- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 168 -

عاشرا " : الإمامة عند الشيعة الإمامية


يقول سيدنا الإمام علي بن موسى الرضا ( 148 - 203 ه‍ / 765 - 818 م ) : إن الإمام زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعز المؤمنين ، إن الإمامة أس الإسلام النامي ، وفرعه السامي ، وبالإمام توفير الفئ والصدقات ،

وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحل حلال الله ، ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجة البالغة ، وهو الأمين الرفيق ، والوالد الرقيق ،

والأخ الشفيق ، ومفزع العباد ، أمين الله في أرضه ، وحجته على عباده ، وخليفته في بلاده ، الداعي إلى الله ، والذاب عن حرم الله ، عز المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين ( 1 ) .


وفي رواية الكليني ( أبو جعفر بن محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني - المتوفى 328 ه‍ ( 939 م ) ، قال الإمام الرضا : إن الإمام زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعز المؤمنين إن الإمامة أس الإسلام النامي ، وفرعه السامي ،

بالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وتوفير الفئ والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحل حلال الله ، ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو إلى

  * هامش *  
 

( 1 ) السيد حسين يوسف مكي : عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 38 - 39 ( دار الزهراء - بيروت 1407 ه‍ / 1987 م ) الكليني : كتاب أصول الكافي ص 96 - 97 ( فارس 1281 ه‍ ) ، عطية مصطفى مشرفة : نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين ( 358 - 567 ه‍ / 968 - 2271 م ) ص 77 دار الفكر العربي - القاهرة 1367 ه‍ / 1948 م ) . ( * )

 

 

 ص 169

سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجة البالغة ، الإمام كالشمس الطالعة ، المجللة بنورها العالم ، وهي في الأفق ، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار . الإمام البدر المنير ، والسراج الظاهر ، والنور الساطع ، والنجم الهادي . . .

الإمام المطهر من الذنوب ، والمبرأ من العيوب ، المخصوص بالعلم ، المرسوم بالحلم . . . معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعبادة ، مخصوص بدعوى الرسول ، ونسل المطهرة البتول . . . فهو معصوم مؤيد ، موفق مسدد ، قد أمن من الخطأ والزلل والعثار ، يخصه الله بذلك ، ليكون حجته على عباده ، وشاهده على خلقه ( 1 ) .


ويقول الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق ( 80 - 83 ه‍ / 699 - 703 م - 148 ه‍ / 765 م ) : إن الله - عز وجل - أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل ، إن زاد المؤمنون شيئا " ردهم ، وإن نقصوا شيئا " أتمهم، وهو حجة الله على عباده ( 2 ) .

والإمامة - عند الشيعة الإمامية - رياسة عامة في أمور الدين والدنيا ، لشخص من الأشخاص ، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 3 ) ومن ثم فإن الناس متى كان لهم رئيس ، منبسط اليد ، قاهر عادل ، يردع المعاندين ، ويقمع المتغلبين ، وينتصف

للمظلومين من الظالمين ، اتسقت الأمور ، وسكنت الفتن ، وردت المعائش ، وكان الناس - مع وجوده - إلى الصلاح أقرب ، ومن الفساد أبعد ، ومتى خلوا من رئيس - صفته ما ذكرناه - تكدرت معائشهم وتغلب القوي على الضعيف ، وانهمكوا في

المعاصي ، ووقع الهرج والمرج ، وكانوا إلى الفساد أقرب ، ومن الصلاح أبعد ، وهذا أمر لازم لكمال العقل ( 4 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) الكليني : كتاب أصول الكافي ص 84 - 86 .
( 2 ) أنظر : الجزائري : المبسوط في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 9 ( ط الحيدرية - النجف 1954 م ) ، البرسي : مشارق أنوار اليقين ص 162 ( دار الفكر - بيروت 1384 ه‍ ) .
( 3 ) الطوسي : تلخيص الشافي 1 / 201 ( النجف 1965 م ) .
( 4 ) المفيد : النكت الاعتقادية ص 39 ( بغداد 1343 ه‍ ) . ( * )

 

 

 ص 170

وترى الشيعة الإمامية أن النبوة لطف ( 1 ) ، ولما كانت الإمامة لطفا " ( 2 ) ، فلذلك كل ما دل على وجوب النبوة ، فهو دال على وجوب الإمامة ، خلافة عن النبوة ، قائمة مقامها ، إلا من تلقى الوحي الإلهي بلا واسطة ( 3 ) .

وترى الشيعة الإمامية عهد من إلى الأئمة ، وتستدل على ذلك بقول مولانا الإمام جعفر الصادق ، رضي الله عنه ، : أترون أن الوصي منا ، يوصي إلى من يريد ؟ لا ، ولكنه عهد من الله ورسوله لرجل فرجل ، حتى ينتهي الأمر صاحبه ( 4 ) . هذا وترى كذلك أن الإمامة بالنص من الله ورسوله ، وأن الأئمة منصوص عليهم ( 5 ) .


على أن الجويني إنما يعارض ذلك ، فيقول : ذهبت الإمامية إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما قد نص على علي رضي الله عنه في الإمامة ، وتولي الزعامة ، ثم تحزبوا أحزابا " .

