- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 314 -

 3 - سلمان الفارسي :

سلمان - كما يصفه أبو نعيم في الحلية - سابق الفرس ، ورائق العرس ، الكادح الذي لا يبرح ، والزاخر الذي لا ينزح ، الحكيم ، والعابد العليم ، أبو عبد الله سلمان ابن الإسلام ، رافع الألوية والأعلام ، أحد الرفقاء والنجباء ، ومن إليه تشتاق الجنة من الغرباء ، ثبت على القلة والشدائد ، لما نال من الصلة والزوائد ( 1 ) .


هذا وقد اختلف الباحثون في اسم سلمان الأصلي ، وفي موطنه ، وفي عمره ، وفي كل شئ يتصل به ، حتى أن بعض المستشرقين - دونما روية ، قد أنكروا تاريخيته ( 2 ) ، وإن تروى آخرون فذهبوا إلى أن اسمه إنما يدخل في الإطار التاريخي للمشاجرات بين الصحابة ( 3 ) ، وعلى أية حال ، فالرجل إنما كان من أبناء الدهاقين ، كما كان سائحا " نصرانيا " ، بعد أن ترك المزدكية ( 4 ) .


وروى ابن سعد في طبقاته - على لسان سلمان نفسه قال - : كنت رجلا " من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان أرضه ، وكنت من أحب عباد الله إليه ( 5 ) ،

وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر ، من رب إلى رب ( 6 ) ، في أثناء بحثه عن النبي المنتظر ، الذي أخبره الرهبان أنه سيظهر في أرض تيماء الأمر الذي جاء مفصلا "

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 185 .
( 2 ) ماسينيون وهنري كوربان : شخصيات قلقة في الإسلام - ترجمة عبد الرحمن بدوي - القاهرة 1946 ص 8 .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 10 .
( 4 ) أنظر عن المزدكية ( محمد بيومي مهران : تاريخ العرب القديم ص 610 ، تاريخ الطبري 2 / 92 - 93 ،
ابن الأثير : الكامل في التاريخ 1 / 512 - 515 ، جواد علي : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 3 / 333 ،
وكذا : . 109 . T . Aufsatze Zur Persisichen Geschichte Noldeke , Leipzig , 7881 , P
( 5 ) طبقات ابن سعد 4 / 53 . ( 6 ) صحيح البخاري 5 / 90 . ( * )

 

 

 ص 315

في طبقات ابن سعد ، وفي أسد الغابة ، وفي الحلية وغيرها ( 1 ) ، حتى أن البعض اعتبره سلفا " للزهاد السائحين ، من أمثال إبراهيم بن أدهم ( 2 ) .

وكان سلمان - فيما يرى البعض - يدعى روزبه بن خشنود أو مابه ( 3 ) ،

وفي أسد الغابة هو : سلمان الفارسي أبو عبد الله ، ويعرف بسلمان الخير ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سئل عن نسبه فقال : أنا سلمان ابن الإسلام ، أصله من فارس ، من رامهرمز ، وقيل إنه من جي ، وهي مدينة أصفهان ( أصبهان القديمة ، وتعرف الآن باسم شهرستان ) ، وكان اسمه قبل الإسلام مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك ، من ولد ابن الملك ، وكان ببلاد فارس مجوسيا " سادن النار ( 4 ) .


هذا وقد تنقل سليمان بحثا " عن الدين الصحيح من بلده جي إلى الشام إلى الموصل إلى عمورية ، وهناك علم أن نبيا " قد أظل زمانه يبعث بدين إبراهيم الحنيفية ، مهاجره بأرض ذات نخل ، وبه آيات وعلامات لا تخفى ، بين منكبيه خاتم النبوة ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، فركب مع قوم من العرب ، من كلب ، باعوه إلى رجل من يهود خيبر ، ثم اشتراه منه رجل من يهود بني قريظة ، فقدم به المدينة ، وهناك رأى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 5 ) .


تروي المصادر - على لسان سليمان ( 6 ) أنه قال - جمعت ما عندي ، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بقباء ، فدخلت عليه ومعه نفر من

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 190 - 195 ، طبقات ابن سعد 4 / 54 - 57 ، أسد الغابة 2 / 417 - 419 .
( 2 ) كامل الشيبي : المرجع السابق 1 / 20 . ( 3 ) نفس المرجع السابق ص 20 .
( 4 ) أسد الغابة 2 / 417 .
( 5 ) أسد الغابة 4 / 417 - 418 .

( 6 ) أهم مصادر ترجمة سلمان الفارسي هي ( طبقات ابن سعد 4 / 53 ، 67 ، البخاري 5 / 90 ، ابن حنبل : كتاب الزهد ص 150 - 1533 ، ابن حجر العسقلاني : الإصابة في معرفة الصحابة 2 / 62 - 63 ، ابن عبد البر : الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 56 - 61 ، أسد الغابة 2 / 417 => 

 

 

 ص 316

أصحابه ، فقلت : إنه بلغني أنك ليس بيدك شئ ، وأن معك أصحابا " لك ، وأنكم أهل حاجة وغربة ، وقد كان عندي شئ وضعته للصدقة ، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به ، ثم وضعته له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلوا ،

وأمسك هو ، قال : قلت في نفسي ، هذه والله واحدة ، ثم رجعت ، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى المدينة ، وجمعت شيئا " ثم جئته ، فسلمت عليه وقلت له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وقد كان عندي شئ أحب أن أكرمك به من

هدية أهديتها كرامة لك ليست بصدقة، فأكل وأكل أصحابه ، قال : قلت في نفسي هذه أخرى، قال : ثم رجعت فمكثت ما شاء الله ، ثم أتيته فوجدته في بقيع الغرقد قد تبع جنازة ، وحوله أصحابه ، وعليه شملتان مؤتزرا " بواحدة ، مرتديا " بالأخرى ،

قال : فسلمت عليه ، ثم عدلت لأنظر في ظهره ، فعرف أني أريد ذلك واستثبته ، قال فأمسك بردائه ، فألقاه عن ظهره ، فنظرت إلى خاتم النبوة ، كما وصف لي صاحبي ، قال : فأكببت عليه أقبل الخاتم من ظهره وأبكي ، قال فقال : تحول عنك ،

فتحولت ، فجلست بين يدي ، فحدثته حديثي - كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجبه ذلك ، فأحب أن يسمعه أصحابه ، ثم أسلمت وشغلني الرق ، وما كنت فيه حتى فاتني بدر وأحد . ثم كاتب سلمان على أن يطلق سراحه ، في مقابل أن يغرس له ثلاثمائة

نخلة ، وأربعين أوقية من ورق ، فلما أوفى له بها أعتقه ، وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حرا " مسلما " حرا " مسلما " حتى قبضه الله تعالى ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء ( 1 ) .


ولعل هذا كله ، إنما يشير إلى أن سلمان ، رضوان الله عليه ، إنما قد اتجه إلى الإسلام بكليته ، وأنه كان يبحث عن الحقيقة ، فوجدها في رسول الله ، وفي

  * هامش *  
 

=> - 421 ، حلية الأولياء 1 / 185 - 208 ، أبو نعيم الأصفهاني : دلائل النبوة ص 219 - 222 .
( 1 ) أنظر : طبقات ابن سعد 4 / 53 - 59 ، أسد الغابة 2 / 417 - 419 . ( * )

 

 

 ص 317

الإسلام ، واعتنق الدين الجديد ، وخدمه من بدء دخوله فيه بإشارته بحفر الخندق ، ورجل في مثل سلمان في جهده الذي بذله - عقليا " وروحيا " وجسديا " وماديا " - بتركه وطنه ، وبتجواله الطويل من فارس والشام والموصل ونصيبين وعمورية ، وبلاد العرب ، فضلا " عن تركه الراحة والرفاهية عند أسرته في أصفهان ، رجل مثل هذا ، لا بد أن يكون مسلما " مخلص الإيمان ، لا تزعزعه الأنواء ، ولا تؤثر في عقيدته الدينية مؤثرات مادية ( 1 ) .


وكان سلمان أحد ثلاثة تشتاق إليهم الجنة
، روى ابن الأثير بسنده عن الحسن بن صالح ، عن أبي ربيعة الإيادي عن الحسن ( البصري ) عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان ( 2 ) .

وفي حلية الأولياء بسنده عن أبي بريدة عن أبيه ، رضي الله تعالى عنهم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل علي الروح الأمين فحدثني أن الله تعالى يحب أربعة من أصحابي ، فقال له من حضر ، من هم يا رسول الله ؟ فقال : علي وسلمان وأبو ذر والمقداد ، وعن أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اشتاقت الجنة إلى أربعة : علي والمقداد وعمار وسلمان ( 3 ) .


وفي الإستيعاب من حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أمرني ربي بحب أربعة ، وأخبرني أنه سبحانه يحبهم ، علي وأبو ذر والمقداد وسلمان ( 4 ) .

وفي الحلية عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال

  * هامش *  
 

( 1 ) كامل الشيبي : المرجع السابق ص 21 .
( 2 ) أسد الغابة 2 / 420 .
( 3 ) حلية الأولياء 1 / 190 .
( 4 ) ابن عبد البر : الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 59 . ( * )

 

 

 ص 318

رسول الله صلى الله عليه وسلم : السباق أربع ، أنا سابق العرب ، وصهيب سابق الروم ، وسلمان سابق الفرس ، وبلال سابق الحبشة ( 1 ) .

وروى الإمام أحمد بسنده عن سفيان عن يونس عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا سابق العرب ، وسلمان سابق فارس ، وصهيب سابق الروم ، وبلال سابق الحبش ( 2 ) .

وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم ، وذوي القرب من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الإستيعاب عن عائشة ، رضي الله عنها قالت : كان لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 3 ) .

وسئل علي عن سلمان فقال : علم العلم الأول والعلم الآخر ، وهو بحر لا ينزف ، وهو منا أهل البيت ( 4 ) ،

وروى ابن الجوزي وابن سعد ، أن عليا " قال فيه : ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت ، أدرك العلم الأول والعلم الآخر ، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر ( 5 ) ،

وفي الإستيعاب عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه ، أنه سئل عن سلمان فقال : علم العلم الأول والآخر ، بحر لا ينزف ، وهو منا أهل البيت ( 6 ) .

ولا ريب في أن الإمام علي إنما يتحدث هنا عن سيدنا ومولانا وجدنا

 

* هامش *

 
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 185 .
( 2 ) الإمام أحمد بن حنبل : فضائل الصحابة 2 / 909 ( بيروت 1983 ) ، وأخرجه الحاكم 3 / 402 ،
وأبو نعيم في الحلية 1 / 185 ، والذهبي في سير النبلاء 3 / 146 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 305 ،
وقال رواه الطبراني ، وله شاهد عن أبي أمامة مرفوعا " ، أخرجه ابن أبي حاتم في العلل 2 / 353 .
( 3 ) الإستيعاب 2 / 59 .
( 4 ) أسد الغابة 2 / 420 .
( 5 ) طبقات ابن سعد 4 / 61 ، صفة الصفوة 1 / 220 .
( 6 ) الإستيعاب 2 / 59 . ( * )

 

 

 ص 319

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خط الخندق من أجم الشيخين ، طرف بني حارثة ، عام ذكرت الأحزاب ، خطة من المذاد ، فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا " ، فاحتج المهاجرون والأنصار من سلمان الفارسي - وكان رجلا " قويا " - فقال المهاجرون : سلمان منا ، وقالت الأنصار : لا بل سلمان منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سلمان منا أهل البيت ( 1 ) .


وروى ابن عبد البر بسنده عن ثابت عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو : أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم ، لقد أغضبت ربك ، جل وعلا ، فأتاهم أبو بكر فقال : يا أخوتاه ، أغضبتكم ، قالوا : لا يا أبا بكر ، يغفر الله لك ( 2 ) .


وفي طبقات ابن سعد بسنده عن الحسن قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان على ثلاثين ألفا " من الناس ، يخطب في عباءة ، يفترش نصفها ، ويلبس نصفها ، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ، ويأكل من سفيف يده ( 3 ) .


وفي أسد الغابة : كان عطاؤه خمسة آلاف ، فإذا خرج عطاؤه فرقه ، وأكل من كسب يده ، وكان يسف الخوص ( 4 ) ( ينسجه ) ، وقال حذيفة لسلمان : ألا نبني لك بيتا " ، قال : لم ؟ لتجعلني مالكا " ، وتجعل لي دارا " ، مثل بيتك الذي بالمدائن ، قال : لا ، ولكن نبني لك بيتا " من قصب ، ونسقفه بالبردي ، إذا قمت

  * هامش *  
 

( 1 ) طبقات ابن سعد 4 / 59 ، أسد الغابة 2 / 421 .
( 2 ) الإستيعاب 2 / 60 .
( 3 ) طبقات ابن سعد 4 / 62 .
( 4 ) أسد الغابة 2 / 420 . ( * )

 

 

 ص 320

كد أن يصيب رأسك وإذا نمت كاد أن يصيب طرفيك ، قال : فكأنك كنت في نفسي ( 1 ) .

وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال : كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق ، فمر علينا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ، وقد اشترى وسقا " من طعام ، فقال له زيد : يا أبا عبد الله تفعل هذا ، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت ، وتفرغت للعبادة ، وأيس منها الوسواس ( 2 ) .
 

وعن ثابت قال : كان سلمان أميرا " على المدائن ، فجاء رجل من أهل الشام ، من بني تيم الله ، معه حمل تبن ، وعلى سلمان " أندرورد " وعباءة ، فقال لسلمان : تعال احمل ، وهو لا يعرف سلمان ، فحمل سلمان ، فرآه الناس فعرفوه فقالوا : هذا الأمير ، قال : لم أعرفك ، فقال له سلمان لا حتى أبلغ منزلك ( 3 ) .
 

وعن سماك قال : سمعت النعمان بن حميد يقول : دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن ، وهو يعمل الخوص ، فسمعته يقول : أشتري خوصا " بدرهم فأعمله ، فأبيعه بثلاثة دراهم ، فأعيد درهما " فيه ، وأنفق درهما " على عيالي ، وأتصدق بدرهم ، ولو أن عمر بن الخطاب ( الخليفة وقت ذاك ) نهاني عن ذلك ما انتهيت ( 4 ) .


وعن عبد الله بن بريدة قال : كان سلمان إذا أصاب الشئ ، اشترى به لحما " ، ثم دعا المحدثين فأكلوه معه ( 5 ) ، وفي الحلية عن عبد الله بن بريدة : أن

  * هامش *  
 

( 1 ) أسد الغابة 2 / 420 ، حلية الأولياء 1 / 202 .
( 2 ) حلية الأولياء 1 / 207 .
( 3 ) طبقات ابن سعد 4 / 63 .
( 4 ) طبقات ابن سعد 4 / 64 ، حلية الأولياء 1 / 197 - 198 .
( 5 ) طبقات ابن سعد 4 / 64 . ( * )

 

 

 ص 321

سلمان كان يعمل بيديه ، فإذا أصاب شيئا " ، اشترى به لحما " أو سمكا " ، ثم يدعو المجذمين فيأكلون معه ( 1 ) .
 

وعن الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه قالوا: دخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده، قال : فبكى سلمان فقال له سعد : ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو عنك راض ، وتلقى أصحابك ، وترد على الحوض ،

قال سلمان : والله ما أبكي جزعا " من الموت ، ولا حرصا " على الدنيا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عهد إلينا عهدا " فقال : لتكن بلغة أحدكم من الدنيا ، مثل زاد الراكب ، وحولي هذه الأساود ، قال : وإنما حوله جفنه أو مطهرة أو

إجانة ، قال فقال له سعد : يا أبا عبد الله ، إعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك ، فقال : يا سعد ، أذكر الله عند همك إذا هممت ، وعند حكمك إذا حكمت ، وعند يدك إذا قسمت ( 2 ) .


وعن الأجلح عن عامر الشعبي قال : أصاب سلمان صرة مسك يوم فتحت جلولاء ، فاستودعها امرأته فلما حضرته الوفاة قال : هاتي هذه المسكة ، فمرسها في ماء ، ثم قال : انضحيها حولي ، فإنه يأتيني زوار الآن ، قال ففعلت ، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلا " حتى قبض ( 3 ) .


وعن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام قال : إن سلمان قال له : أي أخي ، أينا مات قبل صاحبه ، فليتراء له ، قال عبد الله بن سلام : أو يكون ذلك ؟ قال نعم ، إن نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض حيث شاءت ، ونسمة الكافر في سجن ، فمات سلمان ، فقال عبد الله بن سلام : فبينما أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي ، فأغفيت إغفاءة ، إذ جاء

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 200 .
( 2 ) حلية الأولياء 1 / 195 - 197 ، طبقات ابن سعد 4 / 65 ، ابن حنبل : كتاب الزهد ص 152 .
( 3 ) طبقات ابن سعد 4 / 66 ، حلية الأولياء 1 / 208 . ( * )

 

 

 ص 322

سلمان فقال : السلام عليك ورحمة الله ، فقلت : السلام عليك ورحمة الله أبا عبد الله ، كيف وجدت منزلك ، قال : خيرا " ، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل ، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل ، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل ( 1 ) .

هذا وقد روى عن سلمان ، ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر ، وأبو سعيد ، وكعب بن عجرة ، وأبو عثمان النهدي ، وشرحبيل بن المسط وغيرهم .

وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن صدقة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سلمان : أنه تزوج امرأة من كندة ، فبنى بها في بيتها ، فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته ، فلما بلغ البيت قال : ارجعوا آجركم الله ، ولم يدخلهم

عليها ، كما فعل السفهاء ، فلما نظر إلى البيت ، والبيت منجد ، قال : أمحموم بيتكم ، أم تحولت الكعبة في كندة ؟ قالوا : ما بيتنا بمحموم ، وما تحولت الكعبة في كندة ، فلم يدخل البيت حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر الباب . فلما دخل رأى

متاعا " كثيرا " ، فقال لمن هذا المتاع ؟ قالوا : متاعك ومتاع امرأتك ، قال : ما بهذا أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم ، أوصاني خليلي أن لا يكون متاعي من الدنيا ، إلا كزاد الراكب ، ورأى خدما " فقال لمن هذا الخدم ؟ فقالوا : خدمك وخدم

امرأتك ، فقال : ما بهذا أوصاني خليلي ، أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم ، أن لا أمسك إلا ما أنكح ، أو أنكح ، فإن فعلت فبغين ، كان على مثلي أوزارهن ، من غير أن ينقص من أوزارهن شيئا " . ثم قال للنسوة اللائي عند امرأته : هل

أنتن مخرجات عني ؟ مخليات بيني وبين امرأتي ؟ قلن : نعم ، فخرجن فذهب إلى الباب حتى أجافه ، وأرخى الستر ، ثم جاء حتى جلس عند امرأته فمسح بناصيتها ، ودعا بالبركة ، فقال لها : هل أنت مطيعتي في شئ آمرك به ؟ قالت : جلست مجلس من يطاع ، قال : فإن

  * هامش *  
 

( 1 ) طبقات ابن سعد 4 / 66 - 67 ، حلية الأولياء 1 / 205 . ( * )

 

 

 ص 323

خليلي صلى الله عليه وسلم ، أوصاني إذا اجتمعت إلي أهلي أن أجتمع على طاعة الله عز وجل ، فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما ، ثم خرجا فقضى منهما ما يقضي الرجل من امرأته . فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا : كيف وجدت أهلك ؟ فأعرض عنهم ، ثم أعادوا فأعرض عنهم ، ثم أعادوا فأعرض عنهم ، ثم قال : إنما جعل الله تعالى الستور والخدور

والأبواب لتواري ما فيها ، حسب امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له ، فإما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المتحدث عن ذلك ، كالحمارين يتسافدان في الطريق ( 1 ) .


وعن عطاء عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه قال : قدم سليمان من غيبة له ، فتلقاه عمر ، فقال : أرضاك الله تعالى عبدا " ، قال : فزوجني ، قال : فسكت عنه ، فقال : أترضاني لله عبدا " ، ولا ترضاني لنفسك ؟ فلما أصبح أتاه قوم عمر ،

فقال : حاجة ؟ قالوا : نعم ، قال : وما هي ؟ إذا تقضي ، قالوا : تضرب عن هذا الأمر - يعنون خطبته إلى عمر - فقال : أما والله ما حملني على هذا إمرته ، ولا سلطان ، ولكن قلت رجل صالح عسى الله أن يخرج مني ومنه نسمة صالحة . قال :

فتزوج من كندة ، فلما جاء يدخل على أهله ، إذا البيت منجد ، وإذا فيه نسوة، فقال : أتحولت الكعبة في كندة، أم هي حمى ؟ أمرني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : إذا تزوج أن لا يتخذ من المتاع إلا أثاثا " كأثاث المسافر، ولا يتخذ من النساء

إلا ما ينكح ، أو ينكح ، قال : فقمن النسوة فخرجن فهتكن ما في البيت ، ودخل على أهله ، يا هذه أتطيعيني أم تعصيني ؟ فقالت : بل أطيع ، فمرني بما شئت ، فقد نزلت منزل المطاع ، فقال : إن خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم : أمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يقوم فيصلي ، ويأمرها فتصلي خلفه ، ويدعو ، ويأمرها أن تؤمن ، ففعل وفعلت .

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 186 . ( * )

 

 

 ص 324

قال : فلم أصبح جلس في مجلس كندة ، فقال له رجل : يا أبا عبد الله كيف أصبحت ؟ كيف رأيت أهلك ؟ فسكت عنه ، فعاد ، فسكت عنه ، ثم قال : ما بال أحدكم يسأل عن الشئ ، قد وارته الأبواب والحيطان ، إنما يكفي أحدكم أن يسأل عن الشئ ، أجيب أو سكت عنه ( 1 ) .


وعن عطاء بن السائب عن أبي البختري : أن جيشا " من جيوش المسلمين ، كان أميرهم سلمان الفارسي ، فحاصروا قصرا " من قصور فارس ، فقالوا : يا أبا عبد الله ، ألا ننهد إليهم ؟ فقال : دعوني أدعوهم ، كما سمعت رسول الله صلى الله عليه

وسلم يدعوهم ، فقال لهم : إنما أنا رجل منكم فارسي ، أترون العرب تطيعني ؟ فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا ، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه ، وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون - قال ورطن إليهم بالفارسية وأنتم

غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء ، فقالوا : ما نحن بالذي نؤمن ، وما نحن بالذي نعطي الجزية ، ولكنا نقاتلكم ، قالوا : يا أبا عبد الله ، ألا ننهد إليهم ، قال : لا ، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا ، ثم قال : إنهدوا إليهم ، فنهدوا إليهم ، قال : ففتحوا ذلك الحصن ( 2 ) .


وعن أبي ليلى الكندي قال : أقبل سلمان في ثلاثة عشر راكبا " - أو اثني عشر راكبا " - من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما حضرت الصلاة قالوا : تقدم يا أبا عبد الله ، قال : إنا لا نؤمكم ، ولا ننكح نساءكم ، إن الله تعالى هدانا بكم ، قال : فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات ، فلما سلم ، قال سلمان : ما لنا وللمربعة ، إنما كان يكفينا نصف المربعة ، ونحن إلى الرخصة أحوج - قال عبد الرازق : يعني في السفر ( 3 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 186 - 187 . ( 2 ) حلية الأولياء 1 / 189 . ( 3 ) حلية الأولياء 1 / 189 . ( * )

 

 

 ص 325

وعن أبي البختري قال : صحب سلمان ، رضي الله تعالى عنه ، رجل من بني عبس ، قال : فشرب من دجلة شربة ، فقال له سلمان : عد فاشرب ، قال : قد رويت ، قال : أترى شربتك هذه نقصت منها ؟ قال : وما ينقص منها شربة شربتها ، قال : كذلك العلم لا ينقص ، فخذ من العلم ما ينفعك ( 1 ) .


وعن حفص بن عمر السعدي عن عمه : قال سلمان لحذيفة : يا أخا بني عبس ، إن العلم كثير ، والعمر قصير ، فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ، ودع ما سواه ، فلا تعانه ( 2 ) .


هذا وقد توفي سلمان عام 35 ه‍ ، في آخر خلافة عثمان ، وقيل أول سنة 36 ه‍ ، وقيل توفي في خلافة عمر ، والأول أكثر ، وقال العباس بن يزيد : قال أهل العلم : عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة ، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيه ،
 

ويقول ابن الأثير في الكامل في حوادث عام 36 ه‍ : وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم ، وقيل وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح عليه السلام ، وقال أبو نعيم : كان سلمان من المعمرين ، يقال إنه أدرك عيسى بن مريم ، وقرأ الكتابين ، والصحيح - فيما أرى - ما ذهب إليه ابن حجر العسقلاني من أنه ما زاد على الثمانين ( 3 ) .


هذا وكان لسلمان مكانة خاصة عند الصحابة ، وعند الإمام علي بالذات ، وقد أشرنا من قبل إلى قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت ، وقد استقرت هذه العبارة من الإمام علي في أذن واعية ، حتى قال عنه : ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت ، ثم عامله إلى آخر العمر ، كواحد عزيز عليه من أهل البيت ، وظل يوده حتى آخر عمره .

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 188 .
( 2 ) حلية الأولياء 1 / 189 .
( 3 ) ابن الأثير : أسد الغابة 2 / 412 ، الكامل 3 / 287 ، ابن حجر : الإصابة في معرفة الصحابة 2 / 62 . ( * )

 

 

 ص 326

وهناك ما يشير إلى الصلة القوية بينه وبين الإمام علي ، حتى نراه يقود بغلة النبي الشهباء التي كانت تركبها السيدة فاطمة الزهراء في ليلة زفافها إلى الإمام علي بن أبي طالب ( 1 ) .


وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز عن حباب بن يزيد عن جرير بن المغيرة : أن سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليا " ، عليه السلام ، بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بويع أبو بكر ، قال سلمان : أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن . وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت قال : قال سلمان يومئذ : أصبتم ذا السن منكم ، وأخطأتم أهل بيت نبيكم ، لو جعلتموها فيهم ، ما اختلف عليكم اثنان ، ولأكلتموها رغدا " ( 2 ) .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) كامل الشيبي : المرجع السابق ص 21 ، وانظر : ابن بابويه القمي : من لا يحضره الفقيه - الجزء الثالث - إيران 1908 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 2 / 49 .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب