- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة - المستبصر : هشام آل قطيط ص 268 :

ردا على الإشاعة الخطيرة لعبد الله بن سبأ


لقد كتب الكثير حول أسطورة عبد الله بن سبأ من خصوم الشيعة وأعدائهم وأن عبد الله بن سبأ هو الذي روج للشيعة مذهبهم الذي يعتمد على الوصاية وأن الوصاية مأخوذة من أصل يهودي وبالتالي خرجوا بنتيجة أن التشيع يهودي مصدره هذا الشيخ المسمى عبد الله بن سبأ .


وأن ابن سبأ هو الذي دفع الناس وألبها على عثمان بن عفان عندما قتل . وأن ابن سبأ استطاع بحنكته أن يشوش على عدد كبير من الصحابة ليثيروا الفتنة والشغب كما يريد هذا وما جاء به المفكرون والمثقفون السنة من أصحاب الأقلام المأجورة قديما وحاضرا :


والجواب الصحيح عزيزي القارئ : أقول : كل هذه التقولات والأكاذيب من أعداء التشيع قد جاءت للتغطية على الحق ولكن مصدر هذه الرواية أو الإشاعة الكاذبة تستند في أساسها على ركيزتين :


الركيزة الأولى : سيف بن عمر ، وتقول عنه كتب التراجم ما يلي بالحرف الواحد : يقول ابن حبان : كان سيف بن عمر يروي الموضوعات وقالوا : إنه كان يضع الحديث ، وأتهم بالزندقة ، كما يقول عنه الحاكم النيسابوري : أتهم سيف بالزندقة ، وهو

بالرواية ساقط ، ويقول عنه ابن معين : ضعيف الحديث فليس فيه خير ، وقال عنه النسائي صاحب السنن : ضعيف ، وقال عنه السيوطي : إنه وضاع ، وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه : سيف بن عمر متروك ، اتهم
 

 ص 269

بالوضع والزندقة وكان وضاعا ( 1 ) .

الركيزة الثانية : السري بن يحيى ، كما يسميه الطبري ، وهو ليس بالسري بن يحيى الثقة ، لأن السري بن يحيى الثقة يكون زمانه أقدم من الطبري فقد توفي سنة 197 ه‍ في حين ولد الطبري سنة 224 ه‍ فالفرق بينهما سبعة وخمسون عاما ، ولا يوجد

عند الرواة سري بن يحيى غيره ، ولذلك يفترض أهل الجرح والتعديل أن السري الذي يروي عنه الطبري يجب أن يكون واحدا من اثنين ، كل منهما كذاب وهما : السري بن إسماعيل الهمداني الكوفي ، وهو أولهما وثانيهما السري بن عاصم

الهمداني نزيل بغداد المتوفى سنة 258 والذي أدرك ابن جرير الطبري وعاصره أكثر من ثلاثين عاما ، وكل من هذين قد كذبه أهل الحديث ، واتهموهما بالوضع ، فقد كذبهما صاحب ( تهذيب التهذيب ) وصاحب ( ميزان الاعتدال ) وصاحب ( تذكرة الموضوعات ) وصاحب ( لسان الميزان ) وغيرهم واتهموا كل واحد منهم بالوضع .


وقد ذكر النقاد للطبري سبعمائة حديث وحديثا واحدا ، وهذه الأحاديث تغطي زمن الخلفاء الثلاثة ، وأسانيد هذه الروايات كلها عن السري الكذاب وعن شعيب المجهول ، وعن سيف الوضاع المتهم بالزندقة .


ومن تلك الروايات رواية في عبد الله بن سبأ وسنده عن شعيب وعن سيف بن عمر وكل من كتب من أصحاب الأقلام المأجورة فهو عيال على الطبري وعنه
 

  * هامش *  
 

( 1 ) تهذيب التهذيب لابن حجر : ج 4 - ص 295 نقلا عن ( هوية التشيع ) للدكتور الوائلي ص 130 . ( * )

 

 

 ص 270

أخذ وإليه أستند ، فعبد الله بن سبأ شخصية وهمية مخترعة لا حقيقة لها . وقد ذكر الدكتور طه حسين الأسطورة السبأية حيث استعرض أولا الصورة التي رسمت لابن سبأ ، ثم مزقها بعد تحليل دقيق وانتهى إلى أن عبد الله بن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة ودعم رأيه بالأمور التالية :

 1 - إن كل المؤرخين والثقات لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ، ولم يذكروا عنها شيئا .
 

 2 - إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ومقطوع بأنه وضاع .
 

 3 - إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي ، كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه ، وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض ، في منتهى البلاهة والسخف .
 

 4 - عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر وعمار وغيرهم .
 

 5 - عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان وقد انتهى طه حسين إلى القول : إن عبد الله بن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة . ولا وجود له في الخارج ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع ( الفتنة الكبرى ) طه حسين ( فصل ابن سبأ تحت عنوان : ابن السوداء : ج 1 - ص 131 . ( * )

 

 

 ص 271

وأقول لأصحاب الأقلام المأجورة إن أحاديث الوصاية ليست من موضوعات ابن سبأ ، بل جاءت في كتب السنة : ونذكر بعض الروايات منها :

عن ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله : إنه قال صلى الله عليه وآله ، ( لكل نبي وصي ووارث ، وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب ) ( 1 ) .
 

وجاء في تاريخ دمشق أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي : ( أنت وشيعتك في الجنة ) ( 2 ) .
 

وأيضا أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى علي فقال صلى الله عليه وآله : ( هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ) ( 3 ) .
 

وروى الحافظ الحاكم الحسكاني ( الحنفي ) في ذيل قوله تعالى : ( وأولئك هم المفلحون ) ( 4 )
 

عن أبي بكر المعمري بإسناده عن عيسى عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال : حدثني سلمان فقال : يا أبا الحسن كلما أقبلت أنت وأنا عند رسول الله إلا قال : ( يا سلمان هذا وحزبه هم المفلحون ) ( 5 ) .
 

وفي حديث آخر يثبت فيه رسول الله من هو وصيه من بعده : ( يا علي . . لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة ، فإن لم تكن نبيا

  * هامش *  
 

( 1 ) المناقب : لابن المغازلي : ص 200 .
( 2 ) تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي في ترجمة علي بن أبي طالب : ج 2 - ص 345 .
( 3 ) تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي في ترجمة علي بن أبي طالب : ج 2 - ص 348 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 5 .
( 5 ) شواهد النزيل : ج 1 - ص 69 . ( * )

 

 

 ص 272

فإنك وصي نبي ووارثه ، بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء ) ( 1 ) .
 

وفي حديث آخر : عن أبي هريرة عن سلمان قال : قلت يا رسول الله من وصيك ؟ فقال صلى الله عليه وآله : ( إن وصيي وموضع سري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب ) ( 2 )
 

وعن أم سلمة قالت في ضمن حديث طويل : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إن الله اختار من كل أمة نبيا ، واختار لكل نبي وصيا ، فأنا نبي هذه الأمة وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي من بعدي ) ( 3 ) .
 

وفي حديث آخر : عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( أتاني جبرائيل وقد نشر جناحيه ، فإذا في أحدهما مكتوب : لا إله إلا الله ، محمد النبي صلى الله عليه وآله ومكتوب على الآخر : لا إله إلا الله ، علي الوصي ) ( 4 ) .
 

ما قاله الباحث المتشيع المصري ( سعيد أيوب ) يكشف عن الحقيقة لماذا عبد الله بن سبأ لم يمزق وحدة المسلمين في الشام ! ! ومن الثابت والذي لا خلاف عليه أن القصص وسرد الحكايات كان وجبة أساسية على امتداد العهد الأموي ، وتحت ظلاله سبوا أمير المؤمنين عليا في البيوت والحارات وفي المساجد .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) ينابيع المودة : للقندوزي الحنفي : ج 1 - ص 78 .
( 2 ) ( مفتاح النجاة ) للحافظ البدخشي : ص 94 ، و ( كنز العمال ) ج 6 - ص 143 .
( 3 ) ( المناقب ) : للخوارزمي الحنفي : ص 90 .
( 4 ) المناقب : للخطيب الخوارزمي الحنفي : ص 90 . ( * )

 

 

 ص 273

ولا ندري إذا كان ابن سبأ معروفا لأهل الشام حتى أنهم أخرجوه فلماذا لم يقتله معاوية وهو الذي قتل حجر بن عدي بعد ذلك تحت دعوى أنه خطر على النظام ؟ !

ثم لماذا لم يبحث عنه معاوية يوم أن جلس على رقبة الأمة ؟ وهو الذي كان يبحث عن المعارضين تحت كل حجر ، وأتي بعمرو بن الحمق ؟ وقطع رأسه وأهداه إلى زوجته فكان أول رأس أهدي في الإسلام ) ( 1 ) .


ما قاله الدكتور أحمد صبحي حول ابن سبأ ويبدو أن مبالغة المؤرخين وكتاب الفرق في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ يرجع إلى سبب آخر غير ما ذكره الدكتور طه حسين ، فلقد حدثت في الإسلام أحداث سياسية ضخمة كمقتل عثمان ثم حرب

الجمل وقد شارك فيها كبار الصحابة وزوجة الرسول ، وكلهم يتفرقون ويتحاربون وكل هذه الأحداث تصدم وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي ، أن يبتلى تاريخ الإسلام هذه الابتلاءات ويشارك فيها كبار الصحابة الذين حاربوا مع رسول الله

صلى الله عليه وآله وشاركوا في وضع أسس الإسلام ، كان لا بد أن تلقى مسؤولية هذه الأحداث الجسام على كاهل أحد ، ولم يكن من المعقول أن يتحمل وزر ذلك كله صحابة أجلاء أبلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بلاء حسنا ، فكان لا بد

أن يقع عبئ ذلك كله على ابن سبأ فهو الذي أثار الفتنة التي أدت لقتل عثمان ، وهو الذي حرض الجيشين يوم الجمل على الالتحام على حين غفلة من علي وطلحة والزبير .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) معالم الفتن - سعيد أيوب : ج 1 - ص 489 . ( * )

 

 

 ص 274

أما في التاريخ الفكري فعلى عاتقه يقع أكبر انشقاق عقائدي في الإسلام بظهور الشيعة ، هذا هو تفسير مبالغة كتاب الفرق وأصحاب المذاهب لا سيما السلفيين والمؤرخين في مصبغة الدور الذي قام به ابن سبأ ، ولكن أليس عجبا أن يعبث دخيل في الإسلام كل هذا العبث فيحرك تاريخ الإسلام السياسي والعقائدي على النحو الذي تم عليه وكبار الصحابة شهود ) ( 1 ) .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) نظرية الإمامة : ص 29 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة ؟

 

فهرس الكتاب