- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة - المستبصر : هشام آل قطيط ص 321 :

 رابعا : معرفتي بالفرقة الناجية


بعد عرض الأدلة والبراهين والحواريات والمناشدات من علي بن أبي طالب عليه السلام واحتجاج زوجته البتول على القوم ومقارعتهم بالحجج من كتاب الله وقول أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وتبيان الإشاعات الكاذبة والافتراءات الباطلة التي ما أنزل الله
 

 ص 322

بها من سلطان وتبيان الأحاديث التي كانت تضللني وتقع حاجزا بيني وبين الوصول إلى الحقيقة وبعد معرفتي بحديث الثقلين وحديث الدار أو الانذار وحديث الخلفاء الاثني عشر خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله بقي الوصول إلى نقطة مهمة جدا نستنتجها من خلال رحلة البحث وهو السؤال التالي : من هي الفرقة الناجية ؟ !
 

لأنه بصراحة كما يقول الشاعر: وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فجميع الطوائف الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله تفرقت إلى ملل ونحل ومذاهب وصارت كل فرقة تدعي أنها هي الفرقة الناجية ، وأن أتباعها هم الناجون ،

بحيث كل فرقة لديها الفن في صنعة الحديث . . فصارت تقول أحاديث تنتصر بها على الفرقة الأخرى ، فعظمت المحنة وانتشر الباطل ، وأصبح الناس في تيه وضلال ، وعمي الحق ، بحيث يقول المثل الدارج ( إذا أخرج المرء فيها يده لم يكد

يراها ) لكن الحق واضح والباطل واضح . . والذي يريد أن يصل إلى الحق لا بد من الوصول وإن طال الطريق . . لكن المشكلة . . أين تكمن . . ؟ تكمن في فرار الشخص الباحث عن الحقيقة من عبادة السادة والكبراء وتقديس الشخصيات على

حساب الدين . . و ؟ ؟ عن تقليد الأجداد والآباء . . ويتجرد من كل موروث فكري فإن تجرد من كل ما ذكرت وتمسك بأدلة القرآن والسنة النبوية والآثار الصحيحة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا بد أن يدرك الحق وينال مبتغاه الذي هو فيه منى كل طالب ورغبة كل راغب .


وبعد كل هذا نصل إلى السؤال المطروح والمحير . من هي الفرقة الناجية . . ؟ ! !
 

 ص 323

أحاديث اختلاف الأمة ألفاظ وصيغ الحديث :

أولا : أخرج الترمذي - واللفظ له - وأبو داود ابن ماجة والحاكم وأحمد بن حنبل والدارمي وابن حبان وابن أبي عاصم والسيوطي وغيرهم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله . ( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة . . والنصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة . . وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) ( 1 ) .


ثانيا : وأخرج الترمذي والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن

بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة . قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي ) ( 2 ) . وعند الحاكم : قال : ما أنا عليه اليوم وأصحابي .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سنن الترمذي : 5 - 25 - ح 2640 ، قال الترمذي . حديث حسن صحيح ، سنن أبي داوود 4 - 197 - ح 4596 ،
سنن ابن ماجة
: 2 - 1321 ، صحيح ابن حبان : 8 - ص 258 - ح 6696 ، الجامع الصغير : 1 - 184 - ح 1223 .

( 2 ) سنن الترمذي : 5 - 26 - ح 2641 ، شرح السنة ، 1 - 213 - المستدرك : 1 - 128 . ( * )

 

 

 ص 324

لقد إدعت كل طائفة الحق وإنها هي الفرقة الناجية حتى نكون منصفين بالبحث عزيزي القارئ فلنضرب للقارئ أنموذجين لبعض استدلالات أهل السنة على أنهم هم الفرقة الناجية لنرى كيف أنهم تمسكوا بما لا ينفع ولا يفيد :


الأول : ما ذكره أحد أقطاب علماء السنة الإيجي في المواقف ، حيث قال : وأما الفرقة المستثناة الذين قال فيهم : ( هم الذين ما أنا عليه وأصحابي ) فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة ، ومذهبهم قال من بدع هؤلاء . .

ثم ساق عقائد أهل السنة ( 1 ) . وهذا الدليل كما ترى ركيك وضعيف ، ثم أن الأشاعرة وأهل السنة وأهل الحديث الذين ذكرهم الإيجي أكثر من فرقة ( 2 ) .

حيث قال السفاريني في كتابه لوامع الأنوار البهية ( 3 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق :

 1 - الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل .

 2 - الأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري .

 3 - الماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي . إذا فالسنة ثلاث فرق وليس فرقة واحدة .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) المواقف : للإيجي ، ص 429 - 430 .
( 2 ) لوامع الأنوار البهية : للسفاريني : 1 - 73 .
( 3 ) المصدر السابق : ص 414 - نقلا عن كتاب ( مسائل خلافية حار فيها أهل السنة ) للشيخ علي آل محسن . ( * )

 

 

 ص 325

وقول النبي صلى الله عليه وآله إلا فرقة واحدة ناجية ينافي التعدد فاختلف أهل السنة بين بعضهم البعض منهم من قال الأشعرية - ومنهم من قال الأثرية أتباع أحمد بن حنبل - ومنهم من قال الماتريدية . . ومن ثم ما ساقه الإيجي في كتابه المواقف من عقائد أهل السنة والجماعة فيه من الباطل ما فيه ومنه قوله : إن الله تعالى يراه المؤمنون يوم القيامة .
 

مع أن ذلك خلاف لنص الكتاب العزيز في قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ( 1 ) . وهو خلاف قوله تعالى : ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا ) ( 2 ) وقوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . والنتيجة كلها أقوال قاصرة لا تمت إلى الدليل بصلة .


وأهل السنة أكثر من ثلاث فرق وليس فرقة واحدة . . وأخرج الإمام البخاري في صحيحه ( 3 ) في باب قول النبي صلى الله عليه وآله : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ) .


فإن الرسول صلى الله عليه وآله يريد ظهورهم على الحق بالبراهين والحجج والأدلة القاطعة ولا الأدلة الظنية . فالقرائن التي يجب أن نتبعها أن أهل السنة ثلاث فرق من عصر الأشعري

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة الأنعام : 103 .
( 2 ) سورة المؤمنون : 115 .
( 3 ) صحيح البخاري : ج 4 - ص 174 - باب قول النبي صلى الله عليه وآله : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على حق ) . ( * )

 

 

 ص 326

ومن حيث المذاهب كانوا أكثر من عشر مذاهب وبقيت الحالة حاليا على أربعة مذاهب وكل مذهب يشكل فرقة حاليا ، فالتناحر والتصادم بين المذاهب الأربعة .


وأما الشيعة الإمامية الاثني عشرية فرقة واحدة وإن الحديث صريح في عصمة تلك الطائفة بدليل أنها لا تزال ظاهرة على الحق دائما وكل من كان ظاهرا على الحق مصيب دائما ، وكل مصيب دائم معصوم ، فتكون تلك الطائفة معصومة ، ودليل

كل من صغرى القياس وكبراه قطعي لأنها لو لم تكن معصومة لخالفت الحق مطلقا ، خطأ أو عمدا ، ولا شئ من خلاف الحق مطلقا بحق ، ولما لم تزل ظاهرة على الحق مطلقا ثبت أنها معصومة ، ولا قائل بالعصمة لغير الأئمة من البيت النبوي صلى الله عليه وآله بالإجماع هذا أولا .


ثانيا : نحن لم نجد في أدلة المسلمين من القرآن والسنة ما يشير إلى وجوب رجوع الناس إلى واحد من أئمة هذه المذاهب ، ولم نجد ما يثبت وجود واحد منهم في زمان النبي صلى الله عليه وآله فكيف يا ترى يمكن حمل الحديث عليهم وهم لا وجود

لهم في عصر النبوة وأين هم من عصر النبي صلى الله عليه وآله وقد ولد أبو حنيفة النعمان سنة ( 80 ه‍ ) ومات سنة ( 150 ه‍ ) على ما سجله ابن خلكان في ( وفيات الأعيان ص 163 ، 666 من جزئه الثاني ) ويقول في ص 429 من جزئه الأول :

( ولد الإمام مالك سنة ( 95 ه‍ ) ومات سنة ( 179 ه‍ ) والشافعي ولد سنة ( 150 ه‍ ) ومات سنة ( 204 ه‍ ) . والإمام أحمد بن حنبل ولد سنة ( 163 ه‍ ) ، ومات سنة ( 241 ه‍ ) .

فإن كنتم تجدون في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ما يشعر بوجوب رجوع المسلمين في أخذ
 

 ص 327

أحكام دينهم من الأئمة الأربعة هؤلاء فليأت لنا بالدليل .

ثالثا : إن النبي صلى الله عليه وآله أخبر الأمة بأن النجاة منحصرة في التمسك فقط بإثنين هما الكتاب والعترة ( أي الخلفاء الاثنا عشر ) كلهم من عترة النبي صلى الله عليه وآله والحديث ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) ( 1 ) .


رابعا : حديث الخلفاء الاثني عشر راجع باب معرفتي بالخلفاء الاثني عشر ( تعرف من هي الفرقة الناجية ) .


خامسا : باعتبار أن خلافة أبي بكر قد تمت فلتة باعتراف الخليفة عمر ( كما نقل لنا ذلك الإمام البخاري ( 2 ) في صحيحه في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت قوله ( إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ) بحيث عين الخليفة عمر

من قبل أبي بكر . وبيعة أبي بكر كانت فلتة فنستنتج أن تعيين عمر قد تم نتيجة الفلتة التي وقى الله المسلمين شرها . . فإذا الأدلة تثبت بطلان خلافتهم باعتراف أصحاب العقول . واعترافهم حجة . كما يقول علماء أصول الفقه : ( أعراف أصحاب

العقول على أنفسهم حجة ) . فإذا ثبت بطلان خلافة أبي بكر وعمر ، فلا مناص حينئذ من ثبوت بطلان مذهب أهل السنة وهذا ما يخرجهم من الفرقة الناجية .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) راجع مصادر حديث الثقلين .
( 2 ) صحيح البخاري : ج 8 - ص 25 - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أمضت . ( * )

 

 

 ص 328

سادسا : إن الأحاديث التي رواها أهل السنة صرحت بنجاة الشيعة بينما لم يرووا في كتبهم أحاديث تدل على نجاتهم هم . ومن تلك الأحاديث ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ( علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ) .


وأخرج السيوطي في الدر المنثور والشوكاني في فتح القدير عن ابن عساكر ، قال : عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ).

ونزلت ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) . فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا : جاء خير البرية ( 1 ) .


وعن ابن عباس قال : لما نزلت ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ( 2 ) .


وعن علي عليه السلام قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله ألم تسمع قول الله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين ( 3 ) .


وأخرج الطبري في تفسير الآية المذكورة : عن محمد بن علي : ( أولئك هم

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الدر المنثور : للسيوطي : 8 - 589 ، فتح الغدير ، للشوكاني : في تفسير الآية 7 من سورة البينة .
( 2 ) المصدران السابقان ، عن ابن عدي .
( 3 ) المصدر السابق عن ابن مردويه . ( * )

 

 

 ص 329

خير البرية ) فقال النبي صلى الله عليه وآله : أنت يا علي وشيعتك ( 1 ) .
 

وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال : ( يا علي ، إنك ستقدم على الله وشيعتك راضيين مرضيين ، ويقدم عليك عدوك غضابا مقمحين ) ( 2 ) .
 

وقال صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : ( أنت وشيعتك تردون علي الحوض ) ( 3 ) .
 

وقال : أنت وشيعتك في الجنة ( 4 ) .
 

قال صلى الله عليه وآله : أيضا : إن أول أربعة يدخلون الجنة : أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرارينا ، وشيعتنا خلف أيماننا وشمائلنا ( 5 ) .
 

وعن جعفر الصادق عن آبائه عن علي ( رضي الله عنهم ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( يا علي مثلك في أمتي مثل عيسى بن مريم : افترق قومه ثلاث فرق : فرقة مؤمنون وهم الحواريون ، وفرقة عادوه وهم اليهود ، وفرقة غلوا

فيه فخرجوا عن دين الله وهم النصارى ، وإن أمتي ستفترق فيك ثلاث فرق : فرقة اتبعوك وأحبوك وهم المؤمنون ، وفرقة عادوك وهم الناكثون والمارقون والفاسقون ،
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير الطبري : 30 - ص 171 .
( 2 ) مجمع الزوائد : 9 - ص 131 ، المعجم الكبير للطبراني : 1 - 219 - ح 948 ، الصواعق المحرقة : 2 - 449 .
( 3 ) مجموع الزوائد : 9 - ص 131 ، المعجم الكبير للطبراني : 1 - 319 - ح 950 .
( 4 ) تاريخ بغداد : 12 - 289 ، 358 . حلية الأولياء : 4 - 329 ، فضائل الصحابة : 2 - 655 - ح 1115 .
( 5 ) مجموع الزوائد : 9 - 131 ، فضائل الصحابة : 2 - 624 - ح 1068 . ( * )

 

 

 ص 330

وفرقة غلوا فيك وهم الضالون ، يا علي أنت وأتباعك في الجنة ، وعدوك والغالي في النار ) ( 1 )

فهذه الرواية تصرح بأن الفرقة الناجية هي أتباع علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته فلا يبقى مجال لما ذكره عبد القاهر البغدادي من أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة . . وأما كلمة ( ما أنا عليه وأصحابي ) المراد من الأصحاب هم الذين

كانوا باقين على خطه صلى الله عليه وآله كأبي ذر وسلمان والمقداد وغيرهم وليس أهل السنة والجماعة موافقين لهؤلاء الأصحاب الأجلاء فنقول لم نجد من فرق الأمة من هم على موافقة هؤلاء غير الشيعة الإمامية . . لو درسنا عقائديا جميع

الفرق الأخرى من حيث الأصول المعتزلة واستحقوا بها اسم الاعتزال خمسة :

 1 - التوحيد : أي أن الله واحد بذاته وصفاته ، فصفاته عين ذاته .

 2 - العدل : أي أن الإنسان مخير غير مسير .

 3 - المنزلة بين المنزلتين : أي أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المؤمن والكافر .

 4 - الوعد والوعيد : إن الله إذا وعد بالثواب على الخير فوعده واقع .

 5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالعقل لا بالسمع . الأشاعرة خالفوا المعتزلة في الأمور الخمسة . قالوا : إن صفات الله غير ذاته وزائدة عليها ، وإن الإنسان مسير غير مخير ، وإن الله لا يجب عليه الوفاء لا بالوعد ولا بالوعيد ، وله أن يعاقب المحسن

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ينابيع المودة : للقندوزي الحنفي : ج 1 - ص 109 . ( * )

 

 

 ص 331

ويثيب المسئ ، إذ لا يجب عليه شئ ولا يقبح منه شئ وإن مرتكب الكبيرة ليس في منزلة بين المؤمن والكافر ، وإنه لا يخلد في النار ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان بالسمع لا بالعقل .


والشيعة : يتفقون مع المعتزلة في مسألتي التوحيد والعدل ، ويخالفونهم في الثلاثة الباقية ، ويقولون في مسألة مرتكب الكبيرة ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما تقول الأشاعرة ، وينفردون عن المعتزلة والأشاعرة معا في مسألة الوعد

والوعيد حيث ذهبوا إلى أن الله سبحانه وتعالى يفي بالوعد ولا يجب عليه الوفاء بالوعيد ، فله أن يعفو عن المذنب ، ولا يحق له بحكم العقل أن يخلف وعده مع المحسن . انتهى .


فالفرقة الناجية هي الشيعة الإمامية ، لأنها واحدة في أصول الدين وفروعه فقول النبي صلى الله عليه وآله كلها في النار إلا واحدة ، لا ينطبق إلا على الشيعة الإمامية .


روى العلامة البحراني في ( غاية المرام ) عن ابن شهر آشوب عن أبي طالب الهروي من طرق العامة - بإسناده عن علقمة وأبي أيوب : إنه لما نزلت : ( ألم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) قال النبي صلى الله عليه وآله

لعمار : ( إنه سيكون من بعيد هناة حتى يختلف السيف فيما بينهم ، وحتى يقتل بعضهم بعضا ، وحتى يتبرأ بعضهم من بعض فإذا رأيت فعليك بهذا الأصلع عن يميني علي بن أبي طالب ، فإن سلك الناس كلهم واديا فاسلك وادي علي ، وخل عن الناس.

يا عمار إن عليا لا يردك عن هدى . ولا يردك إلى ردى ، يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله ) ( 1 ) .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) فرائد السمطين : للجويني الشافعي : ج 1 - ص 178 ، غاية المرام : ص 403 . ( * )

 

 

 ص 332

فهذا الحديث الشريف الذي ورد في تفسير الآية المذكورة يدل بوضوح على وجوب كون المسلم شيعيا يتبع علي بن أبي طالب ، وبعد .


وأخيرا إذا كانت هذه المذاهب الإسلامية قد نشأت في عصور متأخرة من عهد الرسالة السماوية الإسلامية فلا بد أن يكون الحق في غيرها قبل نشوئها لأنه لا بد من وجود طائفة على الحق إلى قيام الساعة ، وإلا لزم أن تكون الأمة كلها على ضلال إلى زمان نشوء المذاهب . وهو باطل بالاتفاق .


مرجحات في بيان الفرقة الناجية

 1 - من المرجح للقارئ العزيز أن يتأمل في هذه المسألة والظاهرة المهمة جدا وهي : ظاهرة تشيع علماء السنة ومثقفيهم في هذا العصر بالذات . . لماذا . . ؟ ولم أجد العكس . آلاف مؤلفة من الشباب والعلماء والمثقفين والمفكرين . . يتجهون بهذا الاتجاه . . ولم أجد العكس . . أن عالما شيعيا أو مفكرا أو مثقفا قد انتقل من التشيع إلى التسنن . فكتبت في داخل الكتاب استوقفتني ظاهرة تشيع علماء السنة ومثقفيهم . راجع إن شئت ( للاطلاع ) .


 2 - لا تزال من أمتي طائفة ظاهرة على الحق ( كما رواه البخاري ) . فلنطرح هذا السؤال في العصر الحاضر ( من هي الطائفة التي تقارع الصهيونية كل يوم من هي الطائفة التي رفعت راية الإسلام خفاقا في إيران الثورة بقيادة الإمام الخميني ( قدس سره ) .


 3 - علماء الشيعة كانوا وما يزالون يدعون أرباب المذاهب للمناظرة والحوار المفتوح والجدل القائم والمتركز على الحجة والدليل والبرهان ، فكانت

 ص 333

الحجة معهم والغاية لهم على غيرهم فألفوا في ذلك المصنفات الكثيرة المشتملة على أمثال هذه المناظرات راجع إن شئت :

 1 - كتاب ( الإحتجاج ) للشيخ الطبرسي .

 2 - كتاب ( الغدير ) للشيخ الأميني .

 3 - ( دلائل الصدق ) للشيخ المظفر .

 4 - ( المراجعات ) للسيد شرف الدين .

 5 - ( الفصول المختارة ) للسيد المرتضى .

 6 - ( ليالي بيشاور ) للإمام الشيرازي .

 7 - ( مؤتمر علماء بغداد ) مقاتل بن عطية .

فعلماء الشيعة إذا لا زالوا مستمرين بدعوة غيرهم للمناظرة في المذهب ثقة منهم بالأحقية المرتكزة على أدلة القرآن والسنة .


وإتماما للفائدة أذكر لكم هذه المحاورة الطريفة التي جرت بين السيد العلامة الكبير محسن الأمين في دمشق ، وعالم سني بدمشق .

قال هذا العالم للسيد : أنا لو علمت مذهب الإمام جعفر الصادق لما عدوته ، ولكن لا سبيل إلى العلم به ، لأن الشيعة يكذبون في نسبة مذهبهم إليه .

قال له السيد إن مذهب كل إنسان يعلم من أتباعه . ويؤخذ منهم ، فقد علمنا مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله من المسلمين ، وعلمنا مذهب أبي حنيفة مما نقله عنه أتباعه الأحناف ، وكذلك مذهب الشافعي وأحمد ومالك ، فيجب أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لمذهب الإمام الصادق .

فقال العالم السني : لا بد من حكم خارج عن الفريقين .
 

 ص 334

فقال السيد : إذن نحكم اليهود والنصارى .

قال السني : كيف تقول هذا ؟

قال السيد : أنت قلته ، لا أنا ، فبهت وسكت .


ومحاورة أخرى تفرض نفسها على البحث للاستدلال بأن الفرقة الناجية هم الشيعة الإمامية المتمثلة بإمام مذهبهم جعفر الصادق عليه السلام .

فاسمع ما يحدثنا التاريخ عما جرى لأبي حنيفة صاحب المذهب الحنفي مع الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : دخل أبو حنيفة على الصادق عليه السلام

فقال له : يا أبا حنيفة أنت مفتي أهل العراق .

قال : نعم .

قال : بما تفتيهم .

قال : بكتاب الله .

قال : أفأنت عالم بكتاب الله عز وجل ، ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه

قال : نعم ،

قال : فأخبرني عن قوله تعالى : ( وقدرنا فيهم السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ) . أي موضع هو ؟

قال أبو حنيفة هو بين مكة والمدينة ، فالتفت الصادق عليه السلام إلى جلسائه فقال : نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل وعلى أموالكم من السرقة : اللهم نعم .

قال : ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقا ، ثم قال صلى الله عليه وآله : أخبرني عن قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) أي موضع هو ؟
 

 ص 335

قال : أبو حنيفة : ذلك بيت الله الحرام ، فالتفت الصادق عليه السلام إلى جلسائه فقال لهم : نشدتكم بالله هل تعلمون إن عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل قالوا : اللهم نعم

فقال عليه السلام ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقا .

فقال أبو حنيفة : ليس لي علم بكتاب الله عز وجل ، أنا صاحب قياس

قال الصادق عليه السلام : فانظر في قياسك إن كنت مقيسا ، أيها أعظم عند الله القتل أم الزنى

قال : بل القتل .

قال الصادق عليه السلام : فكيف رضي الله في القتل بشاهدين ولم يرض في الزنا إلا بأربعة

ثم قال له عليه السلام الصلاة أفضل أم الصيام قال : الصلاة أفضل .

قال عليه السلام : فيجب على قياسك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب الله عليها قضاء الصوم دون الصلاة .

ثم قال له الإمام الصادق عليه السلام : البول أقذر أم المني ؟ قال : البول أقذر .

قال عليه السلام : يجب على قياسك أنه يجب الغسل من البول دون المني وقد أوجب الله الغسل عن المني دون البول .

قال أبو حنيفة : إنما أنا صاحب حدود .

فقال عليه السلام : فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح وأقطع قطع يد أم رجل كيف يقام عليه الحد .

قال أبو حنيفة : أنا صاحب رأي .

قال عليه السلام : فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة

 ص 336

ثم سافرا وجعلا المرأتين في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيها الموروث .

قال أبو حنيفة : إنما أنا رجل عالم بمباحث الأنبياء .

قال عليه السلام : فأخبرني عن قوله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى دعوة فرعون : ( لعله يتذكر أو يخشى ) فلعل منه شك

قال : نعم

قال عليه السلام ذلك من الله شك إذ قال لعله

قال أبو حنيفة : لا أعلم .

فقال له الصادق عليه السلام : يا أبا حنيفة لا تقس فإن أول من قاس إبليس فقال : ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) فقاس ما بين النار والطين ولو قاس نورية آدم نبوية ألف نار لعرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر .

يا أبا حنيفة : إنك تفتي بالكتاب ولست ممن ورثه ، وتزعم أنك صاحب قياس وأول من قاس إبليس ، ولم يبن دين الإسلام على القياس وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله صوابا ومن دونه خطأ لأن الله تعالى قال :

( أن أحكم بينهم بما أراك الله ) ولم يقل لغيره وتزعم أنك صاحب حدود ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك . ولولا أن يقال دخل على ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يسأله عن شئ ما سألتك عن شئ فقس إن كنت قياسا .

قال أبو حنيفة : لا تكلمت في الرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس .

فقال له الصادق عليه السلام كلا إن حب الرياسة غير تاركك كما لم يترك غيرك من كان قبلك . فاعتبروا يا أولي الأبصار ! فاعتبروا يا أولي الألباب .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة ؟

 

فهرس الكتاب