|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 232 - |
5 - التقية عند الشيعة :
لقد بدأت محنة الشيعة الحقيقية منذ استشهاد سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة وما تلاه من تنازل سيدنا الإمام الحسن بن
علي ، رضي الله عنه ، لمعاوية بن أبي سفيان في عام 41 ه ( 661 م ) ، والذي
سموه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر
، وجبرية وغلبة ، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا " كسرويا " ، والخلافة
غضبا " قيصريا " ، بعد أن استولى معاوية على الملك ، واستبد على بقية الشورى ،
وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين ( 2 ) .
وعلى أية حال ، فلقد كان من شروط الصلح الذي عقد بين الإمام الحسن
| |
* هامش * |
|
| |
( 2 ) تقي الدين المقريزي : كتاب النزاع
والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم - رسالة الجاحظ في بني
أمية - تحقيق الدكتور حسين مؤنس - دار المعارف - القاهرة 1988 ص 124 .
( * )
|
|
|
ومعاوية : الأمان العالم ، وعدم التعرض بأي سوء لأنصار الإمام
علي بن أبي طالب على الخصوص ، وأنصار آل البيت بوجه عام .
غير أن معاوية بن أبي سفيان إنما جعل من أهدافه الرئيسية ،
القضاء على هذه الطبقة المؤمنة بحق آل البيت ، وقد لاقى أنصار أهل البيت من
الأذى والاضطهاد ما تنوء بحمله الجبال ، وكان أشدهم بلاء ، وأعظمهم محنة أهل
الكوفة ، فلقد استعمل
معاوية على الكوفة ، بعد هلاك المغيرة ، زياد بن أبيه - بعد
أن نسبه إلى أبي سفيان - وكان بهم عليما " ، وإنه - ويا للعجب - فقد كان قبل
استلحاقه بأبي سفيان ، واحدا " منهم ، فأشاع فيهم القتل ، وشردهم ، وأن معاوية
كتب إلى عماله : انظروا إلى من قامت على البينة ، أنه يحب عليا " وأهل بيته ،
فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه .
وروى ابن أبي الحديد ( 586 - 656 ه / 1190 -
1257 م ) أن معاوية كتب إلى عماله : أن برئت الذمة ممن يروي شيئا " في فضائل
علي وأهل بيته ، وأن لا يجيزوا للشيعة شهادة ، وأن يمحوا كل شيعي من ديوان
العطاء ، وينكلوا به ، ويهدموا
داره ( 1 ) ، وامتثل العمال لأمر سيدهم ، فقتلوا الشيعة
وشردوهم ، وقطعوا الأيدي ، وسملوا الأعين ، وصلبوهم في جذوع النخل . وزاد الضغط
- بعد معاوية ( 41 - 60 ه / 661 - 680 م ) أضعافا " ، خاصة في عهد عبيد الله
بن زياد قاتل
الإمام حسين وأهل بيته في مذبحة كربلاء ، وفي عهد الحجاج
الثقفي ، هادم الكعبة المشرفة ، قتلت الشيعة كل قتلة ، وأخذوا بكل ظنة وتهمة ،
حتى أن الرجل ليقال عنه زنديق - أو حتى كافر - أحب إليه ، من أن يقال له شيعي .
وفي ذلك يقول الإمام محمد الباقر - رضوان الله
عليه - وقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر
بحبنا ، أو
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة
11 / 44 - 45 ( بيروت 1967 ) . ( * )
|
|
|
الانقطاع إلينا ، سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ( 1 ) ،
وهكذا أصبحت مودة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - والتي
أمر الله بها في كتابه الكريم ، حيث يقول * ( قل لا
أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى ) * ( 2 ) - أصبحت هذه المودة
- على أيام بني أمية - كفرا " وإلحادا " ، ومروقا " عن الدين .
وهكذا ما أن استقرت الأمور لمعاوية ، وخلا الميدان إلا منه ، حتى أخذ ينتقم شر
انتقام من أنصار الإمام علي وآل البيت الطاهرين ، ففريق روع في ظلمات السجون ،
وبقي فيها يلاقي الأمرين ، حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى - كما حدث مع
محمد بن أبي حذيفة - وفريق شرد في الأرض ، حتى مات منفيا " عن
وطنه وأهله - كما حدث مع صعصعة بن صوحان - وفريق قتل صبرا " في الإسلام - من
أمثال عمرو بن الحمق ، وحجر بن عدي - .
وتصور محنة حجر بن عدي ( 3 ) وأصحابه محنة ،
امتحن بها زياد بن أبيه ، الإسلام والمسلمين ، وشاركه معاوية في هذا الامتحان ،
فتركت في نفوس المعاصرين لها أقبح الأثر وأشنعه ، وكانت صدمة عنيفة لمن بقي من
خيار الناس في تلك الأيام
وكان الناس يقولون : أول ذل دخل الكوفة موت الحسن
بن علي ، وقتل حجر ، ودعوة زياد ، وكان الإمام الحسن البصري يقول : أربع خصال
كن في معاوية ، لو لم تكن فيه إلا واحدة ، لكانت موبقة ، انتزاؤه على هذه الأمة
بالسفهاء ، حتى ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة وذو
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد بيومي مهران : الإمام الحسن بن علي
ص 119 - 120 ( بيروت 1990 ) .
( 2 ) سورة الشورى : آية 23 .
( 3 ) أنظر عن محنة حجر بن عدي وأصحابه ( محمد بيومي مهران :
الإمام الحسن بن علي ص 119 - 129 ،
تاريخ الطبري 5 / 253 - 285 ، ابن الأثير
: الكامل في التاريخ 3 / 472 - 488 ،
أسد الغابة 1 / 461 - 462 ، ابن حجر
العسقلاني : الإصابة في تمييز الصحابة 1
/ 314 - 315 ، ابن عبد البر : الإستيعاب
1 / 356 - 359 ، العقاد : معاوية بن أبي سفيان
في الميزان ص 108 - 110 ، ابن كثير :
البداية والنهاية 8 / 54 - 60 ) . ( * )
|
|
|
الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا " خميرا " ، يلبس الحرير
، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا " ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا " ، ويلا " له من حجر ، مرتين ( 1 )
.
وكانت السيدة عائشة ، رضي الله عنها ، تقول :
لولا أنا لم نغير شيئا " ، إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه ، لغيرنا
قتل حجر ، أما والله ، إنه كان ما علمت لمسلما " حاجا " معتمرا " ( 2 ) .
وروى ابن عبد البر في الإستيعاب عن مسروق بن
الأجدع قال : سمعت عائشة أم المؤمنين تقول : أما والله لو علم معاوية أن عند
أهل الكوفة منعة ، ما اجترأ على أن يأخذ حجرا " وأصحابه من بينهم ، حتى يقتلهم
بالشام ، ولكن ابن آكلة الأكباد علم أن قد ذهب الناس ، أما والله ، إن كانوا
لجمجمة العرب ، عزا " ومنعة وفقها " ( 3 ) .
وأما الصحابي الجليل عمرو بن الحمق ، وكان أسلم
قبل الفتح ، وكان مقربا " من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد دعا له أن يمتعه
بشبابه ، فبلغ الثمانين من العمر ، ولم تبيض له شعرة واحدة ، ودعا له أمير
المؤمنين علي بقوله اللهم نور قلبه بالتقوى ، واهده إلى صراطك المستقيم ( 4 ) .
وكان عمرو بن الحمق من شيعة الإمام علي ، وشهد معه مشاهده كلها ( الجمل - صفين
- النهروان ) ( 5 ) ، وروى عنه ، رضي الله عنه ، أنه قال للإمام علي : والله يا
أمير المؤمنين ، إني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ، ابن كثير :
البداية والنهاية 8 / 141 ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 3 / 487 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ،
الكامل لابن الأثير 3 / 287 .
( 3 ) ابن عبد البر : الإستيعاب في معرفة
الأصحاب 1 / 358 ( مصور عن الطبعة الأولى 1328 ه ) .
( 4 ) محمد جواد مغنية : الشيعة والحاكمون
ص 80 ( دار الجواد - بيروت 1981 م ) .
( 5 ) ابن الأثير : أسد الغابة 4 / 217 -
218 ( كتاب الشعب - القاهرة 1970 ) . ( * )
|
|
|
وبينك ، ولا إرادة مال تؤتينه ، ولا التماس سلطان ترفع ذكري
به ، ولكنني أحببتك بخصال خمس : أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ووصيه ، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسبق
الناس إلى الإسلام،
وأعظم المهاجرين سهما " في الجهاد ، فلو أني كلفت نقل الجبال
الرواسي ، ونزح البحور الطوامي ، حتى يأتي علي يومي
في أمر أقوي به وليك ، وأهين عدوك ، ما رأيت أني قد أديت فيه
كل الذي يحق علي من حقك . فقال علي عليه السلام : اللهم نور قلبه بالتقى ،
واهده إلى صراطك المستقيم ، ليت أن في جندي مائة مثلك ، فقال حجر : إذا والله
يا أمير المؤمنين ، صح جندك ، وقل فيهم من يغشك ( 1 ) .
وكان عمرو بن الحمق قد خاف زيادا " ، فهرب من العراق إلى الموصل، واختفى في غاب
بالقرب منها ، فأرسل معاوية إلى عامله بالموصل - وهو ابن أخته عبد الرحمن بن أم
الحكم - فوجده ميتا " في غار كان قد اختبأ به ، وقد نهشته حية فمات.
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده إلى أبي
زكريا قال : أنبأنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثني علي بن المديني ، حدثنا سفيان قال
: سمعت عمار الذهبي - إن شاء الله - قال : أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن
الحمق إلى معاوية ، قال سفيان : أرسل معاوية ليؤتى به ، فلدغ ، وكأنهم خافوا أن
يتهمهم ، فأتوا برأسه ( 2 ) .
وروى محمد بن علي الصواف عن الحسين بن سفيان عن
أبيه عن شمير بن سدير الأزدي قال : قال علي عليه السلام لعمرو بن الحمق الخزاعي
: أين نزلت يا عمرو ؟ قال : في قومي ، قال : لا تنزل فيهم ، قال : فأنزل في بني
كنانة جيراننا ؟ قال : لا ، قال : فأنزل في ثقيف ؟ قال : فما تصنع بالمعرة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة
3 / 181 - 182 ،
وانظر : نصر بن مزاحم المنقري : وقعة صفين
- تحقيق عبد السلام هارون ص 103 - 104 ( ط الخانجي 1401 ه /
1981 م ) .
( 2 ) أسد الغابة 4 / 217 - 218 . ( * )
|
|
|
والمجرة ؟ قال : وما هما ؟ قال : عنقان من نار ، يخرجان من
ظهر الكوفة ، يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل ، فقلما يفلت منه أحد ، ويأتي
العنق الآخر ، فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة ، فقل من يصيب منهم ، إنما
يدخل الدار فيحرق
البيت والبيتين ، قال : فأين أنزل ؟ قال : إنزل في بني عمرو
بن عامر، من الأزد . قال : فقال قوم حضروا هذا الكلام ما نراه إلا كاهنا "
يتحدث بحديث الكهنة ، فقال : يا عمر ، إنك لمقتول بعدي وإن رأسك لمنقول ، وهو
أول رأس ينقل في الإسلام ،
والويل لقاتلك ، أما إنك لا تنزل بقوم ، إلا سلموك برمتهم ،
إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الأزد ، فإنهم لن يسلموك ولن يخذلوك ، قال
: فوالله ما مضت إلا أيام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض أحياء
العرب ،
خائفا " مذعورا " ، حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه ،
فقتل وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام ، وهو أول رأس حمل في الإسلام من
بلد إلى بلد ( 1 ) .
وروى أيضا "بسنده عن الحكم بن موسى عن يحيى بن
حمزة عن إسحاق بن أبي فروة عن يوسف بن سليمان عن جدته قالت : كانت تحت عمرو بن
الحمق آمنة بنت الشريد فحبسها معاوية في سجن دمشق زمانا "، حتى وجه إليها رأس
عمرو بن الحمق
، فألقي في حجرها ، فارتاعت لذلك ، ثم وضعته في حجرها ، ووضعت
كفها على جبينه ، ثم لثمت فاه ، ثم قالت : غيبتموه عني طويلا " ، ثم أهديتموه
إلي قتيلا "، فأهلا " بها من هدية ، غير قالية ولا مقيلة . وقيل : بل كان عمرو
مريضا " لم يطق الحركة ، وكان معه رفاعة بن شداد ، فأمره بالنجاة لئلا يؤخذ معه
، فأخذ رأس عمرو ، وحمل إلى معاوية بالشام ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 2 / 289 - 290 .
( 2 ) أسد الغابة 4 / 218 . ( * )
|
|
|
واستمر القتل والتشريد للشيعة ، وكانت التقية جنة تقي من
الموت ، وسبيلا " إلى الحياة ، بعد أن صار مبدأ الدولة لا صلاة إلا بلعن أبي
تراب ( أي لا صلاة إلا بلعن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب ، والعياذ بالله ) ،
ولم تكن التقية من أهل الكوفة
شيعية ، وإنما كانت عرفا " إنسانيا " ، أقره الإسلام في
القرآن ، وجعل أولياء الإمام علي وأنصاره ، يمدون في أعمارهم بالبراءة من
الإمام علي ( 1 ) ، وكان ميدان البطولة ، مغلقا " في ظل ذلك الطغيان ، الذي
أعقب تنازل سيدنا الإمام الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ، سنة 41 ه /
661 م ، وخلو الجو للخصوم يفعلون فيه ما يشاؤون ( 2 ) .
وهكذا كانت الشيعة منذ بداية الحكم الأموي في اضطهاد وأذى ، وأئمة آل البيت
يحصى عليهم كل شئ ، ومن دعا إلى الحق منهم اعتورته السيوف ، وما كان يسوغ أن
يسكتوا عن مظالم الأمويين ، لولا التقية ، وقد دفعهم إلى التقية ذلك الأذى الذي
يتعرضون له ، وما كان يترتب على الخروج من فتن تظهر فيها مفاسد ، ثم يشتد بعدها
الطغيان .
ولذلك كانت الشيعة أكثر المسلمين أخذا " بمبدأ التقية ، وقالوا : إن الترخيص
بها ، بل الحث عليها ، جاء على ألسنة أئمتهم ، رضوان الله عليهم أجمعين ، وقد
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) قال الإمام علي : فأما السب فسبوني ، فإنه لي زكاة ، ولكم نجاة ،
وأما البراءة فلا تتبرأوا مني ، وقد تساءل كثيرون : لماذا أجاز السب ،
ومنع التبرؤ ، فقالت المعتزلة : لا فرق بينهما في أنهما حرام وفسق
وكبيرة ، وأن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه
، كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف ، ويجوز أن لا يفعلهما حتى
وإن قتل ، كما يجوز له أن يقتل ولا يقول كلمة الكفر ، وذلك إعزازا "
للدين ، وأما استفحاش الإمام علي للبراءة ، فلأنها لم ترد في القرآن
إلا عن المشركين ، كما في سورة التوبة ،
وأما الإمامية فتروي عن الإمام علي أنه قال : إذا عرضتم على البراءة
منا ، فمدوا الأعناق ، إنه لا تجوز البراءة من الإمام علي ، وإن كان
الحالف صادقا " ، وعليه الكفارة .
ويقول الإمامية : إن حكم البراءة من الله ورسوله والإمام علي ومن أحد
الأئمة عليهم السلام ، حكم واحد . وبقول الإمامية : إن الإكراه على
السب يبيح إظهاره ، ولا يجوز الاستسلام للقتل معه ، وأما الإكراه على
البراءة ، فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل ، ويجوز أن يظهر التبرؤ ،
والأولى أن يستسلم للقتل ( شرح نهج البلاغة
4 / 113 - 114 ) .
( 2 ) كامل الشيبي : التقية - مجلة كلية
الآداب جامعة الإسكندرية - العدد 16 عام 1962 ص 240 . ( * )
|
|
|
نسبوا للإمام علي عليه السلام ، أنه أجازها ، بل أمر بها ،
فقد روى الطبرسي أنه قال : وآمرك أن تستعمل التقية في دينك . . . وتصون بذلك من
عرف من أوليائنا ، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك ، وتنقطع به عن عمل في
الدين ، وصلاح إخوانك المؤمنين ، وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها
، فإنك شاحط بدمك ودماء إخوانك ( 1 ) .
غير أن الشيعة سرعان ما نهضوا بعد استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل بيته ( عام
61 ه / 680 م ) فيما عرف باسم حركة التوابين عام 65 ه بقيادة الصحابي الجليل
سليمان بن صرد ، وكانوا يرددون الآية الكريمة * ( فتوبوا
إلى بارئكم فاقتلوا
أنفسكم ذلك خير لكم ) * ( 2 ) ،
ولسان حالهم يقول : أقلنا ربنا تفريطنا فقد تبنا ، ولقد أبدوا من ضروب الشجاعة
، التي كانت التقية حصرتها في أنفسهم ، ما صار مدعاة لإعجاب أعدائهم بهم ،
فسمحوا لهم - من بعد هزيمتهم - أن يرتحلوا ويلحقوا بأمصارهم ( 3 ) .
وأما سعيد بن جبير رضي الله عنه ، فقد قتله الحجاج الثقفي ، ( 40 - 95 ه / 660
- 714 م ) بسبب حبه لآل البيت ( 4 ) ، ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن حركة
التوابين إنما يبررها قول الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين (
57 ه / 676 م - 114 ه / 732 م ) جعلت التقية ليحقن بها الدم ، وإذا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد أبو زهرة : الإمام الصادق ص
241 - 242 .
( 2 ) سورة البقرة : آية 52 .
( 3 ) كامل الشيبي : المرجع السابق ص 241 ، وانظر عن حركة التوابين (
تاريخ الطبري 5 / 551 - 563 ،
ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 175
- 189 ، المسعودي : مروج المذهب 2 / 83 -
86 ، ابن الأثير : أسد الغابة 2 / 449 -
450 ،
ابن حجر العسقلاني : الإصابة في تمييز الصحابة
2 / 75 - 76 ، ابن عبد البر : الإستيعاب في
معرفة الأصحاب 2 / 63 - 65 ،
ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 271 -
276 ، محمد بيومي مهران : الإمام الحسين بن علي
ص 191 - 193 ) .
( 4 ) أنظر ( ابن الأثير : الكامل في التاريخ
4 / 579 - 580 ، حلية الأولياء 4
/ 290 - 295 ، ابن كثير : البداية والنهاية
9 / 109 - 110 ، محمد بيومي مهران :
الإمام علي زين العابدين ص 128 - 131 ) . ( * )
|
|
|
بلغ الدم فليس تقية ( 1 ) ، وقوله التقية ديني ودين آبائي ( 2
) ، وهذا قول صحيح ، ما في ذلك من ريب ، وذلك لأن التقية إنما هي دين القرآن ،
ومن ثم فهي دين النبي صلى الله عليه وسلم ، جد الإمام الباقر ( 3 ) .
هذا وقد رويت عبارات كثيرة عن سيدنا الإمام جعفر الصادق ( 80 ه / 699 م - 148
ه / 765 م ) ، تدعو إلى التقية ، وتحث عليها ، فإنه يروي أنه قال التقية ديني
ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له ، وإن المذيع لأمرنا كالجاحد به ،
وروى عنه أنه قال لجماعة من أصحابه كان يحدثهم : لا تذيعوا
أمرنا ، ولا تحدثوا به أحدا " ، إلا أهله ، فإن المذيع علينا سرنا ، أشد مئونة
من عدونا ، انصرفوا رحمكم الله ، ولا تذيعوا سرنا ، وروى عنه أنه قال : نفس
المهموم لظلمنا تسبيح ، وهمه لنا عبادة ، وكتمانه سرنا جهاد في سبيل الله .
وهكذا - كما يقول العلامة الشيخ محمد أحمد أبو زهرة ( 1898 - 1974 م ) عن
الإمام جعفر الصادق في التقية وهي تحتاج إلى تفسير ، فأما معنى ديني ودين آبائي
أي مبدؤنا ومبدأ آبائنا ، وقد اتخذناه على أنه دين لكي نمتنع عن الجهد بما نراه
في
حكام الزمان ، حتى لا تكون فتنة وفساد كبير ، إذ النفوس ليست
مهيأة للنصرة ، ولعل هذا إنما يفيد أن التقية التي دعا إليها الإمام الصادق
إنما قد دفع إليها أمران .
أحدهما : دفع الأذى ، ومنع
المخاطر ، التي يتعرض لها المؤمن من غير قوة دافعة مانعة ، فيكون الأذى حيث لا
جدوى ، وبذلك تتلاقى التقية مع الجهاد ، فالجهاد مع أعداء الإسلام ، وحيث يكون
واجبا " لنصرة الإسلام ، وحيث يكون الاستعداد قد تم ، والأهبة قد أخذت ، كما
فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ، عندما صار للإسلام شوكة وقوة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أصول الكافي ص 206 .
( 2 ) أصول الكافي ص 205 .
( 3 ) كامل الشيبي : المرجع السابق ص 243 . ( * )
|
|
|
والتقية حيث يكون اليقين بأن الانتفاض لا يجدي ، وخصوصا "
عندما يكون المؤمن بين المخذلين ، لأن الخروج عندئذ ضرره أكبر من نفعه ، لا
يرفع حقا " ، ولا يخفض باطلا " ، إذ يلقى من خرج إلى التهلكة وتكون الفتنة
والفساد ، ويكون الظلم
والشر المستطير ، إذا يقوى الظالم ويستمكن ، وبهذا التقرير
يكون للجهاد موضع ، وللتقية مثله ، وكلاهما يكون لحماية الحق ، الجهاد لحمايته
بإعلانه ، وضرب الباطل ، والتقية لحمايته بتمكين أهل الحق من الحياة ، رجاء
الإعلان في ميقاته المعلوم .
والثاني : وكان الأمر الثاني الذي دفع إلى التقية
، هو ما رآه من استعلاء الباطل ، إذا أعلن الحق ، وقد ظهر ذلك في مقتل مولانا
الإمام الحسين عليه السلام ، وفي مقتل الأئمة : زيد بن علي ومحمد النفس الزكية
وإبراهيم أخيه .
وعلى أية حال ، فليس هناك من ريب في أنه كان للتقية في عصر الإمام الصادق، وما
جاء بعده ، وهي كانت مصلحة للشيعة ، وفيها مصلحة للإسلام ، لأنها كانت مانعة من
الفتن المستمرة ، وإن موضوعها كان إعلان التشيع ، فكانت التقية أن لا يعلن
المتشيع تشيعه ، ولا يظهر من أعماله ما يدل على موالاته لآل
الإمام علي ، موالاة ولاية ، لا موالاة محبة ، فالمحبة كانت واضحة من بعض
الشعراء ، ومن بعض العلماء ، ولكنها في مظهرها محبة تقدير ، لا محبة ولاية ،
كما ظهر من محبة
الفرزدق ( 641 - 733 م ؟ ) لآل البيت ، وكثير عزة ، ( ت 723 م
) وكما ظهر من محبة الإمام أبي حنيفة للأئمة الكرام : زيد والباقر والصادق ،
فتلك كانت محبة ظاهرة ، وإن لم تكن تشيعا "
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد أبو زهرة : الإمام الصادق ص
243 - 244 . ( * )
|
|
|
|