|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 118 - |
سابعا " : حقوق الإمام
وواجباته
لا ريب في أن الإسلام إنما أقام توازنا " بين حقوق الإمام وواجباته - كما رأينا
من قبل - فكما حذر من عصيان الإمام ، والخروج على الجماعة ، فلقد حذر الإمام
وولاته من غش الرعية حتى أنه ما من أمير يلي أمر المسلمين ، ثم لا يجهد لهم
وينصح ، إلا لم يدخل معهم الجنة .
ويعبر سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة (
600 - 656 / 656 - 661 م ) ( 23 ق . ه - 35 ه ) ( 35 - 40 ه ) عن ذلك ،
بقوله : حق على الإمام أن يحكم بالعدل ، ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك ، وجب
على المسلمين أن يطيعوه ، لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانة والعدل ، ثم أمر
بطاعته ( 1 ) .
ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى هذه الحقوق والواجبات بشئ من التفصيل : فأما
حقوق الإمام فحقان : 1 - حق الطاعة : وهو حق ثابت بالكتاب والسنة ، وقد تحدثنا
عنه كثيرا " من قبل ، فالله تعالى يقول : * ( يا أيها
الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تفسير القرطبي ص 1829 ( كتاب الشعب
- القاهرة 1970 ) . ( * )
|
|
|
وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ
فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن
تأويلا " ) * ( 1 ) .
والنص القرآني الكريم واضح
وصريح ، فهو يجعل طاعة الله أصلا " ، وطاعة رسوله أصلا " كذلك - بما أنه مرسل
منه سبحانه وتعالى - ويجعل طاعة أولي الأمر منكم ، تبعا " لطاعة الله وطاعة
رسوله ، ومن ثم فهو لا يكرر لفظ الطاعة عند
ذكرهم - كما كررها عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم - ليقرر
أن طاعة أولي الأمر ، مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله ، بعد أن قرر أنهم منكم
بقيد الإيمان وشرطه .
هذا فضلا " عن أن طاعة أولي الأمر منكم - بعد هذه التقريرات كلها - إنما هي في
حدود المشروع من الله تعالى ، والذي لم يرد نص بحرمته ، ولا يكون من المحرم
عندما يرد إلى مبادئ شرعية ، عند الاختلاف فيه ( 2 ) .
والسنة النبوية الشريفة إنما تقرر حدود هذه
الطاعة - على وجه الجزم واليقين - ففي الصحيحين بسنده عن علي رضي الله عنه ، عن
النبي صلى الله عليه وسلم إنما الطاعة في المعروف ( 3 ) .
وفي الصحيحين أيضا " عن ابن عمر عن النبي صلى
الله عليه وسلم السمع والطاعة على المرء المسلم ، فيما أحب وأكره ، ما لم يؤمر
بمعصية ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة النساء : آية 59 ، وانظر :
تفسير الطبري 8 / 495 - 499 ،
تفسير النسفي 1 / 232 ،
تفسير الظلال 2 / 687 - 692 ،
تفسير ابن كثير 1 / 782 - 785 ، تفسير
القرطبي ص 1828 - 1833 ، تفسير المنار
5 / 146 - 158 .
( 2 ) سيد قطب : في القرآن 2 / 691 ( دار
الشروق - ط التاسعة - القاهرة - بيروت 1400 ه / 1980 م ) .
( 3 ) صحيح البخاري 9 / 78 - 79 ،
صحيح مسلم 12 / 226 - 227 .
( 4 ) صحيح البخاري 9 / 78 ،
صحيح مسلم 12 / 226 . ( * )
|
|
|
وأخرج مسلم من حديث أم الحصين ولو استعمل عليكم عبد يقودكم
بكتاب الله ، فاسمعوا له وأطيعوا ( 1 ) .
وبهذا يجعل الإسلام كل فرد - في أمة الإسلام - أمينا " على شريعة الله ، وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم ، أمينا " على إيمانه هو ودينه ، أمينا " على نفسه
وعقله ، أمينا " على مصيره في الدنيا والآخرة ، ولا يجعله بهيمة في القطيع ،
تزجر من هنا ، أو من هنا ، فتسمع وتطيع ، فالمنهج واضح ، وحدود الطاعة واضحة ،
والشريعة التي تطاع ، والسنة التي تتبع ، واحدة ، لا تتعدد ولا تتفرق ( 2 ) .
2 - حق المعاضدة والمناصرة : والحق الثاني
للإمام إنما هو المعاضدة والمناصرة في أمور الدين ، وجهاد العدو ، قال الله
تعالى : * ( وتعاونوا على البر والتقوى ) * ( 3 )
، ولا أعلى من معاونة الإمام على إقامة الدين ونصرته .
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي قيس بن
رياح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : من خرج من الطاعة ،
وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمية ، يغضب لعصبة ،
أو يدعو إلى عصبة ، أو ينصر عصبة فقتل ، فقتلة جاهلية ، ومن خرج على أمتي يضرب
برها وفاجرها ، ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهد ، فليس مني ، ولست منه
( 4 ) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما يذم الخارج تحت راية عمية ، والداعي إلى
العصبية ، وهو مستلزم لنصرة الدين ، دون النصرة عليه .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 12 / 225 .
( 2 ) في ظلال القرآن 2 / 691 .
( 3 ) سورة المائدة : آية 2 .
( 4 ) صحيح مسلم 12 / 238 - 239 . ( * )
|
|
|
وأما واجبات الخليفة ( الإمام ) نحو الرعية فهي - فيما يرى
الماوردي ( 1 ) - عشرة أشياء : -
الأول : حفظ الدين على أصوله
المستقرة ، وما أجمع عليه سلف الأمة ، فإن نجم مبتدع أو زاع ذو شبهة ، أوضح له
الحجة ، وبين له الصواب ، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ، ليكون الدين
محروسا " من خلل ، والأمة ممنوعة من زلل .
والثاني : تنفيذ الأحكام بين
المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تتم النصفة ، فلا يعتدي ظالم ، ولا
يضعف مظلوم
والثالث : حماية بيضة الإسلام ،
والذب عن الحريم ، ليتصرف الناس في المعايش ، وينتشروا في الأسفار آمنين على
أنفسهم وأموالهم .
والرابع : إقامة الحدود ، لتصان
محارم الله تعالى عن الانتهاك ، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .
والخامس : تحصين الثغور بالعدد
، ووفور العدد ، حتى لا يظفر العدو بغرة ، فينتهك فيها محرما " ، أو يسفك دما "
لمسلم أو معاهد .
والسادس : جهاد الكفرة
المعاندين للإسلام ، حتى يسلموا أو يدخلوا في ذمة المسلمين ، قياما " بحق الله
تعالى في ظهور دينه على الدين كله .
والسابع : اختيار الأمناء
الأكفاء ، وتقليد الولايات للثقات النصحاء ، لتضبط الأعمال بالكفاة ، وتحفظ
الأموال بالأمناء .
والثامن : جباية أموال الفئ
والصدقات والخراج ، على ما أوجبه الشرع نصا " أو اجتهادا " ، من غير حيف ، ولا
عسف .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الماوردي : الأحكام السلطانية والولايات
الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1402 ه / 1982 ص 15 - 16
.
|
|
|
والتاسع : تقدير العطايا ، وما
يستحقه كل واحد في بيت المال ، من غير سرف ولا تقتير ، ودفعه إليهم في وقت
معلوم ، لا تأخير فيه ولا تقديم .
والعاشر : أن يباشر بنفسه
مشارفة الأمور ، وتصفح الأحوال ، لينهض بسياسة الأمة ، وحراسة الملة ، ولا يعول
على التفويض ، تشاغلا " بلذة أو عبادة ، فقد يخون الأمين ، ويغش الناصح ، وقد
قال الله تعالى : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض
فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ، فيضلك عن سبيل الله ) * ( 1 ) .
فلم يقتصر الله سبحانه وتعالى على التفويض ، دون المباشرة ، ولا عذره في
الاتباع ، حتى وصفه بالضلال ، وهذا - وإن كان مستحقا " عليه بحكم الدين ، ومنصب
الخلافة - فهو من حقوق السياسة ، لكل مسترع .
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن نافع عن ابن
عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ،
فالأمير الذي على الناس راع ، وهو مسؤول عن رعية ، والرجل راع على أهل بيته ،
وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسؤولة عنهم ،
والعبد راع على مال سيده ، وهو مسؤول عنه ، ألا فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن
رعيته ( 2 ) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري قال :
أخبرني سالم عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : كلكم راع ، ومسؤول عن رعيته ، والإمام راع ، ومسؤول عن رعيته ،
والرجل راع في أهله ، ومسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية ، ومسؤولة
عن رعيتها ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة ص : آية 26 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 213 ( دار الكتب
العلمية - بيروت 1403 ه / 1983 م ) .
|
|
|
والخادم في مال سيده راع ، ومسؤول عن رعيته ، قال : وحسبت أن
قال : والرجل راع في مال أبيه ( 1 ) .
وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن مرة الجهني قال
لمعاوية : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من إمام يغلق بابه ، دون
ذوي الحاجات والمسكنة ، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته ،
فجعل معاوية رجلا " على مصالح الناس ( 2 ) .
وروى البخاري في صحيحه ( باب من استرعى رعية فلم
ينصح ) بسنده عن الحسن أن عبيد الله بن زياد ، عاد معقل بن يسار في مرضه الذي
مات فيه . فقال له معقل : إني محدثك حديثا " ، سمعته من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد استرعاه الله رعية
، فلم تحطها بنصيحة ، إلا لم يجد رائحة الجنة ( 3 ) .
وعن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم
المرضعة ، وبئست الفاطمة ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 4 / 6 ، وانظر روايات
أخرى للحديث الشريف ( صحيح البخاري 7 /
34 ، 9 / 77 ) .
( 2 ) صحيح الترمذي 6 / 73 .
( 3 ) صحيح البخاري 9 / 80 ( دار الجيل -
بيروت ) .
( 4 ) صحيح البخاري 9 / 79 . ( * )
|
|
|
|