- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 384 -

 خامسا " : منذ وقعة الجمل :


بويع الإمام علي - رضي الله ، عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - بالخلافة في يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي الحجة عام 35 ه‍ ( 24 يونية 656 م ) في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالمدينة المنورة .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى لقب الإمام ذلك اللقب الذي اختص به الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، من بين جميع الخلفاء الراشدين ، ومن ثم فإن لقب الإمام إنما يطلق - إذ أطلق - فلا ينصرف إلى أحد ، غير الإمام علي ، بين جميع الأئمة الذين وسموا بهذه السمة من سابقيه ولاحقيه .
 

 ص 385

ولعل سائلا " يتساءل : ألم يكن الصديق إماما " كعلي ؟ ألم يكن الفاروق إماما " كعلي ؟ ألم يكن ذو النورين إماما " كعلي ؟ ألم يكونوا خلفاء راشدين - إذا قصدت الخلافة بعد النبوة ، نعم كانوا أئمة مثله ، بل وسبقوه في الإمامة .

ولكن الإمامة يومئذ كانت وحدها في ميدان الحكم بغير منازع ولا شريك ، ولم يكتب لأحد منهم أن يحمل علم الإمامة ليناضل بها علم الدولة الدنيوية ، ولا أن يتحيز بعسكر يقابله عسكر ، وصفة تناوئها صفة ، ولا أن يصبح رمزا " للخلافة يقترن ،

ولا يقترن بشيء غيرها ، فكلهم إمام حيث لا اشتباه ولا التباس ، ولكن الإمام بغير تعقيب ولا تذييل ، إنما هو الإمام كلما وقع الاشتباه والالتباس ، وذلك هو علي بن أبي طالب كما لقبه الناس ، وجرى على الألسنة ، فعرفه به الطفل ، وهو يسمع أماديحه المنغومة في الطرقات ، بغير حاجة إلى تسمية أو تعريف ( 1 ) - .


ويروي اليعقوبي : أنه ما أن تمت البيعة للإمام علي ، حتى قام قوم من الأنصار فتكلموا ، وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري - وكان خطيب الأنصار - فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لئن كانوا تقدموك في الولاية ، فما تقدموك في

الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس ، فقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون ، وما احتجت إلى أحد مع علمك . ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري - وهو ذو الشهادتين - فقال :

يا أمير المؤمنين ، ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ، ولا كان المنقلب إلا إليك ، ولئن صدقنا أنفسنا فيك ، فلأنت أقدم الناس إيمانا " ، وأعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين برسول الله ، لك ما لهم ، وليس لهم ما لك .

  * هامش *  
 

( 1 ) عباس محمود العقاد : عبقرية الإمام علي ص 174 - 175 ( القاهرة 1981 ) . ( * )

 

 

 ص 386

وقام صعصعة بن صوحان فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لقد زينت الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، ولهي أحوج إليك منك إليها . وقام مالك بن الحارث الأشتر فقال : أيها الناس ، هذا وصي الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء

، الحسن الغناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ، ورسوله بجنة الرضوان ، من كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ، والأوائل . وقام عقبة بن عمرو فقال : من له يوم كيوم العقبة ، وبيعة كبيعة الرضوان ، والإمام الأهدى الذي لا يخاف جوره ، والعالم الذي لا يخاف جهله ( 1 ) .


هذا وقد واجه الإمام علي بعد توليته الخلافة خروج طلحة والزبير مطالبين بدم عثمان ، ومالت معهم عائشة ، وكانت من أشد المنكرين على عثمان - كما كان طلحة والزبير كذلك - غير أنها عندما سمعت بتولية الإمام علي قالت : والله ما كنت أبالي أن

تقع هذه على هذه ( 2 ) ، والزبير كان - كما هو معروف - من أنصار الإمام علي في الفترة التي سبقت توليته الخلافة - كان معه يوم اختيار أبي بكر ، وكان معه يوم اختيار عثمان - ولكنه الآن يخرج - مع طلحة وعائشة - وقالوا : إنهم إنما خرجوا غضبا " لعثمان ، وتوبة مما صنعوا من خذلانه ( 3 ) .


