|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 132 - |
4 - الملك : من المعروف
أن سيدنا الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم- إنما كان
خامس الراشدين وآخرهم ، وقد تحققت به وعليه معجزة جده الرسول الأعظم ، صلى الله
عليه وسلم ، في قوله الشريف الخلافة بعدي ثلاثون
سنة وصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقت معجزته
، فكان للإمام الحسن بن علي من هذه الثلاثين سنة قرابة ستة أشهر ، تتمة لها ،
أو سبعة أشهر ، وأحد عشر يوما " - فيما يرى أين عساكر - ومن ثم فهو ، رضوان
الله عليه ،
خامس الراشدين ، فلقد أخرج ابن حبان والإمام أحمد عن سفينة
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون
ملكا " عضوضا " .
ويقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - عن
خلافة الإمام الحسين بن علي ابن أبي طالب - أن أهل الشام بايعوا معاوية بإيلياء
( القدس ) ( 3 ) ، لأنه لم يبق له عندهم منازع ، فعند ذلك أقام أهل العراق
الحسن بن علي ، رضي الله
| |
* هامش * |
|
| |
( 3 ) أنظر عن إيليا - وهي القدس ، وهي أورشليم ، ( محمد
بيومي مهران : إسرائيل - الجزء الثاني ص 812 - 866 - الإسكندرية 1978 ) .
|
|
|
عنه ، ليمانعوا به أهل الشام ، فلم يتم لهم ما أرادوه وحاولوه
، وإنما كان خذلانا " لهم من قبل تدبيرهم ، وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم
، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من متابعتهم ابن بنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وسيد المسلمين ، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي
آرائهم .
والدليل على أن سيدنا الحسن بن علي ، أحد الخلفاء
الراشدين ، الحديث الشريف الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة ، مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي رواه الأئمة : أحمد بن حنبل والترمذي
وأبو يعلى وابن حبان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخلافة بعدي
ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " .
هذا وقد كملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي ، فإنه نزل عن الخلافة
لمعاوية بن أبي سفيان في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، وذلك كمال ثلاثين سنة
من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه صلى الله عليه وسلم ، إنما توفي في
ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وهذا من دلائل نبوته صلوات الله وسلامه
عليه وقد مدحه رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، على صنيعه هذا ، وهو تركه الدنيا الفانية ،
ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه دماء هذه الأمة ، فنزل عن الخلافة ، وجعل
الملك بيد معاوية بن أبي سفيان ، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد ( 1 ) .
وروى المسعودي في مروج الذهب : أنه صح عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، لأن أبا بكر رضي
الله عنه ، تقلدها سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام ، وعمر ، رضي الله عنه ، عشر
سنين وستة أشهر ،
وأربع ليال ، وعثمان رضي الله عنه ، إحدى عشرة سنة ، وأحد عشر
شهرا " ، وثلاثة عشر يوما " ، وعلي رضي الله عنه ، أربع سنين وسبعة أشهر ، إلا
يوما " ، والحسن رضي الله
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الحافظ ابن كثير : البداية والنهاية
8 / 18 ( القاهرة 1351 ه / 1933 م ) . ( * )
|
|
|
عنه ، ثمانية أشهر ، وعشرة أيام ، فذلك ثلاثون سنة ( 1 ) .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه :
أخرج الحافظ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سفينة عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم قال رجل - كان حاضرا " في مجلس
عبد الله - فقال : قد دخلت في هذه الثلاثين
سنة شهور في خلافة معاوية ، فقال من حضر : إن تلك الشهور كانت
فيها البيعة للحسن ، بايعه أربعون ألفا " ، واثنان وأربعون ألفا " ، ولما قتل
علي رضي الله عنه ، بايع أهل الكوفة الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، وأطاعوه ،
وأحبوه أشد
من حبهم لأبيه ، وكان قد ولي الخلافة سبعة أشهر ، وأحد عشر
يوما " ، وكان التقاؤه بمعاوية بمسكن من أرض العراق ، فتصالحا في ربيع الأول ،
سنة إحدى وأربعين .
ويقول ابن خلكان ( أبو العباس شمس الدين أحمد بن
محمد بن أبي بكر - 608 - 681 ه / ) : روى سفينة قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " أو ملوكا " - وكان
آخر ولاية الحسن بن علي ، رضي الله عنه تمام ثلاثين سنة ، وثلاثة عشر يوما " ،
من أول خلافة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ( 2 ) .
ويقول ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم
- بعد أن ذكر الحديث - الآنف الذكر - الذي رواه سفينة - الخلافة ثلاثون سنة ،
ثم تصير ملكا " ، فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم
، الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، الأمر إلى معاوية ، وكان معاوية أول الملوك (
3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر
1 / 715 - ( دار الكتاب اللبناني - بيروت 1402 ه / 1982 م ) .
( 2 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 2 / 66
( دار صادر - بيروت 1977 م ) .
( 3 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم
- تعليق أبي تراب الظاهري ص 29 ( دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة
1405 ه / 1984 م ) .
|
|
|
وهكذا يتفق العلماء على أنه لم يكن في الثلاثين سنة التي
حددها النبي صلى الله عليه وسلم ، من بعده للخلافة ، إلا الخلفاء الراشدون
الأربعة ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ) ، وكملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام
الحسن بن علي ، المدة التي مكث
فيها خليفة حق ، وإمام عدل ، تحقيقا " لما أخبر به جده
المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بقوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ومن ثم فقد كانت
خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب ، منصوصا " عليها ، وإن كانت محدودة الأجل .
ثم يبدأ - بعد الحسن بن علي - الملك العضوض بـ " معاوية بن أبي سفيان "( 40 -
60 ه / 660 - 680 م ) فلقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال
: لسفينة ( مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، إن بني أمية يزعمون
أن الخلافة فيهم ، قال : كذب بنو الزرقاء ، بل هم ملوك ، ومن
أشد الملوك ، وأولهم معاوية . هذا ويسمى شيخ الإسلام ابن تيمية معاوية بن أبي
سفيان بالملك ، فيقول في كتابه منهاج السنة : لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيرا
" من معاوية ، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرا " منهم في زمن معاوية
( 1 ) .
هذا وقد أشرنا آنفا " إلى رواية الحافظ ابن كثير ، والتي يفرق فيها بين عهد
الإمام الحسن بن علي وعهد معاوية بن أبي سفيان ، فسمي عهد الأول خلافة ، وعهد
الثاني ملكا " ، فقال : وقد مدحه ( أي الإمام الحسن ) رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، على صنيعه ، وهو ترك الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه
دماء هذه الأمة ، فنزل عن الخلافة ، وجعل الملك بيد معاوية ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن تيمية : المنتقى من منهاج الاعتدال
ص 231 ( مختصر منهاج السنة للحافظ الذهبي
- مكتبة دار البيان - دمشق 1374 ه ) .
( 2 ) الحافظ ابن كثير : البداية والنهاية
8 / 18 . ( * )
|
|
|
هذا فضلا " عن أن معاوية بن أبي سفيان نفسه ، إنما كان يقول
عن نفسه أنا أول الملوك ، هذا فضلا " عن أن الجملة التي ينسبها أنصار معاوية و
مريدوه إلى عبد الله بن عباس ، على أنها مديح لمعاوية . لا تعدو وصفه بالملك ،
وليس الخليفة ، وهي قوله : ما رأيت رجلا " كان أخلق بالملك من معاوية ( 1 ) .
أضف إلى ذلك كله ، أن القاضي أبا بكر بن العربي ( 468 - 543 ه ) ، والذي كتب
كتابه العواصم من القواصم للدفاع عن معاوية وبني أمية ، إنما يتحدث فيه عن
مراتب الولاية ، على أنها : خلافة ثم ملك ، فتكون ولاية الخلافة للأربعة ( أبو
بكر وعمر وعثمان وعلي ) ، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية ( 2 ) .
وعلى أية حال ، فإن المؤرخين إنما يذهبون إلى أن معاوية بن أبي سفيان إنما قد
أحاط نفسه بكل مظاهر الملك ، فقد لازم الخلافة الإسلامية في عهده طابع سياسي ،
أكثر منه دينيا " ، وأصبحت كلمة ملك - بمعنى الحاكم المطلق ( أوتوقراطي ) -
يطلقها المؤرخون عليه ، وعلى خلفائه من حكام بني أمية ، وهو نفسه الذي قال :
أنا أول الملوك .
وقد استحدث معاوية أمورا " لم تعرفها من قبل خلافة الراشدين ، فبنى لنفسه قصرا
" في دمشق سماه الخضراء ، وهو قصر ضخم ، أراد به معاوية أن ينافس قصور الرومان
، وكان أبو ذر الغفاري - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم -
ينكر على معاوية أمورا " كثيرة ، قال أبو ذر : لقد حدثت
أعمالا " لا أعرفها ، والله ما هي في كتاب ، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ،
والله إني لأرى حقا " يطفأ ، وباطلا " يحيا ، وصادقا " مكذبا " ، وأثرة بغير
تقى . وأراد معاوية أن يتلطف إلى أبي ذر ، ويتقرب إليه ، فدعاه إلى قصره
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن تيمية : المنتقى من منهاج الاعتدال
ص 231 .
( 2 ) القاضي أبو بكر بن العربي المالكي :
العواصم عن القواصم - حققه محب الدين
الخطيب - خرج أحاديثه محمود مهدي الاستانبولي ص 215 ( دار الكتب السفية
- القاهرة 1405 ه ) .
|
|
|
الخضراء هذا ، فقال له أبو ذر : يا معاوية ، إن كانت هذه
الأبهة من مال الله ، فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهي الإسراف ( 1 ) .
هذا فضلا " عن اتخاذه السرير - أو العرش - وجعل الحراس يمشون
بالحراب بين يديه ، كما أوجد الشرطة لحراسته ، وكان إذا صلى في المسجد ، جلس في
بيت منفرد بجدران عرف باسم المقصورة وأخيرا " ، فلقد أراد معاوية أن يجعل من
الخلافة الإسلامية مزرعة أموية ، ومن ثم فقد استحدث في
الإسلام بدعة ولي العهد ، فاستخلف ولده يزيد على سلطان المسلمين من بعده ، فغير
بذلك السنة الموروثة تغييرا " خطيرا " ، الأمر الذي أدى إلى مذبحة كربلاء ،
التي راح ضحيتها
أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذبحت ذريته ، فضلا " عن
الاستباحة الخليعة لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في يوم الحرة ،
والاعتداء على حرم الله الآمن بمكة المكرمة ( 2 ) .
وكان سعيد بن المسيب ، رضي الله عنه ، يسمى سني
يزيد بن معاوية بالشؤم ، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي ، وأهل بيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، والثانية استبيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وانتهكت حرمة المدينة ، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله ، وحرقت الكعبة ( 3 )
.
وهكذا يبدو واضحا " أن خلافة سيدنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ، إنما
كانت نهاية الخلافة ، - كما أخبر جده النبي صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فهو
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر : ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة
8 / 256 ،
عبد الرحمن الشرقاوي : علي إمام المتقين
1 / 170 ( ط مكتبة غريب - القاهرة 1985 ) .
( 2 ) محمد بيومي مهران : الإمام الحسن بن علي
ص 48 - 50 ( دار النهضة العربية - بيروت 1990 م ) .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 253 ( دار
بيروت - بيروت 1400 ه / 1980 م ) . ( * )
|
|
|
خامس الراشدين ، حيث ينتهي بعهده عهد الخلافة ، ويبدأ عصر
الملوك ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث يقول : ستكون خلافة نبوة ،
ثم يكون ملك ورحمة ، ثم يكون ملك وجبرية ، ثم يكون ملك عضوض ( 1 ) .
وفي رواية الحافظ أبي نعيم عن الليث عن عبد الله
بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح ، رضي الله عنهما
قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة ، ثم
يكون رحمة وخلافة ، ثم كائن ملكا " عضوضا " ثم كائن عتوا " وجبرية ، وفسادا "
في الأمة ، يستحلون الحرير والخمور ، يرزقون على ذلك وينصرون ، حتى يلقوا الله
عز وجل ( 2 ) .
وفي رواية أبي داود بسنده عن سعيد بن جهمان عن
سفينة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم
يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء ( 3 ) .
وفي رواية الطحاوي خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم
يؤتي الله ملكه من يشاء أو الملك ( 4 ) .
وفي سنن أبي داود : قال سعيد ،
قال لي سفينة : أمسك عليك : أبا بكر سنتين ، وعمر عشرا " ، وعثمان اثنتي عشرة ،
وعلي كذا ، قال سعيد : قلت لسفينة : إن هؤلاء ( أي بني أمية ) يزعمون أن عليا "
عليه السلام ، لم يكن بخليفة ، قال : كذبت أستاه بني الزرقاء ، يعني مروان ( 5
) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم
ص 29 ( جدة 1984 ) .
( 2 ) الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني :
دلائل النبوة ص 481 ( دار الباز - مكة
المكرمة 1977 م ) .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 515 ( ط الحلبي -
القاهرة 1371 ه / 1952 م ) .
( 4 ) شرح العقيدة الطحاوية ( بيروت 1392
ه ) ص 545 .
( 5 ) سنن أبي داود 2 / 515 . ( * )
|
|
|
وفي رواية الطبراني عن معاذ بن
جبل وأبي عبيدة بسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذا الأمر
بدأ رحمة ونبوة ، ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم كائن ملكا " عضوضا " ، ثم كائن عتوا
" ، وجبرية ، وفسادا " في الأرض ، يستحلون الحرير والفروج والخمور ، ويرزقون
على ذلك وينصرون ، حتى يلقوا الله عز وجل .
وفي الخصائص الكبرى : وأخرج أبو داود والترمذي
وحسنه ، والنسائي والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن سفينة قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : خلافة النبوة - وفي لفظ : الخلافة في أمتي - ثلاثون عاما " ،
ثم يكون ملكا " .
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أبي عبيدة بن الجراح
، ومعاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذا الأمر بدأ نبوة
ورحمة ، ثم يكون خلافة ورحمة ، ثم كائن ملكا " عضوضا " ، ثم كائن عتوا " وجبرية
، وفسادا " في الأمة ، يستحلون الفروج والخمور والحرير ، وينصرون على ذلك
ويرزقون أبدا " ، حتى يلقوا الله .
وأخرج البيهقي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : خلافة نبوة ثلاثون عاما " ، ثم يؤتي الله الملك من
يشاء ، فقال معاوية : قد رضينا بالملك . وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخلافة بالمدينة ، والملك بالشام ( 1 ) .
وهكذا تشير الأحاديث النبوية الشريفة إلى أن الخلافة إنما
تنتهي بخلافة
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي :
الخصائص الكبرى 2 / 115 - 116 ( دار
الكتب العلمية - بيروت ) |
|
|
الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم -
وأن الملك إنما يبدأ بمعاوية بن أبي سفيان ( مؤسس الدولة الأموية 41 - 132 ه /
661 - 750 م ) ، ومن ثم فمعاوية أول ملوك الإسلام ، وكان معاوية نفسه دائما "
يقول أنا أول الملوك .
وروى الحافظ ابن كثير عن حنبل
بن إسحاق قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا ابن أبي عتيبة عن شيخ من أهل المدينة
قال : قال معاوية : أنا أول الملوك ، وقال ابن أبي خيثمة : حدثنا هارون بن
معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب قال : كان معاوية يقول : أنا أول الملوك ، وآخر
خليفة .
هذا وكان الصحابي الجليل - سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه يسلم على معاوية بن
أبي سفيان بالملك وبالخلافة أو إمارة المؤمنين ، روى ابن الأثير في الكامل أنه
: لما استقر الأمر لمعاوية ، دخل عليه سعد بن أبي وقاص ، فقال : السلام عليك
أيها الملك ، فضحك معاوية وقال : ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت : يا أمير
المؤمنين ؟ فقال : أتقولها جذلان ضاحكا " ؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها
( 1 ) به .
وروى اليعقوبي فقال : ودخل سعد بن مالك ( سعد بن أبي وقاص ) فقال : السلام عليك
أيها الملك ، فغضب معاوية فقال : ألا قلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال
: ذاك إن كنا أمرناك ، إنما أنت منتنر ( 2 ) .
وليس هناك إلى سبيل من ريب في أن الملك أقل درجة من الخلافة ، يقول الإمام ابن
تيمية في فتاويه : وأن خبره صلى الله عليه وسلم ، بانقضاء خلافة النبوة فيه
الذم للملك ، والعيب له ، لا سيما ، ومن حديث أبي بكرة أنه استاء للرؤيا ، وقال
: خلافة نبوة ، ثم يؤتي الله الملك من يشاء ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3
/ 409 ( بيروت 385 ه / 1965 م ) .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 ( بيروت
1400 ه / 1980 م ) .
( 3 ) فتاوى ابن تيمية 35 / 21 - 22 (
الرياض 1386 ه ) . ( * )
|
|
|
وفي رواية أبي داود ، عن سعيد
بن جمهان : خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء
( 1 ) .
ويقول الحافظ ابن كثير : والسنة
( أي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أن يقال لمعاوية ملك ، ولا يقال له
خليفة كحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " ( 2 ) ،
وفي رواية خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله الملك من
يشاء ، أو ملكه من يشاء ( 3 ) .
هذا وقد أطلق الإمام ابن تيمية في كثير من أجزاء
فتاويه لقب الملك على معاوية ، يقول في الجزء الرابع : واتفق العلماء على أن
معاوية أفضل ملوك هذه الأمة ، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة ، وهو أول
الملوك ، كان ملكه ملكا " ورحمة ، كما جاء في الحديث يكون الملك نبوة ورحمة ،
ثم تكون خلافة ورحمة ، ثم يكون ملك ورحمة ، ثم ملك وجبرية ، ثم ملك
عضوض ، وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة ، فإنه قد ثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم : تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ، ثم تصير ملكا " ( 3
) . ويقول في الجزء الخامس والثلاثين : وفي عام الجماعة ، لاجتماع الناس على
معاوية ، وهو أول الملوك ( 4 ) .
ومن عجب أن يقول الشيخ الخضري ( محمد بن عفيف الباجوري الخضري 1289 - 1345 ه /
1872 - 1927 م ) أن التاريخ يسمي معاوية الخليفة المتغلب ، وهذا - فيما يرى
الشيخ التباني - كذب على التاريخ ، فإنه لم يسمه خليفة ،
فضلا " عن كونه متغلبا " ، فقد اتفق أهل السنة والجماعة على
أن معاوية في مدة الإمام علي وولده الإمام الحسن ، لم يكن خليفة ، وإنما كان من
الملوك ، وإنما اختلفوا في تسميته بعد تنازل الحسن له ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سنن أبي داود 2 / 514 - 515 (
القاهرة 1371 ه / 1952 م ) .
( 2 ) الحافظ ابن كثير : البداية والنهاية
8 / 146 .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 514 - 515 .
( 4 ) فتاوى ابن تيمية 4 / 478 ، 35 / 19
. ( * )
|
|
|
واجتماع المسلمين عليه ، فقيل صار خليفة ، وقيل : لا ، لقوله
صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " عضوضا " ، وقد
اتفقوا على أنها تمت بمدة الحسن .
أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان وممن ذكر
هذا الاتفاق والاختلاف الكمال بن الهمام في مسايرته ( 1 ) .
ومن البدهي أن ما ينطبق على معاوية - من أنه ملك ، وليس خليفة
، اتباعا " للسنة النبوية الشريفة - إنما ينطبق على خلفائه من حكام بني أمية ،
فهم جميعا " ملوك ، وليسوا خلفاء ، والأمر كذلك بالنسبة لبني العباس ، فضلا "
عن العثمانيين ، والذين
انتهت خلافتهم ( ؟ ) بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى ،
حيث قام كمال أتاتورك ( 1298 - 1351 ه / 1880 - 1938 م ) بإلغاء الخلافة
العثمانية في 22 رجب عام 1342 ه ( 3 مارس 1924 م ) ( 2 ) .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك تصورا " آخر لتطور الخلافة ، يجعلها
في ثلاثة أطوار ، قدمه لنا العلامة الباقوري ( 3 ) - طيب الله ثراه - وهي :
1 - الطور الأول : طور
الخلافة الراشدة : وهو طور اجتهاد في نصرة الحق بكل ما ينطوي عليه الاجتهاد من
خطأ أو صواب ، ومن سداد في الرأي ، أو سوء في التأويل ، ومن تلمظ إلى لذاذات
السلطان ، أو إيثار لمقتضيات الإيمان .
2 - الطور الثاني : طور
الملك العضوض : فقد انتقل أهل الإسلام من الشورى التي أمر الله بها نبيه صلى
الله عليه وسلم ، ولزمها الخلفاء الراشدون ، إلى صورة أخرى
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد العربي التباني : تحذير العبقري من
محاضرات الخضري - بيروت 1984 ص 230 - 232 .
( 2 ) أنظر عن نهاية الخلافة العثمانية ( عمر عبد العزيز عمر :
تاريخ المشرق العربي - دار النهضة
العربية - بيروت 1984 ص 293 - 296 ) .
( 3 ) أحمد حسن الباقوري : مع القرآن -
القاهرة 1970 ص 14 - 46 . ( * )
|
|
|
من نظام الحكم ، كان العرب يعرفونها بالقيصرية أو الكسروية ،
وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم الملك العضوض - كما رأينا آنفا " في أحاديث
نبوية شريفة - .
والعضوض : بناء لغوي يعطي معنى
المبالغة في العض ، ويوصف به المذكر والمؤنث ، وهو مستعار من عض الناب ، فكان
هذا النوع من الحكم يعض الرعية عضا " ، ومن ذلك يقول العرب : زمن عضوض ، يعنون
أنه كلب مسعور .
والخصيصة البارزة للملك العضوض
، أنه مغري بطمس كل حقيقة مأثورة ، تخالف هواه ، لكي لا ينبعث عنها ما ينبه
غافلا " ، أو يرشد حائرا " ، أو يذكر ناسيا " ، أو يشد عزمة واهية ، إلى وصل
حاضر واهن بماض قوي مجيد .
ومن أعجب شئ في طمس الحقائق أن يستمر ملوك بني
أمية على عداوتهم لأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة
- حتى بعد أن لحق بالرفيق الأعلى - راضيا " مرضيا " عنه - فيتجاهلون في هذا
الموطن ، كرائم الأخلاق العربية ، وفضائل الآداب الإسلامية ، ليأمروا عمالهم
وعفاتهم - غير محتشمين الموت - أن يلعنوا الإمام علي ( والعياذ بالله ) على
المنابر في بيوت الله ، بين أسماع المسلمين وأبصارهم .
ولم تزل هذه الخسيسة - خسيسة لعن الإمام علي على
المنابر في بيوت الله - تطارد كل يوم جمعة ، شرف العروبة ، وأدب الإسلام ، حتى
قضى عليها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، فأمر ، رضي الله عنه ، أن تستبدل
بهذه البدعة الخسيسة المنكرة ، الآية الشريفة من كتاب الله ،
* ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ،
وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) * ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة النحل : آية 90 . ( * )
|
|
|
ومن أعدل الشهود على خساسة هذا الطور من الخلافة ، مراسيل
الحسن البصري ( 21 - 110 ه / 642 - 728 م ) ، وهو التابعي الورع ، رضيع أم
سلمة ، أم المؤمنين رضي الله عنها ، وكان من شيعة الإمام علي وأهل مودته ، وكان
يروي
الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحديث المرسل :
هو ما سقط من سلسلته الصحابي ، كقول التابعي : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، كذا أو فعل كذا ، أو فعل بحضرته كذا ، وقد كانت تلك طريقة الحسن البصري
، فيما
يرويه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن يذكر
الصحابي الذي يروي عنه ، ويقول : إنهم ليعلمون عمن أروي الحديث . وقد سأل أحد
طلاب الحديث الحسن ذات يوم فقال : يا أبا سعيد ، إنك تحدثنا وتقول : قال رسول
الله صلى
الله عليه وسلم ، وحبذا لو أسندت الحديث إلى من حدثك من أصحاب
النبي ، فقال الحسن : إنا والله ما كذبنا ، وما كذبنا ، ولقد غزونا غزوة إلى
خراسان ، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . هذا وقد سأل
يونس بن عبيد -
من أهل العلم - الحسن البصري ، فقال : يا أبا سعيد ، إنك تقول
: قال رسول الله ، وإنك لم تدركه ، فقال : يا ابن أخي ، لقد سألتني في شئ ، ما
سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى - يعني
زمن الحجاج -
كل شئ سمعتني أقوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو
عن علي بن أبي طالب ، غير أني في هذا الزمان لا أستطيع أن أذكر عليا " ( 1 ) .
هذا وقد وثق أهل العلم بالحسن البصري ، فقال ابن المديني : مرسلات الحسن البصري
التي رواها عنه الثقات صحاح ، ما أقل ما يسقط منه ، وقال يحيى بن سعيد القطان :
ما قاله الحسن في حديثه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا وجدنا له
أصلا " ، إلا حديثا " أو حديثين ، وقال محمد بن سعيد : كل ما أسند من
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر : شرح نهج البلاغة 4 / 95 -
96 . ( * )
|
|
|
حديث الحسن ، أو روي عمن سمع منه ، فهو حسن وحجة ( 1 ) .
وقال الأعمش : ما زال الحسن
البصري ( 2 ) يعي الحكمة ، حتى نطق بها ، وكان إذا ذكر عند الإمام أبي جعفر
محمد الباقر بن علي بن الحسين ، قال : ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء ( 3 )
.
3 - الطور الثالث : طور العصبية الجامحة :
وهي ضربان : عصبية عروق تستند إلى الأنساب ، وعصبية مذاهب تستند إلى الأفكار .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الباقوري : مع القرآن ص 16 - 18 .
( 2 ) الحسن البصري : هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد ،
وهو ابن مولى من ميسان أحضر إلى المدينة وقت الفتح ، وقد ولد الحسن
بالمدينة 21 ه ( 642 م ) ونشأ في وادي القرى ثم انتقل إلى البصرة ،
وقد عرف سبعين من رجال غزوة بدر ،
وروى عن عدد منهم ، وأكثر مروياته عن أنس بن مالك ، وكان يعلن رفضه
لبيعة يزيد بن معاوية ، وهو القائل أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن
فيه منهن إلا واحدة كانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء ، حتى
ابتزها أمرها ، بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا
الصحابة وذو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا " ، يلبس
الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا " ، وقد قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا " ، ويلا
له من حجر ، مرتين . هذا ويعد أهل السنة الحسن البصري
منهم ، ويراه المعتزلة معتزليا " ، فمؤسسا الاعتزال - واصل بن عطاء ،
وعمرو بن عبيد - تلميذاه ، كما أنه مال إلى القول بحرية الإرادة ، وكان
ورعه ذا أثر في الاتجاه الصوفي في علم الكلام ،
وانظر عن مصادر ترجمته ( طبقات ابن سعد 7
/ 156 - 178 ، الجرح والتعديل لابن أبي
حاتم 1 / 2 / 40 - 42 ،
الفهرست لابن النديم ص 37 - 38 ، 183 ،
حلية الأولياء 2 / 131 - 161 ، طبقات
الفقهاء للشيرازي ص 68 - 69 ،
تهذيب التهذيب لابن حجر 2 / 263 - 270 ،
المعتزلة لابن المرتضى ص 18 - 24 ، وفيات
الأعيان 2 / 69 - 73 ،
شذرات الذهب 1 / 136 - 138 ،
الأعلام للزركلي 2 / 242 ،
تذكرة الحفاظ ص 71 - 72 ،
ميزان الاعتدال 1 / 254 ) ،
كما قدمت عنه عدة دراسات ، أهمها ، 1 - عبد الرحمن الجوزي : فضائل
الحسن البصري - القاهرة 1350 ه ، 2 - عبد الغني المقدسي : أخبار الحسن
البصري ، 3 - إحسان عباس : الحسن البصري - القاهرة 1952 م .
أما آثاره : فأهم ما ينسب إليه : 1 - تفسير القرآن ، 2 - القراء . 3 -
رسالة في القدر . 4 - فضائل مكة . 5 - فرائض .
6 - رسالة في التكاليف . 7 - شروط الإمامة . 8 - وصية النبي لأبي هريرة . 9 -
الاستغفارات المنقذة من النار .
10 - الأسماء الإدريسية . 11 - الأخبار المتفرقة .
( 3 ) حلية الأولياء 2 / 147 . ( * )
|
|
|
1 - فأما عصبية العروق :
فإنها فطرة في النفس الإنسانية ، ومن أجل هذا لم يقاومها الإسلام ، مقاومة تقضي
عليها ، وإنما كان شأنه معها ، كشأنه مع سائر الأمور الفطرية ، يقوم فيها ما
أعوج ، وينهنه منها ما غلا ، وشاهد ذلك أن النبي صلى الله
عليه وسلم ، كان يتسنم الشرف من بيته وقبيلته وقومه ، وذلك
حيث يقول : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا " من كنانة ،
واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ( 1 ) .
فالاعتزاز بالعصبية فطرة لم يقاومها الإسلام ، وإنما قاوم الظلم الناجم عنها ،
حتى تستقيم الحياة على ما ينفع الناس .
غير أن العرب - بما فيهم من فضائل فطرية ، ظاهرتها فضائل
الدين - لم يستطيعوا الاحتفاظ طويلا " بهضم نفوسهم ، وقهر شهواتهم ، فنزعوا إلى
الاستعلاء بالعروق ، والاستطالة بالأنساب ، فلما مهد الإسلام لهم سبل النعمة ،
ومكن لهم من السلطان
، استغلظت بينهم الفتن ، وضرب بعضهم رقاب بعض ، حتى خيم عليهم
الفناء ، وكانت السنة المألوفة في صدر الإسلام ، أن تكون كتائب الجيش من
القبائل العربية ، وأن يكون أمراؤها من ساداتها .
ثم كان الملك العضوض يتربص الدوائر بآل بيت النبي
صلى الله عليه وسلم ، الطاهرين المطهرين ، ضربا " بالسيوف ، وقعصا " بالرماح ،
وصلبا " على الأعواد ، يحدث ذلك كله - ويا للعجب - بين أسماع الأمة وأبصارها .
ولم تكن عصبيات العروق قد ماتت في أنفس المسلمين ، من غير
العرب ، فبدأت تستيقظ عاقدة آملة ، وأعتى الشرور ، شر يزحف مدفوعا " بالحقد
مزودا " بالأمل ، وأي أمل آمل من آل البيت ، يتخذهم الطامعون في السلطان ، مسعر
فتنة ، كما اتخذ بنو أمية وتباعهم - أول عهد دولتهم بالحياة - قميص عثمان لسان
فتنة ، لا يجاريه في فصاحته وبيانه لسان .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 15 / 36 ، القسطلاني :
المواهب اللدنية 1 / 13 . ( * )
|
|
|
وقامت دولة بني العباس ( 132 - 156 ه / 750 - 1258 م ) وقد
شارك في إقامتها أبناء فارس ، وكان الظن ببني العباس أن يكونوا أقرب إلى
الخلافة منهم إلى الملك العضوض ، وخاصة فيما يتصل بآل البيت ، وخابت الظنون
خيبة ملأت من
اليأس النفوس ، وأو قرت الصدور حقدا " آنفا "، إلى حقد قديم ،
فمضى الملك العضوض في دولة بني العباس على الطريق نفسها ، التي استنها الملك
العضوض في دولة بني أمية ، وراح الخلفاء في هذه الدولة يركبون متون الظنون إلى
كل عظيمة ، تتصل بالرعية التي أصابها الحرمان في كل مقدس ، وفي ذروة ذلك كله ،
الأمن والطمأنينة ، ووحدة الكلمة .
ومهما يكن هذا السلوك مصيبا " أو مخطئا "، ومثوبا " أو خاطئا "- على ما يختلف
في ذلك المؤرخون - فليس هاهنا موضع الحكم عليه ، ولا القضاء فيه ، وكل ما نريد
أن نقول هو : أن الحقد يذكر بالحقد ، والشر يغري بالشر والمطامع عدوي .
ولما رأى المسلمون - من غير العرب - أن بني العباس كانوا يصدرون فيما يأخذون ،
أو يدعون ، مع أبناء عمومتهم ، عن عصبية قبلية ، أو عن أهواء ذاتة راح زعماؤهم
يفكرون في الحصول على السلطان ، ولو أفضى ذلك إلى تقويض دولة بني العباس .
ولم يكن من اليسير أن تدعو أية عصبية غير عربية إلى نفسها ،
دعوة صريحة ، فاتخذوا من آل البيت وسيلة إلى غايات بعيدة المدى ، كثيفة الحجاب
، والتف من حول هذه الدعوات كثيرون ، بعضهم يدفعه إلى ذلك حب آل البيت ، ورغبة
في
الانتصاف لهم ، وبعضهم يدفعه حقد دفين ، وغيظ كظيم ، فهاجت
الفتن هياجا " شديدا " ، واستوعبت كثيرا " من أهل السياسة ، وأهل العلم ، فضلا
" عن الأدباء والشعراء . وفي نفس الوقت كانت الدولة العباسية تخبط خبط عشواء ،
فحينا " تصادف حقا " ، وأحيانا " تواقع باطلا " ، حتى انتكث فتلها ، وأجهز
عليها عملها ، وقامت
الدويلات تتحداها في أكثر من موضع ، ولم يزل الأمر على ذلك ،
حتى استقرت الخلافة في تركيا في آل عثمان ، وكانت هذه آخر مراحلها ، وفيها لفظت
آخر أنفاسها ( 1 ) ، في الثاني والعشرين من رجب سنة 1342 ه ، الموافق الثالث
من شهر
مارس سنة 1924 م ، عندما أعلن مصطفى كمال أتاتورك ( 1298 -
1351 ه / 1880 - 1938 م ) إلغاء نظام الخلافة نهائيا " ، والتي استمرت أكثر من
أربعة قرون ، وخلا العالم الإسلامي - وللمرة الأولى في تاريخه - ممن يحمل لقب
الخليفة ، أو حتى سلطان المسلمين .
2 - وأما العصبية المذهبية : فلقد انقسم
المسلمون إلى مذاهب ثلاثة : أهل السنة والشيعة والخوارج .
فأما مذهب أهل السنة : فخصيصته
تظهر في أمرين ، أولهما : ترتيب الخلفاء الراشدين من الفضل حسب ترتيبهم في
الولاية ، فهم في الذكر والفضل معا " على هذا الترتيب : أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي . وثاني الأمرين : أن ما وقع من السلف الصالح من قتال ، إنما كان الدافع
إليه الاجتهاد ، وبذل الوسع في طلب الحق .
2 - وأما مذهب الشيعة : فهو مذهب الذين
يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوالونهم من أتباع أمير المؤمنين
سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة -
وابنيه - الإمام الحسن والإمام الحسين ، عليهم السلام - .
والصورة المجملة لمذهب الشيعة - كما سنرى - أن الإمامة ليست
من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ، بل هي ركن الدين ، وقاعدة الإسلام
، وفي رأيهم أنه لا يجوز أن يغفل النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا الركن ، ولا
أن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الباقوري : مع القرآن ص 20 - 23 .
( * )
|
|
|
يفوضه إلى الأمة ، والإمام علي ، هو الذي عينه النبي صلى الله
عليه وسلم ، ليكون خليفة للمسلمين .
3 - وأما الخوارج : فإن أصح الناس نظرا " ،
وأقواهم بيانا " ، لا يبلغ من صفتهم ، ما بلغ الحديث المأثور : حدثاء الأسنان ،
تحقرون صلاتكم بصلاتهم ، وصيامكم بصيامهم ، يقرأون القرآن ، لا يجاوز حناجرهم ،
يمرقون من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية ( 1 ) .
وقد كانوا من التنطع في القول والفعل والتفكير بالمنزلة التي
يرثي لها الشامت ، فلقد خرجوا على الإمام علي بعد واقعة التحكيم - وكانوا من
قبل أصحابه وأنصاره في الجمل وصفين - واتخذوا لأنفسهم شعارا " ، تستأسر له
عواطف المسلمين ، فذلك قولهم لا حكم إلا لله ( 2 ) .
ويرد سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في
الجنة - على شعارهم هذا بقوله . كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا
الله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة ، وإنه لا بد للناس من أمير ، بر أو فاجر ،
يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع
به الفئ ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى
يستريح بر أو يستراح من فاجر ( 3 ) .
وشر ما في هؤلاء الخوارج من شر ، أنهم كانوا يتأولون القرآن تأولا " يفسدون به
نظام الأمة ، ويشوهون به وجه الإسلام . ومن أعجب زيغهم عن الحق ، أنهم لا
يتعرضون للمشركين بضر ، لأن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر روايات مختلفة للحديث الشريف ( النسائي :
تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
، رضي الله عنه ص 95 - 105 - بيروت 1983 م ،
سيرة ابن هشام 4 / 370 . )
( 2 ) أنظر عن الخوارج ( ابن أبي الحديد : شرح
نهج البلاغة 4 / 132 - 278 ) . ( 3 ) شرح
نهج البلاغة 2 / 307 . ( * )
|
|
|
الكفر في مذهبهم عاصم لدماء الكفار ، تأويلا " لقول الله
تعالى : * ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع
كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) * ( 1 ) ، وفي نفس الوقت يستحلون دماء
المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، وقد أسرفوا في هذا إسرافا " جعل المسلم ، إذا وقع
في أيديهم ، يزعم أنه مشرك ، لينجو من بطشهم ( 2 ) .
ومن أعجب زيغهم عن الحق أيضا " ، أنهم كانوا يستحلون قتل أطفال المسلمين ،
يتأولون في ذلك قول الله تعالى - حكاية عن نوح عليه السلام -
* ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " * إنك إن
تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا " كفارا " ) * ( 3 ) ،
فكانوا يستندون في قتل أبناء المسلمين إلى هذه الآية الكريمة ، يتأولونها على
أن هؤلاء الأطفال صائرون إلى الكفر والفجور ، إذا بلغوا مبلغ الرجال ، وبهذا
يسوغ قتلهم . وليس يعرف الناس منطقا " ، أدخل في باب الخبل ، وأنأى عن مقاصد
الشريعة ، وأشد حربا " لكتاب الله ، من هذا المنطق الخبيث ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة التوبة : آية 6 .
( 2 ) أنظر أمثلة الكامل للمبرد 30 / 212
، شرح نهج البلاغة 2 / 280 - 283 .
( 3 ) سورة نوح : آية 26 - 27 .
( 4 ) الباقوري : مع القرآن ص 43 - 44 .
( * )
|
|
|
|