|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 335 - |
ثانيا : يوم وفاة الرسول :
1 - وجهة نظر الأنصار / 2 - وجهة نظر المهاجرين / 3 -
وجهه نظر بني هاشم : - وفيهم العباس بن عبد المطلب -
يذهب ابن خلدون ( 732 -
808 ه / 1332 - 1406 م ) ( 1 ) : أن الشيعة ظهرت لما توفي رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر ، وأن الخلافة لرجالهم ،
دون سواهم من قريش ( 2 ) .
هذا ويرجع الدكتور أحمد أمين ( 1887 - 1954 م )
بداية التشيع إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول : بدأ التشيع من فرقة
من الصحابة كانوا مخلصين في حبهم للإمام علي ، يرونه أحق بالخلافة لصفات رأوها
فيه ، ومن أشهرهم : سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري و المقداد بن الأسود ،
وتكاثرت شيعته لما نقم الناس على عثمان في سنوات الأخيرة من خلافته ، ثم لما
ولي الخلافة ( 3 ) .
ويقول أبو الحسن الأشعري ( 260 - 324 ه / 874 - 935 م ) :
إن أول ما حدث من اختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، هو
اختلافهم في الإمامة ( 4 ) ، ذلك أن المسلمين قد اختلفوا فيمن يتولى أمرهم بعد
النبي صلى الله عليه وسلم ، فظهرت وجهات نظر ثلاث ( 5 ) :
1 - وجهة نظر الأنصار
:
وهم أول من آوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصره ، فقد مكث في قومه بضع عشرة
سنة فما آمن منهم إلا قليل ، حتى خص الله الأنصار بالفضيلة وآثرهم بالكرامة ،
فرزقهم الإيمان ، حتى استقام الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأسياف
الأنصار ، ومن ثم فقد اتخذ مدينتهم مكان إقامته ثم دفن فيها ، ولهذا فقد رشحوا
سعد بن عبادة الخزرجي ( 6 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر ( محمد بيومي مهران : التاريخ والتأريخ ص 138 - 150 - الإسكندرية 1992 ) .
( 2 )
تاريخ ابن
خلدون 3 / 364 .
( 3 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام 3 / 209 ( القاهرة 1949 ) .
( 4
) أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 39 .
( 5 ) أحمد صبحي :
الزيدية ص
7 .
( 6 ) تاريخ الطبري 3 / 220 . ( * )
|
|
|
وكان الحباب بن المنذر بن الجموح هو المعبر عن وجهه نظرهم ،
حيث يقول : يا معشر الأنصار ، إملكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في فيئكم وفي
ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل
العز والثروة ،
وأولو العدد والمنعة والتجربة ، وذو والبأس والنجدة ، وإنما
ينظر الناس إلى ما تصنعون ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ، وينتقص عليكم
أمركم ، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم ، فمنا أمير ، ومنهم أمير ( 1 ) .
هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضائل الأنصار ، منها قوله صلى الله عليه وسلم :
لو سلكت الأنصار واديا " أو شعبا " ، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم ( 2 ) ،
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : لولا الهجرة لكنت رجلا " من الأنصار ( 3 ) ،
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا
منافق ، فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ( 4 ) ،
ومنها قوله صلى
الله عليه وسلم : آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار ( 5 ) ،
وقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، وأبناء
أبناء الأنصار ( 6 ) .
2 - وجهة نظر المهاجرين :
وهم أول الناس إسلاما " ، و أوسط العرب أنسابا " ، ولن تدين قبائل العرب ، إلا
لقريش ، كما دانت لهم في الجاهلية ، فالخلافة في قريش ، وقد عبر عن هذا الرأي
أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 5 / 38 .
( 2 )
صحيح البخاري 5 / 38 .
( 3 ) صحيح البخاري 5 / 40 .
|
( 4 )
صحيح البخاري 5 / 40 .
( 5 )
صحيح البخاري 5
/ 40 .
( 6 ) صحيح مسلم 16 / 67 ، وانظر فضائل أخرى في صحيح مسلم
16 / 67 - 71 .
|
|
|
وأبو عبيدة بن الجراح ، واحتجوا على الأنصار بأن
قريشا " أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه منهم ( 1 ) .
وقد رد الفاروق
عمر بن الخطاب على الحباب بن المنذر ، فقال : هيهات ، لا يجتمع اثنان في قرن ،
والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ، ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمنع أن
تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ، وولي أمورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبي من
العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ،
ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، ومتورط في هلكه ( 2 )
.
3 - وجهه نظر بني هاشم :
- وفيهم العباس بن عبد المطلب - عم النبي صلى الله عليه وسلم - وابنا عمه
الإمام علي بن أبي طالب والفضل بن العباس ، ومعهم ابن عمته الزبير بن العوام ،
وقد ظهرت آراؤهم بعد السقيفة ، وقد رأوا أن
الإمام علي أحق
بالخلافة من غيره ، وفي ذلك يقول الفضل بن العباس : يا معشر قريش ، ما حقت لكم
الخلافة بالتمويه ونحن أهلها ، وصاحبنا ( أي الإمام علي ) أولى بها منكم ( 3 )
، هذا إلى أن الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما يؤكد
أنه صاحب هذا الأمر ، وأنه لم يستشر ( 4 ) .
هذا وقد اختلف بواعث المؤيدين للإمام علي ، فكان باعث القرابة بالنسبة لذوي
قرباه ، كالعباس وولده الفضل ، والزبير ، وربما خالد بن سعيد الأموي ، هذا فضلا
" عن كفاءة يرونها في الإمام علي ، وكان باعث الاعتقاد في أفضلية الإمام علي
بالنسبة لغيره من الصحابة ، وهؤلاء يراهم جمهور الشيعة ، وبعض
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 123 .
( 2 ) تاريخ الطبري 3 / 220 .
( 3 )
تاريخ اليعقوبي 2 / 124 .
( 4 ) أنظر :
البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 582 ،
تاريخ الطبري 3 / 202 ، 208 ، المسعودي :
مروج الذهب 1 / 594 . ( * )
|
|
|
السنة رواد التشيع الأوائل ، وعلى رأسهم سلمان
وأبو ذر وعمار والمقداد . ويقول خالد بن سعيد الأموي - وكان غائبا " يوم
السقيفة - للإمام علي : هلم أبايعك ، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد
منك ( 1 ) ،
وروى المدائني عن أبي زكريا العجلاني عن صالح بن
كيسان قال : قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن ، بعد وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم ، فأتى عليا " وعثمان فقال : أنتما الشعار ، دون الدثار ،
أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم
عليكم غيركم ؟ فقال علي : أو غلبة تراها ؟ إنما هو أمر الله
يضعه حيث يشاء ، قال : فلم يحتملها عليه أبو بكر ، واضطغنها عمر . . . ولم
يبايع خالد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر ( 2 ) .
ويقول سلمان الفارسي - حين بويع أبو بكر
- كرداذ وناكرداذ ، أي علمتم وما عملتم ، لو بايعوا عليا " لأكلوا من فوقهم ومن
تحت أرجلهم ( 3 ) ، وقد أنشد عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب :
ما كنت أحسب أن
الأمر منصرف * عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن
عن أول الناس إيمانا " وسابقة *
وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهدا " بالنبي ومن * جبريل عون له في
الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن ( 4
)
ولعل من الأهمية بمكان التركيز هنا على حقيقة لا ريب فيها ، ذلك أن أصحاب النبي
الكبار ، بإيمانهم وتقواهم . - من أمثال الصديق والفاروق وذي النورين والإمام -
لا يتنافسون مغنما " من مغانم الدنيا ، مهما عظم ، لا سيما في ذلك الوقت ، حيث
كانت فجيعتهم بموت نبيهم ، لا تترك في أنفسهم المفعمة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 126 .
( 2 )
أنساب الأشراف 2 / 588 .
|
( 3 )
أنساب
الأشراف 1 / 591 .
( 4 ) محمد أمين غالب الطويل : تاريخ العلويين
ص 143 - 144 ( دار الأندلس - بيروت ) .
|
|
|
بالأسى ، مكانا " لأي من رغبات الحياة الدنيا ،
وإنما يرجع استمساك كل منهم بموقفه ، إلى أن كلا " منهم إنما وقف إلى جانب
اقتناعه وما اعتقد أنه الحق ، ثم إن الخلافة - وإن كانت في شكلها الخارجي تشكل
سلطة سياسية ، ومنصبا " دينيا " - إلا أنها في أفئدتهم ، وفي إدراكهم الحقيقي
لها ، لم تكن سوى وظيفة من أسمى وظائف الهداية والقدوة ، وفي مثل هذا ، لا جرم
أن يتنافس المتنافسون .
هذا إلى أن وقائع التاريخ وحقائقه ، إنما تؤكد أن
الخلفاء الراشدين الأربعة ، لم يكونوا يرون في منصب الخلافة سوى عبء فادح مبهظ
، ولولا أن الهروب منه خيانة لله ورسوله وللمسلمين ، لجعلوا بينهم وبينه بعد
المشرقين ، فلا الطموح الشخصي ، ولا الرغبة في النفوذ والسلطان ، كان لأحدهما ،
أولهما معا " ، مكان بين دوافع ذلك الخلاف ، الذي ثار حول من يخلف الرسول صلى
الله عليه وسلم ، تلك حقيقة لا ريب فيها .
ومن المعروف أن الإمام علي ، وآل البيت الطيبين
الطاهرين ، قد انشغلوا - بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم - مباشرة ،
بتجهيزه صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه الأثناء ، وقبل أن تشيع جنازة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وهو ما يزال بعد مسجى في بيته ، وقد أغلق أهله دونه الباب
، حدث أمر جد خطير ، فلقد اجتمع الخزرج بقيادة سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة
( 1 ) ، وخف إليهم رجال الأوس ، بغية أن يختاروا من بينهم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر عن أخبار يوم السقيفة ( تاريخ الطبري 3 / 201 - 207 ، 218
- 223 ،
تاريخ ابن خلدون 2 / 853 - 855 ( القاهرة 1979 ) ، ابن الأثير :
الكامل
في التاريخ 2 / 325 - 332 ،
سيرة ابن هشام 4 / 488 - 492 ،
شرح نهج البلاغة 6 /
5 - 45 ( بيروت 1965 ) ،
محمد حسين هيكل : الصديق أبو بكر ص 47 - 71 ( القاهرة
1964 ) ، الفاروق عمر ص 74 - 76 ( القاهرة 1963 ) ،
السيوطي :
تاريخ الخلفاء ص
58 - 70 ( القاهرة 1952 ) ، ابن كثير : البداية والنهاية 6 / 340 - 341 ،
البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 579 - 591 ( القاهرة 1959 ) ،
سليم بن قيس :
كتاب
سليم بن قيس - أو السقيفة ( المطبعة الحيدرية - النجف ) . الشبلنجي :
نور
الأبصار ص 53 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد
5 / 11 - 114 ( بيروت 1983 ) ، أحمد
الشامي : الخلفاء الراشدون ص 16 - 38 ( القاهرة 1982 ) . ( * )
|
|
|
رجلا "، يكون على رأس المسلمين - بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم - فلقد اعتقد الأنصار أنهم أولى بهذا الأمر ، بعد أن آوى الإسلام إليهم ،
وأذن الله لرسوله بالهجرة إليهم ، ليتخذ مدينتهم موطنا " له ، ومنطلقا "
لرسالته ، فأتى الخبر أبا بكر ،
فأسرع معه عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، إلى سقيفة
بني ساعدة ، وبعد جدال طال ، ولم يستطل ، انتهى المجتمعون إلى اختيار أبي بكر
خليفة للمسلمين . وكان الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة -
في تلك
الساعات الرهيبة ، بجوار الجثمان الطاهر ، المسجى في حجرته ،
ومن ثم فلم يحضر - هو وكذا بنو هاشم - اجتماع السقيفة ، ولو شهد الإمام علي هذا
الاجتماع ، لكان له فيه مقال ، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم المشهود اتجاها
" آخر غير
اتجاهها الذي سارت فيه ، خاصة وأن كثيرا " من المصادر تذهب
إلى أن الأنصار ، إنما كانوا يفضلون الإمام علي بن أبي طالب ( 1 ) .
على أن الإمام علي سرعان ما بايع الصديق ، حين رأى في عدم بيعته فرقة للمسلمين
، قد يستغلها ضعاف الإيمان ، روي أن أبا سفيان بن حرب - وهو من الطلقاء ، ومن
المؤلفة قلوبهم - انتهز الفرصة وعمل على إشعال نار الفتنة بين علي والعباس ، ثم
بين بني هاشم وسائر بطون قريش ، يعد قوما " بنصرة بني أمية ، ونصرة قريش من
ورائها ، ويوسوس لقوم آخرين بمثل
هذا الوعد ، أو بمثل هذا الوعيد ، وما كان من همه أن ينصف بني
هاشم ، ولا أن يؤيد الأنصار ، وإنما أراد الوقيعة التي يخذلهم بها جميعا " ،
أملا " في أن يعود له ما كان في الجاهلية .
روى البلاذري بسنده عن محمد بن المنكدر قال : جاء
أبو سفيان إلى علي فقال : أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة ، أما والله لئن
شئتم لأملأنها عليه خيلا " ورجالا " ، فقال علي : لست أشاء ذلك ، ويحك يا أبا
سفيان ، إن المسلمين
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر : تاريخ اليعقوبي 2 / 123 ،
شرح نهج البلاغة 6 / 44 - 45 ، ابن الأثير
: الكامل في التاريخ 2 / 325 . ( * )
|
|
|
نصحة بعضهم لبعض ، وإن ناءت دارهم وأرحامهم ، وإن المنافقين
غششة بعضهم لبعض ، وإن قربت ديارهم وأرحامهم ، ولو لا أنا رأينا أبا بكر أهلا "
لها ، ما خليناه وإياها . وروى المدائني بسنده عن الحسين عن أبيه : أن أبا
سفيان جاء إلى علي ، عليه السلام ، فقال : يا علي ، بايعتم رجلا " من أذل قبيلة
في قريش ، أما والله لو شئت لأضر منها عليه من أقطارها ،
ولأملأنها عليه خيلا " ورجالا " ، فقال علي : إنك طال ما غششت
الله ورسوله ، والإسلام فلم ينقصه ذلك شيئا " ، إن المؤمنين وإن ناءت ديارهم
وأبدانهم ، نصحة بعضهم لبعض ، وإنا قد بايعنا أبا بكر ، وكان والله لها أهلا "
( 1 ) .
ولعل من الأهمية بمكان
الإشارة إلى الخلاف الشديد بين العلماء حول الوقت الذي بايع فيه الإمام الصديق
، فهناك اتجاه إلى أن الإمام علي إنما قد بايع أبا بكر الصديق عقب بيعة الناس
له مباشرة ، روى الطبري بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال : كان علي في بيته إذ
أتي فقيل له : قد جلس أبو بكر للبيعة ، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء ،
عجلا " ، كراهية أن يبطئ عنها ، حتى بايعه ، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه
فتجلله ، ولزم مجلسه ( 2 ) .
وروى البيهقي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قبض
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة ، وفيهم أبو
بكر وعمر ، قال : فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أنا أنصار رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فنحن أنصار خليفته ، كما كنا أنصاره ، قال : فقام عمر بن
الخطاب فقال : صدق قائلكم ، ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم ، فأخذ بيد أبي بكر
وقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، فبايعه عمر ، وبايعه المهاجرون
والأنصار ، وقال : فصعد أبو بكر المنبر ، فنظر في وجوده القوم ، فلم ير الزبير
، قال : فدعا الزبير فجاء ، قال : قلت : ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم
، أردت
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنساب الأشراف 1 / 588 . ( 2 )
تاريخ الطبري 3 / 207 . ( * )
|
|
|
أن تشق عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة
رسول الله ، فقام فبايعه ، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا " ، فدعا بعلي بن
أبي طالب ، قال : قلت : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وختنه على ابنته
، أردت أن تشق عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله ، فبايعه ( 1
) .
على أن هناك وجها " آخر للنظر ، يذهب إلى أن البيعة تمت مباشرة ، غير أنها
تمت بإكراه ، فقد روي عن أبي لهيعة عن أبي الأسود قال : غضب رجال من المهاجرين
في بيعة أبي بكر ، بغير مشورة ، وغضب علي والزبير ، فدخلا بيت فاطمة ، معهما
السلاح ، فجاء عمر في عصابة ، فيهم أسيد بن حضير ، وسلمه بن قريش - وهما من عبد
الأشهل - فاقتحما الدار ، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله ، فأخذوا سيفيهما ،
فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما ، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ( 2 ) .
وفي تاريخ الطبري ( 3 ) : وتخلف علي والزبير ،
واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى يبايع علي ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر ،
فقال عمر : خذوا سيف
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 6 / 341 .
( 2 ) ابن أبي الحديد :
شرح نهج
البلاغة 6 / 47 .
( 3 ) هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ،
المؤرخ المفسر المحدث الفقيه أحد العلماء غزيري الإنتاج في العلوم الإسلامية ،
لم يقتصر اهتمامه على التاريخ والتفسير والحديث ، بل تناول النحو والأخلاق
والرياضيات والطب ، وكان في أول أمره على مذهب الشافعي ، ثم أسس بعد عودته من
مصر مدرسة فقهية نسبت إليه سميت الجريرية ، وإن كانت شهرته إنما تقوم على
كتابيه : تاريخ الطبري وتفسير الطبري ، ولد عام 224 أو 225 ه ( 839 م ) وتوفي
في بغداد عام 310 ه ( 1923 ) ،
وأهم مصادر ترجمته : الفهرست ص 234 - 235 ،
تاريخ بغداد للخطيب 2 / 162 - 169 ، إرشاد الأريب لياقوت 6 / 423 - 462 ( ط
لندن ) 18 / 40 - 94 ( ط القاهرة ) ، أنباء الرواة للقفطي 3 / 89 - 90 ،
غاية
النهاية لابن الجوزي 2 / 106 - 108 ،
تذكرة الحفاظ
للذهبي 2 / 251 - 255 ،
المنتظم لابن الجوزي 6 / 170 - 172 ، الذهبي :
ميزان الاعتدال 3 / 53 ،
دول
الإسلام 1 / 47 ، الوافي بالوفيات للصفدي 2 / 284 - 287 ،
لسان الميزان لابن
حجر 5 / 100 - 103 ،
البداية والنهاية لابن كثير 11 / 145 - 147 ،
الأعلام
للزركلي 6 / 294 ، مهران : التاريخ والتأريخ ص 125 - 134 ) . ( * )
|
|
|
الزبير ، فاضربوا به الحجر ، قال : فانطلق إليهم عمر ، فجاء
بهما تعبا " ، وقال : لتبايعان وأنتما كارهان ، فبايعا ( 1 ) .
وعن الشعبي ( 2 ) قال : قال أبو
بكر : يا عمر ، أين خالد بن الوليد ؟ قال : هوذا ، فقال : انطلقا إليهما - يعني
عليا " والزبير - فأتيا بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر ، ووقف خالد على الباب من
خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟ ، قال :
أعددته لأبايع عليا " ، قال : وكان في البيت ناس كثير ، منهم
المقداد بن الأسود ، وجمهور كثير من الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب صخرة في
البيت فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد ،
دونك هذا ، فأمسكه
خالد - وكان مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر رداء "
لهما - ثم دخل عمر فقال لعلي : قم فبايع فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده ، وقال : قم
، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه ، كما دفع الزبير ، ثم أمسكهما خالد ، وساقهما
عمر ومن معه سوقا "
عنيفا " واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال
. ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات
وغيرهن ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على
أهل بيت رسول الله ، والله لا أكلم عمر ، حتى ألقى الله . قال
: فلما بايع علي والزبير ، وهدأت تلك الفورة ، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك ،
فشفع لعمر ، وطلب إليها فرضيت .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري 3 / 203 .
( 2 ) الشعبي : أبو عمر عامر بن
شراحيل الشعبي ، ولد بالكوفة عام 19 ه ( 640 م ) وكان محدثا " وعالما " في
الفقه والمغازي ، عارفا " بالشعر ، رواية له ، وعمل قاضيا " لعمر بن عبد العزيز
، وتوفي عام 103 ه ( 721 م ) ،
وأهم مصادر ترجمته ( طبقات ابن سعد 6 / 246 -
256 ( ط بيروت ) ، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233 ،
حلية الأولياء 4 / 310 - 338 ،
تذكرة الحفاظ للذهبي 79 - 88 ،
التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69 ،
الأعلام للزركلي
4 / 18 - 19 ، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 54 ،
وفيات الأعيان لابن خلكان 3 / 12
- 16 ) . ( * )
|
|
|
ير أن رواية أخرى عن داود بن المبارك قال : أتينا
عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، ونحن
راجعون من الحج ، في جماعة ، فسألناه عن مسائل ، وكنت أحد من سأله ، فسألته عن
أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن ، فإنه سئل
عنهما ، فقال : كانت أمنا صديقة ، ابنة نبي مرسل ، وماتت وهي غضبى على قوم ،
فنحن غضاب لغضبها ( 1 ) .
وروى ابن الأثير ( 2 ) : لما توفي رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ،
فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ، ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟
فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فقال
أبو بكر : منا الأمراء ومنكم الوزراء ، ثم قال أبو بكر : رضيت
لكم أحد هذين الرجلين : عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمة ، فقال عمر : أيكم يطيب
نفسا " أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فبايعه عمر ، وبايعه
الناس . فقالت
الأنصار - أو بعض الأنصار - لا نبايع إلا عليا " ، وتخلف علي
وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة ، وقال الزبير : لا أغمد سيفا " حتى يبايع
علي ، فقال عمر : خذوا سيفه ، واضربوا به الحجر ، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة .
وقال موسى بن عقبة ( 3 ) في مغازيه عن سعد بن
إبراهيم : حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأن محمد بن سلمة
كسر سيف الزبير ، ثم خطب أبو بكر ، واعتذر للناس ، ثم بايع علي والزبير ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 6 / 48 - 49 .
( 2 ) ابن الأثير :
الكامل في
التاريخ 2 / 325 .
( 3 ) أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي ، لا نعلم
عام مولده ، تلميذ الزهري ، وعاش في المدينة ، وله حلقة في المسجد النبوي ، كان
مؤرخا " مهتما " بمغازي الرسول والخلفاء الراشدين ، وتوفي عام 141 ع ( 758 م )
( أنظر : فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي 2 / 84 - 86 ( الرياض 1983 ) . ( 4
) البداية والنهاية 6 / 341 . ( * )
|
|
|
على أن هناك رواية ( 1 ) تذهب إلى أن عمر بن
الخطاب إنما هدد بحرق بيت الزهراء ، إذا لم يبايع علي ، فلقد روى ابن شبه ، عن
رجاله ، قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ، ونفر قليل من
المهاجرين ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ، ورجل آخر ، فندر السيف من يده ،
فضرب به عمر الحجر فكسره ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا " عنيفا " ، حتى
بايعوا أبا بكر .
وروى الطبري بسنده عن زياد بن كليب قال : أتى عمر بن الخطاب
منزل علي ، وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو
لتخرجن إلى البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتا " بالسيف ، فعثر فسقط السيف من يده
، فوثبوا عليه فأخذوه ( 2 ) .
على أن هناك وجها " ثانيا " للنظر ، يذهب إلى أن
أبا بكر لما بويع تخلف علي فلم يبايع ، فقيل لأبي بكر : إنه كره إمارتك ، فبعث
إليه : أكرهت إمارتي ؟ قال : لا ، ولكن القرآن خشيت أن يزاد فيه ، فحلفت ألا
أرتدي رداء حتى أجمعه ، اللهم إلا إلى صلاة الجمعة ، فقال أبو بكر : لقد أحسنت
، قال : فكتبه عليه السلام ، كما أنزل ، بناسخه ومنسوخه ( 3 ) .
وروى أبو نعيم
في الحلية بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي قال: لما قبض رسول الله صلى الله
عليه وسلم أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري، حتى أجمع ما بين
اللوحين، فما وضع ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن ( 4 ) .
هذا وقد اتفق الكل على أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله
وجهه في الجنة - إنما كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ولم يكن غيره كثير يحفظه ، ثم هو أول من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 6 / 48 .
( 2 )
تاريخ الطبري 3 / 202 .
|
( 3 )
شرح نهج
البلاغة 6 / 40 .
( 4 ) حلية الأولياء 1 / 67 . ( * )
|
|
|
أبي بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر
مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن ، فهذا يدل على أنه أول من جمع
القرآن ، لأنه لو كان مجموعا " على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما
احتاج أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .
وفي الواقع ، أننا لو رجعنا إلى كتب القراءات ،
وجدنا أئمة القراء يرجعون إليه ، كأبي عمرو بن العلاء ( 689 - 770 م ) ، وعاصم
بن أبي النجوم ( المتوفى 127 ه / 745 م ) وغيرهما ، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد
الرحمن السلمي القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ، فقد
صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه ( 1 ) .
وهناك في العقد الفريد رواية تذهب إلى أن الذين
تخلفوا عن بيعة أبي بكر : علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة ، فأما علي
والعباس فقعدوا في بيت فاطمة ، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من
بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا
فقاتلهم ، فأقبل بقبس من النار على أن يضرم عليهم الدار ،
فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم ، أو
تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه ، فقال له
أبو بكر : أكرهت إمارتي ؟ فقال : لا ، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أحفظ القرآن ، فعليه حبست نفسي ( 2 ) .
على أن هناك وجها " ثالثا " يذهب
أصحابه إلى أن الإمام علي لم يبايع الصديق ، إلا بعد موت سيدة نساء العالمين ،
فاطمة الزهراء ( 3 ) ، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة
عن عائشة : أن فاطمة عليها السلام ، بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إلى
أبي بكر تسأله ميراثها من
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 1 / 27 - 28 .
(
2 ) العقد الفريد 5 / 13 - 14 .
( 3 ) ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 2 / 325
، 331 ، المسعودي : مروج الذهب 1 / 595 ،
ابن عبد ربه :
العقد الفريد 1 / 14 ،
تاريخ الطبري 3 / 207 - 209 . ( * )
|
|
|
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما أفاء الله عليه بالمدينة
وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم ، في هذا
المال ، وإني والله
لا أغير شيئا " من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأعملن فيها بما
عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها
شيئا " ، فوجدت فاطمة
على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد
النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا " ، ولم
يؤذن بها أبو بكر ، وصلى عليها . وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما
توفيت استنكر
علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن
يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ، ولا يأتينا أحد معك ، كراهية
لمحضر عمر ، فقال عمر : لا والله ، لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : وما
عساهم أن يفعلوا بي ،
والله لآتينهم ، فدخل عليه أبو بكر ، فتشهد علي ، فقال : إنا
قد عرفنا فضلك ، وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيرا " ساقه الله إليك ، ولكنك
استبددت علينا بالأمر ، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
نصيبا " ، حتى فاضت عينا
أبي بكر . فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده ، لقرابة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني
وبينكم من هذه الأموال ، فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمرا " رأيت رسول
الله صلى الله عليه
وسلم يصنعه فيها إلا صنعته ، فقال علي لأبي بكر : موعدك
العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد ، وذكر شأن علي
وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ، ثم استغفر وتشهد علي ، فعظم حق أبي
بكر ، وحدث
أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ، ولا إنكار
للذي فضله الله به ، ولكنه نرى لنا في هذا الأمر نصيبا " ، فاستبد علينا ،
فوجدنا في أنفسنا ، فسر بذلك المسلمون وقالوا : أصبت ،
وكان المسلمون إلى علي قريبا " ، حين راجع الأمر
المعروف ( 1 ) .
ويناقش الدكتور طه حسين كل أوجه القضية فيقول : بقيت مسألتان
خلط فيهما الرواة تخليطا " عظيما "، وليس بد من أن نتبين وجه الحق فيهما : فأما الأولى : فبيعة علي لأبي بكر : فالرواة يختلفون فيها أشد الاختلاف ، يقول
قوم : إن عليا "بايع أبا بكر
، حين بايعه غيره من المسلمين ، وهؤلاء يختلفون
فيما بينهم ، فيزعم بعضهم أن عليا " كان جالسا " في داره وعليه قميص - ليس عليه
إزار ، ولا رداء - فجاءه من أنبأه بأن أبا بكر قد جلس للبيعة ، وأن الناس
يبايعونه ، فأسرع علي إلى المسجد ،
وأعجله السرع عن أن يتخذ إزاره ورداءه ،
ومضى حتى بايع أبا بكر ، ثم جلس وأرسل من جاءه بثوبه فجلله - وواضح ما في هذا
من السرف . وآخرون يزعمون أن عليا " أبطأ عن البيعة ، وأبطأ معه الزبير بن
العوام ، فأرسل عمر من جاء بهما ،
ثم قال لهما : والله لتبايعا طائعين ، أو
لتبايعا كارهين - وواضح كذلك ما في هذا من الكذب . فما كان أبو بكر ليخلي بين
عمر ، وبين العنف بعلي ، إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجه فاطمة
حية ، وإنما هذا الخبر متكلف ، أريد به إلى
إظهار أن عليا " لو ترك وشأنه ما
بايع أبا بكر . وكثير من الرواة يزعمون أن عليا " لم يبايع أبا بكر إلا متأخرا
" ، وأن بني هاشم صنعوا صنيعه ، فامتنعوا على أبي بكر ، وخالفوا جماعة المسلمين
، وظلوا على هذا الخلاف ستة أشهر ، حتى إذا توفيت فاطمة رحمها الله بايعوا .
وواضح في هذا من الكذب أيضا " ، فما كان علي وبنو هاشم ليفارقوا جماعة المسلمين
، وليتلبثوا حتى تموت فاطمة ثم يكون إقبالهم على البيعة ، حين رأوا أن الناس قد
انصرفوا عنهم ، بعد موت فاطمة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري
5 / 177 - 178
. ( * )
|
|
|
وأيسر العلم - بفضل علي ، رحمه الله ، ونصحه
للمسلمين ، وحسن بلائه في الإسلام أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، يمنع من
قبول هذه الرواية ، وإنما خلط الرواة بين أمرين مختلفين أشد الاختلاف ، أحدهما
بيعة علي لأبي بكر ، والآخر ما كان
من مغاضبة فاطمة لأبي بكر في ميراث النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقد طلبت فاطمة حقها من ميراث أبيها في فدك ، وفي سهمه في
خيبر ، فلم يجبها أبو بكر إلى ما طلبت ، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم
يقول : لا نورث ما تركنا صدقة ، فهجرته فاطمة ، ولم تكلمه حتى ماتت .
وكان عليا
" جفا أبا بكر لهجران فاطمة له ، والحقيقة أن هذا شئ لا شأن له بالبيعة ، وإنما
بايع علي حين بايع الناس في غير إسراع ولا إكراه ، رأى أن كلمة المهاجرين
والأنصار قد اجتمعت على أبي بكر ، فلم يخالف عما أجمع عليه المسلمون ،
ولو خالف
علي - أو هم بالخلاف - لاستطاع أن يحاج أبا بكر بحجته على الأنصار في سقيفة بني
ساعدة ، فقد احتج أبو بكر على الأنصار بأن المهاجرين من قريش هم أولى الناس
بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وبالأمر من بعده .
ومما لا شك فيه أن عليا " كان
أقرب إلى النبي من أبي بكر وعمر ، فهو ابن عمه ، وزوج ابنته ، وأبو سبطيه ،
ولكن عليا " لم يفعل ، على ما زعم بعض الرواة ، وما كان في حاجة إلى أن يفعل ،
فأبو بكر كان يعرف قرابته حق المعرفة ، كما كان
يعرفها غيره من المسلمين ،
وإنما نظر الناس إلى سن أبي بكر ، وفضله وحسن مواساته للنبي صلى الله عليه وسلم
، وللمسلمين ، واختصاص النبي له بمصاحبته في هجرته ، ثم أمره أن يصلي بالناس ،
حين ثقل عليه المرض ، فكان الناس
يقولون : اختاره رسول الله لديننا ، فلم لا نختاره لأمر
دنيانا . والمهم أن أحدا " لم يخالف على أبي بكر ، لا من بني هاشم ولا من غيرهم
، وكل ما يقال غير هذا إنما تكلفه المتكلفون بآخره ، حين افترق الناس شيعا "
وأحزابا " ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) طه حسين :
الشيخان ص 34 -
37 ( القاهرة 1992 ) . ( * )
|
|
|
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أننا
نستطيع من الآراء السابقة أن نستنتج أن هناك اتجاها " بين الصحابة يذهب إلى
تفضيل الإمام علي بن أبي طالب على جميع الصحابة ، وأن هذا الاتجاه قد ظهر بمجرد
وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وأن هناك دواعي سياسية دعت إلى هذا
الاتجاه ، فقد اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة - والإمام علي
مشغول بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ، لقبره فبايعوا أبا بكر ، باقتراح من
عمر ، وثقل على فارس الإسلام وبطله
أن يمضي الصحابة الأمور دونه ، وثقل على
الزهراء ، وعلى شيعة علي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما رأى
البعض أحقية علي بالخلافة .
وهكذا بدأت تظهر شيعة للإمام علي ، قال أبان بن
تغلب : قلت لجعفر بن محمد ( الصادق ) - جعلت فداك - هل كان أحد من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، أنكر على أبي بكر فعله ؟ قال : نعم ، اثنا عشر رجلا
" ، من المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري
والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي ، ومن الأنصار : أبو الهيثم
بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت وأبي بن كعب وأبو أيوب
الأنصاري ( 1 ) .
وفي كتاب العيون والمحاسن أن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب
الهاشمي قال - عندما بويع أبو بكر - :
ما كنت أحسب أن الأمر منتقل * عن هاشم ثم
منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالآيات والسنن
وآخر
الناس عهدا " بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
ما الذي ردكم عنه
فنعلمه * ها إن بيعتكم من أول الفتن
وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) عبد الحليم الجندي :
الإمام جعفر
الصادق ص 32 - 33 ( القاهرة 1977 ) . ( * )
|
|
|
وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن
صاحبه
وصي رسول الله حقا " وجاره * وأول من صلى ومن لان جانبه ( 1 )
وكل هذا
إنما يدل على أن التشيع بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وظهر واضحا "
يوم وفاته ، وإن لم يستطع أن يقوم بدور في الأحداث التي جرت وقت ذاك ، وعلى أية
حال ، فما أن بويع الصديق بالخلافة حتى شعر حزب الإمام علي بن لصرف الحق عن
أهله .
غير أنهم سرعان ما بدأوا يوجهون الناس نحو الإمام علي ، ويحدثونهم عن
فضائله ومكانته عند الله ورسوله ، ويؤكدون حقه في الخلافة ، ويركزون دعايتهم
هذه على كتاب الله وسنة نبيه ، وهما أشد وسائل الدعاية تأثيرا " في نفوس
المسلمين ، بل الدعاية ، مهما يكن نوعها ، لا تبلغ غايتها إلا عن طريق الدين ،
لأنه كان يومذاك أساس الحياة ، بخاصة الحكم والسلطان .
هذا وقد انتشر الشيعة من
الأصحاب في الأمصار على أيام الصدق والفاروق وذي النورين ، وكثير منهم تولى
الإمارة والمناصب في الحكومات في البلاد الإسلامية ، وكانوا يحدثون الناس عن
الإمام علي وفضائله ، وعلى سبيل المثال : كان
سلمان الفارسي - والي المدائن -
يحدث الناس ويقول : بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم ، على النصح للمسلمين ،
والائتمام بعلي بن أبي طالب ، والموالاة له وقال : إن عند علي علم المنايا
والوصايا ، وفصل الخطاب ، وقد قال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم : أنت وصيي وخليفتي في أهلي ، وأنت مني بمنزلة
هارون من موسى ، ثم يقول : أما والله لو وليتموها عليا " لأكتم من فوقكم ومن
تحت أرجلكم ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 22 - 23 ( ط دار التعارف - بيروت ) .
(
2 ) الشيعة في الميزان ص 26 . ( * )
|
|
|
هذا وقد نسب إلى سلمان - حين بويع أبو بكر - قوله
: يا أيها الناس قدموا من هو أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلم
بكتاب الله وسنة نبيه ، ومن قدمه النبي في حياته ، وأوصاكم به عند وفاته ، ألا
إن لكم منايا تتبعها بلايا ، وإن عند علي بن أبي طالب علم المنايا والبلايا
وفصل الخطاب ( 1 ) .
وكان أبو ذر الغفاري ينادي - يوم بويع أبو بكر - يا معشر
قريش ، تركتم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ليرتد جماعة من العرب
، ولتشكن في هذا الدين ، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم
سيفان ، والله لقد صارت لمن غلب ، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهلها ، وليسفكن
في طلبها دماء كثيرة ، إن عليا " هو الصديق الأكبر . وهو الفاروق - بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم - يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب الدين ، والمال
يعسوب الظلمة ( 2 ) .
وقد وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الإمام علي
بذلك ، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله بن أسعد بن زرارة عن أبيه قال
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوحي إلي في علي ثلاث : إنه سيد المسلمين
، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ( 3 ) .
وروى أبو نعيم في حليته بسنده عن الحارث بن حصيرة
عن القاسم بن جندب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس
اسكب لي وضوءا " ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من
هذا الباب ، أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم
الوصيين ، قال أنس : قلت اللهم اجعله رجلا " من الأنصار وكتمته ، إذ جاء علي
فقال : من هذا يا أنس ، فقلت : علي ، فقام مستبشرا " فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق
علي
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نفس المرجع السابق ص 99 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 99 .
( 3 ) المستدرك للحاكم 3 / 137 ، وانظر :
كنز
العمال 6 / 157 ، مجمع الزوائد 9 / 121 ،
حلية الأولياء 1 / 66 . ( * )
|
|
|
بوجهه ، قال علي : يا رسول الله ، لقد رأيتك صنعت
شيئا " ما صنعت بي من قبل ، قال : وما يمنعني ، وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي ،
وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي ( 1 ) .
وكان أبو ذر ينادي في الناس ، ويقول : عليكم
بكتاب الله ، وعلي بن أبي طالب ، وكان يدخل الكعبة ، ويتعلق بحلقة بابها ،
ويقول : أنا جندب بن جنادة ، لمن عرفني ، وأنا أبو ذر لمن لم يعرفني ، إني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل سفينة نوح في لجة البحر ،
من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ألا هل بلغت ؟ وكان أبو ذر يسمي عليا "
بأمير المؤمنين في عهود أبي بكر وعمر وعثمان ، وكان يقف في موسم الحج ويقول :
يا معشر
الناس أنا صاحب رسول الله ، وسمعته يقول في هذا المكان - وإلا
صمت أذناي - علي بن أبي طالب ، الصديق الأكبر ، فيا أيتها الأمة المتحيرة بعد
نبيها ، لو قدمتم ما قدمه الله ورسوله ، وأخرتم من أخره الله ورسوله ، لما عال
ولي الله ولا طاش سهم في سبيل الله ، ولا اختلفت الأمة بعد نبيها ( 2 ) .
وقال عمار بن ياسر - يوم بويع أبو بكر - يا معشر
قريش ، ويا معشر المسلمين ، إن أهل بيت نبيكم أولى به - أي النبي - وأحق بأثره
، وأقوم بأمور الدين ، وأحفظ لملته ، وأنصح لأمته ، فردوا الحق إلى أهله ، قبل
أن يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شتاتكم ، تعظم الفتنة بكم ، ويطمع فيكم
عدوكم ، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعلي أقرب إلى نبيكم ،
وهو من بينكم وليكم بعهد الله ورسوله ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 )
حلية الأولياء 1 / 63
- 64 .
( 2 ) الشيعة في الميزان ص 26 .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 100 . ( * )
|
|
|
وهكذا قام هؤلاء الأصحاب بدور رئيسي
- مع غيرهم من محبي الإمام علي - في بث التشيع على أيام الخلفاء الثلاثة - أبي
بكر وعمر وعثمان - وغرس جذوره وبذوره في كل أرض وطأتها أقدامهم ، دعوا إلى
التشيع على صعيد القرآن والحديث ، وبذكاء ومرونة وطول أناة ، وكانوا محل
التعظيم والثقة عند الناس لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا
تجاوبت معهم عقول الكثيرين وقلوبهم ، وكان لأقوالهم أثرها
البالغ ، ونتائجها البعيدة ، ورغم أن بعضهم تعرض للشتم والتشريد والضرب - كأبي
ذر وعمار - فقد استمروا في بث الدعوة بصبر وشجاعة ( 1 ) .
هذا ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن نشأة الشيعة إنما
كانت ابتداء في مصر ، وكان ذلك على أيام عثمان ، إذ وجد الدعاة فيها أرضا "
خصبة ، ثم عمت بعد ذلك أرض العراق ( 2 ) .
وفي أعيان الشيعة : أن عثمان أرسل رجلا " يتحرون
العمال ، ومنهم عمار بن ياسر ، الذي أرسله إلى مصر ، فعاد هؤلاء الرجال يمتدحون
الولاة ، إلا عمارا " ، استبطأه الناس ، حتى ظنوا أنه اغتيل ، فلم يفاجئهم إلا
كتاب من عبد الله بن أبي السرح ( 3 ) - والي مصر - يخبرهم أن عمارا " قد استمال
القوم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نفس المرجع السابق ص 28 .
( 2 ) محمد أبو زهرة : الإمام زيد ص 107 .
( 3 ) عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، من
قريش الظواهر ، وليس من قريش البطاح ، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ، أرضعته
أم عثمان ، أسلم قبل الفتح ، وهاجر إلى المدينة ، وكتب الوحي لرسول الله ، ثم
ارتد مشركا " ، وعاد إلى مكة يحدث قريشا " الكذب على
رسول الله ، ويقول : كنت
أصرف محمدا " حيث أريد ، كان يملي علي عزيز حكيم فأقول أو عليم حكيم ، فيقول :
نعم كل صواب ، فافتتن وقال : ما يدري محمد ما يقول : إني لأكتب ما شئت ، هذا
الذي يوحي إلي ، كما يوحي إلى محمد ، ثم خرج هاربا " إلى مكة مرتدا " ،
وفيه
نزلت آية الأنعام ( 93 ) ، وفي فتح مكة أهدر النبي دمه فقال : من أخذ ابن أبي
سرح فليضرب عنقه حيثما وجده ، وإن كان متعلقا " بأستار الكعبة فاختبأ عند عثمان
الذي جاء به وطلب من النبي مبايعته ، كل ذلك يأبى ، فبايعه بعد ثلاث ، ثم قال
لأصحابه : أما كان فيكم
رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته
فيقتله ، قالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك ،
قال : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين وفي عهد عثمان عين واليا " على
مصر عام 25 ه ، بدلا " من =>
|
|
|
بمصر ، وقد انقطعوا إليه ، فكان تصريح عمار بالحق
سببا " في اعتداء غلمان عثمان عليه ، فضربوه حتى انفتق له في بطنه فتق ، وكسروا
ضلعا " من أضلاعه ( 1 ) .
وهكذا - كما يقول الأستاذ مغنية - كان الصفوة الخلص
من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، أجهزة الدعاية للتشيع ، يوجد حيثما
يوجدون ، وينبت حيث يحلون ، وسلاحهم الوحيد كتاب الله وسنة نبيه ، ابتدأ التشيع
في مصر بسبب عمار ،
وفي الشام وتوابعها - كجبل عامل - بسبب أبي ذر ، حيث نفاه
عثمان إلى هناك ، وفي المدائن بسبب سلمان الفارسي ، وفي الحجاز بسبب هؤلاء
أنفسهم ، وآخرين مثل حذيفة بن اليمان ( 2 ) - صاحب رسول الله - وجابر بن عبد
الله الأنصاري ، وأبي بن كعب ، ومن إليهم .
وقد أورد صاحب الكشكول فيما جرى على آل الرسول
أسماء أكثر من مائة صحابي ، كانوا يتشيعون للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله
عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - ويحفظون الأحاديث التي كانوا قد سمعوها من
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الولاية ، وينشرونها في الأمصار
الإسلامية ، الأمر الذي يشير بوضوح إلى عدم صحة دعوة من يرون أن سبب التشيع
إنما هو الفرس وابن سبأ ، وأن ذلك مجرد افتراء ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
=>
عمرو بن العاص الذي بدا يطعن في عثمان بسبب عزله ، ومات عبد الله عام 36 ه أو
37 ، وقيل بقي إلى أيام معاوية فمات عام 59 ه ، ( أنظر : أسد الغابة 2 / 259 -
261 ، ابن كثير : السيرة النبوية 3 / 565 - 566 ،
سيرة ابن هشام 4 / 311 - 312
،
تفسير الطبري 11 / 533 - 535 ،
تفسير القرطبي ص 2475 - 2477 ،
تفسير النسفي 2
/ 23 ، تفسير الظلال 6 / 1149 ،
الإصابة 2 / 316 - 318 ، الإستيعاب 2 / 375 -
378 ،مهران السيرة النبوية الشريفة 2 / 397 - 398 ،السيرة الحلبية
3 / 36 - 37 )
( 1 ) أعيان الشيعة 42 / 213 ( ط 1958 ) .
( 2 ) أنظر عن مصادر ترجمة
حذيفة بن اليمان ( الإصابة 1 / 317 - 318 ،
الإستيعاب 1 / 277 - 278 ، أسد
الغابة 1 / 468 - 470 ، حلية الأولياء 1 / 270 - 283 ،
البخاري 5 / 49 ، ابن
حنبل : كتاب الزهد ص 179 - 180 ،
مروج الذهب للمسعودي 1 / 671 ) .
( 3 ) محمد
جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 29 . ( * )
|
|
|
|