|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 373 - |
رابعا " : منذ أخريات أيام
عثمان :
يميل كثير من كتاب الفرق والباحثين المحدثين إلى أن يرجعوا بداية التشيع إلى
أواخر عهد عثمان ، أو إلى حركة ابن سبأ بتعبير أدق ، فأبو الحسن الملطي ، حينما
يذكر الاثني عشرة فرقة من أهل الضلال الرافضة الملقبين بالإمامية ، إنما يجعل
السبئية على رأسهم ، دونما أدنى تفرقة في الحكم بينهم وبين الإمامية ، فكلهم -
في زعمه - روافض ملحدون ، ومنشأ التشيع من ابن سبأ ( 2 ) .
هذا ويذهب الأستاذ الدكتور النشار بعيدا " ،
حيث يرى أن اليهود إنما هم مؤسسو العقيدة الشيعية الغالية الحقيقيين ، فقد دخل
بعض أحبارهم - أو كهانهم - في الإسلام ، وتقدموا إلى العالم الإسلامي ، منتهزين
إبعاد علي عن الخلافة ، بفكرة الإمام المعصوم ، أو خاتم الأوصياء ، وتكاد تجمع
كتب العقائد الإسلامية على أن عبد الله بن سبأ - وهو أول من دعا إلى فكرة
القداسة التي نسبت إلى علي - كان يهوديا " .
ويؤكد الدكتور النشار أن الفكرة التي تقول إن الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم
الله وجهه في الجنة - إنما هو صاحب الحق الأول في الخلافة ، لم تظهر إلا على
أيام عثمان ، على يد عبد الله بن سبأ ، والذي كان يمثل تبارا " باطنيا " من
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية ص 35 ( القاهرة 1969 ) ،
أبو الحسين
الملطي : التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص 25 . ( * )
|
|
|
التيارات التي كانت تعمل على هدم العالم الإسلامي ( 1 ) .
والأمر كذلك بالنسبة إلى القصيمي ، الذي يعتبر ابن سبأ أساس المذهب الشيعي ،
والحجر الأول في بنائه ( 2 ) .
ويذهب المقريزي إلى أن ابن سبأ - ويكنيه بابن السوداء - هو الذي أحدث القول
بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بالإمامة من بعده ، فهو وصي رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وخليفته على أمته من بعده بالنص ، وأحدث القول برجعة
علي ، وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا " ، وزعم أن
عليا " لم يقتل ، وأنه حي ، وأن فيه الجزء الإلهي ، وأنه هو الذي يجئ في السحاب
، وأن الرعد صوته ، والبرق سوطه ، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا "
، كما
ملئت جورا " ، ومن ابن سبأ تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة ،
وصاروا يقولون بالوقف ، أي إن الإمامة موقوفة على أناس معينين ، وهو صاحب القول
بتناسخ الأرواح ، وأن الجزء الإلهي يحل في الأئمة بعد علي بن أبي طالب ، وبهذا
فقد
استحقوا الإمامة بطريق الوجوب ، كما استحق آدم عليه السلام
سجود الملائكة ، وابن سبأ هو الذي أثار الفتنة على عثمان حتى قتل ، وأن له
أنصارا " في معظم الأقطار ، فكثرت الشيعة ( 3 ) .
ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن الطاغوت الأكبر - عبد الله بن سبأ - إنما هو الذي
دعا إلى ولاية علي ووصايته وإلى رجعة النبي ، وأنه في ظل هذه الفتن نشأ المذهب
الشيعي ( 4 ) .
ويخطئ أصحاب هذا الاتجاه في رؤياهم لأسباب
منها ( أولا " ) أن عبد الله بن
سبأ ، لو كان هو منشأ التشيع في الإسلام ، لما هاجمه علماء الشيعة هجوما " يفوق
هجوم أهل السنة ،
ومنها ( ثانيا " ) أن كلمة
الوصي بخاصة ، والتي
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) علي سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2 / 23 - 27 . ( 2 ) عبد الله القصيمي
: الصراع بين الإسلام والوثنية ص 41 . ( 3 ) المقريزي :
الخطط 4 / 82 ، وانظر :
علي مصطفى الغرابي : تاريخ الفرق الإسلامية ص 17 ( القاهرة 1959 ) . ( 4 ) محمد
أبو زهرة : المذاهب الإسلامية ص 46 . ( * )
|
|
|
تنسب إلى عبد الله بن سبأ ، إنما ذكرها سيدنا الإمام الحسن بن
علي بن أبي طالب يوم وفاة الإمام علي ، فضلا " عما جاء في كتب الحديث ،
روى الحاكم بسنده عن علي بن
الحسين ، قال : خطب الحسن بن علي على الناس ، حين قتل علي عليه السلام ، فحمد
الله وأثنى عليه وقال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لا يسبقه الأولون بعمل ، ولا
يدركه الآخرون ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيه رايته فيقاتل ،
وجبريل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، فما يرجع حتى يفتح الله عليه ، وما ترك
على
أهل الأرض صفراء ولا بيضاء ، إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه
، أراد أن يبتاع بها خادما " لأهله ، ثم قال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ،
ومن لم يعرفني ، فأنا الحسن بن علي ، وأنا ابن النبي ، وأنا ابن الوصي ( 1 ) .
وروى الهيثمي في مجمعه بسنده عن أبي الطفيل قال
: خطبنا الحسن بن علي ، عليهما السلام ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر أمير
المؤمنين عليا " ، رضي الله عنه ، خاتم الأوصياء ، ووصي الأنبياء ، وأمين
الصديقين والشهداء ( 2 ) ،
وروى الهيثمي في مجمعه بسنده عن سلمان قال : قلت يا
رسول الله ، إن لكل نبي وصيا " فمن وصيك ، فسكت عني ، فلما كان بعد رآني فقال :
يا سلمان ، فأسرعت إليه قلت : لبيك ، قال : تعلم من وصي موسى عليه السلام ؟ قلت
: يوشع بن نون ، قال : لم ؟ قلت : لأنه كان أعلمهم يومئذ ، قال : فإن وصيي
وموضع سري ، وخير من أترك بعدي ، وينجز عدتي ، ويقضي ديني ، علي بن أبي طالب (
قال رواه الطبراني ) ( 3 ) .
وروى ابن حجر في تهذيب التهذيب بسنده عن أنس عن
سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه السلام لعلي : هذا وصيي وموضع سري ،
وخير من أترك بعدي ( 4 ) ، وفي
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المستدرك للحاكم 3 / 172 ،
وانظر : المحب الطبري : ذخائر العقبى ص 138 .
( 2 )
مجمع الزوائد للهيثمي 9 /
146 .
( 3 ) مجمع الزوائد 9 / 113 ( ط مكتبة القدسي - القاهرة 1352 ه ) .
( 4
) ابن حجر العسقلاني : تهذيب التهذيب 3 / 106 ( حيدر أباد الدكن 1325 ه ) . (
* )
|
|
|
كنز العمال : إن وصيي وموضع سري ، وخير من أترك
بعدي ، وينجز عدتي ، ويقضي ديني ، علي بن أبي طالب ( قال أخرجه الطبراني عن أبي
سعيد عن سلمان ) ( 1 ) .
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مطر عن أنس -
يعني ابن مالك - قال : قلنا لسلمان : سل النبي صلى الله عليه وسلم ، من وصيه ؟
فقال له سلمان : يا رسول الله من وصيك ، قال : يا سلمان من كان وصي موسى ؟ قال
: يوشع بن نون ، قال : فإن وصيي ووارثي ، يقضي ديني ، وينجز عدتي ، علي بن أبي
طالب ( 2 ) .
وفي رواية كنوز الحقائق : أنا خاتم الأنبياء ، وأنت يا علي خاتم
الأوصياء ( قال أخرجه الديلمي ) ، وفي رواية أخرى : لكل نبي وصي ووارث ، وعلي
وصيي ووارثي ( قال أخرجه الديلمي ) ( 3 ) .
ومنها ( ثالثا " ) أنه ليس صحيحا " أن
التشيع كعقيدة تحمل آراء محدثة قد ظهرت في وقت مبكر على أيام عثمان ، صحيح أنه
ليس هناك ما يمنع أن يدخل في الإسلام بعض المنافقين ليكيدوا له ، وصحيح كذلك
ليس هنا ما يمنع أيضا " أن يستغل
يهودي الأحداث التي جرت في عهد عثمان ، ليحدث فتنة ، وليزيدها
اشتعالا " ، ويؤلب الناس على عثمان ، بل وأن ينادي بأفكار غريبة ، ولكنه صحيح
كذلك أنه من السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق ، فيحدث
هذا الانشقاق
العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين . ومن ثم فقد تشكك بعض
الباحثين في وجود ابن سبأ هذا فكريا " ، أي من ناحية أثره في التطور العقائدي
للإسلام ،
فيقول برنارد لويس : ولكن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) كنز العمال للمتقي الهندي 6 / 154 ( حيدر أباد الدكن 1312 ه ) .
( 2 )
الإمام أحمد بن حنبل : كتاب فضائل الصحابة 2 / 615 ( بيروت 1983 - نشر جامعة أم
القرى بمكة المكرمة ) .
( 3 ) عبد الرؤوف المناوي : كنوز الحقائق في أحاديث خير
الخلائق ص 42 ( إسلامبول 1285 ه ) ،
وانظر : الخطيب البغدادي :
تاريخ بغداد 10
/ 356 ( القاهرة 1329 ه ) . ( * )
|
|
|
التحقيق الحديث قد أظهر أن هذا استباق للحوادث ، وأنه صورة
مثل بها في الماضي ، وتخيلها محدثو القرن الثاني للهجرة ، من أحوالهم وأفكارهم
السائدة حينئذ ، هذا وقد أظهر فلهاوزن وفريد ليندر ، بعد دراسة للمصادر ، دراسة
نقدية ، أن المؤامرة والدعوة المنسوبتين إلى ابن سبأ من
اختلاق المتأخرين .
هذا وقد بين كيتاني أن مؤامرة مثل هذه ، وبهذا التفكير ، وهذا التنظيم ، لا
يمكن أن يتصورها العالم العربي المعروف عام 35 ه ، بنظامه القبلي القائم على
سلطان الأبوة ، وأنها تعكس أحوال العصر العباسي الأول بجلاء ، فلقد اقتضى قتل
الإمام علي ، واستشهاد الإمام الحسين بن علي وآل بيته وأنصاره في كربلاء ،
بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل ، حدوث تبدل اجتماعي كبير ، قبل أن يمكن ظهور
التشيع الثوري ذي الصبغة المهدوية ( 1 ) .
ولعل كل هذا إنما دعا بعض العلماء - من الشيعة
والسنة - إلى إنكار وجود عبد الله بن سبأ - كحقيقة تاريخية ، يقول الأستاذ
الدكتور طه حسين : الغريب أن هؤلاء المؤرخين قد نسوا ابن سبأ والسبئية نسيانا "
تاما " ، أو أهملوها إهمالا " كاملا " ،
حين رووا حرب صفين ، فابن السوداء لم يخرج مع الإمام علي إلى
الشام ، وأصحاب ابن السوداء خرجوا معه ، ولكنهم كانوا أنصح له ، وأوفى الناس
بعهده ، وأطوع الناس لأمره ، لم يأتمروا ولم يسعوا إلى الفساد بين الخصمين ،
وإنما سمعوا
وأطاعوا ، وأخلصوا الإخلاص كله ، حتى إذا رفعت المصاحف خرج
بعضهم مع الحكمة الذين أنكروا الصحيفة وما فيها ، كحرقوص بن زهير ، وأقام بعضهم
على طاعة الإمام علي ، وإن أنكر الصحيفة وكره الحكومة كالأشتر .
وأقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية ،
وعن ابن السوداء في حرب صفين ، أن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء ، إنما كان
متكلفا " منحولا " ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 37 - 38 ،
وانظر : برنارد لويس : أصول الإسماعيلية
، تعريب خليل جلو وجاسم الرجب ص 86 - 87 . ( * )
|
|
|
قد اخترع بالأحرى حين كان الجدل بين الشيعة وغيرهم
من الفرق الإسلامية ، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصرا "
يهوديا " ، إمعانا " في الكيد لهم ، والنيل منهم ، ولو قد كان أمر ابن السوداء
مستندا " إلى أساس من
الحق والتاريخ الصحيح ، لكان من الطبيعي أن يظهر أثره
وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت بصفين ، ولكان من الطبيعي أن
يظهر أثره حين اختلف أصحاب الإمام علي في أمر الحكومة ، ولكان من الطبيعي بنوع
خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحزب الجديد الذي كان يكره الصلح وينفر منه ،
ويكفر من مال إليه ، أو شارك فيه .
ولكننا لا نرى لابن السوداء ذكرا " في أمر
الخوارج ، فكيف يمكن تعليل هذا الإهمال أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ عن
وقعة صفين ، وعن نشأة حزب المحكمة .
ثم يعلل الدكتور طه حسين الأمرين بعلة
واحدة ، وهي أن ابن السوداء لم يكن إلا وهما "، وإن وجد بالفعل ، فلم يكن ذا
خطر ، كالذي صوره المؤرخون ، وصوروا نشاطه أيام عثمان ، وفي العام الأول من
خلافة الإمام علي ، وإنما هو شخص ادخره
خصوم الشيعة للشيعة وحدهم ، ولم يدخروه
للخوارج ، لأن الخوارج لم يكونوا من الجماعة ، ولم يكن لهم مطمع في الخلافة ،
ولا في الملك ، وإنما كانوا حزبا " باقيا " متصلا " ، عظيم الخطر ، ولا سيما
بعد أن انقضى عصر بني أمية ، وإنما
ضعف أمرهم ، وفل حدهم ، بعد أن تقدم الزمان
بدولة بني العباس ، وبقي مذهبهم معروفا " بين المتكلمين ، ولكنه اتخذ في الحياة
العلمية أطوارا " مختلفة .
ومن ثم فهم لم يكونوا إذا " حزبا " تحتاج خصومته إلى الجدل
الشديد المتكلف ، الذي يبغضهم إلى الناس ، ويزهد فيهم أصحاب التقى والورع ، كما
كان أمر الشيعة الذين ظلوا ينازعون الملوك والخلفاء سياسة المسلمين ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) طه حسين : الفتنة الكبرى - الجزء الثاني - علي وبنوه -
القاهرة 1982 ص 90 - 91 . ( * )
|
|
|
هذا إلى أن البلاذري ( 1 ) لم
يذكر ابن السوداء ولا أصحابه السبئية في أمر عثمان ، وهو كذلك لم يذكره في أمر
الإمام علي إلا مرة واحدة في أمر غير ذي خطر ، إذ جاء عليا " مع آخرين يسألونه
عن أبي بكر ، فردهم ردا " عنيفا " ، لائما " لهم على تفرغهم لمثل هذا ، على حين
كانت مصر قد فتحت وقتلت فيها شيعة علي .
وكتب علي كتابا " يذكر فيه ما صارت إليه الأمور ، بعد تخاذل
أهل العراق ، وأمر أن يقرأ الكتاب على الناس لينتفعوا به ، قال البلاذري :
وكانت عند ابن سبأ - وهو عنده عبد الله بن وهب الهمداني - نسخة حرفها ، وهكذا
فالبلاذري يرى أن ابن سبأ
، ليس ابن السوداء ، ولكنه عبد الله بن وهب الهمداني ، ثم هو
يروي هذا الخبر متحفظا " ، متوخيا " الصدق ما استطاع ، وهو كثيرا " ما يروي بعض
الأحاديث ، ثم يعقب عليها ، بما يظهر الشك فيها ، لأنها من اختراع أهل العراق .
والواقع أن الخصومة بين الشيعة وأهل الجماعة قد اتخذت ألوانا " من الجدل
والإذاعة ونشر الدعوة ، بعد أن استقام الأمر لبني العباس ، كثر فيها المكر
والكيد والاختراع ، بحيث يجب على المؤرخ المنصف أن يحتاط أشد الاحتياط ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) البلاذري :
هو أبو العباس ، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ، ولد في بغداد
في العقد الأول من القرن الثالث الهجري ، سمع في دمشق وحمص وأنطاكية
والعراق ، وكان نديما " للخليفة العباسي المتوكل 232 - 247 ه ) ، ويعد
البلاذري مؤرخا " جامعا " ، من أشهر مؤرخي القرن الثالث الهجري ، وتوفي
عام 279 ه ( 892 م ) ،
وأشهر مؤلفاته :
فتوح البلدان وأنساب الأشراف ، ونشر الكتاب الأول محمد رضوان
بالقاهرة 1959 م ، وصلاح الدين المنجمد بالقاهرة أيضا " 1956 - 1960 م
، وعبد الله وعمر أنيس الطباع في بيروت 1957 م ، ونشر الجزء الأول من
أنساب الأشراف محمد حميد الله بالقاهرة 1959 ، كما نشرت منه أجزاء
بالقدس 1936 - 1938 م ،
وأهم مصادر ترجمة البلاذري (
لسان الميزان
لابن حجر 1 / 322 - 323 ) ، البداية والنهاية 11 / 65 - 66 ،
الأعلام للزركلي 1
/ 252 ، علم التاريخ للدوري ص 48 - 51 ،
النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 3 / 83
، معجم المؤلفين لكحالة 2 / 201 - 202 ،
الفهرست لابن النديم ص 113 ، (
إرشاد
الأريب لياقوت 5 / 89 - 102 ) . ( * ) |
|
|
حين يصور هذه الفتن في عهدها الأول ، وأي شئ أيسر من أن يكذب
أهل الشام على أهل العراق ، وأن يكذب أهل العراق على أهل الشام ، ولا سيما بعد
أن يمضي الزمن ويبعد العهد ، ويصبح التحقيق في الوقائع الصحيحة عسيرا " .
ولا ريب في أن الذين استباحوا لأنفسهم أن يضعوا الأحاديث على
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، لا يتحرجون من أن يستبيحوا لأنفسهم وضع
الأخبار على أهل العراق والشام ( 1 ) .
هذا وقد أصدر الأستاذ مرتضى العسكري - عميد كلية
أصول الدين بالعراق - كتابا " ذهب فيه إلى أن عبد الله بن سبأ أسطورة خلقها
وضاع اسمه سيف بن عمر ( توفي بعد عام 170 ه ) واستدل على ذلك بمواقف متعددة
كانت الرواية فيها عن سيف تختلف عن الرواية عن سواه ، ثم أبرز المؤلف في
رواياته صورا " من الانحراف ( 2 ) .
هذا وقد تحدثنا من قبل - عند الحديث عن
عمار بن ياسر - إلى الرأي الذي نادى به الأستاذ الدكتور علي الوردي ، وهو أن
الصحابي الجليل - عمار بن ياسر - إنما قد شوه أعداؤه صورته ، فصوروه في صورة
شخص سئ دعوه عبد الله بن سبأ ثم قدم عديدا " من الأدلة على ذلك ، دعمها الأستاذ
الدكتور الشيبي ، بأدلة أخرى .
وعلى أية حال - وكما يقول الدكتور طه حسين - فإن البلاذري لا يذكر ابن السوداء
وأصحابه في شئ من الفتنة أيام عثمان وعلي ، رضوان الله عليهما ، والطبري ،
ورواته الذين أخذ عنهم ، والمؤرخون الذين أخذوا عنه فيما بعد ، يذكرون ابن
السوداء وأصحابه في أمر الفتنة أيام عثمان ، وفي العام الأول من أيام علي ، ثم
ينسونهم بعد ذلك ، والمحدثون وأصحاب الجدل متفقون مع
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) طه حسين : علي وبنوه ص 91 - 92 .
( 2 ) أنظر : أحمد شلبي :
التاريخ الإسلامي 2 / 154 - 146 ( القاهرة 1973 ) . ( * )
|
|
|
الطبري وأصحابه فيما ذهبوا إليه ، إلا أن المحدثين وأصحاب
الجدل ينفردون من دون الطبري وأصحابه بشئ آخر ، فيزعمون أن ابن السوداء وأتباعه
ألهوا عليا " ، وأن عليا " حرقهم بالنار .
ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ذكرا
" ، فلسنا نعرف في أي عام من أعوام الخلافة القصيرة التي وليها الإمام علي كانت
فتنة هؤلاء الغلاة ، وليس تحريق جماعة من الناس بالنار ، في الصدر الأول
للإسلام ، وبين جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن صلحاء المسلمين
، بالشئ الذي يغفل عنه المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقتونه ، وإنما يهملونه
إهمالا " تاما " .
وكل ما رواه المؤرخون هو ما ذكره البلاذري في
حديث قصير وقع إليه ، من أن قوما " ارتدوا بالكوفة فقتلهم الإمام علي ، وحكم
الإسلام فيمن ارتدوا معروف ، وهو أن يستتاب ، فإن تاب حقن دمه ، وإن لم يتب قتل
، فلا غرابة إذا " في أن يقتل الإمام علي نفرا " ارتدوا ، ولم يتوبوا - إن صح
هذا الخبر - وإن كان البلاذري لم يسم أحدا " ، ولم يوقت لهذه الحادثة وقتا " ،
وإنما رواها مطلقة إطلاق من لا يطمئن إليها ( 1 ) .
على أن الأستاذ الدكتور أحمد صبحي إنما يذهب إلى
أن مبالغة المؤرخين وكتاب الفرق في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ إنما يرجع
إلى سبب آخر - غير ما ذهب إليه الدكتور طه حسين - فلقد حدثت في الإسلام أحداث
سياسية ضخمة - كمقتل
عثمان ، ثم حرب الجمل - وقد شارك فيها كبار الصحابة وزوج
الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكلهم يتفرقون ويتحاربون ، وكل هذه الأحداث تصدم
وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي ، أن يبتلي ، تاريخ الإسلام هذه
الابتلاءات ، ويشارك فيها
كبار الصحابة ، الذين حاربوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
، وشاركوا في وضع أسس الإسلام ، كان لا بد أن تلقى مسؤولية هذه الأحداث على
كاهل أحد .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) طه حسين : المرجع السابق ص 93 . ( * )
|
|
|
ولم يكن من المعقول أن يتحمل وزر ذلك كله صحابة أجلاء ، أبلوا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلاء حسنا " ، فكان لا بد أن يقع عبء ذلك
كله على ابن سبأ ، فهو الذي أثار الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان ، ثم هو الذي
حرض الجيشين يوم الجمل على الالتحام ، على حين غفلة من علي وطلحة والزبير ، ولم
يكن أحد منهم يدري أنه سيكون قتال ، هذا في التاريخ السياسي .
وأما في التاريخ الفكري ، فعلى عاتق ابن سبأ يقع أكبر انشقاق عقائدي بظهور
الشيعية . هذا هو تفسير مبالغة كتاب الفرق وأصحاب المذاهب - لا سيما السلفيين
والمؤرخين - في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ ، ولكن أليس عجبا " أيضا " ،
أن يعبث دخيل في الإسلام ، كل هذا العبث فيحرك تاريخ الإسلام السياسي والعقائدي
معا " على النحو الذي تم عليه ، وكبار الصحابة شهود ( 1 ) ؟ .
على أن هناك
اتجاها " جديدا " - كما قلنا آنفا " - في ابن سبأ هذا ، إنما هو الصحابي الجليل
عمار بن ياسر ، حيث شوه أعداؤه - وأعداء الإمام علي وآل البيت من قبله - صورته
، فصوروه في صورة شخص سئ ، دعوه عبد الله بن سبأ ، ثم حمل النواصب من أعداء أهل
بيت النبوة ، ابن سبأ ، - تلك الشخصية الوهمية - تلك العقائد التي انتشرت في
كتب العقائد ، والتي لعنها أهل السنة والجماعة ، كما لعنها الشيعة ( 2 ) .
ويقول الأستاذ الدكتور النشار : ومن المتحمل أن
تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة ، أو أنها رمزت إلى شخصية عمار بن
ياسر ، كما فعل الأمويون بكلمة أبي تراب والترابيين ، وقد كانت كنية أبي تراب ،
إحدى كنى الإمام علي ( 3 ) ، وخدع معاوية الطليق ، و الأمويون معه
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي :
نظرية
الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - القاهرة 1969 ص 39 - 40 .
( 2 ) أنظر : علي
الوردي : وعاظ السلاطين - بغداد 1954 ص 274 - 278 ،
كامل مصطفى الشيبي :
الصلة
بين التصوف والتشيع 1 / 36 - 40 ( بغداد 1964 ) .
( 3 ) روى
مسلم في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن سهل بن سعد ( ابن وقاص ) قال : أستعمل على
=> |
|
|
أهل الشام ، بأنهم يحاربون أبا تراب والترابيين . وربما كان
عبد الله بن سبأ هو مجرد تغليف لاسم عمار بن ياسر ، في رسالته إلى معاوية ،
وليس من المعقول قطعا " أن يكون حجر بن عدي ( 1 ) ، الصحابي الكبير ، من أتباع
يهودي يفسد عليه وعلى المسلمين دينهم .
| |
* هامش * |
|
| |
=> المدينة رجل من
آل مروان قال : فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا " ، فأبي سهل ، فقال له :
أما إذا أبيت فقل : لعن الله أبا التراب ، فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه
من أبي تراب ، وأنه كان ليفرح إذا دعي بها ، فقال له : أخبرنا عن قصته : لم سمي
أبا تراب ؟
قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة ، فلم يجد عليا "
في البيت ، فقال : أين ابن عمك ؟ فقالت : كان بيني وبينه شئ فغاضبني ، فخرج فلم
يقل عندي ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان : أنظر أين هو ، فقال :
يا رسول الله ، هو في المسجد
راقد ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو
مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يمسحه عنه ، ويقول : قم أبا التراب ( صحيح مسلم 15 / 181 - 182 ) .
وروى الإمام
أحمد في الفضائل بسنده عن عمار بن ياسر : قال : كنت أنا وعلي رفيقين في غزوة ذي
العشيرة ، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقام بها ، رأينا ناسا "
من بني مدلج يعلمون في عين لهم في نخل ، فقال لي علي : يا أبا اليقظان : هل لك
أن تأتي هؤلاء
فننظر كيف يعملون ؟ فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا
النوم ، فانطلقت أنا وعلي فاضطجعنا في صور من النخل في رقعاء من التراب ، فنمنا
، فوالله ما أهبنا ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله ، وقد
تتربنا من تلك التراب ، قال : ألا أحدثكما بأشقى
الناس رجلين ، فقلنا : بلى يا
رسول الله ، قال : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذه -
يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته - ( الإمام ابن حنبل :
فضائل
الصحابة 2 / 686 - 687 ، التهذيب 9 / 147 ، 148 ،
مسند الإمام أحمد 4 / 263 ) .
( 1 ) حجر بن عدي الكندي ، ويسمى حجر الخير ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم
مع أخيه هانئ ، وكان من فضلاء الصحابة ، ومن محبي الإمام علي ، شهد القادسية ،
وكان على كندة يوم صفين ، وعلى الميسرة يوم النهروان ، كما شهدت الجمل ، ولما
ولي زياد العراق
وأظهر السب للإمام علي ، خلعه حجر ، ولم يخلع معاوية ، وتابعه
جماعة من شيعة الإمام علي ، فكتب فيه زياد إلى معاوية الذي أمر بإرسالهم إليه ،
وهناك في عذراء - قريبا " من دمشق - ( وحجر هو الذي فتح عذراء ، وأول من كبر
فيها ) معاوية نفر من أهل الشام أن
يعرضوا عليهم البراءة من الإمام علي واللعن
له ، وإلا قتلوا ، ففعل البعض ، ورفض سبعة ، على رأسهم حجر ، حيث قتلوا ( أنظر
عن حجر بن عدي : أسد الغابة 1 / 461 - 462 ،
الإستيعاب 1 / 356 - 359 ،
الإصابة
1 / 314 - 315 ، محمد بيومي مهران : الإمام الحسن بن علي ص 121 - 129 ،
تاريخ
الطبري 5 / 279 ، الكامل لابن الأثير 3 / 487 ، ابن كثير :
البداية والنهاية 8
/ 141 ) . ( * )
|
|
|
ثم يرى الدكتور النشار بعد ذلك
: أن كل ما أشير إليه من قبل محتمل ، وأن الأمويين أخفوا اسم عمار بن ياسر -
الصحابي الكبير - تحت اسم ابن سبأ ، حتى لا تثور ثائرة أهل الشام ، حين يعلمون
أن ابن ياسر والملتفين حوله ، هم أتباع علي ( 1 )
، ولكن لا شك أن آراء السبئية المتغالية وجدت صدى لدى
الكيسانية ( 2 ) ، ثم يرجح أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر ، ومن المرجح أن
النواصب حملوا - كذبا " - عمار بن ياسر ، كل تلك الآراء التي لم يعرفها قط ،
ولم يقل بها قطعا " ، وإن كان من المؤكد أن كثيرا " من آراء السبئية قد ظهرت
إبان ذلك الوقت ، ووجدت بيئة صالحة للنمو ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) إن أهل الشام قد قتلوا عمارا " في صفين - كما رأينا من قبل -
فكانوا هم الفئة الباغية - وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان ، طبقا "
للحديث الصحيح تقتلك الفئة الباغية ( صحيح البخاري 4 / 25 ،
صحيح مسلم 18 / 39 - 41 ، تحفة الأحوذي
10 / 300 - 301 ، طبقات ابن سعد 3 / 77 ، 187 ، حلية الأولياء 1 / 139 ،
فضائل
الصحابة لابن حنبل 2 / 858 - 861 ، وقعة صفين ص 340 - 344 ) .
( 2 ) أنظر عن
الكيسانية ( البغدادي : الفرق بين الفرق ص 38 - 53 ) .
( 3 ) علي سامي النشار :
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2 / 26 - 28 . ( * )
|
|
|
|