وعلى أية حال ، فإن المقدسي إنما يقسم الشيعة على أيام الإمام علي إلى فرق ثلاثة : فرقة على جملة أمرها في الاختصاص به ، والموالاة له - مثل عمار وسلمان والمقداد وجابر وأبي ذر وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وجرير بن عبد الله البجلي ودحية بن خليفة ( 4 ) وفرقة أخرى تغلو في عثمان ، وتميل إلى الشيخين ، مثل عمرو بن الحمق ومحمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر ، وأما الفرقة

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 79 .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 180 .
( 3 ) تاريخ الطبري 4 / 490 .
( 4 ) المقدسي : البدى والتأريخ 5 / 124 ( باريس 1899 ) . ( * )

 

 

 ص 387

الثالثة فأتباع عبد الله بن سبأ ( 1 ) ، فالمقدسي يذكر وجود فئات مختلفة من الشيعة أيام الإمام علي - كما يذكر النوبختي ( 2 ) - ويبدو من كلام المقدسي أن تعبير الشيعة إنما قد استعمل في خلافة الإمام علي ( 3 ) ، هذا فضلا " عن ذكره لعبد الله بن عمر من بين الفريق الأول ، وهذا من غير المعهود .


ويذهب ابن النديم في الفهرست إلى أن الشيعة إنما تكونت لما خالف طلحة والزبير عليا "، وأبيا " إلا الطلب بدم عثمان ، مما اضطر الإمام إلى اللحاق بهما في البصرة ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله ، وقد تسمى من اتبع الإمام علي بن أبي طالب في ذلك بالشيعة ، فكان يقول : شيعتي ، وسماهم طبقة الأصفياء وطبقة الأولياء وطبقة شرطة الخميس وطبقة الأصحاب ، ويفسر

معنى شرطة الخميس : أن عليا " قال لهذه الطائفة تشرطوا ، فإنما أشارطكم على الجنة ، ولست أشارطكم على ذهب ، ولا فضة ، فابن النديم إنما يذكر ظهور الشيعة كجماعة أو كتلة على مسرح الأحداث السياسية ، ولكنه لا يذكر بدايتهم ( 4 ) .


هذا وقد شاع أثناء موقعة الجمل ( 10 جمادى الآخرة عام 36 ه‍ ) إطلاق كلمة الوصي ( 5 ) على الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وقد جمع ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عددا " من الأشعار التي

  * هامش *  
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 125 .
( 2 ) النوبختي : فرق الشيعة ص 16 .
( 3 ) نبيلة عبد المنعم داوود : نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968 ص 61 - 62 .
( 4 ) ابن النديم : الفهرست ص 249 ، نبيلة عبد المنعم داوود المرجع السابق ص 62 .
( 5 ) لما علم حذيفة ين اليمان - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - بقدوم الإمام علي إلى ذي قار في طريقه إلى البصرة - قبل معركة الجمل - استنفر الناس ، ودعا أصحابه فوعظهم ، وذكرهم الله ، وزهدهم في الدنيا ، ورغبهم في الآخرة ، وقال لهم : إلحقوا بأمير المؤمنين ، ووصي سيد المرسلين ، فإنه من الحق أن تنصروه ، وهذا الحسن ابنه وعمار ، قد قدما الكوفة يستنفرون الناس ، فانفروا ، قال : فنفر أصحاب حذيفة إلى أمير المؤمنين ، ومكث حذيفة بعد ذلك خمس عشرة ليلة ، وتوفي رحمه الله تعالى ( نهج البلاغة 2 / 188 ) . ( * )

 

 

 ص 186

تضمنت هذه اللفظة ، ومنها قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ( من صدر الإسلام ) .

ومنا علي ذاك صاحب خيبر * وصاحب بدر يوم سالت كتائبه
وصي النبي المصطفى وابن عمه * فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه


وقال عبد الله بن جعيل :

لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا عليا "
وصي المصطفى وابن عمه * وأول من صلى أخا الدين والتقي


وقال الهيثم بن التيهان - وكان بدريا " - ( يوم الجمل ) :

قل للزبير وقل لطلحة إننا * نحن الذين شعارنا الأنصار
نحن الذين رأت قريش فعلنا * يوم القليب أولئك الكفار

كنا شعار نبينا ودثاره * يفديه منا الروح والإبصار
إن الوصي إمامنا وولينا * برح الخفاء وباحت الأسرار


وقال عمر بن حارثة الأنصاري - وكان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل - وقد لامه أبوه لما تقاعس ، فقال فيه :

سمي النبي وشبه الوصي * ورايته لونها العندم


وقال غلام من بني ضبه من عسكر عائشة يوم الجمل :

نحن بني ضبة أعداء علي * ذاك الذي يعرف قدما " بالوصي
وفارس الخيل على عهد النبي * ما أنا عن فضل علي بالعمي


وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل - وكان في عسكر علي عليه السلام - :

قل للوصي أقبلت قحطانها * فادع بها تكفيكها همدانها

 ص 389

وقال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل - وكان من أصحاب علي عليه السلام :

ولا نبالي في الوصي من غضب * إنا أناس لا نبالي من عطب
هذا علي ، وابن عبد المطلب * ننصره اليوم على من قد كذب


وقال حجر بن عدي الكندي يوم الجمل :

يا ربنا سلم لنا عليا * سلم لنا المبارك المضيا
المؤمن الموحد التقيا * لا خطل الرأي ولا غويا

بل هاديا " موفقا " مهديا * واحفظه ربي واحفظ النبيا
فيه فقد كان له وليا * ثم ارتضاه بعده وصيا


وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري - ذو الشهادتين وكان بدريا " - يوم الجمل :

يا وصي النبي قد أجلت الحر * ب الأعادي وسارت الأظعان


وقال خزيمة أيضا " :

أعائش خلي عن علي وعيبه * بما ليس فيه إنما أنت والده
وصي رسول الله من دون أهله * وأنت على ما كان من ذلك شاهده
وحسبك منه بعض ما تعلمينه * ويكفيك لو لم تعلمي غير واحدة


وقال ابن بديل بن زرقاء الخزاعي يوم الجمل :

يا قوم للخطة العظمى التي حدثت * حرب الوصي وما للحرب من آسى
الفاصل الحلم بالتقوى إذا ضربت * تلك القبائل أخماسا " لأسداس


وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن علي ، عليهما السلام ، بعد خطبة عبد الله بن الزبير :

وأبى الله أن يقوم بما قام * به ابن الوصي وابن النجيب
إن شخصا " بين النبي لك الخير * وبين الوصي غير مثوب

 ص 390

وقال زجر بن قيس الجعفي يوم الجمل :

أضربكم حتى تقروا لعلي * خير قريش كلها بعد النبي
من زانه الله وسماه الوصي * إن الولي حافظ ظهر الولي


كما الغوى تباع أمر الغوي ( 1 ) وروى عثمان بن سعيد عن عبد الله بن بكير عن حكيم بن جبير قال: خطب علي عليه السلام ، فقال في أثناء خطبته : أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي ، إلا كذاب ، ورثت نبي الرحمة ، ونكحت سيدة نساء هذه الأمة ، وأنا خاتم الوصيين ( 2 ) . فقال رجل من عبس : ومن لا يحسن أن يقول مثل هذا ، فلم يرجع إلى أهله حتى جن وصرع ( 3 ) ، فسألوهم : هل رأيتم به عرضا " قبل هذا ؟ قالوا : ما رأينا به قبل هذا عرضا ( 4 ) .


 وهكذا رأينا أن كلمة الوصي إنما أطلقت يوم الجمل على الإمام علي ، من قبل أنصاره وأعدائه ، سواء بسواء ، و سوف يكون لهذه الصفة ( الوصي ) مدلولها على الإمامة ، وأحقية الإمام علي فيها ( 5 ) .


وروى الزبير بن بكار في الموفقيات - عن المدائني - قول بعض شعراء قريش : والله ما كلم الأقوام من البشر * بعد الوصي علي كابن عباس ( 6 )

 

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 1 / 143 - 147 .
( 2 ) أنظر : المستدرك للحاكم 3 / 172 ، مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 113 ، 146 .
( 3 ) روى أبو نعيم بسنده عن عمار قال : حدث علي عليه السلام ، رجلا " بحديث فكذبه ، فما قام حتى أعمي ( دلائل النبوة ص 510 ) .
( 4 ) شرح نهج البلاغة 2 / 287 - 288 .
( 5 ) الفيروزآبادي : فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 / 36 - 43 ( بيروت 1973 ) .
( 6 ) شرح نهج البلاغة 2 / 262 .  ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب