|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 124 - |
ثامنا " : ألقاب الإمام أو
الخليفة
يقول ابن خلدون ( 1 ) ( 732 - 808 ه / 332 - 1406 م ) في مقدمته المشهورة : إن
منصب الخلافة أو الإمامة ، إنما هو نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين ،
وسياسة الدنيا به ، ومن ثم فهي تسمى خلافة وإمامة ، والقائم به خليفة وإماما "
، فأما تسميته إماما " فتشبيها " بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به ، ولهذا
يقال الإمامة الكبرى .
وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم ، في أمته ، فيقال
خليفة ، بإطلاق ، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم ، اقتباسا " من
الخلافة التي للآدميين في قول الله تعالى : * ( إني جاعل
في الأرض خليفة ) * ( 2 ) ، وقول الله تعالى : *
( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) * ( 3 ) .
على أن الجمهور قد منع ذلك ، لأن معنى الآية ليس عليه ، وقد نهى أبو بكر الصديق
عنه ، لما دعي به ، وقال : لست خليفة الله ، ولكني خليفة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب ، وأما الحاضر فلا ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 ( دار
القلم - بيروت 1981 ) .
( 2 ) سورة البقرة : آية 30 .
( 3 ) سورة الأنعام : آية 165 .
( 4 ) مقدمة ابن خلدون ص 191 . ( * )
|
|
|
ويقول الماوردي : ويسمى خليفة
لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في أمته ، فيجوز أن يقال يا خليفة
رسول الله ، وعلى الإطلاق ، فيقال الخليفة . واختلفوا : هل يجوز أن يقال : يا
خليفة الله ؟ فجوزه البعض ، لقيامه بحقوقه في خلقه ، ولقول الله تعالى :
* ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض
درجات ) * .
وامتنع الجمهور من جواز ذلك ، ونسبوا قائله إلى الفجور ، وقالوا : يستخلف من
يغيب أو يموت ، والله - سبحانه وتعالى - لا يغيب ولا يموت ، وقد قيل لأبي بكر
الصديق ، رضي الله عنه : يا خليفة الله فقال : لست بخليفة الله ، ولكني خليفة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
ومع ذلك فلقد روى أبو داود في سننه بسنده عن شريك عن سليمان الأعمش ، قال :
جمعت مع الحجاج فخطب ، فذكر حديث أبي بكر بن عياش ، قال فيها : فاسمعوا وأطيعوا
لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان - وساق الحديث ( 2 ) .
غير أن كلام الحجاج الثقفي ليس بحجة ، حتى أنه - في نفس الصفحة - إنما يفضل
خليفة المرء على رسوله ، روى أبو داود في سننه بسنده عن المغيرة عن الربيع بن
خالد الضبي قال : سمعت الحجاج يخطب ، فقال في خطبته : رسول أحدكم في حاجته أكرم
عليه ، أم خليفته في أهله ، فقلت في نفسي : لله على ألا أصلي خلفك صلاة أبدا "
، وإن وجدت قوما " يجاهدونك ، لأجاهدنك معهم - زاد إسحاق في حديثه ، قال : فقال
في الجماجم حتى قتل ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الماوردي : الأحكام السلطانية ص 15
.
( 2 ) سنن أبي داود 2 / 514 ( ط الحلبي -
القاهرة 1371 ه / 1952 ) .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 514 . ( * )
|
|
|
وعلى أية حال ، فلقد حمل الخلفاء - أو الأئمة - الألقاب
التالية :
1 - الخليفة : كان أبو
بكر الصديق رضي الله عنه، أول الخلفاء الراشدين ، قد لقب بلقب خليفة رسول الله
، إذ كان يقوم مقام الرسول في حكم الدولة الإسلامية ، والمحافظة على الدين -
وكان عمر - في بدء خلافته - يلقب بلقب خليفة رسول الله .
روى البلاذري ( أحمد بن يحيى بن جابر - المتوفى
279 ه / 892 م ) أن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بباب
النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله
وبركاته ، حي على الصلاة ، حي
على الفلاح ، الصلاة يا رسول الله . فلما ولي أبو بكر ( 11 -
13 ه / 632 - 634 م ) كان المؤذن يقف بالباب ، ويقول : السلام عليك يا خليفة
رسول الله ، ورحمة الله وبركاته ، حي على الصلاة، حي على الفلاح ، الصلاة يا
خليفة رسول الله . .
من خلافة عمر بن الخطاب ( 13 - 23 ه / 644 م ) ، كان المؤذن
يردد هذه الكلمات ، مبتدئا " بقوله : السلام عليك يا خليفة رسول الله ( 1 ) .
والخليفة - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( 661
- 728 ه / 1263 - 1328 م ) - هو من كان خلفا " عن غيره ( فعلية بمعنى فاعلة )
، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم أنت الصاحب في الفسر ، والخليفة في
الأهل ، وقال صلى الله عليه وسلم من جهز غازيا فقد غزا ، ومن خلفه في أهله فقد
غزا ( 2 ) .
وفي القرآن * ( سيقول المخلفون من الأعراب ) * (
3 ) و * ( فرح المخلفون
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) حسن إبراهيم : تاريخ الإسلام السياسي
1 / 438 - 439 - القاهرة 1964 ) .
( 2 ) ابن تيمية : مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد
بن تيمية 35 / 43 ( الرياض 1386 ه ) .
( 3 ) سورة الفتح : آية 11 . ( * )
|
|
|
بمقعدهم خلاف رسول الله ) * ( 1
) .
هذا وقد ظن بعض الغالطين - كابن العربي - أن الخليفة هو
الخليفة عن الله ، مثل نائب الله ، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان
مستخلفا " ، وربما فسروا تعليم آدم الأسماء كلها التي جمع معانيها الإنسان ،
ويفسرون خلف آدم على صورته بهذا المعنى أيضا " ، وقد أخذوا من الفلاسفة قولهم :
الإنسان هو العالم الصغير ، وهذا قريب ، وضموا إليه : أن الله هو العالم
الكبير ، بناء على أصلهم الكفري في وحدة الوجود ، وأن الله هو
عين وجود المخلوقات ، فالإنسان من بين المظاهر ، هو الخليفة الجامع الأسماء
والصفات ( 2 ) .
ثم يقول ابن تيمية : والله لا يجوز له خليفة ،
ولهذا لما قالوا لأبي بكر : يا خليفة الله ، قال : لست بخليفة الله ، ولكني
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حسبي ذلك ، بل هو سبحانه يكون خليفة
لغيره ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة
في الأهل ، اللهم اصحبنا في سفرنا ، واخلفنا في أهلنا .
وبدهي أن ذلك لأن الله تعالى ، حي ، شهيد ، مهيمن ، قيوم ، رقيب ، حفيظ ، غني
عن العالمين ، ليس له شريك ولا ظهير ، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه .
والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف ، بموت أو غيبة ، ويكون لحاجة المستخلف
إلى الاستخلاف ، وسمى خليفة ، لأنه خلف عن الغزو ، وهو قائم خلفه ، وكل هذه
المعاني منتفية في حق الله تعالى ، وهو منزه عنها ، فإنه حي قيوم ، شهيد ،
لا يموت ولا يغيب ، وهو غني يرزق ولا يرزق ، يرزق عباده وينصر
هم ويهديهم ويعافيهم ، بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه ، والتي هي مفتقرة
إليه ، كافتقار المسببات إلى أسبابها ، فالله هو الغني الحميد له منا في
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة التوبة : آية 81 .
( 2 ) ابن تيمية : الفتاوي 35 / 42 - 44
( الرياض 1386 ه ) . ( * )
|
|
|
السماوات وما في الأرض وما بينهما ( 1 ) ،
* ( يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ) *
( 2 ) ،
* ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) * (
3 ) ، ولا يجوز أن يكون أحد خلف منه ، ولا يقوم مقامه ، لأنه لا سمي له ، ولا
كفء له فمن جعل له خليفة ، فهو مشرك به .
وأما الحديث النبوي الشريف السلطان ظل الله في الأرض ، يأوي إليه كل ضعيف
وملهوف ، وهذا صحيح ، فإن الظل مفتقر إلى آو ، وهو رفيق له ، مطابق له نوعا "
من المطابقة ، والآوي إلى الظل المكتنف بالظل صاحب الظل ، فالسلطان عبد الله
مخلوق ، مفتقر إليه ، لا يستغني عنه طرفة عين ، وفيه من
القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي بها
قوام الخلق ، ما يشبه أن يكون لله في الأرض ، وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح
أمور خلقه وعباده ،
فإذا صلح ذو السلطان ، صلحت أمور الناس ، وإذا فسد فسدت بحسب
فساده ، ولا تفسد من كل وجه ، بل لا بد من مصالح ، إذ هو ظل الله ، لكن الظل
تازة يكون كاملا " مانعا " من جميع الأذى ، وتازة لا يمنع إلا بعض الأذى ، وأما
إذا عدم الظل فسد الأمر ، كعدم سر الربوبية التي بها قيام الأمة الإنسانية ،
والله تعالى أعلم ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الفتاوي 35 / 45 .
( 2 ) سورة الرحمن : آية 29 .
( 3 ) سورة الزخرف : آية
84 .
( 4 ) فتاوي ابن تيمية 35 / 45 - 46 . ( * )
|
|
|
|