|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 168 - |
عاشرا " : الإمامة عند
الشيعة الإمامية
يقول سيدنا الإمام علي بن موسى الرضا ( 148 - 203 ه / 765 - 818 م ) : إن
الإمام زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعز المؤمنين ، إن
الإمامة أس الإسلام النامي ، وفرعه السامي ، وبالإمام توفير الفئ والصدقات ،
وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحل
حلال الله ، ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى
سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجة البالغة ، وهو الأمين الرفيق ،
والوالد الرقيق ،
والأخ الشفيق ، ومفزع العباد ، أمين الله في أرضه ، وحجته على
عباده ، وخليفته في بلاده ، الداعي إلى الله ، والذاب عن حرم الله ، عز
المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين ( 1 ) .
وفي رواية الكليني ( أبو جعفر بن محمد بن يعقوب
بن إسحاق الكليني - المتوفى 328 ه ( 939 م ) ، قال الإمام الرضا : إن الإمام
زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعز المؤمنين إن الإمامة أس
الإسلام النامي ، وفرعه السامي ،
بالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وتوفير الفئ
والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحل حلال
الله ، ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) السيد حسين يوسف مكي : عقيدة الشيعة في
الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 38 - 39 ( دار الزهراء - بيروت
1407 ه / 1987 م ) الكليني : كتاب أصول الكافي
ص 96 - 97 ( فارس 1281 ه ) ، عطية مصطفى مشرفة :
نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين ( 358
- 567 ه / 968 - 2271 م ) ص 77 دار الفكر العربي - القاهرة 1367 ه /
1948 م ) . ( * )
|
|
|
سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجة البالغة ، الإمام
كالشمس الطالعة ، المجللة بنورها العالم ، وهي في الأفق ، بحيث لا تنالها
الأيدي والأبصار . الإمام البدر المنير ، والسراج الظاهر ، والنور الساطع ،
والنجم الهادي . . .
الإمام المطهر من الذنوب ، والمبرأ من العيوب ، المخصوص
بالعلم ، المرسوم بالحلم . . . معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعبادة ،
مخصوص بدعوى الرسول ، ونسل المطهرة البتول . . . فهو معصوم مؤيد ، موفق مسدد ،
قد أمن من الخطأ والزلل والعثار ، يخصه الله بذلك ، ليكون حجته على عباده ،
وشاهده على خلقه ( 1 ) .
ويقول الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق ( 80 - 83
ه / 699 - 703 م - 148 ه / 765 م ) : إن الله - عز وجل - أعظم من أن يترك
الأرض بغير إمام عادل ، إن زاد المؤمنون شيئا " ردهم ، وإن نقصوا شيئا " أتمهم،
وهو حجة الله على عباده ( 2 ) .
والإمامة - عند الشيعة الإمامية -
رياسة عامة في أمور الدين والدنيا ، لشخص من الأشخاص ، نيابة عن النبي صلى الله
عليه وسلم ( 3 ) ومن ثم فإن الناس متى كان لهم رئيس ، منبسط اليد ، قاهر عادل ،
يردع المعاندين ، ويقمع المتغلبين ، وينتصف
للمظلومين من الظالمين ، اتسقت الأمور ، وسكنت الفتن ، وردت
المعائش ، وكان الناس - مع وجوده - إلى الصلاح أقرب ، ومن الفساد أبعد ، ومتى
خلوا من رئيس - صفته ما ذكرناه - تكدرت معائشهم وتغلب القوي على الضعيف ،
وانهمكوا في
المعاصي ، ووقع الهرج والمرج ، وكانوا إلى الفساد أقرب ، ومن
الصلاح أبعد ، وهذا أمر لازم لكمال العقل ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الكليني : كتاب أصول الكافي ص 84 -
86 .
( 2 ) أنظر : الجزائري : المبسوط في إثبات إمامة
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 9 ( ط الحيدرية - النجف 1954 م
) ، البرسي : مشارق أنوار اليقين ص 162 (
دار الفكر - بيروت 1384 ه ) .
( 3 ) الطوسي : تلخيص الشافي 1 / 201 (
النجف 1965 م ) .
( 4 ) المفيد : النكت الاعتقادية ص 39 (
بغداد 1343 ه ) . ( * )
|
|
|
وترى الشيعة الإمامية أن النبوة
لطف ( 1 ) ، ولما كانت الإمامة لطفا " ( 2 ) ، فلذلك كل ما دل على وجوب النبوة
، فهو دال على وجوب الإمامة ، خلافة عن النبوة ، قائمة مقامها ، إلا من تلقى
الوحي الإلهي بلا واسطة ( 3 ) .
وترى الشيعة الإمامية عهد من
إلى الأئمة ، وتستدل على ذلك بقول مولانا الإمام جعفر الصادق ، رضي الله عنه ،
: أترون أن الوصي منا ، يوصي إلى من يريد ؟ لا ، ولكنه عهد من الله ورسوله لرجل
فرجل ، حتى ينتهي الأمر صاحبه ( 4 ) . هذا وترى كذلك أن الإمامة بالنص من الله
ورسوله ، وأن الأئمة منصوص عليهم ( 5 ) .
على أن الجويني إنما يعارض ذلك ، فيقول : ذهبت الإمامية إلى أن النبي صلى الله
عليه وسلم ، إنما قد نص على علي رضي الله عنه في الإمامة ، وتولي الزعامة ، ثم
تحزبوا أحزابا " .
فذهبت طوائف منهم إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على
خلافة الإمام علي علي رؤوس الأشهاد ، نصا " قاطعا " ، لا يتطرق إليه مسالك
الاجتهاد ، ولا يتعرض له سبيل الاحتمالات ، وتقابل الجائزات ، وشفي من محاولة
البيان كل غليل ، واستأصل مسلك كل تأويل .
وليس ذلك النص مما نقلته الأثبات ، والرواة الثقات ، من الأخبار التي تلهج بها
الآحاد ، وينقلها الأفراد ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه ( 6 )
فعلي
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المفيد : النكت الاعتقادية ص 47 ،
المرتضى : الشافي ص 2 ، الطوسي :
فصول العقائد ص 36 .
( 2 ) السبوري : النافع يوم الحشر ص 62 (
قمم 1367 ه ) .
( 3 ) الكليني : الكافي 1 / 227 .
( 4 ) نبيلة عبد المنعم داود : نشأة الشيعة
الإمامية - بغداد 1968 ص 311 - 312 .
( 5 ) الجويني : الغياثي ص 27 - 30 .
( 6 ) أنظر عن حديث الموالاة هذا ( الإمام ابن حنبل :
فضائل الصحابة 2 / 598 - 599 ، صحيح
=>
|
|
|
مولاه ، وقوله صلى الله عليه وسلم ، لعلي : أنت مني بمنزلة
هارون من موسى ( 1 ) ، إلى غيرها .
وذهب فريق من الزيدية إلى أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ما نص على معين في الخلافة ، ولكنه صلى الله عليه وسلم ، ذكر
بالمرامز والملامح والمعاريض والصرايح ، الصفات التي تقتضي الإمامة استجماعها ،
فكانت متوافية في الإمام علي ، دون من عداه وسواه ، فضلت الأمة ، إذ وضعت
الإمامة فيمن لم يتصف بتلك الصفات ، ولم يتسم بتلك السمات .
وعلى أية حال ، فسرعان ما تشوفت طائفة من أهل السنة إلى ادعاء النص على أبي بكر
، رضي الله عنه ، وذهبت طائفة أخرى - عرفوا بالعباسية - إلى الزعم بأن النبي
عليه السلام ، إنما نص على عمه العباس وخصصه بالإمامة من دون الناس ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
=>
الترمذي 2 / 298 ،
صحيح ابن ماجة ص 12 ، المستدرك
للحاكم 2 / 129 ، 3 / 109 - 110 ، 116 ، 533 ، 371 ،
كنز العمال 1 / 48 ، 6 / 83 ، 397 ،
تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54 ( أحاديث أرقام : 60 ، 66 ، 67
، 68 ، 69 ، 70 ، 71 ، 72 ، 73 ، 74 )
مسند الإمام أحمد 4 / 372 ، 4 / 281 ،
الرياض النضرة 2 / 226 ،
أسد الغابة 1 / 374 ، 3 / 139 ، 171 ، 4 / 108 ، 6 / 252 ،
مجمع الزوائد 9 / 104 ، 105 ، 106 ، 107 ، 108 ، 119 ، 116 ،
مشكل الآثار 2 / 307 ، مسند الطيالسي
1 / 23 ، فيض القدير 6 / 217 .
وقال ابن حجر : وهذا حديث كثير الطرق جدا " ، استوعبها ابن عقدة في
كتاب مفرد ، وسنعود لهذا الحديث بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة .
( 1 ) أنظر عن حديث المنزلة هذا ( صحيح البخاري
5 / 24 ، 6 / 3 ، صحيح مسلم 15 / 173 -
176 ،
تهذيب الخصائص للنسائي ص 19 - 20 ، 28 ، 29 ، 39 ، 40 ، 41 ، 42
، 43 ، 44 ، 45 ، 46 ، 47 ، ( أحاديث أرقام 8 ، 9 ، 31 ، 41 ، 42 ، 43
، 44 ، 45 ، 46 ، 47 ، 48 ، 49 ، 50 ، 51 ، 52 ، 53 ، 54 ، 55 ، 56 ،
57 ، 58 ، 112 )
الإمام ابن حنبل : فضائل الصحابة الجزء
الثاني : ( أحاديث أرقام 954 ، 956 ، 1006 ، 1041 ، 1045 ، 1079 ، 1091
، 1093 ، 1131 ، 1143 ، 1153 ، 1168 ) ،
كنز العمال 3 / 154 ، 5 / 40 ، 6 / 154 ، 188 ، 395 ، 405 ،
الطبقات الكبرى 3 / 14 ، 15 ،
حلية الأولياء 4 / 345 ، 7 / 195 - 196 ،
مجمع الزوائد 9 / 109 - 110 ، تحفة
الأحوذي 10 / 228 ،
الإستيعاب 3 / 34 ، الإصابة 2 /
509 ، صحيح الترمذي 10 / 235 ،
المستدرك للحاكم 2 / 337 ،
السيرة الحلبية 3 / 104 ، زاد المعاد
3 / 530 ، شرح نهج البلاغة 13 / 210 -
211 .
( 2 ) الجويني : الغياث ص 29 - 30 . ( *
)
|
|
|
وأيا " ما كان الأمر ، فالرأي عند الشيعة الإمامية إنما
انحصرت في أبناء مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأنها ثابتة في
الأعقاب وأعقاب الأعقاب ، وأنها لا تعود في عم أو أخ ، ولا في غيرها من القربات
بعد الحسنين ( 1 ) .
وقد وردت روايات كثيرة عن الإمام جعفر الصادق ، عليه السلام ،
وغيره من أئمة البيت ، تدل على انحصار الإمامة في ذرية الحسين ، قال المفضل :
قلت للصادق عليه السلام ، أخبرني عن قول الله تعالى : *
( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) *
( 2 ) ، قال : يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين
إلى يوم القيامة ، فقلت له : يا ابن رسول الله ، فكيف صارت الإمامة في ولد
الحسين ، دون ولد الحسن ، وهما جميعا " ، ولدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وسبطاه ، وسيدا شباب
أهل الجنة ؟ . فقال : إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين
، فجعل الله في صلب هارون ، دون صلب موسى ، ولم يكن لأحد أن يقول : لم فعل الله
ذلك ؟ فإن الإمامة خلافة الله عز وجل ، ليس لأحد أن يقول لم جعلهما الله في صلب
الحسين ، دون صلب الحسن ، لأن الله هو الحكيم في أفعاله ، لا يسأل عن فعله ،
وهم يسألون .
وهذه الرواية ، كما تدل على أن بني الحسن لا حق لهم في
الإمامة ، تدل على أن الإمامة من أفعال الله يجعلها لمن يشاء ، وليست بالمبايعة
والانتخاب والمشاورة ( 3 ) .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية إنما
تذهب إلى أن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الكليني : الكافي 1 / 285 .
( 2 ) سورة الزخرف : آية 28 .
( 3 ) السيد حسين يوسف مكي : عقيدة الشيعة في
الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 32 - 33 . ( * )
|
|
|
الإمام يجب أن يكون معصوما " لأنه لو جاز عليه الخطأ لافتقر
إلى إمام آخر يسدده ، كما أنه لو جاز عليه فعل الخطيئة ، فإن وجب الإنكار عليه
سقط محله من القلوب ( 1 ) .
هذا فضلا " عن أن الإمام حافظ للشرع ، فلو لم يكن معصوما " ،
لم تؤمن منه الزيادة والنقصان ( 2 ) .
ويقول الطوسي : ومما يدل على أن الإمام يجب أن
يكون معصوما " ، ما ثبت من كونه مقتدى به ، ألا ترى أنه إنما سمي إماما " لذلك
، لأن الإمام هو المقتدى به ( 3 ) .
ويقول ابن المطهر بوجوب عصمة
الإمام ، لأن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم ( 4 ) عن جميع القبائح والفواحش
، من الصغر إلى الموت ، عمدا " وسهوا " ، لأنهم حفظة الشرع ، والقوامون به ،
حالهم في ذلك كحال النبي .
ويقول المفيد ( 5 ) : العصمة من
الله لحججه ، هي التوفيق واللطف
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المفيد : النكت الاعتقادية ص 48 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 49 .
( 3 ) الطوسي : تلخيص الشافي 1 / 210 (
النجف 1965 ) .
( 4 ) قال القاضي عبد الجبار في كتاب المغني
: إن العصمة والأفضلية على الناس أجمعين من صفات النبي ، فلو
أعطيت للإمام لكان نبيا " ، وقال الشريف للمرتضى في كتاب الشافي : لم
يكن النبي نبيا " ، لأنه أفضل ومعصوم ، وكفى ، بل لأنه يؤدي عن الله
بلا واسطة ، أو بواسطة الروح الأمين ، والإمام - وإن كان معصوما " -
وأفضل ، فإنه يؤدي عن النبي ، لا عن الله ، فالفرق موجود وظاهر ( محمد
جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 121 )
.
( 5 ) المفيد : هو أبو عبد الله محمد بن
محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري العربي الحارثي ، المفيد بن
المعلم ، ولد في بغداد عام 333 ه / 944 م ( أو 338 ه / 950 م ) ،
وتوفي عام 414 ه / 1022 م ، وله مصنفات كثيرة ( ذكر فؤاد سزكين منها
24 مصنفا " )
وانظر عن ترجمته ( الرجال للنجاشي ص 311
- 316 ، الفهرست للطوسي ص 157 - 158 ،
الفهرست لابن النديم ص 197 ،
المنتظم لابن الجوزي 8 / 11 - 12 ، تاريخ
بغداد 3 / 231 ، شذرات الذهب 3 /
199 - 200 ، أعيان الشيعة للعاملي 46 /
20 - 26 ، الذريعة 1 / 302 ، 590 ، 2 /
237 ، 258 ، 315 ، الأعلام للزركلي 7 /
245 ، معجم المؤلفين لكحالة 11 / 306 -
307 ،
النجوم الزهرة 4 / 258 ، لسان الميزان
لابن حجر 5 / 368 ) . ( * )
|
|
|
والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى (
1 ) ، كما أن العصمة فضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمة . . . وليست
العصمة مانعة من القدرة على القبيح ، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن ، ولا ملجئة
له إليه ، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى ، أنه إذا فعله بعبد من عبيده ، لم
يؤثر معه معصية له ( 2 ) .
هذا وقد انحصرت العصمة من الصفوة الأخيار ، قال الله تعالى :
* ( والذين سبقت لهم منا الحسنى ) * ( 3 ) ،
وقوله تعالى : * ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) *
( 4 ) ، فالأنبياء - والأئمة من بعدهم - معصومون في حال نبوتهم ، وإمامتهم ، من
الكبائر كلها والصغائر ( 5 ) .
ويشرح ابن المطهر عصمة الإمام بأنها ما يمتنع المكلف معه من المعصية ، متمكنا "
منها ولا يمتنع عنها مع عدمها ، ثم يقدم عدة أدلة على العصمة ( 6 ) ،
منها : أن الإمامة عهد من الله ، ومن ثم فكل إمام ينصبه الله
، ومنها قول الله تعالى : * ( أطيعوا الله والرسول وأولي
الأمر منكم ) * ( 7 ) ، وكل من أمر الله بطاعته فهو معصوم ، لاستحالة
إيجاب طاعة غير المعصوم ( 8 ) ، كما أن في قول الله تعالى :
* ( إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المفيد : شرح عقائد الصدوق ص 60 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 61 .
( 3 ) سورة الأنبياء : آية 101 .
( 4 ) سورة ص : آية 47 .
( 5 ) المفيد : شرح عقائد الصدوق ص 61 .
( 6 ) تذهب الزيدية إلى عدم عصمة الإمام ، ولعل السبب أنهم لا يجعلون
الإمامة عن طريق الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن طريق
الوراثة ، ومن ثم فالإمام عند الزيدية ، ليس ذلك الرجل المعصوم الذي
بيده أسرار العلم الخفي ينقلها من إمام إلى إمام ( الأشعري :
مقالات الإسلاميين 1 / 121 ، 136 ،
الصاحب بن عباد : الزيدية ص 159 ، 185 ، نصرة
المذهب الزيدية ص 129 ) .
( 7 ) سورة النساء : آية 59 .
( 8 ) ابن المطهر : الألفين في إقامة أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب النجف 1953 ص 60 .
|
|
|
المغضوب عليهم ولا الضالين ) *
( 1 ) ، فغير المعصوم ضال فلا يسأل اتباع طريقه قطعا " ( 2 ) .
ومنها قول الله تعالى : * ( إني جاعلك
للناس إماما " * قال من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) * ( 3 ) ،
فإنه يدل على أن الإمامة تكون بالوصاية ، وبجعل إلهي ، وليس بالمبايعة
والانتخاب ( 4 ) هذا وقد روي عن الإمام الباقر ، الاستشهاد بالآية على المنع من
إمامة الظالم ، الذي ليس معصوما " ( 5 ) .
هذا وتعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام يجب أن
يكون أفضل رعيته في جميع صفات الكمال من العلم ( 6 ) والكرامة والشجاعة والفقه
والرأفة والرحمة وحسن الخلق والسياسة ، ولا بد من تمييزه بالكمالات النفسية
والكرامات الروحانية ، بحيث لا يشاركه في ذلك أحد من الرعية ( 7 ) .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن متكلمي الشيعة ، إنما يقيسون الإمام
على النبوة في كل استدلال لهم ، ومن ثم فلكي يدللوا على وجوب إمامة الأفضل ،
استندوا إلى فكرة يسلم بها معهم سائر فرق المسلمين وهي : وجوب
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة الفاتحة : آية 6 - 7 .
( 2 ) ابن المطهر : الألفين ص 60 .
( 3 ) سورة البقرة : آية 124 .
( 4 ) السيد حسين يوسف مكي : عقيدة الشيعة
ص 35 .
( 5 ) البحار 7 / 319 ، عقيدة الشيعة ص
36 .
( 6 ) روي عن الإمام الصادق أنه قال لرهط من المعتزلة : إن أبي حدثني -
وكان خير أهل الأرض ، وأعملهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ضرب الناس بسيفه ،
ودعاهم إلى نفسه ، وفي المسلمين من هو أعلم منه ، فهو ضال متكلف ،
ويقول أبو زهرة : أن هذه الرواية التي رواها الإمام جعفر الصادق عن
أبيه العظيم ، تدل على أنه هو وأبوه يريان أن الخليفة المختار ، يجب أن
يكون أعلم المعروفين الظاهرين ، والعلم هنا ، العلم بالإسلام ، بالقرآن
والسنة ، ونظام الحكم وحسن السياسة ، وتكون عنده القدرة لإدارة دفة
الدولة الإسلامية كعمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب (
محمد أبو زهرة : الإمام الصادق ص 213 ) .
( 7 ) الجزائري : المبسوط ص 26 ، وانظر
عن علوم الأئمة ( الكليني : الكافي 1 /
312 ، 313 ، 314 ، 221 ، 223 ،
وانظر البرسي : مشارق أنوار اليقين ص 165
. ( * )
|
|
|
نبوة الأفضل ، يقول المظفري :
يجب أن يكون الإمام أفضل الناس ، وإلا فكيف تجب طاعته واتباعه ، وكيف يكون له
القدرة ، وكيف تحصل به السعادة ، ولو جاز ذلك ، لجاز أن يبعث الله رسولا " ،
وفي الناس من هو أليق وأجدر وأقدر على أداء الرسالة ( 1 ) .
ويستند الشيعة في إمامة الأفضل إلى قول الله تعالى :
* ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن
يهدى ) * ( 2 ) .
وليس النص والعقل وحدهما اللذان يقضيان بوجوب إمامة الأفضل ،
بل إن الذوق يستنكر أن تكون للمفضول رياسة على الأفضل ، ويعرض الإمام الرازي
لهذا الرأي ، فيقول : أليس يقبح أن يكون لمن لا يعرف في الفقه ، إلا مبادئه ،
وأعدادا "
من مسائل الفقه ، رياسة فيه على الإمام أبي حنيفة ( 80 ه /
150 - 699 - 767 م ) مثلا " ، فإذا كان الإمام إماما " لرعيته في أحكام الدين ،
وعلومه ومبادئه ، وجب أن يكون أفضل منهم ، وأكثرهم علما " وعبادة ( 3 ) .
هذا ويعتبر الشيعة الإمام حجة فيما يؤديه كالرسول ، وفي تجويز كونه مساويا " في
الفضل بعض رعيته ، أو أنقض فضلا " منهم ، ما ينفر عن القبول أو الخضوع لرياسته
.
ويرى الرازي أن دخول الفاضل تحت
رياسة المفضول ، مما يسهل على من هو أنقض فضلا " من الأمير ، الدخول تحت طاعته
، كما اختار النبي صلى الله عليه وسلم ، عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فجعله
في جيش أسامة ، لما أنف بعض مشيخة قريش أن يكون في جيشه ( 4 ) ، ففي إمامة
المفضول رياضة للفاضل ، وكسر ما فيه من نخوة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة لدي الشيعة
الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 م ص 157 ،
المظفري : الشيعة والإمام ص 34 .
( 2 ) سورة يونس : آية 35 .
( 3 ) الرازي : نهاية العقول في دراية الأصول
2 / 240 ( مخطوط ) .
( 4 ) ذهبت بعض المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في جيش
أسامة بن زيد بن حارثة أبا بكر =>
|
|
|
وهذا نقد لا يثبت للنقد ، لأن الرازي قد اعترف في المثال الذي
أورده ، أن بعض مشيخة قريش قد أنفوا رياسة أسامة ، اعتقادا " منهم بأفضليتهم ،
أو بوجود من هو أفضل منه ، مع أنهم بذلك قد عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
، ثم هم راجعوا أبا بكر في أمر سياسة أسامة بعد موت رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
وفي هذا ما يدل على أن رياسة المفضول يمجها الذوق والعرف العام ، هذا فضلا " عن
أن ما ذكره الرازي لتبرير إمامة المفضول متهافت كذلك ، لأنه إذا كان تواضع
الأفضل يسهل انقياد الرعية للأمير المفضول ، فإنه من ناحية أخرى ، يشجع المفضول
الذي تقل درجته في الفضل - إلى حد الفسق - أن يغلب على أمر المسلمين بالقوة ،
مستندا " إلى تواضع الأفضل ، أو سكوته على الحق ، وهذا ما تم بالفعل في أمر
الخلافة منذ تولاها الأمويون .
والواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهاءهم ، لم يسلموا بجواز إمامة المفضول ،
مستندين إلى أصل من أصول الدين ، ولكنهم جوزوا ذلك ، إما تبريرا " لسلطان
الخلفاء ، ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم ، وإما على سبيل معارضة آراء خصومهم
من الشيعة ، ليس إلا .
ولعل هذا إنما يبدو واضحا " - كل الوضوح - إذا رجعنا إلى رأي ابن حزم وموقفه
العجيب من الإصرار على جواز إمامة المفضول ، زاعما " أن معرفة الأفضل لا يمكن
الوصول إليها ، إلا بالظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا " ، ثم إن قريشا " قد
كثرت وطبقت الأرض من أقصى الشرق إلى أقصى
| |
* هامش * |
|
| |
=> وعمر بن
الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم ، وذهبت أخرى إلى أنه جعل
أبا بكر وعمر فقط ، واقتصرت ثالثة على عمر بن الخطاب ، وذهبت رابعة إلى
أنه جعل في هذا الجيش أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وسعد بن أبي وقاص (
السيرة الحلبية 3 / 227 ) ،
مغازي الواقدي 3 / 1118 ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 2 / 334 ، تاريخ
الطبري 3 / 226 ،
محمد أبو زهرة : خاتم النبيين 2 / 1215 ،
الندوي : السيرة النبوية ص 347 ) . ( * )
|
|
|
الغرب ، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم
بوجه من الوجوه ، وبدهي أن هذا إنما يستند إلى أن الإمامة باختيار .
وأما تبريز سلطة الخلفاء ، فيتضح من قول ابن حزم : يكفي بطلان
هذا القول ( إمامة الأفضل ) إجماع الأمة كلها على بطلانه ، فإن جميع الصحابة
ممن أدرك ذلك العصر ، أجمعوا على صحة إمامة الحسن أو معاوية ، فلو كان ما قاله
القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403 ه ) حقا " - في وجوب الأفضل - لكانت إمامة
الحسن ومعاوية باطلة ( 1 ) .
وهكذا ينكر ابن حزم أن معاوية قد استولى على أمر
هذه الأمة قهرا " ، وبالسيف ، وصدق الإمام الحسن البصري ، حيث يقول - فيما يروي
الإمام الطبري وابن الأثير وغيرهم - أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه
منهن ، إلا واحدة ،
لكانت موبقة ، إنتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء ، حتى ابتزها
أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة ، وذو الفضيلة ، واستخلافه ابنه
بعده سكيرا " خميرا " ، يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا " وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا
" ، ويلا " له من حجر - مرتين ( 2 ) .
ودخل سعد بن أبي وقاص على معاوية ، فقال : السلام
عليك أيها الملك ، فغضب معاوية فقال : ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟
قال : ذاك إن كنا أمرناك ، إنما أنت منتز ( 3 ) .
وأما سيدنا الإمام الحسن - خامس الراشدين - فما
جاء هنا ، إنما هو رأي ابن حزم الأندلسي ، وأما من بايعوه ، فقد كانوا يعتقدون
أنه أفضل الناس - بعد
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 158 - 159 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ( دار
المعارف - القاهرة 1979 ) ، ابن الأثير ، الكامل
في التاريخ 3 / 487 .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 . ( * )
|
|
|
أبيه الإمام علي - وهو صحيح ما في ذلك من ريب . وعلى أية حال
، فإن أهل السنة والشيعة لا يحتدون في الجدل طويلا " حول إمامة الأفضل بسبب قوة
منطق الشيعة في دعواهم ، فضلا " عن أن موقف أهل السنة نفسه ، لا يبدو واضحا " ،
هذا إلى أن جواز إمامة المفضول ، أمر لا يبرره منطق أو دين ،
وإن وجد له تبرير من مقتضيات الواقع ، أو حوادث التاريخ ، وليست هذه هي التي
تملي على الفقهاء والمشرعين أصول الأحكام .
على أن الجدل إنما يشتد ويحتد بين أهل السنة والشيعة حول
المفاضلة بين الصحابة ، ولا سيما الخلفاء الراشدين ، وهو أمر ذو صلة وثيقة
بوجوب إمامة الأفضل .
وتذهب الشيعة - بكل فرقها - إلى أن الإمام علي بن
أبي طالب ، إنما هو أفضل الصحابة أجمعين ، وأنه يزيد فضلا " على أبي بكر ،
ومعارضة أهل السنة لدعوى الشيعة في أفضلية الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم
الله وجهه في الجنة - إنما
تنطوي على تسليم منهم بوجوب إمامة الأفضل ، ومن هنا استقر رأي
الأشاعرة على أن ترتيب الخلفاء في الفضل ، إنما هو ترتيبهم في الخلافة ( أبو
بكر - عمر - عثمان - علي ) ، وقد نادى بهذا الرأي - الإمام أبو الحسن الأشعري (
260 ه
/ 874 م - 324 ه / 1935 ) والإمام أبو حامد الغزالي ( 450 -
505 ه ) ، ولم يكن هذا الرأي منهما عن اجتهاد مبعثه الحيدة التامة في المفاضلة
، بقدر ما هو اعتبار أن ما جرى ، فيما يتعلق بالخلافة الراشدة ، لا بد أن يكون
قد تم في اعتبارهم ، وفقا " لوجوب إمامة الأفضل .
ثم يخلص الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي إلى أن القاعدة العامة عند أهل السنة
، إنما هي وجوب إمامة الأفضل ، وأن جواز إمامة المفضول ، ليس إلا استثناء
تقتضيه الضرورة القصوى ، وأن إمامة الخلفاء الراشدين قد جرت وفقا " لهذه
القاعدة ، وأن تبريرهم الاستثناء ، وتجويزهم إمامة المفضول ، لم يكن
إلا للدفاع عن الأمر الواقع ، منذ أن ولي الأمر معاوية بن أبي
سفيان ( 1 ) .
هذا وترى الشيعة أن الإمام يجب
أن يكون عالما " بما آل إليه الحكم فيه ، والذي يدل : أن الإمام إمام في سائر
أمور الدين ، ومتولي الحكم في جميعه - جليله ودقيقه ، ظاهره وغامضه - كما يجب
أن يكون عالما " بجميع أحكام السياسة والشريعة ( 2 ) .
هذا فضلا " عن أن يكون الإمام أشجع من في رعيته ، ويدل على
ذلك : أنه ثبت أنه رئيس عليهم ، فيما يتعلق بجهاد الأعداء ، وحرب أهل البغي ،
وذلك متعلق بالشجاعة ، فيجب أن يكون أقواهم حالا " . هذا إلى جانب أن يكون أعقل
قومه ، وأن لا يكون قبيح الصورة ، ينفر الناس منه ، هذا إلى جانب أن يكون
منصوصا " عليه ( 3 ) .
ولما كانت هذه الشروط جميعها لا بد من توافرها في الإمام ، وأنها غير متوفرة ،
إلا في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلذلك كانت الإمامة لهم ، وفيهم دون
غيرهم ( 4 ) .
ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن الخلافة أو الإمامة الفاطمية ( 358 - 567 ه /
968 ه - 1171 م ) إنما هي خلافة دينية وراثية تقوم على أسس المذهب الشيعي
الإسماعيلي ، وتستند إلى أساسين : -
الأول : هو العلم اللدني أو
الإلهي ، الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن طريق الإمام علي عليه
السلام ، ثم أولاده من بعده ، ثم إلى الفاطميين .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي ، المرجع السابق ص 160 - 161 .
( 2 ) الطوسي : تلخيص الشافي ص 245 (
النجف 1965 ) .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 274 .
( 4 ) نبيلة عبد المنعم داود : المرجع السابق ص 316 . ( * )
|
|
|
فالإمام الشيعي إذن ، ليس شخصا " عاديا " ، وإنما هو فوق
الناس ، فهو المشرع ، وهو المنفذ لا يسأل عما يفعل ، لأنه معصوم من الخطأ ،
بسبب ما ورثه من علوم لدنية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك نوعان من
العلوم : علم الظاهر ،
وعلم الباطن ، أي ظاهر القرآن وباطنه ، وقد علم النبي صلى
الله عليه وسلم ، الإمام علي بن أبي طالب هذين النوعين من العلوم ، فأطلعه على
خفايا الكون ، والسر المكنون من هذه العلوم ، وكل إمام ورث هذه العلوم لمن جاء
بعده ، ولهذا كان الإمام معلما " أكبر .
والثاني : الوصية أو النص على ولاية العهد ،
والخلافة الفاطمية - شأنها شأن أية خلافة شيعية - إنما ترى أن الإمام علي يستحق
الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الكفاية ، فضلا " عن النص عليه
بالاسم .
ومن ثم فإن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر
الأمة ، وإنما هي ركن الدين والإسلام ، ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم ، أن
يتركها للأمة ، بل كان عليه تعيين إمام لهم معصوما " من الخطأ ، وأن الإمام علي
بن أبي طالب ، هو الإمام الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم ، بعده ،
ويستشهدون على ذلك بحديث الغدير والموالاة والمنزلة وغيرها من الأحاديث .
ومن هنا نشأت فكرة الوصية ، ولقب الإمام علي
بالوصي ، بينما لقب من جاء بعده من الأئمة بلقب الإمام ، ومرتبة الوصاية أعلى
من مرتبة الإمامة ، وأقل من مرتبة النبوة ، ثم انتشرت الوصية بين الشيعة ،
فقالوا : إن الإمامة تنتقل من الآباء إلى
الأبناء ، وليس من الأخ إلى الأخ - بعد أن انتقلت من الحسن
إلى الحسين - فالأب ينص على ابنه في حياته ، وليس بالضرورة أن يكون الابن
الأكبر ، فالإمام يستطيع أن ينص على أي ابن له ، فهذا أمر يخصه وحده ، لأنه
يتلقى علمه من الله عز وجل ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد مختار العبادي : دراسات في تاريخ
المغرب - الإسكندرية 1968 ص 53 - 54 ، => |
|
|
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القرآن الكريم ، إنما
قد أجمل الخطوط العامة لأصول الحكم الإسلامي ، الذي هو أهل لحفظ وحدة المسلمين
ودوام هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، وتجنيدهم أبدا " في معركة التقدم والرقي ،
وصونهم من الزيغ والضلال .
ثم جاءت السنة النبوية ، ففصلت ما أجمله القرآن ، وتلك قاعدة
عامة في تشريع الأحكام الإسلامية : القرآن يقرر أصل الحكم ويجمله ، والسنة
تفصله وتنفذه ، والتفصيل في هذا الأمر ، إنما هو تعيين الكف ء لمنصب الإمامة
بعد سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ليكون مرجع المسلمين وقدوتهم ، في صراط
الإسلام المستقيم . ومن هنا يتبين أن منصب الإمامة لا يتعين إلا بأمر إلهي ،
فالإمام - بصفته مرجع المسلمين ، ومنعقد طاعتهم وقدوتهم في أمر الدين والدنيا -
يجب أن يكون حامل علم النبي صلى الله عليه وسلم ، علم الوحي والأوامر الإلهية ،
فمنصبه في توجيه المسلمين ورعايتهم خطير .
وقد عرفنا أين آلت الإمامة ، وكيف أصبحت ؟ لما فوض المسلمون أمر اختيار الإمام
إلى أنفسهم ، حتى تقمصها الخلعاء والفساق والفجار والجهلة والسفاكون ، وأصبحت
الخلافة وراثة كسروية قيصرية ( 1 ) .
روى البخاري في صحيحه ( باب هلاك أمتي على يد
أغيلمة سفهاء ) ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو
بن سعيد قال : أخبرني جدي قال : كنت جالسا " مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى
الله عليه وسلم بالمدينة ، ومعنا مروان ، قال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدوق
يقول : هلكة
| |
* هامش * |
|
| |
=> وانظر عن
الخلافة الفاطمية ( عطية مشرفة : نظام الحكم
بمصر في عصر الفاطميين - القاهرة 1948 ص 68 - 82 ) .
( 1 ) السيد هاشم محسن الأمين : مقدمة كتاب :
الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 . ( * )
|
|
|
أمتي على يدي غلمة من قريش ، فقال مروان : لعنة الله عليهم
غلمة ، فقال أبو هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت ، فكنت أخرج
مع جدي إلى بني مروان ، حين ملكوا بالشام ، فإذا رآهم غلمانا " أحداثا " ، قال
لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم ، قلنا : أنت أعلم ( 1 ) .
وبمرور الأيام أصبح تعيين الخليفة في يد خدم البلاط ومماليكه وإمائه وجواريه ،
بيدهم الحل والربط ، يعبثون بمصائر الإسلام والمسلمين ، رهنا " بشهواتهم ،
والخليفة لعبة مبتذلة في أيديهم ، يختارونه اليوم ويخلعونه غدا " ، ويبايعونه
الساعة ، ويسلمونه أو يقتلونه بعد ساعة .
هذا ومن حمل كتاب الله ، وعلم نبيه من آل البيت ، خائف يترقب ، أو محبوس يتعذب
، أو شريد غريب عن أهله ودياره ، وأعداء الإسلام يقتطعون أرضه قطعة قطعة ،
ويقتلون أهله جماعة جماعة .
فاكتمال الدين إذن ، إنما كان في التبليغ ، تبليغ الرسالة كاملة ، فيها تبيان
كل شئ يحتاج المسلمون إلى تبيانه وفيها معالم الصراط المستقيم إلى الفوز العظيم
، أعني اكتمال الدين ظل نظريا " ، لم يتشخض في واقع المسلمين .
وأما تفصيل السنة النبوية ، لما أجمله القرآن في موضوع الإمامة ، فقد حصل في
حادثين عظيمين من حوادث السيرة النبوية الشريفة ، الأول : يوم غدير خم ،
والثاني : أيام المرض الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه ، وفي كلا
الحادثين كان التشديد باتباع أهل البيت وموالاتهم ( 2 ) .
ففي حديث الغدير يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه ، فعلي
مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ( 3
) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 9 / 60
( 2 ) الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية
ص 8 - 10 .
( 3 ) أنظر عن روايات مختلفة للحديث الشريف ( ابن حنبل :
فضائل الصحابة 2 / 598 - 599 ، => |
|
|
ثم هناك حديث الثقلين ، روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن
زيد بن أرقم قال : قام فينا خطيبا " بماء يدعى خما " ، بين مكة والمدينة ، فحمد
الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ، ألا أيها الناس ، فإنما أنا
بشر ، يوشك أن يأتي
رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أولهما ، كتاب الله
، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب
فيه ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ،
أذكركم الله في أهل
بيتي ( 1 ) . رواه الإمام أحمد في المسند ( 2 ) ، والبيهقي في
السنن ( 3 ) ، والدرامي في سننه ( 4 ) ، والمتقي في كنز العمال ( 5 ) ،
والطحاوي في مشكل الآثار ( 6 ) .
وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن سعيد والأعمش عن
حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني
تارك فيكم ما إن تمسكتم به ، لن تضلوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله
حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا على
الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيها ( 7 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
=> السيوطي :
تاريخ الخلفاء ص 169 ،
المستدرك للحاكم 2 / 129 ، 3 / 110 ، 116
، 371 ، 533 ، كنز العمال 1 / 48 ، 6 /
83 ، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54
مسند الإمام أحمد 1 / 84 ، 88 ، 118 ،
2307119 ، 4 / 368 ، 370 ، 372 ، 5 / 347 ،
الرياض النضرة 2 / 226 ) ( وسنشير إلى هذا الحديث الشريف
بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة ) .
( 1 ) صحيح مسلم 15 / 179 - 180 ( بيروت
1981 ) .
( 2 ) مسند الإمام أحمد 4 / 366 .
( 3 ) سنن البيهقي 2 / 148 ، 7 / 30 .
( 4 ) سنن الدرامي 2 / 431 .
( 5 ) كنز العمال 1 / 45 ، 7 / 103 .
( 6 ) مشكل الآثار 4 / 368 .
( 7 ) صحيح الترمذي 2 / 308 ، وانظروا
روايات أخرى للحديث الشريف ( صحيح الترمذي
2 / 308 ، 5 / 163 ،
كنز العمال 1 / 48 ، 6 / 390 ، ابن حنبل :
فضائل الصحابة 1 / 171 ، 172 - 2 / 602 ،
=>
|
|
|
ويقول المحدث الفقيه ابن حجر الهيثمي ( 909 - 974 ه ) أن
لحديث الثقلين هذا طرقا " كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا " ، وله طرق كثيرة
، وفي بعض تلك الطرق أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ذلك ( الحديث
) في
حجة الوداع في عرفة ، وفي أخرى أنه قاله في المدينة في مرضه ،
وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه قاله في غدير خم ، وفي أرى أنه قاله
بعد انصرافه من الطائف ولا تنافي ، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في كل تلك
المواطن وغيرها ، اهتماما " بشأن الكتاب العزيز ، والعترة الطيبة الطاهرة ( 1 )
.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أساس الخلاف في الإمامة بين الشيعة
الإمامية وأهل السنة أمران .
أحدهما : - أن الإمام عند
الإمامية ينال الخلافة بالوراثة أو بالوصاية النبوية ، على حد تعبيرهم ، أما
غيرهم فيرون أن الإمامة تكون بالبيعة والحكم بالفعل ، وجمهور المسلمين لا
يعتبرون حكم الملوك كعبد الملك وأولاده ، والسفاح والمنصور وأولادهم
وذريته ، خلافة نبوية ، بل يعتبرونها خلافة ملك ، والخلافة
النبوية لم تتحقق إلا في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم ، ويأخذون في
ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون ، ثم تصير ملكا " عضوضا
" أي يعض عليه بالنواجذ ( 2 ) .
ولست أدري لم بدأ العلامة أبو زهرة ( محمد أحمد أبو زهرة 29 مارس 1898 م - 12
أبريل 1974 م ) الملك الغضوض ب عبد الملك بن مروان ( 65 - 86 ه / 685 - 705 م
) وأولاده من بني أمية ، ثم أبو العباس السفاح ( 132 - 136 ه / 750 - 754 م )
وأبو جعفر المنصور ( 136 - 158 ه / 754 - / 77 م )
| |
* هامش * |
|
| |
=>
المسند 3 / 14 ، 17 ، 26 ، 59 ،
4 / 371 ، معجم الطبراني الكبير 3 / 63 ، 3 / 200 ،
مجمع الزوائد 5 / 181 - 182
، 9 / 164 7163 ، 165 ، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 51 ،
المستدرك للحاكم 3 /
109 ، 148 ، أسد الغابة 2 / 13 ) .
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 7 /
7 - 8 ( دار الفكر - بيروت 1386 ه / 1966 م ) .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح
نهج البلاغة 7 / 12 ، وانظر آراء أخرى في نفس الكتاب 7 / 7 - 21 . ( * )
|
|
|
وأولاده ، من بني العباس ، مع أن بداية الملك العضوض إنما
كانت على يد معاوية بن أبي سفيان ( 40 - 60 ه / 660 - 680 م ) - طبقا " لنص
الحديث الشريف ، فضلا " عن أحداث التاريخ ، هذا إلى أن معاوية نفسه - كما أشرنا
من قبل -
إنما كان يقول : أنا أول الملوك ، وأن سعد بن أبي وقاص ، رضي
الله عنه ، إنما كان يحييه بالملك ، وليس بإمرة المؤمنين ، هذا إلى أن شيخ
الإسلام ابن تيمية ، إنما أطلق عليه لقب الملك ، وتابعه في ذلك ابن كثير ، بل
إن ابن كثير يقول والسنة أن
يقال لمعاوية ملك ، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة الخلافة
بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى عدة أمور ، اتصلت بالإمامة عند الشيعة ،
وهي العصمة والتقية والرجعة والمهدي والبداء والجفر ومصحف فاطمة .
|