخرج ( الطبراني ) ( 3 ) وابن أبي حاتم عن ابن
عباس قال : ما أنزل ( يا أيها الذين آمنوا ) ، إلا وعلي أميرها وشريفها ، ولقد
عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان ، وما ذكر عليا إلا بخير ( 4 ) ،
وأخرج ( ابن عساكر ) ( 5 ) ، عن ابن عباس قال : ما نزل في أحد
من كتاب الله تعالى ، ما
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الإمام أحمد بن حنبل : كتاب فضائل الصحابة
2 / 654 - حديث رقم 1114 ( بيروت 1983 ) .
( 2 )
حلية الأولياء 1 / 64 .
( 3 ) الطبراني : هو أبو القاسم سليمان
بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني ، ولد عام 262 ه ( 873 م ) في عكا ،
وتوفي في أصبهان عام 360 ه ( 971 م ) ، أصل أبويه من طبريه ، تلقى
الحديث على ألف شيخ ، أو يزيدون ، على مدى 30 سنة ، وأما أهم آثاره (
المعجم
الكبير في أسماء الصحابة - المعجم الأوسط - المعجم الصغير -
مكارم الأخلاق - فضل الرمي وتعليمه - كتاب الأوائل - كتاب الدعاة -
الأحاديث الطوال حديث لأهل البصرة ) وأهم مصادر ترجمته (
أخبار أصبهان لأبي نعيم 1 / 335 - 336 ،
التهذيب لابن عساكر 6 / 240 - 242 ،
تذكرة الحفاظ للذهبي ص 912 - 917 ،
ميزان الاعتدال للذهبي 1 / 408 - 409 ،
الأعلام 3 / 181 ،
معجم المؤلفين 4 / 253 ، البداية
والنهاية 11 / 270 ، مرآة الجنان
للشافعي 2 / 372 ،
لسان الميزان لابن حجر
3 / 73 - 75 ، وفيات الأعيان 2 / 407 ،
شذرات الذهب 3 / 30 ،
سزكين :
تاريخ التراث العربي 1 / 393 - 396 ) .
( 4 ) السيوطي :
تاريخ الخلفاء ص 171 ، ابن حجر الهيثمي :
الصواعق المحرقة ص 196 .
( 5 ) ابن عساكر
: هو الحافظ أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله أبي الحسن
بن عبد الله بن الحسين المعروف ( بابن عساكر ) الدمشقي الملقب ( ثقة
الدين ) ، كان محدث الشام في وقته ، ومن أعيان فقهاء الشافعية ، غلب
عليه الحديث فاشتهر به ، ولد في أول المحرم عام 499 ه ، وتوفي في 11
رجب عام 571 ه بدمشق ، كتب تاريخ دمشق في ثمانين مجلدا ، كما كتب
الموافقات والأطراف للسنن ومعجم شيوخه ومناقب الشبان وفضل أصحاب الحديث
، => |
|
|
نزل في علي ، وأخرج ( ابن عساكر ) عن ابن عباس قال : نزلت في
علي ثلاثمائة آية ( 1 ) .
وأخرج الخطيب البغدادي في
تاريخه بسنده عن ابن عباس قال : نزلت في علي ثلاثمائة آية ( 2 ) .
وروى الحاكم في المستدرك ( 3 )
بسنده عن محمد بن منصور الطوسي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الفضائل ، ما جاء لعلي بن أبي طالب .
وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري :
لم يرد في حق أحد من الصحابة ، بالأسانيد الحسان ، أكثر ما جاء في علي ( 4 ) ،
وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات : لم يرد لأحد من
الصحابة في الفضائل ، أكثر مما روي لعلي ، رضي الله عنه ، وهي ثلاثة أقسام :
صحاح وحسان وضعاف ( 5 ) .
وقال ( ابن عبد ربه ) في عقده
الفريد : قال بعض العلماء لولده : يا بني ، إن الدنيا لم تبن شيئا ، إلا هدمه
الدين ، وإن الدين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا : ألا ترى أن قوما ( يعني معاوية
وبني أمية ) لعنوا عليا ، ليخفضوا منه ، فكأنما أخذوا بناصيته إلى السماء ( 6 )
.
وروى عبد الله بن عثمان الثقفي
قال : حدثنا ابن أبي سيف قال : قال ابن
| |
* هامش * |
|
| |
=> وتبيين كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن الأشعري ، وأما
أهم مصادر ترجمته ( وفيات الأعيان 3 / 309 - 311 ،
شذرات الذهب 4 / 239 - 240 ،
ومعجم الأدباء 13 / 73 ، وطبقات السبكي 4 / 273 ،
البداية والنهاية 12 / 294
وعبر الذهبي 4 / 212 ) .
( 1 ) السيوطي :
تاريخ الخلفاء ص 171 ،
الصواعق
المحرقة 196 .
( 2 ) تاريخ بغداد 6 / 221 .
( 3 )
المستدرك للحاكم 3 / 107 .
(
4 ) نور الأبصار ص 81 ، إسعاف الراغبين ص 150 ،
الإستيعاب لابن عبد البر 3 / 51
، ابن قتيبة : الإمام والسياسة ص 93 ، النسائي :
تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب ص 7 ، الصواعق المحرقة ص 186 .
( 5 ) ابن حجر الهيثمي :
الصواعق
المحرقة ص 186 .
( 6 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 115 ( بيروت 1983 ) . (
* )
|
|
|
لعامر بن عبد الله بن الزبير لولده : لا تذكر يا بني عليا إلا
بخير ، فإن بني أمية لعنوه على منابرهم ثمانين سنة ، فلم يزده الله بذلك إلا
رفعة ، إن الدنيا لم تبن شيئا قط ، إلا رجعت على ما بنت فهدمته ، وإن الدين لم
يبن شيئا قط ، وهدمه ( 1 ) .
ولعل السبب في ذلك - فيما يرى
السيد السمهودي في ( جواهر العقدين ) - إن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه
وسلم ، على ما يكون بعده ، مما أبتلي به الإمام علي ، وما وقع من الاختلاف لما
آل إليه أمر الخلافة ، فاقتضى ذلك نصح الأمة ،
بإشهاره بتلك الفضائل ، لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته ،
ثم لما وقع ذلك الخلاف ، والخروج على الإمام علي ، نشر من سمع من الصحابة تلك
الفضائل ، وبثها نصحا للأمة أيضا .
ثم لما اشتد الخطب ، واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيص الإمام علي - رضي الله
عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وسبه على المنابر ، ووافقهم الخوارج - لعنهم
الله - بل قالوا : بكفره ، اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة ، ببث فضائله :
حتى كثرت نصحا للأمة ، ونصرة للحق ( 2 ) .
وأخرج السلفي في ( الطيوريات ) عن عبد الله بن
أحمد بن حنبل ، قال : سألت أبي عن علي ومعاوية ، فقال : إعلم أن عليا كان كثير
الأعداء ، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله ،
فأطروه كيادا منهم له ( 3 ) .
وهكذا اهتم العلماء بتعداد مناقب الإمام علي وخصائصه منذ
القدم ، وقد لخص ( الزمخشري ) ( 4 ) ( 467 - 538 ه ) - الإمام الكبير في
التفسير والحديث
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة
13 / 221 ( بيروت 1967 ) .
( 2 ) نور الأبصار
ص 81 ، الصواعق المحرقة ص 186 .
( 3 )
السيوطي تاريخ الخلفاء ص 199 .
( 4 )
الزمخشري ( أنظر عن مصادر ترجمته : وفيات
الأعيان 5 / 168 - 174 ، لسان الميزان
6 / 4 ،
=>
|
|
|
والنحو واللغة وعلم البيان - شيئا منها ، فيما صنفه عن مناقب
العشرة المبشرين بالجنة ، وأفرد لها الإمام النسائي ( 1 ) ( 215 - 303 ) مصنفا
خاصا سماه ( خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) ( 2 ) ،
وكتب ( ابن المغازلي ) كتابه ( مناقب علي بن أبي طالب ، رضي
الله عنه ) ، وخصص الإمام أحمد بن حنبل معظم كتابه ( فضائل الصحابة ) ، لمناقب
الإمام علي ( 3 ) ، هذا فضلا عن الكثير والكثير من الكتب التي صدرت في العصر
الحديث عن سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله
وجهه في الجنة - ومناقبه التي لا تبارى .
ومن المعروف أن بني أمية - وعلى رأسهم معاوية بن
أبي سفيان ، مؤسس دولتهم - إنما كانوا يسبون الإمام علي - رضوان الله عليه -
وآل بيته ، على منابر المسلمين ، حتى أن قوما من بني أمية أنفسهم ، قالوا
لمعاوية : يا أمير المؤمنين ،
| |
* هامش * |
|
| |
=>
الجواهر المضيئة 2 / 160 ،
أبناء الرواة 3 /
265 ، شذرات الذهب 4 / 118 - 121 ،
عبر الذهبي 4 / 106 ،
طبقات المعتزلة ص 20 .
( 1 ) النسائي : هو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي النسائي
، ولد عام 215 ه / 830 م ، وتوفي في الرملة عام 303 ه / 915 م ، وسمع الحديث
في خراسان والعراق والشام والحجاز ومصر ، وأقام بها وقتا طويلا : ثم سكن دمشق ،
وقد اتهم بالتشيع ،
لأنه لما سئل عن فضائل معاوية قال : أما يرضى معاوية أن
يخرج رأسا برأس حتى يفاضل ، وفي رواية : ما أعرف له فضيلة ، ألا لا أشبع الله
بطنه ، فأخرجوه من المسجد ، وقد اشتهر بكتاب ( السنن ) ، وكتاب خصائص أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب ، وكتاب الضعفاء والمتروكين ، وكتاب تسمية فقهاء
الأمصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وأهم مصادر ترجمته (
وفيات
الأعيان 1 / 77 - 79 ، تذكرة الحفاظ ص 698 - 701 ،
شذرات الذهب 2 / 239 ،
طبقات
الشافعية للسبكي 2 / 83 - 84 ، البداية والنهاية 11 / 123 - 124 ،
مرآة الجنان
للشافعي 2 / 240 - 241 ،
الأعلام 1 / 164 ،
معجم المؤلفين 1 / 244 ،
حسن
المحاضرة للسيوطي 1 / 197 - 198 ، التهذيب لابن حجر 1 / 36 - 39 .
( 2 ) أنظر :
النسائي : تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ( دار
الباز - بيروت 1983 ) .
( 3 ) الإمام أحمد بن حنبل : فضائل الصحابة ( 1 / 528 -
551 ، 2 / 555 ، 738 ) - بيروت 1983 - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة . ( * )
|
|
|
إنك قد بلغت ما أملت ، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ( أي الإمام
علي ) ، فقال : لا والله ، حتى يربو عليها الصغير ، ويهرم عليها الكبير ، ولا
يذكر له ذاكر فضلا ( 1 ) .
ويحدثنا الإمام الطبري في تاريخه ( 2 ) : أن
معاوية بن أبي سفيان قال للمغيرة بن شعبة - حين ولاه الكوفة - ( وقد أردت
إيصاءك بأشياء كثيرة ، فأنا تاركها ، اعتمادا على بصرك ، بما يرضيني ، ويسعد
سلطاني ، ويصلح به رعيتي ، ولست تاركا
إيصاءك بخصلة : لا تتحم ( لا تتورع ) عن شتم علي وذمه ،
والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب علي ، والإقصاء لهم ، وترك
الاستماع منهم ، وبإطراء شيعة عثمان ، رضوان الله عليه ، والإدناء لهم ،
والاستماع منهم ،
فقال المغيرة : قد جبرت وجربت ، وعملت قبلك لغيرك ، فلم يذمم
بي دفع ، ولا رفع ولا وضع ، فستبلو ، فتحمد أو تذم ، قال : بل نحمد ، إن شاء
الله . وأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا ، وهو من أحسن
سيرة : وأشد حبا للعافية : غير أنه لا يدع ذم علي : والوقوع فيه ( 3 ) .
واستمرت هذه المهزلة الأموية - أو قل الخسيسة
المعاوية - دونما وازع من دين أو خلق ، فأما الدين فإن سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، يقول : - كما في رواية البخاري - ( سباب المسلم فسوق ، وقتاله
كفر ) ( 4 ) ، وأما في الخلق ،
فإن سب الموتى دناءة ، خاصة إذا كان هذا الميت هو الإمام علي
بن أبي طالب ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن المعروف أن معاوية قد فعل
الاثنين مع الإمام علي ( السب والقتال ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة
4 / 57 ( بيروت 1979 ) .
( 2 ) تاريخ الطبري
5 / 253 - 254 ( دار المعارف - القاهرة 1979 ) .
( 3 ) أنظر :
شرح نهج البلاغة 4 / 69 - 70 . ( 4 )
صحيح البخاري 9 / 63 . ( * )
|
|
|
وعلى أية حال ، فلقد استمر معاوية وخلفاؤه الأمويون يشتمون
ويلعنون أفضل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، على منابر المساجد في كل جمعة
، وفي كافة أنحاء العالم الإسلامي - وفي مكة والمدينة بوجه خاص - حتى كان عهد
الخليفة الراشد
( عمر بن عبد العزيز ) ( 99 - 101 ه / 717 - 720 ) - رضوان
الله عليه - ورغم أن الرجل أموي ، فقد كان على غير سنة قومه ، ولم يقترف بدعتهم
هذه ، فترك لعن الإمام علي على المنابر ، وجعل مكانه قوله تعالى :
( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان
* ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف
رحيم ) ( 1 ) ،
وقيل قول الله تعالى : ( إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى * وينهى عن
الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ( 2 ) وقيل : بل جعلهما
معا ، فاستعمل الناس ذلك في الخطبة إلى يوم الناس هذا .
ومن عجب أن الإمام علي إنما كان يعلم أن معاوية سيجبر الناس على سبه ، فقال : (
أما إنه سيظهر بعدي رجل ، رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ، ويطلب ما
لا يجد ، فاقتلوه ، ولن تقتلوه ، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني ، فأما
السب فسبوني ، فإنه لي زكاة ، ولكم نجاة ، وأما البراءة فلا تتبرأوا مني ، فإني
ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة ) ( 3 ) .
ولم يكتف معاوية بذلك ، وإنما طلب من عبد الله بن
عباس أن لا يتحدث عن فضائل الإمام علي وآل البيت ، فقال : ( قد كتبنا في الآفاق
ننهى عن ذكر مناقب علي ، فكف لسانك ، قال ابن عباس : أتنهانا يا معاوية عن
قراءة القرآن ، قال معاوية : لا ، قال ابن عباس : أتنهانا عن تأويله - أي
تفسيره - قال معاوية : نعم ، قال ابن عباس : أنقرأه ولا نسأل عما أراد الله
بكلامه ، وأيهما واجب علينا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة الحشر : آية 1 .
( 2 ) سورة
النحل : آية 9 .
( 3 ) ابن أبي الحديد :
شرح نهج البلاغة 4 / 54 ، الإمام محمد
عبده : نهج البلاغة ص 72 ( كتاب الشعب )
. ( * )
|
|
|
قراءة القرآن أو العمل به ؟ فقال معاوية : العمل به، قال ابن
عباس : كيف نعمل به ، ونحن لا نعلم ما عنى الله، قال معاوية : سل عن تفسيره
غيرك ، وغير آل بيتك ، قال ابن عباس : نزل القرآن على أهل بيتي ، فنسأل عنه آل
أبي سفيان ، أتنهانا
يا معاوية ، أن نعبد الله بالقرآن ، بما فيه من حلال وحرام ،
إن الأمة ، إذا لم تسأل عن القرآن ، بما فيه من حلال وحرام ، وتعمل به هلكت .
قال معاوية : إقرأوا القرآن وفسروه ، ولكن لا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم ،
وارووا ما سوى ذلك ، قال
ابن عباس : إن الله يقول : ( يريدون أن
يطفئوا نور الله بأفواههم * ويأبى الله إلا أن
يتم نوره * ولو كره الكافرون ) ( 1 ) .
قال معاوية يا ابن عباس ، إربع على نفسك ، وكف لسانك ، وإن كنت لا بد فاعلا ،
فليكن ذلك سرا ، لا يسمعه أحد علانية ،
ثم رجع معاوية إلى بيته ، وبعث إلى ابن عباس بمائة ألف درهم ،
ونادى مناديه : ( أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته ) ( 2 )
.
وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني
في كتاب ( الأحداث ) قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله ، بعد عام الجماعة
: ( أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب ( أي الإمام علي ) وأهل بيته ،
فقامت الخطباء في
كل كورة ، وعلى كل منبر ، يلعنون عليا ، ويبرأون منه ، ويقعون
فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي
عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية ، وضم إليه البصرة ، فكان يتتبع
الشيعة ، وهو بهم
عارف ، لأنه كان منهم على أيام علي عليه السلام ، فقتلهم تحت
كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل، وسم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة التوبة : آية 32 .
( 2 ) محمد جواد مغنية :
أهل البيت منزلتهم
ومبادئهم عند المسلمين ص 136 - 137 ( بيروت 1984 ) . ( * )
|
|
|
العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ،
فلم يبق بها معروف منهم .
وكتب معاوية إلى جميع عماله في الآفاق : ( أن لا يجيزوا لأحد
من شيعة علي وأهل بيته شهادة ) .
وكتب إليهم : ( أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل
ولايته ، الذين يروون فضائله ومناقبه ، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم ،
واكتبوهم إلي بكل ما يروي كل رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته ) ( 1 ) .
ثم كتب إليهم ( لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي
تراب ( أي الإمام علي ) ، إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلي،
وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضائله )
( 2 )
وهكذا أصبح الرواة يتحرجون من الرواية عن أهل
البيت - وعلى رأسهم الإمام علي - وكان الإمام علي ، كما هو معروف ، أقضى
الصحابة وأعلمهم ، وهو باب مدينة العلم ، وكانت له روايات كثيرة عن النبي صلى
الله عليه وسلم ، لأنه لازمه أطول
مدة متصورة ، بل إن الإمام - وقد قدر له أن يربى في حجر
النبوة ، وأن يشهد مطلع الرسالة الإسلامية من يومها الأول ، وأن يتلقى من فم
النبي صلى الله عليه وسلم ، مفتتح الرسالة ومختتمها ، وما بين مفتتحها ومختتمها
، مما نزل به الوحي من
آيات الله - كان من ثم أوفر الناس - من زوج وولد وصاحب - حظا
، وأطولهم صحبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنذ ولد الإمام علي ،
وهو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، - قبل النبوة وبعدها - لم يفترق عنه في
سلم أو حرب
( ما عدا تبوك ) ، وفي حل أو سفر، وتحت سمعه وبصره ، إلى أن
لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالرفيق الأعلى،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 11 / 44 ( بيروت 1967 ) . ( 2 )
شرح نهج البلاغة 11 / 45 . ( * )
|
|
|
وهو على صدر علي ، حيث سكب آخر أنفاسه الشريفة في الحياة ( 1
) .
ولا ريب في أن رجلا كالإمام علي ، لا بد أن نفترض أن عنده علم كثير أخذه عن
النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الحكم الأموي ما كان أبدا حريصا ، على أن ينقل
علم الإمام وأقضيته وأحكامه إلى الناس - كما نقل قضاء عمر ، وأحكام أبي بكر
مثلا - ومن ثم يسوغ لنا أن نقول إن علم الإمام علي لم ينقل
كله على ألسنة رواة السنة ، وإذا كان ما نقلوه عنه ليس بالقليل ، فإنه ليس كله
، وآراؤه في الحكم لا بد أنها كانت تحارب من الأمويين في الشام ( 2 ) .
ورغم ذلك كله ، فإن النور يلوح للناظر حجة قائمة ، وبيانا واضحا ، ينادي ( علي
مع الحق ، والحق مع علي ، يدور معه حيثما دار ) ، ومن ثم فقد قيل : ( ماذا أقول
في رجل ، كتم أعداؤه فضائله حسدا له ، وكتم أحباؤه فضائله خوفا على أنفسهم ،
وظهر ما بين ذين وذين ما ملأ الخافقين ) ( 3 ) .
وقال أبو أحمد العسكري : يقال إن الأوزاعي لم يرو
في الفضائل غير حديث واحد ، وكذلك الزهري لم يرو فيها إلا حديثا واحدا ، كانا
يخافان بني أمية ( 4 ) ،
وروى ابن سعد في طبقاته عن مالك
بن دينار ( ت 131 ه ) قال : قلت لسعيد بن جبير : من كان صاحب راية رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إنك لرخو اللبب ، فقال له معبد الجهني : أنا أخبرك
، كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي ، فإذا كان القتال أخذها علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ( 5 ) .
وروى الإمام أحمد في الفضائل
بسنده عن مالك بن دينار قال : سألت سعيد بن جبير ، قلت : يا أبا عبد الله من
كان يحمل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) عبد الكريم الخطيب : علي بن أبي طالب - بقية النبوة وخاتم
الخلافة - بيروت 1975 .
( 2 ) محمد أبو زهرة : الإمام الصادق ص 90
.
( 3 ) مهدي السماوي : الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ص 129 ( بيروت 1977 ) .
(
4 ) أسد الغابة 2 / 21 .
( 5 )
طبقات ابن سعد 3 / 15 . ( * )
|
|
|
فنظر إلي وقال : كأنك رضي البال ، فغضبت وشكوته إلى إخوانه من
القراء ، قلت : ألا تعجبون من سعيد أني سألته : من كان يحمل راية رسول الله صلى
الله عليه وسلم ؟ فنظر إلي وقال : إنك لرضي البال ، قالوا : رأيت حين تسأله ،
وهو خائف من الحجاج قد لاذ بالبيت ، كان حاملها علي ( 1 ) .
وقد أدى ذلك كله إلى أن يهمل العلماء والذين رووا الحديث ، الرواية عن أهل
البيت إلى حد كبير ، فضاع علم كثير ، وليس هناك إلى سبيل من ريب في أن خسارة
الإسلام والمسلمين أكثر ، بضياع علم بيت النبوة ، الذي أخذه الإمام علي عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وهو - كما سنرى - أعلم الصحابة وأقضاهم .
على أن بعض أصحاب كتب الحديث ، إنما كان لهم موقف خاص من الرواية عن آل البيت ،
فالإمام البخاري ( 194 - 256 / 810 - 780 م ) مثلا يرى الإمامية ( 2 ) أنه - مع
تعصبه على آل البيت ، خصوصا الإمام جعفر الصادق - لم يرو
عنه رواية واحدة ، مع كثرة الروايات التي تحملها عنه آلاف
الرواة الثقاة ، ومع إهمال الكثير مما جاء في حق أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام
علي بن أبي طالب - من الفضائل ، فإنه قد أهمل ما هو صحيح على شرطه وأهمل خصوصا
حديث الثقلين ، الذي رواه العامة والخاصة ، من أكثر من ثلاثين صحابيا ، فلم
يروه في كتابه - .
ومع ذلك ، فإن الإمام البخاري ، إنما يروي في
كتابه الصحيح عن الضعفاء والمتروكين ، وعن جماعة طعن عليهم غيره ، بل قد روى عن
الخوارج والقدرية ، وقي مقدمة فتح الباري تكلم في أحوال الرجال الذين روى عنهم
البخاري ، وطعن عليهم ، ورماهم بالضعف وغيره جماعة ، كما بحث في
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الإمام أحمد بن حنبل : فضائل الصحابة
2 / 680 - 681 ، وانظر : المستدرك للحاكم
3 / 137 ،
والمحب الطبري في ذخائر العقبى
ص 75 .
( 2 ) أنظر : السيد حسين يوسف مكي العاملي :
عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة
ص 190 - 202 ( بيروت 1987 ) . ( * )
|
|
|
المقدمة في الأحاديث التي رواها غيره من النقاد كالحافظ
الدارقطني وغيره ( 1 ) .
وهكذا منذ أن استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها ، اجتهدوا
بكل حيلة - أيا كانت - في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب
له ، ولعنوه على جميع منابر المسلمين ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم
وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة ، أو يرفع له
ذكرا ، حتى حظروا أن يسمي أحد باسمه ، فما زاده ذلك ، إلا رفعة وسموا ، وكان
كالمسك ، كلما استر ، انتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكالشمس لا تستر
بالراح ، وكضوء النهار ، إن حجبت عنه عين واحدة ، أدركته عيون كثيرة .
والحق : ما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ،
وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو أصل الفضائل وينبوعها ، وأبو
عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلى حلبتها ، كل من بزغ فيها من بعده فمنه أخذ ، وله
اقتفى ، وعلى مثاله احتذى .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر : مقدمة فتح الباري ص 381 -
460 ، مقدمة ابن الصلاح ص 91 ، السيد حسن
الصدر ، نهاية الدرر ص 203 - 204 ،
ضحى الإسلام 2 / 117 - 118 ،
أضواء على السنة المحمدية ص 252 - 253 ،
275 ، 283 . ( * )
|
|
|
|