فذهبت طوائف منهم إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على خلافة الإمام علي علي رؤوس الأشهاد ، نصا " قاطعا " ، لا يتطرق إليه مسالك الاجتهاد ، ولا يتعرض له سبيل الاحتمالات ، وتقابل الجائزات ، وشفي من محاولة البيان كل غليل ، واستأصل مسلك كل تأويل .


وليس ذلك النص مما نقلته الأثبات ، والرواة الثقات ، من الأخبار التي تلهج بها الآحاد ، وينقلها الأفراد ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه ( 6 ) فعلي

  * هامش *  
 

( 1 ) المفيد : النكت الاعتقادية ص 47 ، المرتضى : الشافي ص 2 ، الطوسي : فصول العقائد ص 36 .
( 2 ) السبوري : النافع يوم الحشر ص 62 ( قمم 1367 ه‍ ) .
( 3 ) الكليني : الكافي 1 / 227 .
( 4 ) نبيلة عبد المنعم داود : نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968 ص 311 - 312 .
( 5 ) الجويني : الغياثي ص 27 - 30 .
( 6 ) أنظر عن حديث الموالاة هذا ( الإمام ابن حنبل : فضائل الصحابة 2 / 598 - 599 ، صحيح =>

 

 

 ص 171

مولاه ، وقوله صلى الله عليه وسلم ، لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( 1 ) ، إلى غيرها .


وذهب فريق من الزيدية إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما نص على معين في الخلافة ، ولكنه صلى الله عليه وسلم ، ذكر بالمرامز والملامح والمعاريض والصرايح ، الصفات التي تقتضي الإمامة استجماعها ، فكانت متوافية في الإمام علي ، دون من عداه وسواه ، فضلت الأمة ، إذ وضعت الإمامة فيمن لم يتصف بتلك الصفات ، ولم يتسم بتلك السمات .


وعلى أية حال ، فسرعان ما تشوفت طائفة من أهل السنة إلى ادعاء النص على أبي بكر ، رضي الله عنه ، وذهبت طائفة أخرى - عرفوا بالعباسية - إلى الزعم بأن النبي عليه السلام ، إنما نص على عمه العباس وخصصه بالإمامة من دون الناس ( 2 ) .

  * هامش *  
 

=> الترمذي 2 / 298 ، صحيح ابن ماجة ص 12 ، المستدرك للحاكم 2 / 129 ، 3 / 109 - 110 ، 116 ، 533 ، 371 ،
كنز العمال
1 / 48 ، 6 / 83 ، 397 ،
تهذيب الخصائص
للنسائي ص 50 - 54 ( أحاديث أرقام : 60 ، 66 ، 67 ، 68 ، 69 ، 70 ، 71 ، 72 ، 73 ، 74 )
مسند الإمام أحمد
4 / 372 ، 4 / 281 ، الرياض النضرة 2 / 226 ،
أسد الغابة
1 / 374 ، 3 / 139 ، 171 ، 4 / 108 ، 6 / 252 ،
مجمع الزوائد
9 / 104 ، 105 ، 106 ، 107 ، 108 ، 119 ، 116 ،
مشكل الآثار
2 / 307 ، مسند الطيالسي 1 / 23 ، فيض القدير 6 / 217 .
وقال ابن حجر : وهذا حديث كثير الطرق جدا " ، استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وسنعود لهذا الحديث بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة .

( 1 ) أنظر عن حديث المنزلة هذا ( صحيح البخاري 5 / 24 ، 6 / 3 ، صحيح مسلم 15 / 173 - 176 ،
تهذيب الخصائص
للنسائي ص 19 - 20 ، 28 ، 29 ، 39 ، 40 ، 41 ، 42 ، 43 ، 44 ، 45 ، 46 ، 47 ، ( أحاديث أرقام 8 ، 9 ، 31 ، 41 ، 42 ، 43 ، 44 ، 45 ، 46 ، 47 ، 48 ، 49 ، 50 ، 51 ، 52 ، 53 ، 54 ، 55 ، 56 ، 57 ، 58 ، 112 )
الإمام ابن حنبل : فضائل الصحابة الجزء الثاني : ( أحاديث أرقام 954 ، 956 ، 1006 ، 1041 ، 1045 ، 1079 ، 1091 ، 1093 ، 1131 ، 1143 ، 1153 ، 1168 ) ،
كنز العمال
3 / 154 ، 5 / 40 ، 6 / 154 ، 188 ، 395 ، 405 ، الطبقات الكبرى 3 / 14 ، 15 ،
حلية الأولياء
4 / 345 ، 7 / 195 - 196 ، مجمع الزوائد 9 / 109 - 110 ، تحفة الأحوذي 10 / 228 ،
الإستيعاب
3 / 34 ، الإصابة 2 / 509 ، صحيح الترمذي 10 / 235 ، المستدرك للحاكم 2 / 337 ،
السيرة الحلبية
3 / 104 ، زاد المعاد 3 / 530 ، شرح نهج البلاغة 13 / 210 - 211 .
( 2 ) الجويني : الغياث ص 29 - 30 . ( * )

 

 

 ص 172

وأيا " ما كان الأمر ، فالرأي عند الشيعة الإمامية إنما انحصرت في أبناء مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأنها ثابتة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب ، وأنها لا تعود في عم أو أخ ، ولا في غيرها من القربات بعد الحسنين ( 1 ) .
 

وقد وردت روايات كثيرة عن الإمام جعفر الصادق ، عليه السلام ، وغيره من أئمة البيت ، تدل على انحصار الإمامة في ذرية الحسين ، قال المفضل : قلت للصادق عليه السلام ، أخبرني عن قول الله تعالى : * ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) *

( 2 ) ، قال : يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين إلى يوم القيامة ، فقلت له : يا ابن رسول الله ، فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين ، دون ولد الحسن ، وهما جميعا " ، ولدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسبطاه ، وسيدا شباب

أهل الجنة ؟ . فقال : إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين ، فجعل الله في صلب هارون ، دون صلب موسى ، ولم يكن لأحد أن يقول : لم فعل الله ذلك ؟ فإن الإمامة خلافة الله عز وجل ، ليس لأحد أن يقول لم جعلهما الله في صلب الحسين ، دون صلب الحسن ، لأن الله هو الحكيم في أفعاله ، لا يسأل عن فعله ، وهم يسألون .

وهذه الرواية ، كما تدل على أن بني الحسن لا حق لهم في الإمامة ، تدل على أن الإمامة من أفعال الله يجعلها لمن يشاء ، وليست بالمبايعة والانتخاب والمشاورة ( 3 ) .

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية إنما تذهب إلى أن

  * هامش *  
 

( 1 ) الكليني : الكافي 1 / 285 .
( 2 ) سورة الزخرف : آية 28 .
( 3 ) السيد حسين يوسف مكي : عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 32 - 33 . ( * )

 

 

 ص 173

الإمام يجب أن يكون معصوما " لأنه لو جاز عليه الخطأ لافتقر إلى إمام آخر يسدده ، كما أنه لو جاز عليه فعل الخطيئة ، فإن وجب الإنكار عليه سقط محله من القلوب ( 1 ) .

هذا فضلا " عن أن الإمام حافظ للشرع ، فلو لم يكن معصوما " ، لم تؤمن منه الزيادة والنقصان ( 2 ) .


ويقول الطوسي : ومما يدل على أن الإمام يجب أن يكون معصوما " ، ما ثبت من كونه مقتدى به ، ألا ترى أنه إنما سمي إماما " لذلك ، لأن الإمام هو المقتدى به ( 3 ) .

ويقول ابن المطهر بوجوب عصمة الإمام ، لأن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم ( 4 ) عن جميع القبائح والفواحش ، من الصغر إلى الموت ، عمدا " وسهوا " ، لأنهم حفظة الشرع ، والقوامون به ، حالهم في ذلك كحال النبي .

ويقول المفيد ( 5 ) : العصمة من الله لحججه ، هي التوفيق واللطف

 

* هامش *

 
 

( 1 ) المفيد : النكت الاعتقادية ص 48 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 49 .
( 3 ) الطوسي : تلخيص الشافي 1 / 210 ( النجف 1965 ) .
( 4 ) قال القاضي عبد الجبار في كتاب المغني : إن العصمة والأفضلية على الناس أجمعين من صفات النبي ، فلو أعطيت للإمام لكان نبيا " ، وقال الشريف للمرتضى في كتاب الشافي : لم يكن النبي نبيا " ، لأنه أفضل ومعصوم ، وكفى ، بل لأنه يؤدي عن الله بلا واسطة ، أو بواسطة الروح الأمين ، والإمام - وإن كان معصوما " - وأفضل ، فإنه يؤدي عن النبي ، لا عن الله ، فالفرق موجود وظاهر ( محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 121 ) .

( 5 ) المفيد : هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري العربي الحارثي ، المفيد بن المعلم ، ولد في بغداد عام 333 ه‍ / 944 م ( أو 338 ه‍ / 950 م ) ، وتوفي عام 414 ه‍ / 1022 م ، وله مصنفات كثيرة ( ذكر فؤاد سزكين منها 24 مصنفا " )

وانظر عن ترجمته ( الرجال للنجاشي ص 311 - 316 ، الفهرست للطوسي ص 157 - 158 ، الفهرست لابن النديم ص 197 ،
المنتظم
لابن الجوزي 8 / 11 - 12 ، تاريخ بغداد 3 / 231 ، شذرات الذهب 3 / 199 - 200 ، أعيان الشيعة للعاملي 46 / 20 - 26 ، الذريعة 1 / 302 ، 590 ، 2 / 237 ، 258 ، 315 ، الأعلام للزركلي 7 / 245 ، معجم المؤلفين لكحالة 11 / 306 - 307 ،
النجوم الزهرة
4 / 258 ، لسان الميزان لابن حجر 5 / 368 ) . ( * )

 

 

 ص 174

والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى ( 1 ) ، كما أن العصمة فضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمة . . . وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح ، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن ، ولا ملجئة له إليه ، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى ، أنه إذا فعله بعبد من عبيده ، لم يؤثر معه معصية له ( 2 ) .


هذا وقد انحصرت العصمة من الصفوة الأخيار ، قال الله تعالى : * ( والذين سبقت لهم منا الحسنى ) * ( 3 ) ، وقوله تعالى : * ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) * ( 4 ) ، فالأنبياء - والأئمة من بعدهم - معصومون في حال نبوتهم ، وإمامتهم ، من الكبائر كلها والصغائر ( 5 ) .


ويشرح ابن المطهر عصمة الإمام بأنها ما يمتنع المكلف معه من المعصية ، متمكنا " منها ولا يمتنع عنها مع عدمها ، ثم يقدم عدة أدلة على العصمة ( 6 ) ،

منها : أن الإمامة عهد من الله ، ومن ثم فكل إمام ينصبه الله ، ومنها قول الله تعالى : * ( أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم ) * ( 7 ) ، وكل من أمر الله بطاعته فهو معصوم ، لاستحالة إيجاب طاعة غير المعصوم ( 8 ) ، كما أن في قول الله تعالى : * ( إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير

 

* هامش *

 
 

( 1 ) المفيد : شرح عقائد الصدوق ص 60 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 61 .
( 3 ) سورة الأنبياء : آية 101 .
( 4 ) سورة ص : آية 47 .
( 5 ) المفيد : شرح عقائد الصدوق ص 61 .
( 6 ) تذهب الزيدية إلى عدم عصمة الإمام ، ولعل السبب أنهم لا يجعلون الإمامة عن طريق الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن طريق الوراثة ، ومن ثم فالإمام عند الزيدية ، ليس ذلك الرجل المعصوم الذي بيده أسرار العلم الخفي ينقلها من إمام إلى إمام ( الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 121 ، 136 ، الصاحب بن عباد : الزيدية ص 159 ، 185 ، نصرة المذهب الزيدية ص 129 ) .
( 7 ) سورة النساء : آية 59 .
( 8 ) ابن المطهر : الألفين في إقامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب النجف 1953 ص 60 .

 

 

 ص 175

المغضوب عليهم ولا الضالين ) * ( 1 ) ، فغير المعصوم ضال فلا يسأل اتباع طريقه قطعا " ( 2 ) .

ومنها قول الله تعالى : * ( إني جاعلك للناس إماما " * قال من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) * ( 3 ) ، فإنه يدل على أن الإمامة تكون بالوصاية ، وبجعل إلهي ، وليس بالمبايعة والانتخاب ( 4 ) هذا وقد روي عن الإمام الباقر ، الاستشهاد بالآية على المنع من إمامة الظالم ، الذي ليس معصوما " ( 5 ) .


هذا وتعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام يجب أن يكون أفضل رعيته في جميع صفات الكمال من العلم ( 6 ) والكرامة والشجاعة والفقه والرأفة والرحمة وحسن الخلق والسياسة ، ولا بد من تمييزه بالكمالات النفسية والكرامات الروحانية ، بحيث لا يشاركه في ذلك أحد من الرعية ( 7 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن متكلمي الشيعة ، إنما يقيسون الإمام على النبوة في كل استدلال لهم ، ومن ثم فلكي يدللوا على وجوب إمامة الأفضل ، استندوا إلى فكرة يسلم بها معهم سائر فرق المسلمين وهي : وجوب

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة الفاتحة : آية 6 - 7 .
( 2 ) ابن المطهر : الألفين ص 60 .
( 3 ) سورة البقرة : آية 124 .
( 4 ) السيد حسين يوسف مكي : عقيدة الشيعة ص 35 .
( 5 ) البحار 7 / 319 ، عقيدة الشيعة ص 36 .
( 6 ) روي عن الإمام الصادق أنه قال لرهط من المعتزلة : إن أبي حدثني - وكان خير أهل الأرض ، وأعملهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ضرب الناس بسيفه ، ودعاهم إلى نفسه ، وفي المسلمين من هو أعلم منه ، فهو ضال متكلف ، ويقول أبو زهرة : أن هذه الرواية التي رواها الإمام جعفر الصادق عن أبيه العظيم ، تدل على أنه هو وأبوه يريان أن الخليفة المختار ، يجب أن يكون أعلم المعروفين الظاهرين ، والعلم هنا ، العلم بالإسلام ، بالقرآن والسنة ، ونظام الحكم وحسن السياسة ، وتكون عنده القدرة لإدارة دفة الدولة الإسلامية كعمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ( محمد أبو زهرة : الإمام الصادق ص 213 ) .
( 7 ) الجزائري : المبسوط ص 26 ، وانظر عن علوم الأئمة ( الكليني : الكافي 1 / 312 ، 313 ، 314 ، 221 ، 223 ،
وانظر البرسي : مشارق أنوار اليقين ص 165 . ( * )

 

 

 ص 176

نبوة الأفضل ، يقول المظفري : يجب أن يكون الإمام أفضل الناس ، وإلا فكيف تجب طاعته واتباعه ، وكيف يكون له القدرة ، وكيف تحصل به السعادة ، ولو جاز ذلك ، لجاز أن يبعث الله رسولا " ، وفي الناس من هو أليق وأجدر وأقدر على أداء الرسالة ( 1 ) .

ويستند الشيعة في إمامة الأفضل إلى قول الله تعالى : * ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ) * ( 2 ) .

وليس النص والعقل وحدهما اللذان يقضيان بوجوب إمامة الأفضل ، بل إن الذوق يستنكر أن تكون للمفضول رياسة على الأفضل ، ويعرض الإمام الرازي لهذا الرأي ، فيقول : أليس يقبح أن يكون لمن لا يعرف في الفقه ، إلا مبادئه ، وأعدادا "

من مسائل الفقه ، رياسة فيه على الإمام أبي حنيفة ( 80 ه‍ / 150 - 699 - 767 م ) مثلا " ، فإذا كان الإمام إماما " لرعيته في أحكام الدين ، وعلومه ومبادئه ، وجب أن يكون أفضل منهم ، وأكثرهم علما " وعبادة ( 3 ) .


هذا ويعتبر الشيعة الإمام حجة فيما يؤديه كالرسول ، وفي تجويز كونه مساويا " في الفضل بعض رعيته ، أو أنقض فضلا " منهم ، ما ينفر عن القبول أو الخضوع لرياسته .

ويرى الرازي أن دخول الفاضل تحت رياسة المفضول ، مما يسهل على من هو أنقض فضلا " من الأمير ، الدخول تحت طاعته ، كما اختار النبي صلى الله عليه وسلم ، عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فجعله في جيش أسامة ، لما أنف بعض مشيخة قريش أن يكون في جيشه ( 4 ) ، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل ، وكسر ما فيه من نخوة .

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة لدي الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 م ص 157 ،
المظفري : الشيعة والإمام ص 34 .
( 2 ) سورة يونس : آية 35 .
( 3 ) الرازي : نهاية العقول في دراية الأصول 2 / 240 ( مخطوط ) .
( 4 ) ذهبت بعض المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في جيش أسامة بن زيد بن حارثة أبا بكر =>

 

 

 ص 177

وهذا نقد لا يثبت للنقد ، لأن الرازي قد اعترف في المثال الذي أورده ، أن بعض مشيخة قريش قد أنفوا رياسة أسامة ، اعتقادا " منهم بأفضليتهم ، أو بوجود من هو أفضل منه ، مع أنهم بذلك قد عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم هم راجعوا أبا بكر في أمر سياسة أسامة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم .


وفي هذا ما يدل على أن رياسة المفضول يمجها الذوق والعرف العام ، هذا فضلا " عن أن ما ذكره الرازي لتبرير إمامة المفضول متهافت كذلك ، لأنه إذا كان تواضع الأفضل يسهل انقياد الرعية للأمير المفضول ، فإنه من ناحية أخرى ، يشجع المفضول الذي تقل درجته في الفضل - إلى حد الفسق - أن يغلب على أمر المسلمين بالقوة ، مستندا " إلى تواضع الأفضل ، أو سكوته على الحق ، وهذا ما تم بالفعل في أمر الخلافة منذ تولاها الأمويون .


والواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهاءهم ، لم يسلموا بجواز إمامة المفضول ، مستندين إلى أصل من أصول الدين ، ولكنهم جوزوا ذلك ، إما تبريرا " لسلطان الخلفاء ، ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم ، وإما على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة ، ليس إلا .


ولعل هذا إنما يبدو واضحا " - كل الوضوح - إذا رجعنا إلى رأي ابن حزم وموقفه العجيب من الإصرار على جواز إمامة المفضول ، زاعما " أن معرفة الأفضل لا يمكن الوصول إليها ، إلا بالظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا " ، ثم إن قريشا " قد كثرت وطبقت الأرض من أقصى الشرق إلى أقصى

  * هامش *  
 

=> وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم ، وذهبت أخرى إلى أنه جعل أبا بكر وعمر فقط ، واقتصرت ثالثة على عمر بن الخطاب ، وذهبت رابعة إلى أنه جعل في هذا الجيش أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وسعد بن أبي وقاص ( السيرة الحلبية 3 / 227 ) ،
مغازي
الواقدي 3 / 1118 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 334 ، تاريخ الطبري 3 / 226 ،
محمد أبو زهرة : خاتم النبيين 2 / 1215 ، الندوي : السيرة النبوية ص 347 ) . ( * )

 

 

 ص 178

الغرب ، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم بوجه من الوجوه ، وبدهي أن هذا إنما يستند إلى أن الإمامة باختيار .

وأما تبريز سلطة الخلفاء ، فيتضح من قول ابن حزم : يكفي بطلان هذا القول ( إمامة الأفضل ) إجماع الأمة كلها على بطلانه ، فإن جميع الصحابة ممن أدرك ذلك العصر ، أجمعوا على صحة إمامة الحسن أو معاوية ، فلو كان ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403 ه‍ ) حقا " - في وجوب الأفضل - لكانت إمامة الحسن ومعاوية باطلة ( 1 ) .


وهكذا ينكر ابن حزم أن معاوية قد استولى على أمر هذه الأمة قهرا " ، وبالسيف ، وصدق الإمام الحسن البصري ، حيث يقول - فيما يروي الإمام الطبري وابن الأثير وغيرهم - أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه منهن ، إلا واحدة ،

لكانت موبقة ، إنتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء ، حتى ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة ، وذو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا " خميرا " ، يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا " وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا " ، ويلا " له من حجر - مرتين ( 2 ) .


ودخل سعد بن أبي وقاص على معاوية ، فقال : السلام عليك أيها الملك ، فغضب معاوية فقال : ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذاك إن كنا أمرناك ، إنما أنت منتز ( 3 ) .


وأما سيدنا الإمام الحسن - خامس الراشدين - فما جاء هنا ، إنما هو رأي ابن حزم الأندلسي ، وأما من بايعوه ، فقد كانوا يعتقدون أنه أفضل الناس - بعد

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 158 - 159 .
( 2 ) تاريخ الطبري 5 / 279 ( دار المعارف - القاهرة 1979 ) ، ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 3 / 487 .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 . ( * )

 

 

 ص 179

أبيه الإمام علي - وهو صحيح ما في ذلك من ريب . وعلى أية حال ، فإن أهل السنة والشيعة لا يحتدون في الجدل طويلا " حول إمامة الأفضل بسبب قوة منطق الشيعة في دعواهم ، فضلا " عن أن موقف أهل السنة نفسه ، لا يبدو واضحا " ،

هذا إلى أن جواز إمامة المفضول ، أمر لا يبرره منطق أو دين ، وإن وجد له تبرير من مقتضيات الواقع ، أو حوادث التاريخ ، وليست هذه هي التي تملي على الفقهاء والمشرعين أصول الأحكام .

على أن الجدل إنما يشتد ويحتد بين أهل السنة والشيعة حول المفاضلة بين الصحابة ، ولا سيما الخلفاء الراشدين ، وهو أمر ذو صلة وثيقة بوجوب إمامة الأفضل .


وتذهب الشيعة - بكل فرقها - إلى أن الإمام علي بن أبي طالب ، إنما هو أفضل الصحابة أجمعين ، وأنه يزيد فضلا " على أبي بكر ، ومعارضة أهل السنة لدعوى الشيعة في أفضلية الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما

تنطوي على تسليم منهم بوجوب إمامة الأفضل ، ومن هنا استقر رأي الأشاعرة على أن ترتيب الخلفاء في الفضل ، إنما هو ترتيبهم في الخلافة ( أبو بكر - عمر - عثمان - علي ) ، وقد نادى بهذا الرأي - الإمام أبو الحسن الأشعري ( 260 ه‍

/ 874 م - 324 ه‍ / 1935 ) والإمام أبو حامد الغزالي ( 450 - 505 ه‍ ) ، ولم يكن هذا الرأي منهما عن اجتهاد مبعثه الحيدة التامة في المفاضلة ، بقدر ما هو اعتبار أن ما جرى ، فيما يتعلق بالخلافة الراشدة ، لا بد أن يكون قد تم في اعتبارهم ، وفقا " لوجوب إمامة الأفضل .


ثم يخلص الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي إلى أن القاعدة العامة عند أهل السنة ، إنما هي وجوب إمامة الأفضل ، وأن جواز إمامة المفضول ، ليس إلا استثناء تقتضيه الضرورة القصوى ، وأن إمامة الخلفاء الراشدين قد جرت وفقا " لهذه القاعدة ، وأن تبريرهم الاستثناء ، وتجويزهم إمامة المفضول ، لم يكن

 ص 180

إلا للدفاع عن الأمر الواقع ، منذ أن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان ( 1 ) .

هذا وترى الشيعة أن الإمام يجب أن يكون عالما " بما آل إليه الحكم فيه ، والذي يدل : أن الإمام إمام في سائر أمور الدين ، ومتولي الحكم في جميعه - جليله ودقيقه ، ظاهره وغامضه - كما يجب أن يكون عالما " بجميع أحكام السياسة والشريعة ( 2 ) .

هذا فضلا " عن أن يكون الإمام أشجع من في رعيته ، ويدل على ذلك : أنه ثبت أنه رئيس عليهم ، فيما يتعلق بجهاد الأعداء ، وحرب أهل البغي ، وذلك متعلق بالشجاعة ، فيجب أن يكون أقواهم حالا " . هذا إلى جانب أن يكون أعقل قومه ، وأن لا يكون قبيح الصورة ، ينفر الناس منه ، هذا إلى جانب أن يكون منصوصا " عليه ( 3 ) .


ولما كانت هذه الشروط جميعها لا بد من توافرها في الإمام ، وأنها غير متوفرة ، إلا في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلذلك كانت الإمامة لهم ، وفيهم دون غيرهم ( 4 ) .


ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن الخلافة أو الإمامة الفاطمية ( 358 - 567 ه‍ / 968 ه‍ - 1171 م ) إنما هي خلافة دينية وراثية تقوم على أسس المذهب الشيعي الإسماعيلي ، وتستند إلى أساسين : -

الأول : هو العلم اللدني أو الإلهي ، الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن طريق الإمام علي عليه السلام ، ثم أولاده من بعده ، ثم إلى الفاطميين .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) أحمد صبحي ، المرجع السابق ص 160 - 161 .
( 2 ) الطوسي : تلخيص الشافي ص 245 ( النجف 1965 ) .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 274 .
( 4 ) نبيلة عبد المنعم داود : المرجع السابق ص 316 . ( * )

 

 

 ص 181

فالإمام الشيعي إذن ، ليس شخصا " عاديا " ، وإنما هو فوق الناس ، فهو المشرع ، وهو المنفذ لا يسأل عما يفعل ، لأنه معصوم من الخطأ ، بسبب ما ورثه من علوم لدنية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك نوعان من العلوم : علم الظاهر ،

وعلم الباطن ، أي ظاهر القرآن وباطنه ، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ، الإمام علي بن أبي طالب هذين النوعين من العلوم ، فأطلعه على خفايا الكون ، والسر المكنون من هذه العلوم ، وكل إمام ورث هذه العلوم لمن جاء بعده ، ولهذا كان الإمام معلما " أكبر .


والثاني : الوصية أو النص على ولاية العهد ، والخلافة الفاطمية - شأنها شأن أية خلافة شيعية - إنما ترى أن الإمام علي يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الكفاية ، فضلا " عن النص عليه بالاسم .

ومن ثم فإن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ، وإنما هي ركن الدين والإسلام ، ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم ، أن يتركها للأمة ، بل كان عليه تعيين إمام لهم معصوما " من الخطأ ، وأن الإمام علي بن أبي طالب ، هو الإمام الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم ، بعده ، ويستشهدون على ذلك بحديث الغدير والموالاة والمنزلة وغيرها من الأحاديث .


ومن هنا نشأت فكرة الوصية ، ولقب الإمام علي بالوصي ، بينما لقب من جاء بعده من الأئمة بلقب الإمام ، ومرتبة الوصاية أعلى من مرتبة الإمامة ، وأقل من مرتبة النبوة ، ثم انتشرت الوصية بين الشيعة ، فقالوا : إن الإمامة تنتقل من الآباء إلى

الأبناء ، وليس من الأخ إلى الأخ - بعد أن انتقلت من الحسن إلى الحسين - فالأب ينص على ابنه في حياته ، وليس بالضرورة أن يكون الابن الأكبر ، فالإمام يستطيع أن ينص على أي ابن له ، فهذا أمر يخصه وحده ، لأنه يتلقى علمه من الله عز وجل ( 1 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد مختار العبادي : دراسات في تاريخ المغرب - الإسكندرية 1968 ص 53 - 54 ، =>

 

 

 ص 182

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القرآن الكريم ، إنما قد أجمل الخطوط العامة لأصول الحكم الإسلامي ، الذي هو أهل لحفظ وحدة المسلمين ودوام هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، وتجنيدهم أبدا " في معركة التقدم والرقي ، وصونهم من الزيغ والضلال .

ثم جاءت السنة النبوية ، ففصلت ما أجمله القرآن ، وتلك قاعدة عامة في تشريع الأحكام الإسلامية : القرآن يقرر أصل الحكم ويجمله ، والسنة تفصله وتنفذه ، والتفصيل في هذا الأمر ، إنما هو تعيين الكف ء لمنصب الإمامة بعد سيدنا رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، ليكون مرجع المسلمين وقدوتهم ، في صراط الإسلام المستقيم . ومن هنا يتبين أن منصب الإمامة لا يتعين إلا بأمر إلهي ، فالإمام - بصفته مرجع المسلمين ، ومنعقد طاعتهم وقدوتهم في أمر الدين والدنيا - يجب أن يكون حامل علم النبي صلى الله عليه وسلم ، علم الوحي والأوامر الإلهية ، فمنصبه في توجيه المسلمين ورعايتهم خطير .


وقد عرفنا أين آلت الإمامة ، وكيف أصبحت ؟ لما فوض المسلمون أمر اختيار الإمام إلى أنفسهم ، حتى تقمصها الخلعاء والفساق والفجار والجهلة والسفاكون ، وأصبحت الخلافة وراثة كسروية قيصرية ( 1 ) .


روى البخاري في صحيحه ( باب هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء ) ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال : أخبرني جدي قال : كنت جالسا " مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ومعنا مروان ، قال أبو هريرة : سمعت الصادق المصدوق يقول : هلكة

  * هامش *  
 

=> وانظر عن الخلافة الفاطمية ( عطية مشرفة : نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين - القاهرة 1948 ص 68 - 82 ) .
( 1 ) السيد هاشم محسن الأمين : مقدمة كتاب : الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 . ( * )

 

 

 ص 183

أمتي على يدي غلمة من قريش ، فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة ، فقال أبو هريرة : لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت ، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان ، حين ملكوا بالشام ، فإذا رآهم غلمانا " أحداثا " ، قال لنا : عسى هؤلاء أن يكونوا منهم ، قلنا : أنت أعلم ( 1 ) .


وبمرور الأيام أصبح تعيين الخليفة في يد خدم البلاط ومماليكه وإمائه وجواريه ، بيدهم الحل والربط ، يعبثون بمصائر الإسلام والمسلمين ، رهنا " بشهواتهم ، والخليفة لعبة مبتذلة في أيديهم ، يختارونه اليوم ويخلعونه غدا " ، ويبايعونه الساعة ، ويسلمونه أو يقتلونه بعد ساعة .


هذا ومن حمل كتاب الله ، وعلم نبيه من آل البيت ، خائف يترقب ، أو محبوس يتعذب ، أو شريد غريب عن أهله ودياره ، وأعداء الإسلام يقتطعون أرضه قطعة قطعة ، ويقتلون أهله جماعة جماعة .


فاكتمال الدين إذن ، إنما كان في التبليغ ، تبليغ الرسالة كاملة ، فيها تبيان كل شئ يحتاج المسلمون إلى تبيانه وفيها معالم الصراط المستقيم إلى الفوز العظيم ، أعني اكتمال الدين ظل نظريا " ، لم يتشخض في واقع المسلمين .


وأما تفصيل السنة النبوية ، لما أجمله القرآن في موضوع الإمامة ، فقد حصل في حادثين عظيمين من حوادث السيرة النبوية الشريفة ، الأول : يوم غدير خم ، والثاني : أيام المرض الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه ، وفي كلا الحادثين كان التشديد باتباع أهل البيت وموالاتهم ( 2 ) .


ففي حديث الغدير يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ( 3 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري 9 / 60
( 2 ) الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 - 10 .
( 3 ) أنظر عن روايات مختلفة للحديث الشريف ( ابن حنبل : فضائل الصحابة 2 / 598 - 599 ، =>

 

 

 ص 184

ثم هناك حديث الثقلين ، روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال : قام فينا خطيبا " بماء يدعى خما " ، بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ، ألا أيها الناس ، فإنما أنا بشر ، يوشك أن يأتي

رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أولهما ، كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل

بيتي ( 1 ) . رواه الإمام أحمد في المسند ( 2 ) ، والبيهقي في السنن ( 3 ) ، والدرامي في سننه ( 4 ) ، والمتقي في كنز العمال ( 5 ) ، والطحاوي في مشكل الآثار ( 6 ) .


وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن سعيد والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به ، لن تضلوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيها ( 7 ) .

  * هامش *  
 

=> السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 169 ، المستدرك للحاكم 2 / 129 ، 3 / 110 ، 116 ، 371 ، 533 ، كنز العمال 1 / 48 ، 6 / 83 ، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54 مسند الإمام أحمد 1 / 84 ، 88 ، 118 ، 2307119 ، 4 / 368 ، 370 ، 372 ، 5 / 347 ، الرياض النضرة 2 / 226 ) ( وسنشير إلى هذا الحديث الشريف بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة ) .

( 1 ) صحيح مسلم 15 / 179 - 180 ( بيروت 1981 ) .
( 2 ) مسند الإمام أحمد 4 / 366 .
( 3 ) سنن البيهقي 2 / 148 ، 7 / 30 .
( 4 ) سنن الدرامي 2 / 431 .
( 5 ) كنز العمال 1 / 45 ، 7 / 103 .
( 6 ) مشكل الآثار 4 / 368 .
( 7 ) صحيح الترمذي 2 / 308 ، وانظروا روايات أخرى للحديث الشريف ( صحيح الترمذي 2 / 308 ، 5 / 163 ،
كنز العمال
1 / 48 ، 6 / 390 ، ابن حنبل : فضائل الصحابة 1 / 171 ، 172 - 2 / 602 ، =>

 

 

 ص 185

ويقول المحدث الفقيه ابن حجر الهيثمي ( 909 - 974 ه‍ ) أن لحديث الثقلين هذا طرقا " كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا " ، وله طرق كثيرة ، وفي بعض تلك الطرق أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ذلك ( الحديث ) في

حجة الوداع في عرفة ، وفي أخرى أنه قاله في المدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه قاله في غدير خم ، وفي أرى أنه قاله بعد انصرافه من الطائف ولا تنافي ، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في كل تلك المواطن وغيرها ، اهتماما " بشأن الكتاب العزيز ، والعترة الطيبة الطاهرة ( 1 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أساس الخلاف في الإمامة بين الشيعة الإمامية وأهل السنة أمران .

أحدهما : - أن الإمام عند الإمامية ينال الخلافة بالوراثة أو بالوصاية النبوية ، على حد تعبيرهم ، أما غيرهم فيرون أن الإمامة تكون بالبيعة والحكم بالفعل ، وجمهور المسلمين لا يعتبرون حكم الملوك كعبد الملك وأولاده ، والسفاح والمنصور وأولادهم

وذريته ، خلافة نبوية ، بل يعتبرونها خلافة ملك ، والخلافة النبوية لم تتحقق إلا في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم ، ويأخذون في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون ، ثم تصير ملكا " عضوضا " أي يعض عليه بالنواجذ ( 2 ) .


ولست أدري لم بدأ العلامة أبو زهرة ( محمد أحمد أبو زهرة 29 مارس 1898 م - 12 أبريل 1974 م ) الملك الغضوض ب‍ عبد الملك بن مروان ( 65 - 86 ه‍ / 685 - 705 م ) وأولاده من بني أمية ، ثم أبو العباس السفاح ( 132 - 136 ه‍ / 750 - 754 م ) وأبو جعفر المنصور ( 136 - 158 ه‍ / 754 -  / 77 م )

  * هامش *  
 

=> المسند 3 / 14 ، 17 ، 26 ، 59 ، 4 / 371 ، معجم الطبراني الكبير 3 / 63 ، 3 / 200 ،
مجمع الزوائد
5 / 181 - 182 ، 9 / 164 7163 ، 165 ، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 51 ،
المستدرك
للحاكم 3 / 109 ، 148 ، أسد الغابة 2 / 13 ) .

( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 7 / 7 - 8 ( دار الفكر - بيروت 1386 ه‍ / 1966 م ) .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 7 / 12 ، وانظر آراء أخرى في نفس الكتاب 7 / 7 - 21 . ( * )

 

 

 ص 186

وأولاده ، من بني العباس ، مع أن بداية الملك العضوض إنما كانت على يد معاوية بن أبي سفيان ( 40 - 60 ه‍ / 660 - 680 م ) - طبقا " لنص الحديث الشريف ، فضلا " عن أحداث التاريخ ، هذا إلى أن معاوية نفسه - كما أشرنا من قبل -

إنما كان يقول : أنا أول الملوك ، وأن سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه ، إنما كان يحييه بالملك ، وليس بإمرة المؤمنين ، هذا إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ، إنما أطلق عليه لقب الملك ، وتابعه في ذلك ابن كثير ، بل إن ابن كثير يقول والسنة أن

يقال لمعاوية ملك ، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى عدة أمور ، اتصلت بالإمامة عند الشيعة ، وهي العصمة والتقية والرجعة والمهدي والبداء والجفر ومصحف فاطمة .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب