- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة - المستبصر : هشام آل قطيط ص 152 :

الحوار الثالث
مناظرته مع كبير علماء الشافعية في حلب


يقول الشيخ الأنطاكي : بعد اشتهار أمرنا بالتشيع ، أتاني أحد أعاظم علماء الشافعية المشهورين بالعلم والفضيلة في مدينة حلب الشهباء ، وسألني بكل لطف : لماذا أخذتم بمذهب الشيعة ، وتركتم مذهبكم ؟ وما هو السبب الداعي لكم ، واعتمادكم عليه ؟

وما دليلكم على أحقية علي بالخلافة من أبي بكر ؟ فناظرته كثيرا ، وقد وقعت المناظرات فيما بيننا مرارا ، وأخيرا اقتنع الرجل ( 1 ) . ومن جملة المناظرة أنه سألني عن بيان الأحقية في أمر الخلافة هل أبو بكر
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) مناظرة الشيخ الأنطاكي بعد التشيع مع أحد كبار علماء الشافعية في حلب وذكر المؤلف الشيخ أن كبير علماء الشافعية تشيع لكن رفض التصريح باسمه خوفا من قومه وعشيرته .

 

 

 ص 153

أحق أم علي ؟ فأجبته : إن هذا شئ واضح جدا بأن الخلافة الحقة لأمير المؤمنين علي عليه السلام فور وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم من بعده إلى الحسن المجتبى عليه السلام ثم إلى الحسين الشهيد بكربلاء عليه السلام ثم إلى علي بن الحسين

زين العابدين عليه السلام ثم إلى محمد بن علي الباقر عليه السلام ثم إلى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ثم إلى موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ثم إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام ثم إلى محمد بن علي الجواد عليه السلام ثم إلى

علي بن محمد الهادي عليه السلام ثم إلى الحسن بن علي العسكري عليه السلام ثم إلى الحجة ابن الحسن المهدي الإمام الغائب المنتظر عليه السلام .

ودليل الشيعة على ذلك : الكتاب الكريم ، والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله من الطرفين وكتبهم مليئة من الحجج والبراهين الرصينة ، ويثبتون مدعاهم من كتبكم ومؤلفاتكم إلا أنكم أعرضتم عن الرجوع إلى مؤلفات الشيعة والوقوف على ما فيها ، وهذا نوع من التعصب الأعمى .


أما الكتاب فقوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ( 1 ) . وإن هذه الآية نزلت في ولاية ( علي ) بلا ريب بإجماع الشيعة وأكثر علماء السنة في كتب التفسير ، كالطبري ، والرازي ، ابن كثير ، وغيرهم فإنهم قالوا بنزولها في علي بن أبي طالب عليه السلام .
 

  * هامش *  
  ( 1 ) سورة المائدة الآية 55 .  

 

 ص 154

ومما لا يخفى على ذي مسكة بأن الله عز وجل هو الذي يرسل الرسل إلى الأمم لا يتوقف أمرهم على إرضاء الناس ، وكذلك الوصاية تكون من الله لا بالشورى ولا بأهل الحل والعقد ، ولا بالانتخاب أبدا ، لأن الوصاية ركن من أركان الدين ، والله جل وعلا لا يدع ركنا من أركان الدين إلى الأمة تتجاذبه أهواءهم ، كل يجر إلى قرصه .


بل لا بد أن يكون القائم بأمر الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله منصوصا عليه من الله لا ينقص عن الرسل ولا يزيد ، معصوما عن الخطأ ، فالآية نص صريح في ولاية علي عليه السلام وقد أجمعت الشيعة ، وأكثر المفسرين من السنة أيضا أن

الذي أعطى الزكاة حال الركوع هو ( علي ) بلا خلاف فتثبت ولايته عليه السلام أي خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية فأورد علي حجة يدعي بها تدعيم خلافة أبي بكر ، فقال : إن أبا بكر أحق بالخلافة ! ! إذ أنه أنفق أموالا كثيرة

قدمها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وزوجه ابنته ، وقام إماما في الجماعة أيام مرض النبي صلى الله عليه وآله .

فأجبته قائلا : أما إنفاق أمواله ، فدعوى تحتاج إلى دليل يثبتها ، ونحن لا نعترف بهذا الإنفاق ، ولا نقر به ، ثم نقول : من أين اكتسب هذه الأموال الطائلة ؟ ومن الذي أمره به ؟ ولنا أن نسألك : هل الإنفاق كان في مكة أم بالمدينة ؟ فإن قلت : في مكة ،

فالنبي صلى الله عليه وآله لم يجهز جيشا ، ولم يبن مسجدا ومن يسلم من القوم يهاجره ( 1 ) إلى الحبشة والنبي صلى الله عليه وآله وجميع بني هاشم لا تجوز عليهم
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) يعني يأمره بالهجرة . ( * )

 

 

 ص 155

الصدقة ، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله غني بمال خديجة كما يروون ( 1 )

وإن قلت : بالمدينة فأبو بكر هاجر ولم يملك من المال سوى ( 600 ) درهم فترك لعياله شيئا ، وحمل معه ما بقي ونزل على الأنصار ، فكان هو وكل من يهاجر عالة على الأنصار ، ثم إن أبا بكر لم يكن من التجار ، بل كان تارة بزازا يبيع - يوم

اجتماع الناس - أمتعة يحملها على كتفه ، وتارة معلم الأولاد ، وأخرى نجارا يصلح لمن يحتاج بابا أو مثله . وأما تزويجه ابنته لرسول الله صلى الله عليه وآله فهذا لا يلزم منه تولي أمور المسلمين به . وأما صلاته في الجماعة - إن صحت - فلا

يلزم منها تولي الإمامة الكبرى أو الخلافة العظمى ، فصلاة الجماعة غير الخلافة ، وقد ورد أن الصحابة كان يؤم بعضهم بعضا ، حضرا وسفرا ، فلو كانت هذه تثبت دعواكم لصح أن يكون كل منهم حقيقا بالخلافة ، ولو صحت لادعاها يوم السقيفة

لنفسه لكنها لم تكن أنذاك ، بل وجدت أيام الطاغية معاوية ، لما صار الحديث متجرا ، ثم حديث الجماعة جاء عن ابنته عائشة فقط ! ولا ننسى لما سمع النبي صلى الله عليه وآله تكبيرة الصلاة ، قال : من يؤم الجماعة ؟ فقالوا : أبو بكر ،

قال : احملوني فحملوه - بأبي وأمي - متعصبا مدثرا ، يتهادى بين رجلين ( علي ، والفضل ) حتى دخل المسجد فعزل أبا بكر ، وأم الجماعة بنفسه ، ولم يدع أبا بكر يكمل الصلاة ، فلو كانت صلاة أبي بكر بإذن النبي صلى الله عليه وآله أو برضاه فلماذا خرج بنفسه صلى الله عليه وآله وهو مريض وأم القوم ؟ !
 

  * هامش *  
  ( 1 ) فإنفاق أبي بكر - على ما يدعيه الخصم - وعدم سواء بسواء أمام هذا الحديث المشهور إذ لا أثر له في سير الرسالة المباركة ، إذا قيس بسيف علي ، ناهيك من مبيت علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله والجود بالنفس أقصى غاية الجود فتدبره وأنصف .  

 

 ص 156

والعجب كل العجب من إخواننا أنهم يقيمون الحجة بهذه الأشياء التي لا تنهض بالدليل ، ويتناسون ما ورد في علي عليه السلام من الأدلة التي لا يمكن عدها ، كحديث يوم الانذار إذ جمع رسول الله صلى الله عليه وآله عشيرته الأقربين بأمر من

الله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) فجمعهم الرسول صلى الله عليه وآله وكانوا إذ ذاك أربعين رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه وضع لهم طعاما يكفي الواحد منهم ، فأكلوا جميعهم حتى شبعوا ، وبعد أن فرغوا ، قال النبي صلى الله عليه وآله . ( يا بني

هاشم ! من منكم يؤازرني على أمري هذا ) ؟ فلم يجبه أحد ، فقال علي عليه السلام : أنا يا رسول الله ، أؤازرك ، قالها ثلاثا ، وفي كل مرة يجيب علي : أنا يا رسول الله . فأخذ برقبته ، وقال : ( أنت وصيي ، وخليفتي من بعدي ، فاسمعوا له

وأطيعوا ) ( 1 ) . قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب . قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع .

وحديث ( يوم الغدير ) المشهور ،
وحديث ( الثقلين ) ،
وحديث ( المنزلة ) ،
وحديث ( السفينة ) ،
وحديث ( باب حطة ) ،
وحديث ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ،
وحديث ( المؤاخاة ) ،
وحديث تبليغ سورة ( براءة ) ،
و ( سد الأبواب ) ،
و ( قلع باب خيبر ) ،
و ( قتل عمرو بن عبد ود العامري ) ،
و ( زواج بضعة

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ذكره المؤرخ جرجي زيدان في كتابه ( تاريخ التمدن الإسلامي ) ج 1 - ص 21 . والأستاذ محمد حسنين هيكل في ( حياة محمد ) ص 4 الطبعة الأولى ، وفي الطبعة الثانية حذف هذا القول مقابل مبلغ من الأموال والدولارات . ( * )

 

 

 ص 157

الرسول فاطمة الزهراء عليها السلام ) . إلى كثير وكثير من ذلك النمط مما لو أردنا جمعها لملأنا المجلدات الضخمة . أفكل هذه الروايات المتفق عليها لا تثبت خلافة علي عليه السلام وتلك الروايات المختلف فيها والمفتعلة ، تثبت لأبي بكر تولي منصب الرسالة ؟ ! وهذا شئ عجاب !


ثم قال لي : أنتم لا تعترفون بخلافة أبي بكر . قلت : لا ، هذا لا نزاع فيه عندنا ، ولكن ننازع في الأحقية والأولوية ، هل كان أبو بكر أحق بها أم أمير المؤمنين عليه السلام . ها هنا النزاع ، ولنا عندئذ [ أن ] ننظر في هذا الأمر العظيم الذي جر

على الأمة بلاء ، وفرق الأمة ابتداء يوم السقيفة إلى فرقتين بل إلى أربع فرق ، فالأنصار انقسموا على أنفسهم قسمين قسم يريد عليا وذلك بعد خراب البصرة . والآخر استسلم وسلم الأمر إلى أبي بكر .


وكذلك المهاجرون : منهم من يريد أبا بكر والآخر عليا ، ثم إلى فرق تبلغ الثلاث والسبعين ، كل فرقة تحمل على من سواها من الفرق حملة شعواء لا هوادة فيها ، فجر الأمة الإسلامية إلى نزاع دائم عنيف فكفر بعضهم بعضا ، ولا زالت الأمة تمخر في بحور من الدماء من ذلك اليوم المشؤوم إلى يوم الناس هذا ، ثم إلى يوم يأتي الله بالفرج هذا الذي تحاول فيه .


فالشيعة برمتهم يحكمون بما يثبت عندهم من الأدلة قرآنا وسنة وتاريخا ويحتجون من كتب خصومهم السنة ، فضلا عن كتبهم بالخلافة لعلي ولبنيه الأئمة الأحد عشر الذي تمسكت الشيعة بإمامتهم .
 

 ص 158

إلى غير ذلك من الأدلة التي أوردتها على فضيلته فسمع وقنع وخرج من عندنا وهو في ريب من مذهبه وشاكرا لنا على ما قدمناه له من الأدلة وقد طلب مني بعض كتب الشيعة ومؤلفاتهم فأعطيته جملة من الكتب .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة ؟

 

فهرس الكتاب