- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 402 -

 سابعا " : في أعقاب مأساة كربلاء :


لا ريب في أن استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل بيته الطاهرين المطهرين في كربلاء ( في العاشر من المحرم عام 61 ه‍ = العاشر من أكتوبر عام 680 م ) إنما هو يوم من أخطر الأيام في تاريخ البشرية جمعاء - وليس في تاريخ العرب والإسلام

فحسب - ففي هذا اليوم الكئيب كانت مذبحة كربلاء التي لم ير المسلمون لها مثيلا " - بل لم ير لها تاريخ البشرية كله مثيلا " - فما حدثنا التاريخ أبدا " ، أن أمة من الأمم آمنت بنبيها وأحبته ، وعملت بكتاب الله وسنة نبيها ، كما عمل المسلمون على

أيام الراشدين ، ثم شاءت إرادة الله أن تجعل منهم - بفضل الله وببركة نبيه - سادة العالم المعروف وقت ذاك ، ذلك العالم الذي لم يكن - قبل الإسلام - يعترف بوجودهم ، أو يقيم لهم وزنا " إلا يكونوا خدما " له ، وحرسا " على قومهم ، حتى كان

العربي يقتل أخاه العربي ، ابتغاء مرضاة الفرس أو الروم ، حين اتخذ الفرس قبائل من العرب - عرفوا باللخميين أو المناذرة - واتخذ الروم قبائل من بني غسان ، أعوانا " لكل منهم ضد الآخرين ( 2 ) .


ومع ذلك ، ففي هذا اليوم المنكود ، قام جيش اللئام - على أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان - بمذبحة مروعة ، قتل فيها سيدنا الإمام الحسين ، وقتل

  * هامش *  
 

( 2 ) أنظر عن المناذرة والغساسنة ( محمد بيومي مهران : تاريخ العرب القديم - ط ثامنة - الإسكندرية 1990 ص 561 - 625 ) . ( * )

 

 

 ص 403

معظم الهاشميين ، ثم فعل اللئام - بأجسادهم الطاهرة ، من قطع للرؤوس ، ووطء للأجساد الطاهرة بسنابك الخيل - ما يخجل الشيطان من اقترافه ، إن كان الشيطان يخجل ، وقد بكى المسلمون جميعا " ، حتى أعداء بيت النبي صلى الله عليه وسلم - مولانا الإمام الحسين ، وما زالوا يبكونه حتى يوم الناس هذا .


ومن البديهي أن خطيئة كبرى - كمجزرة كربلاء - لن تذهب بغير جريرة ، وأن تكون لها من النتائج الخطيرة - القريبة منها والبعيدة - حتى دخل في روع بعض المؤرخين ، نتيجة لإصابة الحركة في نتائجها الواسعة ، أنها من تدبير الإمام الحسين

عليه السلام ، وأنه توخاه منذ اللحظة الأولى ، وعلم موعد النصر فيه ، فلم يخامره شك في مقتله ذلك العام ، ولا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق ، لا محالة ، بقاتليه بعد أعوام .


وقد قال ماريين الألماني في كتابه السياسية : إن حركة الحسين في خروجه على يزيد إنما كانت عزمة قلب كبير ، عز عليه الإذعان ، وعز عليه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذويه ، الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ، ليس لها بغير ذلك حياة .


وفي الواقع ، إن لم يكن رأي الكاتب حقا " كله - كما يقول الأستاذ العقاد - فبعضه على الأقل حق لا شك فيه ، ويصدق ذلك على حركة الإمام الحسين ، بعد أن حيل بينه وبين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه ، فآثر الموت كيفما كان ، ولم يجهل ما يحيق ببني أمية من جراء قتله ، فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه ، ما لم يكن ليبلغه بالنجاة من كربلاء ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر عن مذبحة كربلاء ( تاريخ الطبري 5 / 347 - 470 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 46 - 94 ،
تاريخ ابن خلدون
3 / 47 - 53 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 162 - 230 ، المسعودي : مروج الذهب 2 / 49 - 59 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 125 - 136 ، ابن دقماق : المرجع السابق ص 59 - 60 ،
الإصابة في تمييز الصحابة
لابن حجر العسقلاني 1 / 332 - 335 ، ابن عبد البر : الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 378 - 384 ،
محمد بيومي مهران : الإمام الحسين بن علي ص 73 - 131 ( بيروت 1990 ) ، تاريخ اليعقوبي 2 / 243 - 250 . ( * )

 

 

 ص 404

هذا ولم تنقض سنتان على مذبحة كربلاء ، حتى كانت المدينة المنورة - أي في أخريات عام 63 ه‍ ( 682 م ) - في ثورة حنق جارف ، يقتل السدود ، ويخترق الحدود ، لأن اللئام من بني أمية حملوا إليها خبر مقتل الإمام الحسين ، محمل التشهير

والشماتة ، وضحك واليهم عمرو بن سعيد ، حين سمع أصوات البكاء والصراخ من بيوت آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنت عقيل بن أبي طالب ، تخرج في نسائها ، حاسرة وتنشد :

ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى ومنهم درجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم


فكان الأمويون يجيبون بمثل تلك الشماتة ، ويقولون ناعية كناعية عثمان ، وبدهي أنه لا موضع للشماتة بالإمام الحسين ، ذلك لأنه إنما قد أصيب - وكذا أخوه الإمام الحسن - وهما يذودان عنه ويجتهدان في سقيه ، وسقي آل بيته ، ولكنها شماتة هوجاء

، لا تعقل ما تصنع ولا ما تقول ، وكان أبوهما الإمام علي أمرهما أن اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان ، ولا تدعا أحد يصل إليه ، وحين قتل الخليفة المظلوم ، ثار عليهما ، ولطم الحسن ، وضرب الحسين ، بينما كان هذا الوالي السفيه حيث يعلم الله ( 1 ) .


وسرعان ما حدثت وقعة الحرة في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ( 28 سبتمبر 682 م ) فقتل فيها خلق كثير ، واستبيحت مدينة الرسول ثلاثة أيام ، وأوقع مسلم بن عقبة المري وجيشه من جنود الشام - والمكون من عشرة آلاف فارس ، وقيل اثنا عشر ألفا " ، أو خمسة عشر ألف

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 466 - 467 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 88 - 89 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 214 . ( * )

 

 

 ص 405

رجل - كثيرا " من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ، ما لا يحد ولا يوصف ، حتى ذهبت بعض المصادر إلى أن عدد القتلى بلغ ألفا " وسبعمائة من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف ، سوى النساء والصبيان ، وقتل من حملة القرآن سبعمائة ، ومن قريش 97 قتلوا ظلما " في الحرب صبرا " ، وافتضت ألف عذراء ،

روى المدائني بسنده عن أبي قرة قال هشام بن حسان : ولدت بعد الحرة ألف عذراء من غير زواج ،


وروى المدائني أيضا " بسنده عن أم الهيثم ابنة يزيد قالت : رأيت امرأة من قريش تطوف فعرض لها أسود فعانقته فقبلته ، فقلت : يا أمة الله أتفعلين هذا بهذا الأسود ، فقالت : هو ابني ، وقع علي أبوه يوم الحرة .


ويقول ابن حزم : وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالت وراثت بين القبر والمنبر ( الروضة الشريفة ) أدام الله تشريفها ، وأكره الناس على البيعة على أنهم عبيد ليزيد ، إن شاء أعتق ( 1 ) .


وسرعان ما ينتقل موكب الشر إلى البلد الحرام - إلى مكة المكرمة - فيحاصرها ، ويضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق حتى يحرقها ، وكان سعيد بن المسيب يسمي سني يزيد بالشؤم ، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي ، وأهل بيت رسول الله ، والثانية استبيح حرم رسول الله ، وانتهكت حرمة المدينة ، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله ، وحرقت الكعبة ( 2 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر عن وقعة الحرة ( تاريخ اليعقوبي 2 / 250 - 251 ، ابن دقماق : المرجع السابق ص 60 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 136 - 139 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 111 - 121 ،
تاريخ الطبري
5 / 482 - 495 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 235 - 243 ،
المسعودي : مروج الذهب 2 / 63 - 65 ، محمد بيومي مهران : الإمام الحسين بن علي ص 183 - 189 .

( 2 ) أنظر عن شرب الكعبة بالمنجنيق أيام الأمويين ( ابن فهد الهاشمي : غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام 1 / 141 - 144 ، 182 - 188 ، الفاسي : العقد الثمين 5 / 45 - 59 ، 143 - 144 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 123 - 124 ،
الأزرقي : أخبار مكة 1 / 196 - 221 ،
النجم عمر بن فهد : إتحاف الورى بأخبار أم القرى 1 / 58 - 77 ، 88 - 99 ، 103 - 104 ، تاريخ =>

 

 

 ص 406

ولعل كل هذه المآسي هي التي دفعت بالبعض إلى القول إلى أنه من بين الأحداث التي رأى الباحثون أنها بداية التشيع إنما هو فاجعة كربلاء ، ذلك أن السيف اللئيم الذي جز رأس مولانا الإمام الحسين - سبط النبي صلى الله عليه وسلم ، وسيد شباب

أهل الجنة - إنما قد جز معه وحدة المسلمين إلى اليوم ، ومن ثم فإن استشهاد سيدنا الإمام الحسين إنما يعتبر نقطة تحول هامة في التاريخ الفكري والعقدي للتشيع ، إذ لم يقتصر أثر تلك الكارثة الأليمة إلى إذكاء نار التشيع في نفوس الشيعة ، وتوحيد

صفوفهم - وكانوا من قبل متفرقي الكلمة ، مشتتي الأهواء - بل ترجع أهمية تلك الكارثة إلى أن التشيع كان قبل استشهاد الإمام الحسين ، مجرد رأي سياسي لم يصل إلى قلوب الشيعة ، فلما قتل الإمام الحسين امتزج التشيع بدمائهم وتغلغل في أعماق قلوبهم ، وبالتالي فقد أصبح عقيدة راسخة في نفوسهم .


وهكذا بينما كان الشيعة بعد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يتعدى طائفة قليلة من الناس ، يرون أن الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم وجهه في الجنة - لصفات فيه - أحق الناس بالإمامة وبينما ناصر كثير من المسلمين الإمام علي

بن أبي طالب ، حينما آل إليه الأمر بعد مقتل عثمان ، رضي الله عنه لأنه إمام المسلمين ، وأمير المؤمنين - أو لأسباب أخرى - فإن هذه الدماء التي أريقت في كربلاء - وهي دماء آل بيت النبي ، وعلى رأسهم الإمام الحسين - إنما قد ركزت الانتباه إلى مدى ما لاقاه بيت النبوة ، من اضطهاد وقتل ، ومن ثم فقد أصبح التشيع مقرونا " بأحقية آل البيت في الخلافة .
 

  * هامش *  
 

=> الطبري 5 / 496 - 499 ، 6 / 187 - 195 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 243 - 245 ، 270 - 271 ،
ابن دقماق : المرجع السابق ص 60 - 61 ، ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 139 - 142 ، 162 - 168 ،
تاريخ اليعقوبي
2 / 251 - 253 ، 266 - 267 ، 272 ، مروج الذهب 2 / 65 ، 75 ، 100 - 103 ،
ابن قتيبة : الإمامة والسياسة 2 / 14 - 15 ، ابن الطقطقي : الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية ص 95 ) . ( * )

 

 

 ص 407

وهكذا فإن دماء الإمام الحسين الطاهرة - فضلا " عن دماء أهل بيته - إنما هي التي أنبتت العقيدة الشيعية في صورتها النهائية ، فلقد أدرك الشيعة - بعد كارثة كربلاء - أن لا قبل لهم بمقاومة جيوش بني أمية بالقوة والسيف - خاصة وقد رأوا ما فعلت جيوش اللئام بالمدينة المنورة ومكة المكرمة - ومن ثم فقد استعانوا على أمرهم بمبدأ التقية ،

ثم تحول الشيعة أيضا " ، بعد كارثة كربلاء ، إلى مقاومة الأمويين بقوة أخرى - غير قوة السلاح - قوة معنوية ، لا تصمد لها أيديولوجية الدولة الأموية في الحكم ، وهي قوة الفكر الذي ارتبط بالدين ، فأصبح في الناس عقيدة ( 1 ) .


وهكذا قامت حركة التوابين بقيادة الصحابي الجليل - سليمان بن صرد ( 2 ) - الذي سمي أمير التوابين ، حيث جمع أنصاره في النخيلة في ربيع الآخر عام 65 ه‍ ، وسار بهم إلى قبر الإمام الحسين ، وطبقا " لرواية ابن الأثير فما أن وصلوا إلى

القبر الشريف ، حتى صاحوا صيحة واحدة ، فما رؤي أكثر باكيا " من ذلك اليوم ، فترحموا عليه ، وتابوا عنده من خذلانه ، وترك القتال معه ، ثم نادوا - فيما يروي الطبري - يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا ،

إنك أنت التواب الرحيم ، وارحم حسينا " وأصحابه ، الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه ، فإن لم تعفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ثم أقاموا عنده يوما " وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه .

واتجه سليمان بجيشه نحو الشام ، حتى إذا ما وصلوا إلى عين الوردة دارت رحى الحرب بينهم وبين جند الشام ، وأبلى التوابون بلاء " حسنا " ، فكان لهم النصر أول الأمر ، غير أن ابن زياد سرعان ما أمد جيش الشام باثني عشر ألفا " ،

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 47 - 48 ، وانظر 335 . . Encyclopedia of Islam , III , P
( 2 ) أنظر عن سليمان بن صرد ( أسد الغابة 2 / 449 - 450 ، الإصابة في تمييز الصحابة 2 / 75 - 76 ،
الإستيعاب في معرفة الأصحاب
2 / 63 - 65 ) . ( * )

 

 

 ص 408

بقيادة الحصين بن نمير ، ثم بثمانية آلاف ، بقيادة ابن ذي الكلاع ، فأحاطوا بالتوابين من كل جانب ، ورأى سليمان ما يلقى أصحابه من شدة ، فترجل عن فرسه ، وهو يومئذ في الثالثة والتسعين من عمره ، وكسر جفن سيفه ، وصاح بأصحابه :

يا عباد الله ، من أراد البكور إلى ربه ، والتوبة من ذنبه ، والوفاء بعهده ، فليأت إلي. واستجاب له الكثيرون ، وحذوا حذوه ، وكسروا جفون سيوفهم ، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى أصيب أميرهم سليمان بسهم ، فوثب ووقع ، ثم وثب ووقع ،

وهو يقول فزت ورب الكعبة ، وحمل الراية بعده المسيب بن نجية فقاتل بها حتى استشهد ، رحمه الله ، وانتهت المعركة إلى جانب أهل الشام ، بعد أن ترك التوابون أمثلة رائعة للبطولة والفداء ، التي استمدت روحها من مواقف الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه ، والتي لها صداها في النفوس ، وأثرها القوي في التاريخ الإنساني كله ( 1 ) .


وهكذا يرى كثير من المؤرخين أن التشيع - كعقيدة - إنما يبدأ بعد مأساة كربلاء ، يقول ستروثمان في دائرة معارف الإسلام : إن دم الإمام الحسين الذي أراقته سيوف الحكومة القائمة ، إنما يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة ( 2 ) ، والأمر كذلك بالنسبة إلى ول ديورانت الذي يرى أن نشأة طائفة الشيعة ، إنما كان على أثر مقتل الحسين وأسرته ( 3 ) .


ويقول الدكتور الخربوطلي : كانت هناك نتائج دينية هامة تخلفت عن

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 551 - 563 ، 5 / 583 - 609 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 175 - 189 ،
المسعودي : مروج الذهب 2 / 83 - 86 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 257 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 271 - 277 ،
أسد الغابة
2 / 18 - 23 ، البلاذري : أنساب الأشراف 5 / 204 - 214 ، علي النشار : المرجع السابق ص 21 ،
محمد بيومي مهران : الإمام الحسين بن علي ص 191 - 193 .
( 2 ) دائرة معارف الإسلام 3 / 350 .
( 3 ) ول ديورانت : قصة الحضارة 4 / 32 . ( * )

 

 

 ص 409

فاجعة كربلاء ، فنحن لا يمكننا أن نفسر دعوة شيعة الكوفة للإمام الحسين ، ثم خذلانهم له ، إلا بضعف العقيدة في نفوسهم وقت ذاك ذلك لأن العقيدة لم تكن قد اختمرت في نفوسهم ، ولا تملكت قلوبهم ، ولكن الحال قد اختلف بعد مقتل الإمام الحسين

، فقد كانت دماؤه أبعد أثرا " من دماء أبيه الإمام علي في نمو حركة الشيعة وازدياد أنصارها ، بل يمكننا أن نقول : إن الحركة الشيعية إنما بدأ ظهورها في العاشر من المحرم عام 61 ه‍ ( 10 أكتوبر عام 680 م ) وصبغت مبادئ الشيعة بصبغة دينية ، فاتجهت الشيعة بعد مقتل الإمام الحسين اتجاها " دينيا " ، بل غلب الجانب الديني في التشيع الجانب السياسي ( 1 ) .


وهكذا نرى أن حركة التشيع كانت ما تزال متعثرة في طريقها - حتى كارثة كربلاء - لأن التشيع في نظر أهل العراق إنما كان مرتبطا " بذكرى حكم الإمام علي ، الذي يمثل زعامة العراق بين الأمصار ( 2 ) ، ثم كان لاستشهاد الإمام الحسين ، عليه السلام ، أثر كبير في نفوس شيعته ، وقد أغنت هذه الحادثة الأدب العربي بالروائع ، وألفت الكتب الكثيرة في مقتل الإمام الحسين ( 3 ) .


وهكذا كان تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسين مباشرة ( 4 ) ، ومن ثم فقد أصبحت كلمة الشيعة - بعد مقتل الحسين - تطلق مفردة ، فيقال الشيعة ، ولا يقال شيعة علي أو شيعة الحسين ، وهذا يعني أن مفهوم الشيعة كجماعة بدأ في الوضوح والتحديد ( 5 ) ، ويذهب الشيخ المفيد إلى أن كلمة شيعة إذا دخلت عليها أل التعريف ، فهي على

  * هامش *  
 

( 1 ) علي حسني الخربوطلي : تاريخ العراق في ظل الأمويين ص 123 ، أحمد صبحي : المرجع السابق ص 48 - 49 .
( 2 ) الدوري : مقدمة في صدر الإسلام ص 61 .
( 3 ) أنظر كأمثلة ( ابن طاووس : كتاب اللهوف في قتلى الطفوف ، ابن نما الحلي : كتاب مثير الأحزان ،
الخوارزمي : كتاب مقتل الحسين ، جمال الطاووس : عين العبرة في غبن العترة ) .
( 4 ) الشيبي : المرجع السابق 1 / 17 .
( 5 ) نبيلة عبد المنعم داوود : المرجع السابق ص 76 . ( * )

 

 

 ص 410

التخصيص لأتباع أمير المؤمنين ( 1 ) ( علي بن أبي طالب ) .


وعلى أية حال ، فيتضح لنا من الروايات التاريخية أن الشيعة أصبحت - بعد خروج التوابين - حزبا " سياسيا " واضح المفهوم ، فكان يقال الشيعة وشيخ الشيعة فيعرف مدلولها ( 2 ) .


وهكذا لم يكن أثر مقتل الإمام الحسين يقف عند انشقاق فريق من المسلمين باسم الشيعة ، أو يشكل مجرد عقائد الشيعة حتى تميزت بها عن سائر فرق المسلمين ، وإنما كانت دماؤه بحق هي التي ظلت طوال القرون ، تروي عقائد الشيعة ، فصمدت

هذه الفرق ، على العالم الرغم مما أصابها من اضطهاد فكري وسياسي، وعلى الرغم ما جد على العالم من أحداث وتطورات ، ولم يكن الأمر وقفا " على تلك العاطفة الحزينة التي صبغت عقيدة الشيعة ، أو على تلك المرثيات التي يرددونها دائما " ،

والتي تزدخر بها كتبهم ، لتظل النفوس عالقة بتلك العقائد ، منفعلة بتلك الكوارث ، تتخذ من مصرع مولانا الإمام الحسين مثلا " أعلى في الصبر على البلاء والاستشهاد ، وإنما أمدتهم تلك الدماء الطاهرة بما جعلهم على رأيهم ثابتين ،

بالرغم من تحالف قوى الفكر عليهم - من سنة ومعتزلة ومرجئة وخوارج ( 3 ) - وبالرغم من الاضطهاد السياسي العنيف الذي حاق بهم في العصرين : الأموي ( 41 - 132 ه‍ / 661 - 750 م ) والعباسي ( 132 - 656 ه‍ / 750 - 1258 م ) ( 4 ) .

وهكذا جعلت كارثة كربلاء من التشيع مذهبا " وعقيدة ، فلقد روى دم الإمام الحسين ، عليه السلام ، موات الأحداث ليصبح الانشقاق أمرا " مقضيا " ،

  * هامش *  
 

( 1 ) الشيخ المفيد : أوائل المقالات في المذاهب و المختارات ص 3 ( تبرير 1371 ه‍ ) .
( 2 ) نبيلة عبد المنعم داوود : المرجع السابق ص 78 ، وانظر : تاريخ الطبري 5 / 558 - 559 .
( 3 ) أنظر عن هذه الفرق ( البغداد : الفرق بين الفرق - دار المعرفة - بيروت ، ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل - القاهرة 1964 ( 5 أجزاء ) ، الشهرستاني : الملل والنحل - القاهرة 1968 ( 3 أجزاء ) ، الغرابي : تاريخ الفرق الإسلامية - القاهرة 1959 ) .
( 4 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 49 - 50 . ( * )

 

 

 ص 411

ذلك أن الشيعة قد أدركت بعد هذه الفاجعة الأليمة، أن اقتلاع سلطان الغاصبين من بني أمية وغيرهم، لا تكفي فيه قوة السلاح ، إنه إن عز النصر بسلاح الحرب ، فلا بد من قوة معنوية تشد أزر القوة المادية ، وليس ذلك إلا سلاح الفكر، إذ أن الكلمة

أحيانا " أبقى أثرا " ، وأشد تنكيلا " بالعدو من السيف ، ومن ثم فقد بات لزاما " أن يكون للشيعة مذهب خاص ، وإيديولوجية مثمرة في الإمامة ، ولن يتسنى ذلك ما دامت تربطهم بأهل السنة وحدة الفكر ، وهكذا جعلت فاجعة كربلاء انشقاق الشيعة عن جمهور المسلمين أمرا " مقضيا " ( 1 ) .


على أن الصورة النهائية لعقائد الشيعة لم تظهر إلى حيز الوجود في أعقاب استشهاد الإمام الحسين مباشرة، وربما احتاج ذلك إلى عشرات من السنين حتى تتبلور هذه العقائد ، عير أن الفرق التي تندرج تحت اسم الشيعة - المعتدلين فيهم - إنما قد بدأ

ظهورها بعقائدها عقب مأساة كربلاء ، منذ بدأت فرقة الكيسانية ( 2 ) التي تعتبر أولى الفرق التي ظهرت في التيار العام للحركة الشيعية ، على اعتبار أن حركة ابن سبأ لا تدخل في هذا التيار العام ، إذ صدرت عن باعث الفتنة ، لا عن ينبوع

العقيدة ، من ناحية ، ولأن حركة ابن سبأ إنما تعتبر بوجه عام - أولى حركات الغلاة ، لا المعتدلين ( 3 ) ، من ناحية أخرى ، ولأن الشيعة أنفسهم لا يعترفون بها - هذا إن كان هناك من يدعى ابن سبأ حقا " - .


وهكذا يمكن القول إن التشيع كفكرة إنما لاحت في عصر النبوة مع العباس بن عبد المطلب في إلحاحه على الإمام علي بالاستفسار من النبي صلى الله عليه وسلم ، عن البيعة والوصية الكتابية فرفض الإمام علي ( 4 ) ، ولكنها ولدت ولادة صحيحة

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : الزيدية ص 6 - 17 .
( 2 ) أنظر عن الكيسانية ( البغدادي : الفرق بين الفرق ص 38 - 53 ،
الغرابي : تاريخ الفرق الإسلامية ص 288 - 289 ، الشهرستاني : الملل والنحل ص 147 ) .
( 3 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة ص 50 .
( 4 ) محمد حسين هيكل : حياة محمد ص 484 - 485 . ( * )

 

 

 ص 412

يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وشبت بعد قتل عثمان وحرب معاوية بن أبي سفيان للإمام علي ، ومن قبل ذلك خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير ، ثم موقعة الجمل ، ثم نضجت يوم استشهاد الأئمة - علي والحسين وزيد ويحيى وغيرهم من

كرام الأئمة - حتى اتخذت ثوب التقية وتدرعت به لتحفظ رسالة الإمام الصادق ، كإمام قاعد ، يعيش للعلم ، يدرسه عن ربه ونبيه وأجداده ، ويعلمه ويعمل ، ويدرس ما اختلف فيه ، فيكون أعلم الناس ، لعلمه باختلاف الناس ( 1 ) ، كما قال عنه الإمام أبو حنيفة .


ومن هنا أكد مؤرخو الشيعة أن التراث الشيعي إنما قد عاش ، لأن أربعة عشر قرنا " تعيش في تياراته ، وتغني المضمون الروحي للفكر الإسلامي من خلال صراع آرائه ( 2 ) .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) عبد القادر محمود : الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة - القاهرة ص 6 - 7 .
( 2 ) عبد الرحمن بدوي : دراسات إسلامية ص 35 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب