- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 250 -

 4 - المهدي :


كلمة المهدي اسم مفعول من هدى ، يقال هداه الله الطريق أي عرفه ودله عليه ، وبينه له ، فهو مهدي ، ولم ترد في القرآن كلمة المهدي ، وإنما ورد المهتدي في قول الله تعالى : * ( من يهدي الله فهو المهتد ) * ( 3 ) كما ورد الهادي في قول الله

تعالى : * ( ولكل قوم هاد ) * ( 4 ) ، وقد جاء في كتب التفسير أن المنذر هو سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الهادي هو علي بن أبي طالب ، فلقد روى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، رضي الله عنهما

قال : لما نزلت * ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) * وقال : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره ، وقال : أنا المنذر ، ولكل قوم هاد ، وأومأ بيده إلى منكب علي ، فقال : أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي .


وروى ابن أبي حاتم بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي ، ولكل قوم هاد ، قال : الهادي رجل من بني هاشم ، قال الجنيد : هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات ، وعن أبي جعفر محمد الباقر بن علي ، نحو ذلك ( 5 ) .

هذا وقد ورد في شعر حسان بن ثابت - شاعر الرسول الله صلى الله عليه وسلم - وصف النبي بالمهتدي :

  * هامش *  
 

( 3 ) سورة الإسراء : آية 97 . ( 4 ) سورة الرعد : آية 7 . ( 5 ) تفسير ابن كثير 2 / 776 ، تفسير الطبري 16 / 357 . ( * )

 

 

 ص 251

بأبي وأمي من شهدت وفاته * في يوم الاثنين النبي المهتدي

ووصفه بالهادي :

بالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل النبي رسول الرحمة الهادي

ووصفه بالمهدي :

ما بال عيني لا تنام كأنما * كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا " على المهدي أصبح ثاويا " * يا خير من وطء الحصى لا تبعد
( 1 )


هذا وقد وردت في بعض الأحاديث الشريفة كلمة المهدي وصفا " للإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - روى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال : قيل : يا رسول الله من يؤمر بعدك ، قال . . . . وإن تؤمروا عليا " - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هاديا " مهديا " ، يأخذ بكم الصراع المستقيم ( 2 ) .
 

وفي رواية إن تولوا عليا " تجدوه هاديا " مهديا " ، يسلك بكم الطريق المستقيم ( 3 ) .


وفي رواية عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن تستخلفوا عليا " - وما أراكم فاعلين ، تجدوه هاديا " مهديا " ، يحملكم على المحجة البيضاء ( 4 ) ولما استشهد مولانا الإمام الحسين بن علي ، وصفه الصحابي الجليل ، قائد التوابين بأنه مهدي ابن مهدي .

والكلمة في كل هذا بمعناها اللغوي الديني : رجل هداه الله فاهتدى ، ثم

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام 3 / 235 - 236 ( القاهرة 1368 ه‍ / 1949 م ) .
( 2 ) ابن الأثير : أسد الغابة 4 / 112 ( دار الشعب - القاهرة 1970 ) ، مسند الإمام أحمد 1 / 108 - 109 .
( 3 ) الحافظ أبو نعيم الأصفهاني : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1 / 64 ( دار الفكر - بيروت ) .
( 4 ) حلية الأولياء 1 / 64 . ( * )

 

 

 ص 252

نراها تأخذ معنى جديدا " ، وهو إمام منتظر ، يأتي فيملأ الأرض عدلا " ، كما ملئت جورا " .


وأما عن المهدي المنتظر من آل البيت ، فلقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى ، أنه كما كانت نجاة العالم من ظلمات الجاهلية على يد سيد أهل البيت سيدنا ومولانا وجدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان وجود أهل البيت في الأمة أمانا " لهم من

الخسف والنسف ، فإن صلاح العالم في آخر الزمان إنما سيكون - بإذن الله تعالى - على يد المهدي الذي يصطفيه الله - سبحانه وتعالى - من أهل بيت النبي الطاهرين المطهرين ، والذي تواترت الأحاديث واستفاضت عن خروجه في آخر الزمان

، ليملأ الأرض عدلا " ، كما ملئت جورا " ، قال صلى الله عليه وسلم ، المهدي منا ، يختم الدين ، كما فتح بنا . ورواه ابن حجر الهيثمي ( 1 ) في صواعقه .


وقال صاحب كتاب عون المعبود - شرح سنن أبي داود ، عند أول كتاب المهدي : واعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر العصور : أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل ، من أهل البيت ، يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، ويستولي على الممالك الإسلامية ، ويسمى بالمهدي .

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن حجر الهيثمي : هو أحمد بن علي بن حجر الهيثمي السعدي الأنصاري ، فقيه صوفي ، وباحث مصري ، ولد عام 909 ه‍ / 1504 م في محلة أبي الهيثم - وإليها نسب - بمحافظة الغربية ، درس في المسجد الأحمدي بطنطا ، ثم انتقل عام 924 ه‍ للدراسة في الأزهر

بالقاهرة ، حيث درس على كبار علماء عصره ، ثم أذن له بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين ، وفي عام 940 ه‍ انتقل إلى مكة ، وكان فيها إماما " للحرمين يدرس ويفتي ويؤلف ، وتوفي عام 974 ه‍ / 1567 م ، ودفن بالمصلاة بتربة الطبريين بمكة المكرمة ، وأهم

مصنفاته : الصواعق المحرقة ، ومبلغ الأرب ، والجوهر المنظم ، وتحفة المحتاج لشرح المنهاج في فقه الشافعية ، والخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان ، والفتاوى الهيثمية ( في أربع مجلدات ) ، وشرح مشكاة المصابيح للتبريزي ، والإمداد في شرح الإرشاد للمقري

، والزواجر عن اقتراف الكبائر ، والمنح المكية - شرح لهمزية البوصيري ، ( أنظر : دائرة المعارف الإسلامية 1 / 133 ،
خلاصة الأثر
2 / 166 ، آداب اللغة 3 / 334 ، مقدمة الصواعق المحرقة ص 7 - 8 ) . ( * )

 

 

 ص 253

ويكون خروج الدجال وما بعده - من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح - على أثره ، وأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل من بعده ، فيقتل الدجال ، أو ينزل معه ، فيساعده على قتله ، ويأتم بالمهدي في صلاته .


وهذا وقد خرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة -

منهم أبو داود ( 202 ه‍ / 817 م - 275 ه‍ / 888 م )
وابن ماجة ( 209 ه‍ / 824 م - 273 ه‍ / 886 م )
وأبو يعلى الموصلي ( 210 ه‍ / 825 م - 307 ه‍ / 1919 م )
والترمذي ( 210 ه‍ / 825 م - 279 ه‍ / 892 م )
والطبراني ( 260 ه‍ / 873 م - 360 ه‍ / 971 م )
والحاكم ( 321 ه‍ / 933 م - 404 ه‍ / 1014 م ) .

وقد أسندوها إلى جماعة من الصحابة - من أمثال الإمام علي ، وابن عباس ، وابن عمر ، وطلحة ، وعبد الله بن مسعود ، وعلي الهلالي ، وعبد الله بن الحارث بن جزء ، رضي الله عنهم أجمعين . وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف . وقد بالغ ابن خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها ، فلم يصب ، بل أخطأ .


وقال صاحب تحفة الأحوذي - بشرح جامع الترمذي ( باب ما جاء في المهدي ) - بعد أن نقل ما ذكرناه آنفا " من عون المعبود - إن الأحاديث الواردة في المهدي كثيرة جدا " ، ولكنها أكثرها ضعاف .


ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود ، الذي رواه الترمذي في هذا الباب ، لا ينحط عن درجة الحسن ، وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف ، فحديث ابن مسعود هذا - مع شواهده وتوابعه - صالح للاحتجاج بلا مرية ، وقد جاء فيه : عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي ، يواطئ اسمه إسمي - ثم قال الترمذي : وفي

 ص 254

الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة - وقال : هذا حديث حسن صحيح - . وقال القاضي الشوكاني ( 1 )


وفي الفتح الرباني : الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثا " ، وثمانية وعشرون أثرا " ، ثم سردها مع الكلام عليها ، ثم قال : وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر ، كما لا يخفى على من له فضل إطلاع ( 2 )


وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ، لطول الله ذلك اليوم ، حتى يبعث فيه رجلا " مني ، أو من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي ، واسم أبيه اسم أبي ، يملأ الأرض قسطا " وعدلا " ، كما ملئت ظلما " وجورا " .

وقال صلى الله عليه وسلم - في حديث سفيان - لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي ، ويواطئ اسمه إسمي .

وروى أبو داود بسنده عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : المهدي من عترتي من ولد فاطمة ( 3 ) .

ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال : هو حق - يعني المهدي - وهو من بني فاطمة ، وبطريق آخر قال : هو من ولد فاطمة ( 4 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) القاضي الشوكاني : هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ، ولد في 28 ذي القعدة عام 1172 ه‍ في بلدة هجرة شوكان ، وتوفي في 27 جمادى الآخرة سنة 1250 ه‍ ، درس الفقه على علماء عصره في صنعاء ، كما أخذ عنه كثيرون ، وكان تفقهه على مذهب الإمام زيد ، وبرع فيه وألف وأفتى ، حتى صار قدوة فيه ، وخلع ربقة التقليد ، وتحلى بمنصب الاجتهاد ( أنظر : مقدمة كتابه نيل الأوطار - الجزء الأول - ص - دار الكتب العلمية - بيروت ) .

( 2 ) أنظر : مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - قسم الحديث - المجلد الثالث ص 234 - 235 ( الرياض 1398 ه‍ / 1978 م ) .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 422 ، وانظر : الجامع الصغير للسيوطي 2 / 187 . ( 4 ) المستدرك للحاكم 4 / 557 . ( * )

 

 

 ص 255

ورواه الذهبي في ميزان الاعتدال ، وقال : المهدي من ولد فاطمة ( 1 ) .

وذكره السيوطي في تفسير سورة محمد من كتابه الدار المنثور في التفسير بالمأثور ، وقال : أخرجه أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة ( 2 ) .

وفي كنز العمال ( 3 ) عن علي عليه السلام قال : المهدي رجل منا ، من ولد فاطمة ، قال : أخرجه نعيم .

وفي رواية : إبشري يا فاطمة ، فإن المهدي منك ، قال : أخرجه ابن عساكر عن الإمام الحسين عليه السلام ( 4 ) .

وروى أبو داود بسنده عن أبي الطفيل عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو لم يبق من الدهر ، إلا يوم ، لبعث الله رجلا " من أهل بيتي ، يملؤها عدلا " ، كما ملئت جورا " ( 5 ) .

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من خلفائكم خليفة يحثو المال حثيا " ، لا يعده عددا " - وفي رواية ابن حجر : يحثي المال ( 6 ) .

وفي رواية عن أبي نضرة عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون في آخر الزمان خليفة ، يقسم المال ولا يعده ( 7 ) .

  * هامش *  
  ( 1 ) ميزان الاعتدال 2 / 24 .
( 2 ) فضائل الخمسة 3 / 331 .
( 3 ) كنز العمال 7 / 261 .
( 4 ) كنز العمال 6 / 218 ، وانظر أيضا " كنز العمال 7 / 259 .
( 5 ) سنن أبي داود 2 / 422 .
( 6 ) صحيح مسلم 18 / 39 .
( 7 ) صحيح مسلم 18 / 39 . ( * )
 

 

 ص 256

وروى أبو داود بسنده عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المهدي مني ، أجلي الجبهة ، أقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطا " وعدلا " ، كما ملئت ظلما " وجورا " ، ويملك سبع سنين ( 1 ) .


وفي رواية الحاكم في المستدرك المهدي من أهل البيت ، أشم الأنف ، أقنى أجلى ، يملأ الأرض قسطا " وعدلا " ، كما ملئت جورا " وظلما " ، يعيش هكذا - وبسط يساره ، وإصبعين من يمينه ، المسبحة والإبهام وعقد ثلاثة - قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ( 2 ) .


وفي رواية الإمام أحمد في المسند بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي ، أجلى أقنى ، يملأ الأرض عدلا " ، كما ملئت قبله ظلما " ، يكون سبع سنين ( 3 ) .


وفي تحفة الأحوذي عن أبي سعيد قال : خشينا أن يكون بعد نبينا حدث ، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن من أمتي المهدي ، يعيش خمسا " أو سبعا " أو تسعا " - زيد هو الشاك - قال : قلنا ؟ وما ذاك ؟ قال : سنين ، فيجئ إليه الرجل ، فيقول : يا مهدي أعطني ، فيحثي له في ثوبه ، ما استطاع أن يحمله ( 4 ) .


وروى الحاكم في المستدرك ( 5 ) على الصحيحين بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما " وجورا " أو عدوانا " ، ثم يخرج من أهل بيتي ، من يملأها قسطا " وعدلا " ، كما ملئت ظلما " وعدوانا " - قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) سنن أبي داود 2 / 422 ، وانظر : الجامع الصغير للسيوطي 2 / 187 .
( 2 ) المستدرك للحاكم 4 / 557 .
( 3 ) مسند الإمام أحمد 3 / 17 ، وانظر : عون المعبود بشرح سنن أبي داود 11 / 375 .
( 4 ) تحفة الأحوذي 6 / 487 ( باب ما جاء في المهدي ) .
( 5 ) المستدرك 4 / 557 . ( * )

 

 

 ص 257

وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي الصديق عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتملأن الأرض ظلما " وعدوانا " ، ثم ليخرجن من أهل بيتي أو قال من عترتي - من يملؤها قسطا " وعدلا " ، كما ملئت ظلما " وعدوانا " ( 1 ) .


وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي ، يواطئ اسمه اسمي ( 2 ) .


ورواه الإمام أحمد في المسند بعدة روايات ( 3 ) - كما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ( 4 ) .
 

وفي كنز العمال : يخرج رجل من أهل بيتي ، يواطئ اسمه إسمي ، وخلقه خلقي ، فيملأها عدلا " وقسطا " ، كما ملئت ظلما " وجورا " - قال : أخرجه الطبراني عن ابن مسعود ( 5 ) .
 

وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ، لطول الله ذلك اليوم ، حتى يبعث رجلا " من ولدي ، اسمه كإسمي ، فقال : سلمان : من أي ولدك يا رسول الله ؟ قال : من ولدي هذا ، وضرب بيده على الحسين عليه السلام ( 6 ) .


وفي المنتقى : عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يخرج في آخر الزمان

 

* هامش *

 
  ( 1 ) حلية الأولياء 3 / 101 - 102 .
( 2 ) صحيح الترمذي 2 / 36 .
( 3 ) مسند الإمام أحمد 1 / 376 ، 377 ، 430 ، 448 .
( 4 ) تاريخ بغداد 4 / 388 .
( 5 ) كنز العمال 7 / 188 .
( 6 ) ذخائر العقبى ص 136 . ( * )
 

 

 ص 258

رجل من ولدي ، اسمه كإسمي ، كنيته كنيتي ، يملأ الأرض عدلا " ، كما ملئت جورا " ، فذلك هو المهدي ( 1 ) .


وفي المنتقى عن علي أنه نظر إلى الحسن فقال : سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم ، يشبهه في الخلق ، ولا يشبهه في الخلق ، يملأ الأرض قسطا " ( 2 ) .


غير أن هناك روايات أخرى تجعل المهدي من ولد مولانا الإمام الحسين ، فلقد روي عن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر عن أبيه عن جده الإمام علي بن الحسين عليه السلام : أنه سئل عن المهدي ، فقال : هو من ولدي ( 3 ) .


ويقول ابن تيمية ( 1661 - 728 ه‍ / 1263 - 1328 م ) : وقول أمير المؤمنين ( الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة ) في أنه حسني لا حسيني صريح ، ذلك لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض بإسماعيل وإسحاق عليهما السلام ، وإن لم يكونا نبيين ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذهما بقوله أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان

وهامة ، ومن كل عين لامة ، ويقول : إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق ، وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب على المنبر -

  * هامش *  
 

( 1 ) الذهبي : المنتقي ص 533 ، ثم يقول : الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة ، رواها أحمد وأبو داود والترمذي ، منها حديث ابن مسعود مرفوعا " لو لم يبق من الدنيا ، إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي ، يواطئ اسمه اسمي ، واسم أبيه اسم أبي ، يملأ الأرض قسطا " وعدلا " ، كما ملئت جورا " وظلما " .

وأخرجه أبو داود الترمذي من حديث أم سلمة ، وفيه المهدي من عترتي ، من ولد فاطمة ، ورواه أبو داود عن طريق أبي سعيد ، وفيه يملك الأرض سبع سنين ، وأما حديث لا مهدي إلا عيسى بن مريم فضعيف ، فلا يعارض هذه الأحاديث ( المنتقى ص 533 - 534 ) .

( 2 ) المنتقى ص 34 ، وانظر : سنن أبي داود 4 / 423 - 424 .
( 3 ) الداعي إدريس بن عماد : تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب - تحقيق محمد اليعلاوي - بيروت 1985 ص 42 . ( * )

 

 

 ص 259

وإن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ( 1 ) .

فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق ، فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين ، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض ومغاربها ، كان من ذرية إسماعيل ، فكذلك الخليفة الراشد المهدي - الذي هو آخر الخلفاء - يكون من ذرية الحسن ( 2 ) .


وهكذا نرى أن المهدي ليس من اختراع الشيعة الإمامية أو الكيسانية - كما يزعم الزاعمون - وإنما هو من أقوال المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وأن علماء السلف من أهل السنة ، قد تنبأوا به .


روي عن عبد الله بن عباس ( ت 68 ه‍ 687 م - أو 69 ه‍ 688 م - أو 70 ه‍ / 689 ) أنه قال : لو لم يبق إلا يوم وليلة من الدنيا ، لخرج فيها المهدي ( 3 ) .
 

وعن محمد بن سيرين ( 33 - 110 ه‍ / 653 - 729 م ) ( 4 ) ، أنه قال : المهدي يعدل نبيا " .
 

وعن مجاهد ( 21 - 104 ه‍ / 642 - 722 م ) ( 5 ) ، بإسناده يرفعه ، وذكر * ( هامش ) *

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح البخاري 4 / 249 ، 5 / 32 .
( 2 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري - جدة 1984 ص 47 .
( 3 ) الداعي إدريس بن عماد : المرجع السابق ص 45 .

( 4 ) أنظر عن ابن سيرين ( الطبقات الكبرى 7 / 193 - 206 ، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3 / 280 - 281 ،
حلية الأولياء
2 / 263 - 282 ، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 69 - 70 تاريخ بغداد 5 / 331 - 338 ،
تذكرة الحفاظ
ص 77 - 78 ، تهذيب التهذيب لابن حجر 9 / 214 - 217 ، مرآة الجنان لليافعي 1 / 232 - 234 ،
 شذرات الذهب 1 / 138 ، الأعلام للزركلي 7 / 25 ، الفهرست لابن النديم ص 316 ) .

( 5 ) أنظر عن مجاهد ( الطبقات الكبرى 5 / 466 - 467 ، حلية الأولياء 3 / 279 - 310 ،
الإرشاد
لياقوت 6 / 242 - 243 ، ميزان الاعتدال للذهبي 3 / 9 ، تذكرة الحافظ ص 92 - 93 ، التهذيب =>

 

 

 ص 260

أخبار بمكان يكون ، ثم قال : يبعث قائم آل محمد في عصابة ، لهم أدق في أعين الناس من الكحل ، يفتح الله عليه مشارق الأرض ومغاربها ، ألا وهم المؤمنون حقا " ألا وإن خير الجهاد في آخر الزمان ( 1 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أنه لم ترو أحاديث عن المهدي في صحيحي البخاري ومسلم ، ولكن أخرجها أئمة آخرون في الحديث - كالترمذي وأبي داود والحاكم وابن ماجة - وهي أحاديث مسندة إلى الإمام علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأم سلمة .


ومن ثم فإن عدم إخراج البخاري - أو مسلم - لأحاديث المهدي ، جعل أهل السنة يختلفون في الاعتقاد بالمهدية ، فلا يشير إليه الإيجي في مواقفه ولا التفتازاني فيما ذكره من علامات الساعة ( 2 ) .


وقد جرح ابن خلدون رواة أحاديث المهدي في مقدمته ( 3 ) ، ومع ذلك فإنه يقول : إن جماعة من الأئمة خرجوا أحاديث المهدي - ومنهم الترمذي وأبو داود والبزاز وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي - وأسندوها إلى جماعة من

الصحابة - مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء - بأسانيد قد يعرض لها المنكر .

ثم يحاول ابن خلدون تضعيف الأحاديث التي وردت في المهدي ، ثم

  * هامش *  
 

=> لابن حجر ، 10 / 42 - 744 الأعلام للزركلي 6 / 161 ، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 45 ، المعارف لابن قتيبة ص 227 ، الفهرست لابن النديم ص 33 ، الرجال للقيسراني ص 510 ) .

( 1 ) الداعي إدريس بن عماد : المرجع السابق ص 46 .
( 2 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 ص 403 - 404 .
( 3 ) مقدمة ابن خلدون ص 311 - 330 ( دار القلم - بيروت 1981 ) . ( * )

 

 

 ص 261

يقول : وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفيناه قدر طاقتنا ، والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك : أنه لا تتم دعوة في الدين والملك ، إلا بوجود شوكة عصبية ، تظهره وتدافع عنه من يدفعه ، حتى يتم أمر الله فيه .


وقد قررنا ذلك بالبراهين القطعية ، وعصبية الفاطميين - بل وقريش أجمع - قد تلاشت من جميع الآفاق ، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش ، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبين ، من بني الحسن وبني

الحسين وبني جعفر ، وهم منتشرون في تلك البلاد ، وغالبون عليها ، وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون الآفاق من الكثرة ، فإن صح ظهور هذا المهدي ، فلا وجه لظهور دعوته ، إلا بأن يكون منهم ، ويؤلف الله

بين قلوبهم في إتباعه ، حتى تتم له شوكة وعصبية وافية ، بإظهار كلمته وحمل الناس عليها . وأما على غير هذا الوجه ، مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة ، إلا مجرد نسبة في أهل البيت ، فلا يتم ذلك ، ولا يمكن ، لما أسلفناه من البراهين الصحيحة ( 1 ) .


وفي العصر الحديث نرى الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام ، والنشاشيبي في الإسلام الصحيح ، يعدون أحاديث المهدي من الأساطير ، كما عده سعد محمد حسن أثرا " من آثار الشيعة ، التي تسربت إلى أهل السنة ، وعملت العقلية السنية فيها بالصقل والتهذيب .


غير أن موقف هؤلاء الباحثين ، إنما هو قائم على الزمن من ناحية ، حيث مر أربعة عشر قرنا " على ظهور الإسلام ، وعلى التفكير الوضعي الحديث ، الذي ينكر الحكم الثيوقراطي ( الديني ) من أساسه ، من ناحية أخرى ، غير أن هذا لا ينفي أنها كانت ، وربما لا تزال ، عقيدة في قلوب الكثيرين ، وأنه في عهود الظلم

  * هامش *  
 

( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 311 - 312 ، 327 - 328 . ( * )

 

 

 ص 262

والاضطراب السياسي والاجتماعي والديني والأخلاقي يتعلق الناس بفكرة مخلص مصلح ينتظرون خروجه وظهوره .

وقد شاع هذا الاعتقاد في انتظار المهدي عند بعض أهل السنة ، وإن لم يتقرر كأصل من أصول العقيدة ، كما هو الحال لدى الشيعة ، بعد أن تحدث فيه بعض علمائهم كالنكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار أصحاب الزمان والسيوطي في كتابه

العرف الوردي في أخبار المهدي ، وابن حجر العسقلاني في كتاب القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ويوسف بن يحيى الدمشقي في عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر ، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن عقيدة المهدي قد شغلت جزءا "

كبيرا " وهاما " من تفكير أهل السنة - جمهورهم وعلمائهم - فضلا " عما أسهم به الصوفية في نشر عقيدة المهدي هذه ، ومن المعروف أن للصوفية أثرا " بالغا " في جمهور المسلمين .


ولقد شارك في الاعتقاد بالمهدية فريق من أهل السنة ، كان أحرى بحكم عدائه التقليدي للشيعة أن يستنكر عقيدة المهدي ، استنكاره لسائر عقائد الشيعة - وأعني به الإمام ابن تيمية زعيم المذهب السلفي - ولكن ابن تيمية إنما يعتقد بصحة الحديث الذي رواه ابن عمر ( 1 ) .


يقول ابن تيمية :فأما المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، الحافظون لها ، الباحثون عنها ، وعن رواتها ، مثل أبي داود والترمذي وغيرهما ، ورواه الإمام أحمد في مسنده .


فعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا " من أهل بيتي ، يواطئ اسمه إسمي ، واسم أبيه اسم أبي ، ويملأ الأرض قسطا " وعدلا " ، كما ملئت ظلما " وجورا " .

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 404 - 405 . ( * )

 

 

 ص 263

وروى في هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : المهدي من ولد ابني هذا ، وأشار إلى الحسن ( 1 ) .


على أن الزيدية من الشيعة إنما ترى أن المهدية لا تنفصل في مفهومها عن الإمامة ذاتها ، فكل فاطمي شجاع ، عالم زاهد ، يخرج بالسيف ، يدعو إلى الحق ، فهو إمام ومهدي في آن واحد ، دون اعتقاد في المهدية بالمفهوم الذي يفيد انتظار محرر أو مخلص مبعوث من الله ، وكل أئمة الزيدية ، كزيد وولده يحيى ومحمد النفس الزكية مهديون ( 2 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ص 46 . ( 2 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 405 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب