- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 132 -

 4 - الملك : من المعروف أن سيدنا الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم- إنما كان خامس الراشدين وآخرهم ، وقد تحققت به وعليه معجزة جده الرسول الأعظم ، صلى الله عليه وسلم ، في قوله الشريف الخلافة بعدي ثلاثون

سنة وصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقت معجزته ، فكان للإمام الحسن بن علي من هذه الثلاثين سنة قرابة ستة أشهر ، تتمة لها ، أو سبعة أشهر ، وأحد عشر يوما " - فيما يرى أين عساكر - ومن ثم فهو ، رضوان الله عليه ،

خامس الراشدين ، فلقد أخرج ابن حبان والإمام أحمد عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " .


ويقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - عن خلافة الإمام الحسين بن علي ابن أبي طالب - أن أهل الشام بايعوا معاوية بإيلياء ( القدس ) ( 3 ) ، لأنه لم يبق له عندهم منازع ، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي ، رضي الله

  * هامش *  
 

( 3 ) أنظر عن إيليا - وهي القدس ، وهي أورشليم ، ( محمد بيومي مهران : إسرائيل - الجزء الثاني ص 812 - 866 - الإسكندرية 1978 ) .

 

 

 ص 133

عنه ، ليمانعوا به أهل الشام ، فلم يتم لهم ما أرادوه وحاولوه ، وإنما كان خذلانا " لهم من قبل تدبيرهم ، وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم ، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من متابعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيد المسلمين ، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم .


والدليل على أن سيدنا الحسن بن علي ، أحد الخلفاء الراشدين ، الحديث الشريف الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي رواه الأئمة : أحمد بن حنبل والترمذي وأبو يعلى وابن حبان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " .


هذا وقد كملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي ، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه صلى الله عليه وسلم ، إنما توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وهذا من دلائل نبوته صلوات الله وسلامه عليه وقد مدحه رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، على صنيعه هذا ، وهو تركه الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه دماء هذه الأمة ، فنزل عن الخلافة ، وجعل الملك بيد معاوية بن أبي سفيان ، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد ( 1 ) .


وروى المسعودي في مروج الذهب : أنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، لأن أبا بكر رضي الله عنه ، تقلدها سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام ، وعمر ، رضي الله عنه ، عشر سنين وستة أشهر ،

وأربع ليال ، وعثمان رضي الله عنه ، إحدى عشرة سنة ، وأحد عشر شهرا " ، وثلاثة عشر يوما " ، وعلي رضي الله عنه ، أربع سنين وسبعة أشهر ، إلا يوما " ، والحسن رضي الله

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الحافظ ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 18 ( القاهرة 1351 ه‍ / 1933 م ) . ( * )

 

 

 ص 134

عنه ، ثمانية أشهر ، وعشرة أيام ، فذلك ثلاثون سنة ( 1 ) .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه : أخرج الحافظ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم قال رجل - كان حاضرا " في مجلس عبد الله - فقال : قد دخلت في هذه الثلاثين

سنة شهور في خلافة معاوية ، فقال من حضر : إن تلك الشهور كانت فيها البيعة للحسن ، بايعه أربعون ألفا " ، واثنان وأربعون ألفا " ، ولما قتل علي رضي الله عنه ، بايع أهل الكوفة الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، وأطاعوه ، وأحبوه أشد

من حبهم لأبيه ، وكان قد ولي الخلافة سبعة أشهر ، وأحد عشر يوما " ، وكان التقاؤه بمعاوية بمسكن من أرض العراق ، فتصالحا في ربيع الأول ، سنة إحدى وأربعين .


ويقول ابن خلكان ( أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر - 608 - 681 ه‍ / ) : روى سفينة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " أو ملوكا " - وكان آخر ولاية الحسن بن علي ، رضي الله عنه تمام ثلاثين سنة ، وثلاثة عشر يوما " ، من أول خلافة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ( 2 ) .


ويقول ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - بعد أن ذكر الحديث - الآنف الذكر - الذي رواه سفينة - الخلافة ثلاثون سنة ، ثم تصير ملكا " ، فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، الأمر إلى معاوية ، وكان معاوية أول الملوك ( 3 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر 1 / 715 - ( دار الكتاب اللبناني - بيروت 1402 ه‍ / 1982 م ) .
( 2 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 2 / 66 ( دار صادر - بيروت 1977 م ) .
( 3 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري ص 29 ( دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة 1405 ه‍ / 1984 م ) .

 

 

 ص 135

وهكذا يتفق العلماء على أنه لم يكن في الثلاثين سنة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم ، من بعده للخلافة ، إلا الخلفاء الراشدون الأربعة ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ) ، وكملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي ، المدة التي مكث

فيها خليفة حق ، وإمام عدل ، تحقيقا " لما أخبر به جده المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بقوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ومن ثم فقد كانت خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب ، منصوصا " عليها ، وإن كانت محدودة الأجل .


ثم يبدأ - بعد الحسن بن علي - الملك العضوض بـ‍ " معاوية بن أبي سفيان "( 40 - 60 ه‍ / 660 - 680 م ) فلقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال : لسفينة ( مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، إن بني أمية يزعمون

أن الخلافة فيهم ، قال : كذب بنو الزرقاء ، بل هم ملوك ، ومن أشد الملوك ، وأولهم معاوية . هذا ويسمى شيخ الإسلام ابن تيمية معاوية بن أبي سفيان بالملك ، فيقول في كتابه منهاج السنة : لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيرا " من معاوية ، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرا " منهم في زمن معاوية ( 1 ) .


هذا وقد أشرنا آنفا " إلى رواية الحافظ ابن كثير ، والتي يفرق فيها بين عهد الإمام الحسن بن علي وعهد معاوية بن أبي سفيان ، فسمي عهد الأول خلافة ، وعهد الثاني ملكا " ، فقال : وقد مدحه ( أي الإمام الحسن ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على صنيعه ، وهو ترك الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه دماء هذه الأمة ، فنزل عن الخلافة ، وجعل الملك بيد معاوية ( 2 ) .

  * هامش *  
  ( 1 ) ابن تيمية : المنتقى من منهاج الاعتدال ص 231 ( مختصر منهاج السنة للحافظ الذهبي - مكتبة دار البيان - دمشق 1374 ه‍ ) .
( 2 ) الحافظ ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 18 . ( * )
 

 

 ص 136

هذا فضلا " عن أن معاوية بن أبي سفيان نفسه ، إنما كان يقول عن نفسه أنا أول الملوك ، هذا فضلا " عن أن الجملة التي ينسبها أنصار معاوية و مريدوه إلى عبد الله بن عباس ، على أنها مديح لمعاوية . لا تعدو وصفه بالملك ، وليس الخليفة ، وهي قوله : ما رأيت رجلا " كان أخلق بالملك من معاوية ( 1 ) .


أضف إلى ذلك كله ، أن القاضي أبا بكر بن العربي ( 468 - 543 ه‍ ) ، والذي كتب كتابه العواصم من القواصم للدفاع عن معاوية وبني أمية ، إنما يتحدث فيه عن مراتب الولاية ، على أنها : خلافة ثم ملك ، فتكون ولاية الخلافة للأربعة ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ) ، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية ( 2 ) .


وعلى أية حال ، فإن المؤرخين إنما يذهبون إلى أن معاوية بن أبي سفيان إنما قد أحاط نفسه بكل مظاهر الملك ، فقد لازم الخلافة الإسلامية في عهده طابع سياسي ، أكثر منه دينيا " ، وأصبحت كلمة ملك - بمعنى الحاكم المطلق ( أوتوقراطي ) - يطلقها المؤرخون عليه ، وعلى خلفائه من حكام بني أمية ، وهو نفسه الذي قال : أنا أول الملوك .


وقد استحدث معاوية أمورا " لم تعرفها من قبل خلافة الراشدين ، فبنى لنفسه قصرا " في دمشق سماه الخضراء ، وهو قصر ضخم ، أراد به معاوية أن ينافس قصور الرومان ، وكان أبو ذر الغفاري - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم -

ينكر على معاوية أمورا " كثيرة ، قال أبو ذر : لقد حدثت أعمالا " لا أعرفها ، والله ما هي في كتاب ، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والله إني لأرى حقا " يطفأ ، وباطلا " يحيا ، وصادقا " مكذبا " ، وأثرة بغير تقى . وأراد معاوية أن يتلطف إلى أبي ذر ، ويتقرب إليه ، فدعاه إلى قصره

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن تيمية : المنتقى من منهاج الاعتدال ص 231 .
( 2 ) القاضي أبو بكر بن العربي المالكي : العواصم عن القواصم - حققه محب الدين الخطيب - خرج أحاديثه محمود مهدي الاستانبولي ص 215 ( دار الكتب السفية - القاهرة 1405 ه‍ ) .

 

 

 ص 137

الخضراء هذا ، فقال له أبو ذر : يا معاوية ، إن كانت هذه الأبهة من مال الله ، فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهي الإسراف ( 1 ) .

هذا فضلا " عن اتخاذه السرير - أو العرش - وجعل الحراس يمشون بالحراب بين يديه ، كما أوجد الشرطة لحراسته ، وكان إذا صلى في المسجد ، جلس في بيت منفرد بجدران عرف باسم المقصورة وأخيرا " ، فلقد أراد معاوية أن يجعل من

الخلافة الإسلامية مزرعة أموية ، ومن ثم فقد استحدث في الإسلام بدعة ولي العهد ، فاستخلف ولده يزيد على سلطان المسلمين من بعده ، فغير بذلك السنة الموروثة تغييرا " خطيرا " ، الأمر الذي أدى إلى مذبحة كربلاء ، التي راح ضحيتها

أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذبحت ذريته ، فضلا " عن الاستباحة الخليعة لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في يوم الحرة ، والاعتداء على حرم الله الآمن بمكة المكرمة ( 2 ) .


وكان سعيد بن المسيب ، رضي الله عنه ، يسمى سني يزيد بن معاوية بالشؤم ، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي ، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثانية استبيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتهكت حرمة المدينة ، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله ، وحرقت الكعبة ( 3 ) .


وهكذا يبدو واضحا " أن خلافة سيدنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ، إنما كانت نهاية الخلافة ، - كما أخبر جده النبي صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فهو

 

* هامش *

 
 

( 1 ) أنظر : ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 8 / 256 ،
عبد الرحمن الشرقاوي : علي إمام المتقين 1 / 170 ( ط مكتبة غريب - القاهرة 1985 ) .
( 2 ) محمد بيومي مهران : الإمام الحسن بن علي ص 48 - 50 ( دار النهضة العربية - بيروت 1990 م ) .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 253 ( دار بيروت - بيروت 1400 ه‍ / 1980 م ) . ( * )

 

 

 ص 138

خامس الراشدين ، حيث ينتهي بعهده عهد الخلافة ، ويبدأ عصر الملوك ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث يقول : ستكون خلافة نبوة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم يكون ملك وجبرية ، ثم يكون ملك عضوض ( 1 ) .


وفي رواية الحافظ أبي نعيم عن الليث عن عبد الله بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح ، رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة ، ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم كائن ملكا " عضوضا " ثم كائن عتوا " وجبرية ، وفسادا " في الأمة ، يستحلون الحرير والخمور ، يرزقون على ذلك وينصرون ، حتى يلقوا الله عز وجل ( 2 ) .


وفي رواية أبي داود بسنده عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء ( 3 ) .


وفي رواية الطحاوي خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء أو الملك ( 4 ) .

وفي سنن أبي داود : قال سعيد ، قال لي سفينة : أمسك عليك : أبا بكر سنتين ، وعمر عشرا " ، وعثمان اثنتي عشرة ، وعلي كذا ، قال سعيد : قلت لسفينة : إن هؤلاء ( أي بني أمية ) يزعمون أن عليا " عليه السلام ، لم يكن بخليفة ، قال : كذبت أستاه بني الزرقاء ، يعني مروان ( 5 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ص 29 ( جدة 1984 ) .
( 2 ) الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني : دلائل النبوة ص 481 ( دار الباز - مكة المكرمة 1977 م ) .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 515 ( ط الحلبي - القاهرة 1371 ه‍ / 1952 م ) .
( 4 ) شرح العقيدة الطحاوية ( بيروت 1392 ه‍ ) ص 545 .
( 5 ) سنن أبي داود 2 / 515 . ( * )

 

 

 ص 139

وفي رواية الطبراني عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة ، ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم كائن ملكا " عضوضا " ، ثم كائن عتوا " ، وجبرية ، وفسادا " في الأرض ، يستحلون الحرير والفروج والخمور ، ويرزقون على ذلك وينصرون ، حتى يلقوا الله عز وجل .


وفي الخصائص الكبرى : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه ، والنسائي والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن سفينة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلافة النبوة - وفي لفظ : الخلافة في أمتي - ثلاثون عاما " ، ثم يكون ملكا " .


وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ، ثم يكون خلافة ورحمة ، ثم كائن ملكا " عضوضا " ، ثم كائن عتوا " وجبرية ، وفسادا " في الأمة ، يستحلون الفروج والخمور والحرير ، وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا " ، حتى يلقوا الله .


وأخرج البيهقي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خلافة نبوة ثلاثون عاما " ، ثم يؤتي الله الملك من يشاء ، فقال معاوية : قد رضينا بالملك . وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخلافة بالمدينة ، والملك بالشام ( 1 ) .

وهكذا تشير الأحاديث النبوية الشريفة إلى أن الخلافة إنما تنتهي بخلافة

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي : الخصائص الكبرى 2 / 115 - 116 ( دار الكتب العلمية - بيروت )

 

 

 ص 140

الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأن الملك إنما يبدأ بمعاوية بن أبي سفيان ( مؤسس الدولة الأموية 41 - 132 ه‍ / 661 - 750 م ) ، ومن ثم فمعاوية أول ملوك الإسلام ، وكان معاوية نفسه دائما " يقول أنا أول الملوك .
 

وروى الحافظ ابن كثير عن حنبل بن إسحاق قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا ابن أبي عتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال : قال معاوية : أنا أول الملوك ، وقال ابن أبي خيثمة : حدثنا هارون بن معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب قال : كان معاوية يقول : أنا أول الملوك ، وآخر خليفة .


هذا وكان الصحابي الجليل - سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه يسلم على معاوية بن أبي سفيان بالملك وبالخلافة أو إمارة المؤمنين ، روى ابن الأثير في الكامل أنه : لما استقر الأمر لمعاوية ، دخل عليه سعد بن أبي وقاص ، فقال : السلام عليك أيها الملك ، فضحك معاوية وقال : ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت : يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أتقولها جذلان ضاحكا " ؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها ( 1 ) به .


وروى اليعقوبي فقال : ودخل سعد بن مالك ( سعد بن أبي وقاص ) فقال : السلام عليك أيها الملك ، فغضب معاوية فقال : ألا قلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذاك إن كنا أمرناك ، إنما أنت منتنر ( 2 ) .


وليس هناك إلى سبيل من ريب في أن الملك أقل درجة من الخلافة ، يقول الإمام ابن تيمية في فتاويه : وأن خبره صلى الله عليه وسلم ، بانقضاء خلافة النبوة فيه الذم للملك ، والعيب له ، لا سيما ، ومن حديث أبي بكرة أنه استاء للرؤيا ، وقال : خلافة نبوة ، ثم يؤتي الله الملك من يشاء ( 3 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 409 ( بيروت 385 ه‍ / 1965 م ) .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 ( بيروت 1400 ه‍ / 1980 م ) .
( 3 ) فتاوى ابن تيمية 35 / 21 - 22 ( الرياض 1386 ه‍ ) . ( * )

 

 

 ص 141

وفي رواية أبي داود ، عن سعيد بن جمهان : خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء ( 1 ) .

ويقول الحافظ ابن كثير : والسنة ( أي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أن يقال لمعاوية ملك ، ولا يقال له خليفة كحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " ( 2 ) ،

وفي رواية خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله الملك من يشاء ، أو ملكه من يشاء ( 3 ) .


هذا وقد أطلق الإمام ابن تيمية في كثير من أجزاء فتاويه لقب الملك على معاوية ، يقول في الجزء الرابع : واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة ، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة ، وهو أول الملوك ، كان ملكه ملكا " ورحمة ، كما جاء في الحديث يكون الملك نبوة ورحمة ، ثم تكون خلافة ورحمة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم ملك وجبرية ، ثم ملك

عضوض ، وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة ، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ، ثم تصير ملكا " ( 3 ) . ويقول في الجزء الخامس والثلاثين : وفي عام الجماعة ، لاجتماع الناس على معاوية ، وهو أول الملوك ( 4 ) .


ومن عجب أن يقول الشيخ الخضري ( محمد بن عفيف الباجوري الخضري 1289 - 1345 ه‍ / 1872 - 1927 م ) أن التاريخ يسمي معاوية الخليفة المتغلب ، وهذا - فيما يرى الشيخ التباني - كذب على التاريخ ، فإنه لم يسمه خليفة ،

فضلا " عن كونه متغلبا " ، فقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن معاوية في مدة الإمام علي وولده الإمام الحسن ، لم يكن خليفة ، وإنما كان من الملوك ، وإنما اختلفوا في تسميته بعد تنازل الحسن له ،

  * هامش *  
 

( 1 ) سنن أبي داود 2 / 514 - 515 ( القاهرة 1371 ه‍ / 1952 م ) .
( 2 ) الحافظ ابن كثير : البداية والنهاية 8 / 146 .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 514 - 515 .
( 4 ) فتاوى ابن تيمية 4 / 478 ، 35 / 19 . ( * )

 

 

 ص 142

واجتماع المسلمين عليه ، فقيل صار خليفة ، وقيل : لا ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " ، وقد اتفقوا على أنها تمت بمدة الحسن .


أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان وممن ذكر هذا الاتفاق والاختلاف الكمال بن الهمام في مسايرته ( 1 ) .

ومن البدهي أن ما ينطبق على معاوية - من أنه ملك ، وليس خليفة ، اتباعا " للسنة النبوية الشريفة - إنما ينطبق على خلفائه من حكام بني أمية ، فهم جميعا " ملوك ، وليسوا خلفاء ، والأمر كذلك بالنسبة لبني العباس ، فضلا " عن العثمانيين ، والذين

انتهت خلافتهم ( ؟ ) بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى ، حيث قام كمال أتاتورك ( 1298 - 1351 ه‍ / 1880 - 1938 م ) بإلغاء الخلافة العثمانية في 22 رجب عام 1342 ه‍ ( 3 مارس 1924 م ) ( 2 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك تصورا " آخر لتطور الخلافة ، يجعلها في ثلاثة أطوار ، قدمه لنا العلامة الباقوري ( 3 ) - طيب الله ثراه - وهي :

 1 - الطور الأول : طور الخلافة الراشدة : وهو طور اجتهاد في نصرة الحق بكل ما ينطوي عليه الاجتهاد من خطأ أو صواب ، ومن سداد في الرأي ، أو سوء في التأويل ، ومن تلمظ إلى لذاذات السلطان ، أو إيثار لمقتضيات الإيمان .

 2 - الطور الثاني : طور الملك العضوض : فقد انتقل أهل الإسلام من الشورى التي أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولزمها الخلفاء الراشدون ، إلى صورة أخرى

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد العربي التباني : تحذير العبقري من محاضرات الخضري - بيروت 1984 ص 230 - 232 .
( 2 ) أنظر عن نهاية الخلافة العثمانية ( عمر عبد العزيز عمر : تاريخ المشرق العربي - دار النهضة العربية - بيروت 1984 ص 293 - 296 ) .
( 3 ) أحمد حسن الباقوري : مع القرآن - القاهرة 1970 ص 14 - 46 . ( * )

 

 

 ص 143

من نظام الحكم ، كان العرب يعرفونها بالقيصرية أو الكسروية ، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم الملك العضوض - كما رأينا آنفا " في أحاديث نبوية شريفة - .

والعضوض : بناء لغوي يعطي معنى المبالغة في العض ، ويوصف به المذكر والمؤنث ، وهو مستعار من عض الناب ، فكان هذا النوع من الحكم يعض الرعية عضا " ، ومن ذلك يقول العرب : زمن عضوض ، يعنون أنه كلب مسعور .

والخصيصة البارزة للملك العضوض ، أنه مغري بطمس كل حقيقة مأثورة ، تخالف هواه ، لكي لا ينبعث عنها ما ينبه غافلا " ، أو يرشد حائرا " ، أو يذكر ناسيا " ، أو يشد عزمة واهية ، إلى وصل حاضر واهن بماض قوي مجيد .


ومن أعجب شئ في طمس الحقائق أن يستمر ملوك بني أمية على عداوتهم لأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - حتى بعد أن لحق بالرفيق الأعلى - راضيا " مرضيا " عنه - فيتجاهلون في هذا الموطن ، كرائم الأخلاق العربية ، وفضائل الآداب الإسلامية ، ليأمروا عمالهم وعفاتهم - غير محتشمين الموت - أن يلعنوا الإمام علي ( والعياذ بالله ) على المنابر في بيوت الله ، بين أسماع المسلمين وأبصارهم .


ولم تزل هذه الخسيسة - خسيسة لعن الإمام علي على المنابر في بيوت الله - تطارد كل يوم جمعة ، شرف العروبة ، وأدب الإسلام ، حتى قضى عليها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، فأمر ، رضي الله عنه ، أن تستبدل بهذه البدعة الخسيسة المنكرة ، الآية الشريفة من كتاب الله ، * ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) * ( 1 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة النحل : آية 90 . ( * )

 

 

 ص 144

ومن أعدل الشهود على خساسة هذا الطور من الخلافة ، مراسيل الحسن البصري ( 21 - 110 ه‍ / 642 - 728 م ) ، وهو التابعي الورع ، رضيع أم سلمة ، أم المؤمنين رضي الله عنها ، وكان من شيعة الإمام علي وأهل مودته ، وكان يروي

الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحديث المرسل : هو ما سقط من سلسلته الصحابي ، كقول التابعي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كذا أو فعل كذا ، أو فعل بحضرته كذا ، وقد كانت تلك طريقة الحسن البصري ، فيما

يرويه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن يذكر الصحابي الذي يروي عنه ، ويقول : إنهم ليعلمون عمن أروي الحديث . وقد سأل أحد طلاب الحديث الحسن ذات يوم فقال : يا أبا سعيد ، إنك تحدثنا وتقول : قال رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، وحبذا لو أسندت الحديث إلى من حدثك من أصحاب النبي ، فقال الحسن : إنا والله ما كذبنا ، وما كذبنا ، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . هذا وقد سأل يونس بن عبيد -

من أهل العلم - الحسن البصري ، فقال : يا أبا سعيد ، إنك تقول : قال رسول الله ، وإنك لم تدركه ، فقال : يا ابن أخي ، لقد سألتني في شئ ، ما سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى - يعني زمن الحجاج -

كل شئ سمعتني أقوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو عن علي بن أبي طالب ، غير أني في هذا الزمان لا أستطيع أن أذكر عليا " ( 1 ) .


هذا وقد وثق أهل العلم بالحسن البصري ، فقال ابن المديني : مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ، ما أقل ما يسقط منه ، وقال يحيى بن سعيد القطان : ما قاله الحسن في حديثه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا وجدنا له أصلا " ، إلا حديثا " أو حديثين ، وقال محمد بن سعيد : كل ما أسند من

 

* هامش *

 
 

( 1 ) أنظر : شرح نهج البلاغة 4 / 95 - 96 . ( * )

 

 

 ص 145

حديث الحسن ، أو روي عمن سمع منه ، فهو حسن وحجة ( 1 ) .

وقال الأعمش : ما زال الحسن البصري ( 2 ) يعي الحكمة ، حتى نطق بها ، وكان إذا ذكر عند الإمام أبي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين ، قال : ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء ( 3 ) .


 3 - الطور الثالث : طور العصبية الجامحة : وهي ضربان : عصبية عروق تستند إلى الأنساب ، وعصبية مذاهب تستند إلى الأفكار .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الباقوري : مع القرآن ص 16 - 18 .
( 2 ) الحسن البصري : هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد ، وهو ابن مولى من ميسان أحضر إلى المدينة وقت الفتح ، وقد ولد الحسن بالمدينة 21 ه‍ ( 642 م ) ونشأ في وادي القرى ثم انتقل إلى البصرة ، وقد عرف سبعين من رجال غزوة بدر ،

وروى عن عدد منهم ، وأكثر مروياته عن أنس بن مالك ، وكان يعلن رفضه لبيعة يزيد بن معاوية ، وهو القائل أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة كانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء ، حتى ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا

الصحابة وذو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا " ، يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا " ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا " ، ويلا له من حجر ، مرتين . هذا ويعد أهل السنة الحسن البصري

منهم ، ويراه المعتزلة معتزليا " ، فمؤسسا الاعتزال - واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد - تلميذاه ، كما أنه مال إلى القول بحرية الإرادة ، وكان ورعه ذا أثر في الاتجاه الصوفي في علم الكلام ،

وانظر عن مصادر ترجمته ( طبقات ابن سعد 7 / 156 - 178 ، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1 / 2 / 40 - 42 ،
الفهرست
لابن النديم ص 37 - 38 ، 183 ، حلية الأولياء 2 / 131 - 161 ، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 68 - 69 ،

تهذيب التهذيب لابن حجر 2 / 263 - 270 ، المعتزلة لابن المرتضى ص 18 - 24 ، وفيات الأعيان 2 / 69 - 73 ،
 شذرات الذهب 1 / 136 - 138 ، الأعلام للزركلي 2 / 242 ، تذكرة الحفاظ ص 71 - 72 ، ميزان الاعتدال 1 / 254 ) ،

كما قدمت عنه عدة دراسات ، أهمها ، 1 - عبد الرحمن الجوزي : فضائل الحسن البصري - القاهرة 1350 ه‍ ، 2 - عبد الغني المقدسي : أخبار الحسن البصري ، 3 - إحسان عباس : الحسن البصري - القاهرة 1952 م .

أما آثاره : فأهم ما ينسب إليه : 1 - تفسير القرآن ، 2 - القراء . 3 - رسالة في القدر . 4 - فضائل مكة . 5 - فرائض .
 6 - رسالة في التكاليف . 7 - شروط الإمامة . 8 - وصية النبي لأبي هريرة . 9 - الاستغفارات المنقذة من النار .
 10 - الأسماء الإدريسية . 11 - الأخبار المتفرقة .
( 3 ) حلية الأولياء 2 / 147 . ( * )

 

 

 ص 146

 1 - فأما عصبية العروق : فإنها فطرة في النفس الإنسانية ، ومن أجل هذا لم يقاومها الإسلام ، مقاومة تقضي عليها ، وإنما كان شأنه معها ، كشأنه مع سائر الأمور الفطرية ، يقوم فيها ما أعوج ، وينهنه منها ما غلا ، وشاهد ذلك أن النبي صلى الله

عليه وسلم ، كان يتسنم الشرف من بيته وقبيلته وقومه ، وذلك حيث يقول : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا " من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ( 1 ) .


فالاعتزاز بالعصبية فطرة لم يقاومها الإسلام ، وإنما قاوم الظلم الناجم عنها ، حتى تستقيم الحياة على ما ينفع الناس .

غير أن العرب - بما فيهم من فضائل فطرية ، ظاهرتها فضائل الدين - لم يستطيعوا الاحتفاظ طويلا " بهضم نفوسهم ، وقهر شهواتهم ، فنزعوا إلى الاستعلاء بالعروق ، والاستطالة بالأنساب ، فلما مهد الإسلام لهم سبل النعمة ، ومكن لهم من السلطان

، استغلظت بينهم الفتن ، وضرب بعضهم رقاب بعض ، حتى خيم عليهم الفناء ، وكانت السنة المألوفة في صدر الإسلام ، أن تكون كتائب الجيش من القبائل العربية ، وأن يكون أمراؤها من ساداتها .


ثم كان الملك العضوض يتربص الدوائر بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، الطاهرين المطهرين ، ضربا " بالسيوف ، وقعصا " بالرماح ، وصلبا " على الأعواد ، يحدث ذلك كله - ويا للعجب - بين أسماع الأمة وأبصارها .

ولم تكن عصبيات العروق قد ماتت في أنفس المسلمين ، من غير العرب ، فبدأت تستيقظ عاقدة آملة ، وأعتى الشرور ، شر يزحف مدفوعا " بالحقد مزودا " بالأمل ، وأي أمل آمل من آل البيت ، يتخذهم الطامعون في السلطان ، مسعر فتنة ، كما اتخذ بنو أمية وتباعهم - أول عهد دولتهم بالحياة - قميص عثمان لسان فتنة ، لا يجاريه في فصاحته وبيانه لسان .

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 15 / 36 ، القسطلاني : المواهب اللدنية 1 / 13 . ( * )

 

 

 ص 147

وقامت دولة بني العباس ( 132 - 156 ه‍ / 750 - 1258 م ) وقد شارك في إقامتها أبناء فارس ، وكان الظن ببني العباس أن يكونوا أقرب إلى الخلافة منهم إلى الملك العضوض ، وخاصة فيما يتصل بآل البيت ، وخابت الظنون خيبة ملأت من

اليأس النفوس ، وأو قرت الصدور حقدا " آنفا "، إلى حقد قديم ، فمضى الملك العضوض في دولة بني العباس على الطريق نفسها ، التي استنها الملك العضوض في دولة بني أمية ، وراح الخلفاء في هذه الدولة يركبون متون الظنون إلى كل عظيمة ، تتصل بالرعية التي أصابها الحرمان في كل مقدس ، وفي ذروة ذلك كله ، الأمن والطمأنينة ، ووحدة الكلمة .


ومهما يكن هذا السلوك مصيبا " أو مخطئا "، ومثوبا " أو خاطئا "- على ما يختلف في ذلك المؤرخون - فليس هاهنا موضع الحكم عليه ، ولا القضاء فيه ، وكل ما نريد أن نقول هو : أن الحقد يذكر بالحقد ، والشر يغري بالشر والمطامع عدوي .


ولما رأى المسلمون - من غير العرب - أن بني العباس كانوا يصدرون فيما يأخذون ، أو يدعون ، مع أبناء عمومتهم ، عن عصبية قبلية ، أو عن أهواء ذاتة راح زعماؤهم يفكرون في الحصول على السلطان ، ولو أفضى ذلك إلى تقويض دولة بني العباس .

ولم يكن من اليسير أن تدعو أية عصبية غير عربية إلى نفسها ، دعوة صريحة ، فاتخذوا من آل البيت وسيلة إلى غايات بعيدة المدى ، كثيفة الحجاب ، والتف من حول هذه الدعوات كثيرون ، بعضهم يدفعه إلى ذلك حب آل البيت ، ورغبة في

الانتصاف لهم ، وبعضهم يدفعه حقد دفين ، وغيظ كظيم ، فهاجت الفتن هياجا " شديدا " ، واستوعبت كثيرا " من أهل السياسة ، وأهل العلم ، فضلا " عن الأدباء والشعراء . وفي نفس الوقت كانت الدولة العباسية تخبط خبط عشواء ، فحينا " تصادف حقا " ، وأحيانا " تواقع باطلا " ، حتى انتكث فتلها ، وأجهز عليها عملها ، وقامت

 ص 148

الدويلات تتحداها في أكثر من موضع ، ولم يزل الأمر على ذلك ، حتى استقرت الخلافة في تركيا في آل عثمان ، وكانت هذه آخر مراحلها ، وفيها لفظت آخر أنفاسها ( 1 ) ، في الثاني والعشرين من رجب سنة 1342 ه‍ ، الموافق الثالث من شهر

مارس سنة 1924 م ، عندما أعلن مصطفى كمال أتاتورك ( 1298 - 1351 ه‍ / 1880 - 1938 م ) إلغاء نظام الخلافة نهائيا " ، والتي استمرت أكثر من أربعة قرون ، وخلا العالم الإسلامي - وللمرة الأولى في تاريخه - ممن يحمل لقب الخليفة ، أو حتى سلطان المسلمين .


 2 - وأما العصبية المذهبية : فلقد انقسم المسلمون إلى مذاهب ثلاثة : أهل السنة والشيعة والخوارج .

فأما مذهب أهل السنة : فخصيصته تظهر في أمرين ، أولهما : ترتيب الخلفاء الراشدين من الفضل حسب ترتيبهم في الولاية ، فهم في الذكر والفضل معا " على هذا الترتيب : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . وثاني الأمرين : أن ما وقع من السلف الصالح من قتال ، إنما كان الدافع إليه الاجتهاد ، وبذل الوسع في طلب الحق .


 2 - وأما مذهب الشيعة : فهو مذهب الذين يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوالونهم من أتباع أمير المؤمنين سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وابنيه - الإمام الحسن والإمام الحسين ، عليهم السلام - .

والصورة المجملة لمذهب الشيعة - كما سنرى - أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ، بل هي ركن الدين ، وقاعدة الإسلام ، وفي رأيهم أنه لا يجوز أن يغفل النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا الركن ، ولا أن

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الباقوري : مع القرآن ص 20 - 23 . ( * )

 

 

 ص 149

يفوضه إلى الأمة ، والإمام علي ، هو الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم ، ليكون خليفة للمسلمين .


 3 - وأما الخوارج : فإن أصح الناس نظرا " ، وأقواهم بيانا " ، لا يبلغ من صفتهم ، ما بلغ الحديث المأثور : حدثاء الأسنان ، تحقرون صلاتكم بصلاتهم ، وصيامكم بصيامهم ، يقرأون القرآن ، لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية ( 1 ) .

وقد كانوا من التنطع في القول والفعل والتفكير بالمنزلة التي يرثي لها الشامت ، فلقد خرجوا على الإمام علي بعد واقعة التحكيم - وكانوا من قبل أصحابه وأنصاره في الجمل وصفين - واتخذوا لأنفسهم شعارا " ، تستأسر له عواطف المسلمين ، فذلك قولهم لا حكم إلا لله ( 2 ) .


ويرد سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - على شعارهم هذا بقوله . كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا الله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة ، وإنه لا بد للناس من أمير ، بر أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفئ ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ( 3 ) .


وشر ما في هؤلاء الخوارج من شر ، أنهم كانوا يتأولون القرآن تأولا " يفسدون به نظام الأمة ، ويشوهون به وجه الإسلام . ومن أعجب زيغهم عن الحق ، أنهم لا يتعرضون للمشركين بضر ، لأن

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر روايات مختلفة للحديث الشريف ( النسائي : تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ص 95 - 105 - بيروت 1983 م ، سيرة ابن هشام 4 / 370 . )
( 2 ) أنظر عن الخوارج ( ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 4 / 132 - 278 ) . ( 3 ) شرح نهج البلاغة 2 / 307 . ( * )

 

 

 ص 150

الكفر في مذهبهم عاصم لدماء الكفار ، تأويلا " لقول الله تعالى : * ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) * ( 1 ) ، وفي نفس الوقت يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، وقد أسرفوا في هذا إسرافا " جعل المسلم ، إذا وقع في أيديهم ، يزعم أنه مشرك ، لينجو من بطشهم ( 2 ) .


ومن أعجب زيغهم عن الحق أيضا " ، أنهم كانوا يستحلون قتل أطفال المسلمين ، يتأولون في ذلك قول الله تعالى - حكاية عن نوح عليه السلام - * ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " ) * ( 3 ) ،


فكانوا يستندون في قتل أبناء المسلمين إلى هذه الآية الكريمة ، يتأولونها على أن هؤلاء الأطفال صائرون إلى الكفر والفجور ، إذا بلغوا مبلغ الرجال ، وبهذا يسوغ قتلهم . وليس يعرف الناس منطقا " ، أدخل في باب الخبل ، وأنأى عن مقاصد الشريعة ، وأشد حربا " لكتاب الله ، من هذا المنطق الخبيث ( 4 ) .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة التوبة : آية 6 .
( 2 ) أنظر أمثلة الكامل للمبرد 30 / 212 ، شرح نهج البلاغة 2 / 280 - 283 .
( 3 ) سورة نوح : آية 26 - 27 .
( 4 ) الباقوري : مع القرآن ص 43 - 44 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب