|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 402 - |
سابعا " : في أعقاب مأساة كربلاء :
لا ريب في أن استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل بيته الطاهرين المطهرين في
كربلاء ( في العاشر من المحرم عام 61 ه = العاشر من أكتوبر عام 680 م ) إنما
هو يوم من أخطر الأيام في تاريخ البشرية جمعاء - وليس في تاريخ العرب والإسلام
فحسب - ففي هذا اليوم الكئيب كانت مذبحة كربلاء التي لم ير
المسلمون لها مثيلا " - بل لم ير لها تاريخ البشرية كله مثيلا " - فما حدثنا
التاريخ أبدا " ، أن أمة من الأمم آمنت بنبيها وأحبته ، وعملت بكتاب الله وسنة
نبيها ، كما عمل المسلمون على
أيام الراشدين ، ثم شاءت إرادة الله أن تجعل منهم - بفضل الله
وببركة نبيه - سادة العالم المعروف وقت ذاك ، ذلك العالم الذي لم يكن - قبل
الإسلام - يعترف بوجودهم ، أو يقيم لهم وزنا " إلا يكونوا خدما " له ، وحرسا "
على قومهم ، حتى كان
العربي يقتل أخاه العربي ، ابتغاء مرضاة الفرس أو الروم ، حين
اتخذ الفرس قبائل من العرب - عرفوا باللخميين أو المناذرة - واتخذ الروم قبائل
من بني غسان ، أعوانا " لكل منهم ضد الآخرين ( 2 ) .
ومع ذلك ، ففي هذا اليوم المنكود ، قام جيش اللئام - على أيام يزيد بن معاوية
بن أبي سفيان - بمذبحة مروعة ، قتل فيها سيدنا الإمام الحسين ، وقتل
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) أنظر عن المناذرة والغساسنة ( محمد بيومي مهران : تاريخ العرب القديم - ط ثامنة - الإسكندرية 1990 ص 561 -
625 ) . ( * )
|
|
|
معظم الهاشميين ، ثم فعل اللئام - بأجسادهم
الطاهرة ، من قطع للرؤوس ، ووطء للأجساد الطاهرة بسنابك الخيل - ما يخجل
الشيطان من اقترافه ، إن كان الشيطان يخجل ، وقد بكى المسلمون جميعا " ، حتى
أعداء بيت النبي صلى الله عليه وسلم - مولانا الإمام الحسين ، وما زالوا يبكونه
حتى يوم الناس هذا .
ومن البديهي أن خطيئة كبرى - كمجزرة كربلاء - لن تذهب بغير
جريرة ، وأن تكون لها من النتائج الخطيرة - القريبة منها والبعيدة - حتى دخل في
روع بعض المؤرخين ، نتيجة لإصابة الحركة في نتائجها الواسعة ، أنها من تدبير
الإمام الحسين
عليه السلام ، وأنه توخاه منذ اللحظة الأولى ، وعلم موعد النصر
فيه ، فلم يخامره شك في مقتله ذلك العام ، ولا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق
، لا محالة ، بقاتليه بعد أعوام .
وقد قال ماريين الألماني في كتابه السياسية :
إن حركة الحسين في خروجه على يزيد إنما كانت عزمة قلب كبير ، عز عليه الإذعان ،
وعز عليه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذويه ، الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل
بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ، ليس لها بغير ذلك حياة .
وفي الواقع ، إن لم يكن رأي الكاتب حقا " كله - كما يقول الأستاذ العقاد -
فبعضه على الأقل حق لا شك فيه ، ويصدق ذلك على حركة الإمام الحسين ، بعد أن حيل
بينه وبين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه ، فآثر الموت كيفما كان ، ولم يجهل ما يحيق
ببني أمية من جراء قتله ، فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه ، ما لم يكن ليبلغه
بالنجاة من كربلاء ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر عن مذبحة كربلاء (
تاريخ الطبري 5 /
347 - 470 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 46 - 94 ،
تاريخ ابن خلدون 3 /
47 - 53 ، ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 162 - 230 ، المسعودي :
مروج الذهب 2 / 49 - 59 ،
ابن عبد ربه :
العقد الفريد 5 / 125 - 136 ، ابن دقماق : المرجع
السابق ص 59 - 60 ،
الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 1 / 332 - 335
، ابن عبد البر : الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 378 - 384 ،
محمد بيومي مهران
: الإمام الحسين بن علي ص 73 - 131 ( بيروت 1990 ) ،
تاريخ اليعقوبي 2 / 243 -
250 . ( * )
|
|
|
هذا ولم تنقض سنتان على مذبحة كربلاء ، حتى كانت المدينة
المنورة - أي في أخريات عام 63 ه ( 682 م ) - في ثورة حنق جارف ، يقتل السدود
، ويخترق الحدود ، لأن اللئام من بني أمية حملوا إليها خبر مقتل الإمام الحسين
، محمل التشهير
والشماتة ، وضحك واليهم عمرو بن سعيد ، حين سمع أصوات البكاء
والصراخ من بيوت آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنت عقيل بن أبي طالب ،
تخرج في نسائها ، حاسرة وتنشد :
ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا
فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى ومنهم درجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم
فكان الأمويون يجيبون بمثل تلك الشماتة ، ويقولون ناعية كناعية عثمان ، وبدهي
أنه لا موضع للشماتة بالإمام الحسين ، ذلك لأنه إنما قد أصيب - وكذا أخوه
الإمام الحسن - وهما يذودان عنه ويجتهدان في سقيه ، وسقي آل بيته ، ولكنها
شماتة هوجاء
، لا تعقل ما تصنع ولا ما تقول ، وكان أبوهما الإمام علي
أمرهما أن اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان ، ولا تدعا أحد يصل إليه ،
وحين قتل الخليفة المظلوم ، ثار عليهما ، ولطم الحسن ، وضرب الحسين ، بينما كان
هذا الوالي السفيه حيث يعلم الله ( 1 ) .
وسرعان ما حدثت وقعة الحرة في يوم الأربعاء
لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ( 28 سبتمبر 682 م ) فقتل فيها خلق
كثير ، واستبيحت مدينة الرسول ثلاثة أيام ، وأوقع مسلم بن عقبة المري وجيشه من
جنود الشام - والمكون من عشرة آلاف فارس ، وقيل اثنا عشر ألفا " ، أو خمسة عشر
ألف
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 466 - 467 ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 4 / 88 - 89 ،
ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 214 . ( * )
|
|
|
رجل - كثيرا " من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ، ما لا
يحد ولا يوصف ، حتى ذهبت بعض المصادر إلى أن عدد القتلى بلغ ألفا " وسبعمائة من
بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف ،
سوى النساء والصبيان ، وقتل من حملة القرآن سبعمائة ، ومن قريش 97 قتلوا ظلما "
في الحرب صبرا " ، وافتضت ألف عذراء ،
روى المدائني بسنده عن أبي قرة
قال هشام بن حسان : ولدت بعد الحرة ألف عذراء من غير زواج ،
وروى
المدائني أيضا " بسنده عن أم الهيثم ابنة يزيد قالت : رأيت امرأة
من قريش تطوف فعرض لها أسود فعانقته فقبلته ، فقلت : يا أمة الله أتفعلين هذا
بهذا الأسود ، فقالت : هو ابني ، وقع علي أبوه يوم الحرة .
ويقول ابن حزم : وجالت الخيل في مسجد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وبالت وراثت بين القبر والمنبر ( الروضة الشريفة ) أدام
الله تشريفها ، وأكره الناس على البيعة على أنهم عبيد ليزيد ، إن شاء أعتق ( 1
) .
وسرعان ما ينتقل موكب الشر إلى البلد الحرام -
إلى مكة المكرمة - فيحاصرها ، ويضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق حتى يحرقها ،
وكان سعيد بن المسيب يسمي سني يزيد بالشؤم ، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي
، وأهل بيت رسول الله ، والثانية استبيح حرم رسول الله ، وانتهكت حرمة المدينة
، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله ، وحرقت الكعبة ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر عن وقعة الحرة ( تاريخ اليعقوبي 2 / 250 - 251 ، ابن دقماق : المرجع
السابق ص 60 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 136 - 139 ، ابن الأثير :
الكامل
في التاريخ 4 / 111 - 121 ،
تاريخ الطبري 5 / 482 - 495 ، ابن كثير :
البداية
والنهاية 8 / 235 - 243 ،
المسعودي : مروج الذهب
2 / 63 - 65 ، محمد بيومي
مهران : الإمام الحسين بن علي ص 183 - 189 .
( 2 ) أنظر عن شرب الكعبة
بالمنجنيق أيام الأمويين ( ابن فهد الهاشمي : غاية المرام بأخبار سلطنة البلد
الحرام 1 / 141 - 144 ، 182 - 188 ، الفاسي : العقد الثمين 5 / 45 - 59 ، 143 -
144 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 123 - 124 ،
الأزرقي :
أخبار مكة 1 /
196 - 221 ،
النجم عمر بن فهد : إتحاف الورى بأخبار أم القرى 1 / 58 - 77 ، 88
- 99 ، 103 - 104 ، تاريخ =>
|
|
|
ولعل كل هذه المآسي هي التي دفعت بالبعض إلى القول إلى أنه من
بين الأحداث التي رأى الباحثون أنها بداية التشيع إنما هو فاجعة كربلاء ، ذلك
أن السيف اللئيم الذي جز رأس مولانا الإمام الحسين - سبط النبي صلى الله عليه
وسلم ، وسيد شباب
أهل الجنة - إنما قد جز معه وحدة المسلمين إلى اليوم ، ومن ثم
فإن استشهاد سيدنا الإمام الحسين إنما يعتبر نقطة تحول هامة في التاريخ الفكري
والعقدي للتشيع ، إذ لم يقتصر أثر تلك الكارثة الأليمة إلى إذكاء نار التشيع في
نفوس الشيعة ، وتوحيد
صفوفهم - وكانوا من قبل متفرقي الكلمة ، مشتتي الأهواء - بل
ترجع أهمية تلك الكارثة إلى أن التشيع كان قبل استشهاد الإمام الحسين ، مجرد
رأي سياسي لم يصل إلى قلوب الشيعة ، فلما قتل الإمام الحسين امتزج التشيع
بدمائهم وتغلغل في أعماق قلوبهم ، وبالتالي فقد أصبح عقيدة راسخة في نفوسهم .
وهكذا بينما كان الشيعة بعد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا
يتعدى طائفة قليلة من الناس ، يرون أن الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم وجهه
في الجنة - لصفات فيه - أحق الناس بالإمامة وبينما ناصر كثير من المسلمين
الإمام علي
بن أبي طالب ، حينما آل إليه الأمر بعد مقتل عثمان ، رضي الله
عنه لأنه إمام المسلمين ، وأمير المؤمنين - أو لأسباب أخرى - فإن هذه الدماء
التي أريقت في كربلاء - وهي دماء آل بيت النبي ، وعلى رأسهم الإمام الحسين -
إنما قد ركزت الانتباه إلى مدى ما لاقاه بيت النبوة ، من اضطهاد وقتل ، ومن ثم
فقد أصبح التشيع مقرونا " بأحقية آل البيت في الخلافة .
| |
* هامش * |
|
| |
=> الطبري 5 / 496 - 499 ، 6 / 187 - 195 ، ابن كثير : البداية
والنهاية 8 / 243 - 245 ، 270 - 271 ،
ابن دقماق : المرجع السابق ص 60 - 61 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 139 - 142 ، 162 - 168 ،
تاريخ اليعقوبي 2 /
251 - 253 ، 266 - 267 ، 272 ، مروج الذهب 2 / 65 ، 75 ، 100 - 103 ،
ابن قتيبة
: الإمامة والسياسة 2 / 14 - 15 ، ابن الطقطقي :
الفخري في الآداب السلطانية
والدول الإسلامية ص 95 ) . ( * )
|
|
|
وهكذا فإن دماء الإمام الحسين الطاهرة - فضلا " عن دماء أهل
بيته - إنما هي التي أنبتت العقيدة الشيعية في صورتها النهائية ، فلقد أدرك
الشيعة - بعد كارثة كربلاء - أن لا قبل لهم بمقاومة جيوش بني أمية بالقوة
والسيف - خاصة وقد رأوا ما فعلت جيوش اللئام بالمدينة المنورة ومكة المكرمة -
ومن ثم فقد استعانوا على أمرهم بمبدأ التقية ،
ثم تحول الشيعة أيضا " ، بعد كارثة كربلاء ، إلى مقاومة
الأمويين بقوة أخرى - غير قوة السلاح - قوة معنوية ، لا تصمد لها أيديولوجية
الدولة الأموية في الحكم ، وهي قوة الفكر الذي ارتبط بالدين ، فأصبح في الناس
عقيدة ( 1 ) .
وهكذا قامت حركة التوابين بقيادة
الصحابي الجليل - سليمان بن صرد ( 2 ) - الذي سمي أمير التوابين ، حيث جمع
أنصاره في النخيلة في ربيع الآخر عام 65 ه ، وسار بهم إلى قبر الإمام الحسين ،
وطبقا " لرواية ابن الأثير فما أن وصلوا إلى
القبر الشريف ، حتى صاحوا صيحة
واحدة ، فما رؤي أكثر باكيا " من ذلك اليوم ، فترحموا عليه ، وتابوا عنده من
خذلانه ، وترك القتال معه ، ثم نادوا - فيما يروي الطبري - يا رب إنا قد خذلنا
ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا ،
إنك أنت التواب الرحيم ،
وارحم حسينا " وأصحابه ، الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما
قتلوا عليه ، فإن لم تعفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ثم أقاموا عنده
يوما " وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه .
واتجه سليمان بجيشه نحو الشام ، حتى إذا ما وصلوا إلى عين
الوردة دارت رحى الحرب بينهم وبين جند الشام ، وأبلى التوابون بلاء " حسنا " ،
فكان لهم النصر أول الأمر ، غير أن ابن زياد سرعان ما أمد جيش الشام باثني عشر
ألفا " ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 47 - 48 ، وانظر 335 . .
Encyclopedia of Islam , III , P
( 2 ) أنظر عن سليمان بن صرد ( أسد الغابة 2 / 449 - 450 ،
الإصابة في تمييز
الصحابة 2 / 75 - 76 ،
الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 63 - 65 ) . ( * )
|
|
|
بقيادة الحصين بن نمير ، ثم بثمانية آلاف ، بقيادة
ابن ذي الكلاع ، فأحاطوا بالتوابين من كل جانب ، ورأى سليمان ما يلقى أصحابه من
شدة ، فترجل عن فرسه ، وهو يومئذ في الثالثة والتسعين من عمره ، وكسر جفن سيفه
، وصاح بأصحابه :
يا عباد الله ، من أراد البكور إلى ربه ، والتوبة من ذنبه ،
والوفاء بعهده ، فليأت إلي. واستجاب له الكثيرون ، وحذوا حذوه ، وكسروا جفون
سيوفهم ، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى أصيب أميرهم سليمان بسهم ، فوثب
ووقع ، ثم وثب ووقع ،
وهو يقول فزت ورب الكعبة ، وحمل الراية بعده المسيب بن
نجية فقاتل بها حتى استشهد ، رحمه الله ، وانتهت المعركة إلى جانب أهل الشام ،
بعد أن ترك التوابون أمثلة رائعة للبطولة والفداء ، التي استمدت روحها من مواقف
الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه ، والتي لها صداها في النفوس ، وأثرها القوي
في التاريخ الإنساني كله ( 1 ) .
وهكذا يرى كثير من المؤرخين أن التشيع -
كعقيدة - إنما يبدأ بعد مأساة كربلاء ، يقول ستروثمان في دائرة معارف الإسلام :
إن دم الإمام الحسين الذي أراقته سيوف الحكومة القائمة ، إنما يعتبر البذرة
الأولى للتشيع كعقيدة ( 2 ) ، والأمر كذلك بالنسبة إلى ول ديورانت الذي يرى أن
نشأة طائفة الشيعة ، إنما كان على أثر مقتل الحسين وأسرته ( 3 ) .
ويقول الدكتور الخربوطلي : كانت هناك نتائج دينية هامة تخلفت عن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 )
تاريخ الطبري 5 / 551 - 563 ، 5 / 583 - 609 ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ
4 / 175 - 189 ،
المسعودي : مروج الذهب 2 / 83 - 86 ،
تاريخ اليعقوبي 2 / 257 ،
ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 271 - 277 ،
أسد الغابة 2 / 18 - 23 ،
البلاذري : أنساب الأشراف 5 / 204 - 214 ، علي النشار : المرجع السابق ص 21 ،
محمد بيومي مهران : الإمام الحسين بن علي ص 191 - 193 .
( 2 )
دائرة معارف
الإسلام 3 / 350 .
( 3 ) ول ديورانت : قصة الحضارة 4 / 32 . ( * )
|
|
|
فاجعة كربلاء ، فنحن لا يمكننا أن نفسر دعوة شيعة الكوفة
للإمام الحسين ، ثم خذلانهم له ، إلا بضعف العقيدة في نفوسهم وقت ذاك ذلك لأن
العقيدة لم تكن قد اختمرت في نفوسهم ، ولا تملكت قلوبهم ، ولكن الحال قد اختلف
بعد مقتل الإمام الحسين
، فقد كانت دماؤه أبعد أثرا " من دماء أبيه الإمام علي في نمو
حركة الشيعة وازدياد أنصارها ، بل يمكننا أن نقول : إن الحركة الشيعية إنما بدأ
ظهورها في العاشر من المحرم عام 61 ه ( 10 أكتوبر عام 680 م ) وصبغت مبادئ
الشيعة بصبغة دينية ، فاتجهت الشيعة بعد مقتل الإمام الحسين اتجاها " دينيا " ،
بل غلب الجانب الديني في التشيع الجانب السياسي ( 1 ) .
وهكذا نرى أن حركة التشيع كانت ما تزال متعثرة في طريقها - حتى كارثة
كربلاء - لأن التشيع في نظر أهل العراق إنما كان مرتبطا " بذكرى حكم الإمام علي
، الذي يمثل زعامة العراق بين الأمصار ( 2 ) ، ثم كان لاستشهاد الإمام الحسين ،
عليه السلام ، أثر كبير في نفوس شيعته ، وقد أغنت هذه الحادثة الأدب العربي
بالروائع ، وألفت الكتب الكثيرة في مقتل الإمام الحسين ( 3 ) .
وهكذا كان تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسين
مباشرة ( 4 ) ، ومن ثم فقد أصبحت كلمة الشيعة - بعد مقتل الحسين - تطلق مفردة ،
فيقال الشيعة ، ولا يقال شيعة علي أو شيعة الحسين ، وهذا يعني أن مفهوم الشيعة
كجماعة بدأ في الوضوح والتحديد ( 5 ) ، ويذهب الشيخ المفيد إلى أن كلمة شيعة
إذا دخلت عليها أل التعريف ، فهي على
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) علي حسني الخربوطلي :
تاريخ العراق في
ظل الأمويين ص 123 ، أحمد صبحي : المرجع السابق ص 48 - 49 .
( 2 ) الدوري :
مقدمة في صدر الإسلام ص 61 .
( 3 ) أنظر كأمثلة ( ابن طاووس :
كتاب اللهوف في
قتلى الطفوف ، ابن نما الحلي : كتاب مثير الأحزان ،
الخوارزمي :
كتاب مقتل
الحسين ، جمال الطاووس : عين العبرة في غبن العترة ) .
( 4 ) الشيبي : المرجع
السابق 1 / 17 .
( 5 ) نبيلة عبد المنعم داوود : المرجع السابق ص 76 . ( * )
|
|
|
التخصيص لأتباع أمير المؤمنين ( 1 ) ( علي بن أبي طالب ) .
وعلى أية حال ، فيتضح لنا من الروايات التاريخية أن الشيعة أصبحت -
بعد خروج التوابين - حزبا " سياسيا " واضح المفهوم ، فكان يقال الشيعة وشيخ
الشيعة فيعرف مدلولها ( 2 ) .
وهكذا لم يكن أثر مقتل الإمام الحسين يقف عند
انشقاق فريق من المسلمين باسم الشيعة ، أو يشكل مجرد عقائد الشيعة حتى تميزت
بها عن سائر فرق المسلمين ، وإنما كانت دماؤه بحق هي التي ظلت طوال القرون ،
تروي عقائد الشيعة ، فصمدت
هذه الفرق ، على العالم الرغم مما أصابها من اضطهاد
فكري وسياسي، وعلى الرغم ما جد على العالم من أحداث وتطورات ، ولم يكن الأمر
وقفا " على تلك العاطفة الحزينة التي صبغت عقيدة الشيعة ، أو على تلك المرثيات
التي يرددونها دائما " ،
والتي تزدخر بها كتبهم ، لتظل النفوس عالقة بتلك
العقائد ، منفعلة بتلك الكوارث ، تتخذ من مصرع مولانا الإمام الحسين مثلا "
أعلى في الصبر على البلاء والاستشهاد ، وإنما أمدتهم تلك الدماء الطاهرة بما
جعلهم على رأيهم ثابتين ،
بالرغم من تحالف قوى الفكر عليهم - من سنة ومعتزلة
ومرجئة وخوارج ( 3 ) - وبالرغم من الاضطهاد السياسي العنيف الذي حاق بهم في
العصرين : الأموي ( 41 - 132 ه / 661 - 750 م ) والعباسي ( 132 - 656 ه / 750
- 1258 م ) ( 4 ) .
وهكذا جعلت كارثة كربلاء من التشيع مذهبا " وعقيدة ، فلقد روى
دم الإمام الحسين ، عليه السلام ، موات الأحداث ليصبح الانشقاق أمرا " مقضيا "
،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الشيخ المفيد : أوائل المقالات في المذاهب و
المختارات ص 3 ( تبرير 1371 ه ) .
( 2 ) نبيلة عبد المنعم داوود : المرجع
السابق ص 78 ، وانظر : تاريخ الطبري 5 / 558 - 559 .
( 3 ) أنظر عن هذه الفرق (
البغداد : الفرق بين الفرق - دار المعرفة - بيروت ، ابن حزم :
الفصل في الملل
والأهواء والنحل - القاهرة 1964 ( 5 أجزاء ) ، الشهرستاني :
الملل والنحل -
القاهرة 1968 ( 3 أجزاء ) ، الغرابي : تاريخ الفرق الإسلامية - القاهرة 1959 )
.
( 4 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 49 - 50 . ( * )
|
|
|
ذلك أن الشيعة قد أدركت بعد هذه الفاجعة الأليمة،
أن اقتلاع سلطان الغاصبين من بني أمية وغيرهم، لا تكفي فيه قوة السلاح ، إنه
إن عز النصر بسلاح الحرب ، فلا بد من قوة معنوية تشد أزر القوة المادية ، وليس
ذلك إلا سلاح الفكر، إذ أن الكلمة
أحيانا " أبقى أثرا " ، وأشد تنكيلا " بالعدو من السيف ، ومن
ثم فقد بات لزاما " أن يكون للشيعة مذهب خاص ، وإيديولوجية مثمرة في الإمامة ،
ولن يتسنى ذلك ما دامت تربطهم بأهل السنة وحدة الفكر ، وهكذا جعلت فاجعة كربلاء
انشقاق الشيعة عن جمهور المسلمين أمرا " مقضيا " ( 1 ) .
على أن الصورة النهائية لعقائد الشيعة لم تظهر إلى حيز الوجود في
أعقاب استشهاد الإمام الحسين مباشرة، وربما احتاج ذلك إلى عشرات من السنين حتى
تتبلور هذه العقائد ، عير أن الفرق التي تندرج تحت اسم الشيعة - المعتدلين فيهم
- إنما قد بدأ
ظهورها بعقائدها عقب مأساة كربلاء ، منذ بدأت فرقة الكيسانية
( 2 ) التي تعتبر أولى الفرق التي ظهرت في التيار العام للحركة الشيعية ، على
اعتبار أن حركة ابن سبأ لا تدخل في هذا التيار العام ، إذ صدرت عن باعث الفتنة
، لا عن ينبوع
العقيدة ، من ناحية ، ولأن حركة ابن سبأ إنما تعتبر بوجه عام
- أولى حركات الغلاة ، لا المعتدلين ( 3 ) ، من ناحية أخرى ، ولأن الشيعة
أنفسهم لا يعترفون بها - هذا إن كان هناك من يدعى ابن سبأ حقا " - .
وهكذا يمكن القول إن التشيع كفكرة إنما لاحت في عصر النبوة مع العباس بن عبد
المطلب في إلحاحه على الإمام علي بالاستفسار من النبي صلى الله عليه وسلم ، عن
البيعة والوصية الكتابية فرفض الإمام علي ( 4 ) ، ولكنها ولدت ولادة صحيحة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : الزيدية ص 6 - 17 .
( 2 ) أنظر عن الكيسانية ( البغدادي :
الفرق
بين الفرق ص 38 - 53 ،
الغرابي : تاريخ الفرق الإسلامية
ص 288 - 289 ،
الشهرستاني : الملل والنحل ص 147 ) .
( 3 ) أحمد صبحي :
نظرية الإمامة ص 50 .
(
4 ) محمد حسين هيكل : حياة محمد ص 484 - 485 . ( * )
|
|
|
يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وشبت بعد قتل عثمان وحرب
معاوية بن أبي سفيان للإمام علي ، ومن قبل ذلك خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير
، ثم موقعة الجمل ، ثم نضجت يوم استشهاد الأئمة - علي والحسين وزيد ويحيى
وغيرهم من
كرام الأئمة - حتى اتخذت ثوب التقية وتدرعت به لتحفظ رسالة
الإمام الصادق ، كإمام قاعد ، يعيش للعلم ، يدرسه عن ربه ونبيه وأجداده ،
ويعلمه ويعمل ، ويدرس ما اختلف فيه ، فيكون أعلم الناس ، لعلمه باختلاف الناس (
1 ) ، كما قال عنه الإمام أبو حنيفة .
ومن هنا أكد مؤرخو الشيعة أن التراث الشيعي إنما قد عاش ، لأن أربعة عشر قرنا "
تعيش في تياراته ، وتغني المضمون الروحي للفكر الإسلامي من خلال صراع آرائه ( 2
) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) عبد القادر محمود : الإمام جعفر الصادق -
رائد السنة والشيعة - القاهرة ص 6 - 7 .
( 2 ) عبد الرحمن بدوي :
دراسات
إسلامية ص 35 . ( * )
|
|
|
|