|
|
- فقهيات بين السنة والشيعة - عاطف سلام ص 57 :
|
[ 5 ]
الأذان
إن الأذان يعبر عن النداء المتكرر الذي يوجه إلى الأمة
الإسلامية لجمع أفرادها من أجل أداء الصلوات المفروضة إذ هو وسيلة إعلام مستقلة
للمؤمنين لإعلامهم بدخول وقت الصلاة تميزا عن غيره من أساليب الإعلام الأخرى
التي تستخدمها الملل
المختلفة وهو يتضمن بين مقاطعه أهم الأركان العقائدية والأصول
الدينية مثل : التوحيد والشهادة بالرسالة والإقرار بالنبوة والتكبير والتهليل
وصرخات إعلاء كلمة الله وإفراده بالخلق والتدبير التي تشرح صدور المؤمنين
وتشمئز منها قلوب المنافقين
قال تعالى : (
وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم
قوم لا يعقلون ) [ المائدة / 58 ] .
والأذان - من حيث المبدأ - قد اتفقت عليه الأمة الإسلامية قاطبة بيد أنه قد وقع
تفاوت بسيط بين إخواننا الشيعة الإمامية وإخواننا أهل السنة حول نقطتين :
الأولى : كيفية بدء
مشروعيته .
الثانية : بعض الألفاظ
والمقاطع التي يتضمنها .
وبالرغم من كونه مجرد وسيلة إعلام بدخول الصلاة ولا يشكل خلافا جوهريا إلا أنه
لا بأس من القاء بعض الضوء على هاتين النقطتين حتى تتضح الرؤية ويرتفع اللبس
وسوء الفهم .
أما في ما يتعلق بالنقطة الأولى فقد ذكر في أصل مشروعية الأذان قضية حاصلها أن
عبد الله بن زيد رأى ليلة - في ما يراه النائم - شخصا علمه الأذان
والإقامة فلما انتبه قبل الفجر قص الرؤيا على النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فأمره أن يلقن بلالا ما حفظه في تلك الرؤيا وأمر بلالا أن ينادي
به أول الفجر ففعلا ذلك وشرع الأذان بهذه الرؤيا .
أخرج مالك في ( الموطأ ) باب : بدء الأذان بسنده عن يحيى بن سعيد أنه قال : "
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما
ليجتمع الناس للصلاة فأري عبد الله بن زيد الأنصاري خشبتين في النوم فقال : إن
هاتين
لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له :
ألا تؤذنون للصلاة ؟ فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين استيقظ فذكر
له ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأذان "
( 1 ) .
وهذه القضية لا يقرها إخواننا الشيعة فهم يعتقدون أن الأذان من أمور الشرع
التوقيفية التي أوحي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ربه
وأمر بتبليغها للناس ليعملوا بها وليس العكس .
نعم هناك السنة التقريرية حيث إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقر عملا قام
به واحد من الأمة كان يصوب عمل رجل يكدح من أجل عيشه أو يحسن عمل رجل قام بزرع
نخلة وما إليه .
ومع ذلك فإن هذه الأشياء لها أصل قد جاء به الشرع الحنيف . أما بالنسبة إلى
الأذان فإنه ليس من مصاديق ذلك لأنه يتعلق بالوحي والتشريع لا سيما عند اعتباره
من الأمور العبادية المحضة المنوطة بالشارع المقدس وحده .
أما في ما يتعلق بالنقطة الثانية وهي مسألة ألفاظ الأذان ومقاطعه فعند إخواننا
أهل السنة ألفاظ الأذان كالآتي : الله أكبر الله أكبر مرتين أشهد أن لا إله إلا
الله مرتين أشهد أن محمد رسول الله مرتين
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
ذكر قضية الأذان بالتفصيل كل من أبي داود
والترمذي وأحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وابن حبان وابن خزيمة في
صحيحيهما .
فراجع : نيل الأوطار
للشوكاني : ج 2 ص 40 وأوردها الحلبي في باب : بدء مشروعية الأذان من
سيرته وكل من ذكر عبد الله بن زيد من أصحاب
التراجم أشار إلى هذه القضية وربما سموه صاحب الأذان . ( * )
|
حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الله أكبر الله أكبر
مرتين لا إله إلا الله مرة وفي أذان الصبح يضاف مقطع " الصلاة خير من النوم "
مرتين بعد مقطع " حي على الفلاح " وهو ما يعرف بالتثويب .
فقد أخرج الدارقطني في ( سننه ) بسنده عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال
لمؤذنه : " إذا بلغت " حي على الفلاح " في الفجر فقل : الصلاة خير من النوم
الصلاة خير من النوم " ( 1 ) .
وفي لفظ مالك : أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح
فوجده نائما فقال : " الصلاة خير من النوم " فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح
" ( 2 ) .
قال الدهلوي في شرح ( الموطأ ) : " وعليه أكثر أهل العلم " . أما عند إخواننا
الشيعة فإن ألفاظ الأذان كما يأتي : الله أكبر الله أكبر مرتين أشهد أن لا إله
إلا الله مرتين أشهد أن محمد رسول الله مرتين حي على الصلاة مرتين حي على
الفلاح مرتين حي على خير العمل مرتين الله أكبر الله أكبر مرة لا إله إلا الله
مرتين
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
سنن الدارقطني :
ج 1 ص 243 .
|
(2) الموطأ ص
78 . ( * )
|
هذه هي ألفاظ الأذان الشرعية الواجبة عندهم . ويستحب الإتيان
بقول : " أشهد أن عليا ولي الله " على سبيل التبرك والاستحسان الزائد لا بوصفه
جزءا من ألفاظ الأذان ومقاطعه .
وهنا يطرأ سؤالان :
الأول : هل هناك دليل على
هذا المقطع " حي على خير العمل " ؟
الثاني : هل هناك مسوغ
لاستحباب قول : " أشهد أن عليا ولي الله " ؟
أما بالنسبة للسؤال الأول فقد أجابوا بأن الروايات الصحيحة
المتضافرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تؤكد أن مقطع " حي على خير العمل "
هو جزء من ألفاظ الأذان الشرعية وقد تظاهرت الأحاديث المتواترة من طرقنا بذلك .
كما أن هناك بعض الإشارات في كتب أهل السنة تدل على أن هذا المقطع كان موجودا
في الأذان ولكنه قد أسقط اجتهادا وتأولا حيث كان القائمون بالأمر يرغبون في
إعلام العامة بأن خير العمل إنما هو الجهاد في سبيل الله ليشتاقوا إليه وتعكف
هممهم عليه والنداء على الصلاة بخير العمل في كل يوم خمس مرات ربما ينافي ذلك .
بل ربما رأوا أن في بقاء هذه الكلمة في الأذان تثبيطا للعامة عن الجهاد إذ لو
عرفوا أن الصلاة خير العمل مع ما فيها من السلامة وعدم المخاطرة لاقتصروا في
ابتغاء الثواب عليها وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة إليها وكانت همة
القائم بالأمر - يومئذ - عمر بن الخطاب ( ره ) متجهة إلى تبليغ رسالة الإسلام
ودعوة بقية الدول والشعوب إليه .
ولا شك أن ذلك لا يكون إلا بتشويق الجنود إلى خوض الغمار في سبيل الدعوة بحيث
يقبلون على الجهاد معتقدين بأنه خير العمل يوم المعاد ولذا قد ترجحه في نظره
إسقاط هذه الكلمة تحقيقا للمصلحة المطلوبة كما أن
ذلك لن يخل بالأذان في أداء دوره بوصفه وسيلة إعلام بالصلاة
فحسب فقال وهو على المنبر كما نص عليه الإمام القوشجي في أواخر مبحث الإمامة من
( شرح التجريد ) وهو من أئمة المتكلمين على مذهب الأشاعرة : " ثلاث كن على عهد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن وهي :
متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل " .
ثم عرض القوشجي مسوغات هذا الاجتهاد مع اعترافه به . وتبعه في إسقاطها عامة من
تأخر من المسلمين في ما عدا أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم فإن " حي على خير
العمل " من مقاطعهم في الأذان كما هو بديهي في مذهبهم حتى أن شهيد
فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليهم
السلام لما ظهر بالمدينة أيام الطاغية الهادي من ملوك العباسيين أمر المؤذن أن
ينادي بها ففعل وقد نص على ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتابه " مقاتل الطالبيين
" ( 1 ) .
وذكر الحلبي في باب : بدء الأذان ومشروعيته : أن عبد الله بن عمر والإمام علي
بن الحسين كانا يقولان في الأذان بعد " حي على الفلاح " : " حي على خير العمل "
( 2 ) .
وربما يقول قائل : هل يجوز الاجتهاد في إسقاط المقطع من الأذان ؟
والجواب : أن ذلك الاجتهاد كان يهدف إلى تحقيق مصلحة معينة
دون الإخلال بطبيعة دور الأذان بوصفه وسيلة إعلام بالصلاة كما أن الذي سوغ
الزيادة فيه هو الذي سوغ الإسقاط منه فها قد رأيت أنه قد زاد " الصلاة خير من
النوم " في
صلاة الصبح وهذه الكلمة لا عين لها ولا أثر في ما هو مأثور عن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كيفية الأذان فراجع كتاب الأذان من (
صحيح البخاري ) وباب : صفة الأذان في أول كتاب الصلاة من ( صحيح مسلم ) .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
راجع ما ذكره عن صاحب فخ
ص 446 . |
(2) السيرة الحلبية
: ج 2 ص 305 ونيل الأوطار : ج 2 ص 43 و 44 .
( * )
|
وفي تعليقه على الخبر الذي أخرجه مالك في ( الموطأ ) أنه بلغه
أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال : "
الصلاة خير من النوم " فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح قال الإمام الدهلوي "
وعليه أكثر أهل العلم " .
وبالرغم من ورد بعض الأخبار المرفوعة عن أبي محذورة والتي تفيد أن تلك الزيادة
من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن الروايات الثابتة عن أبي محذورة في
ألفاظ الأذان لا تتضمن هذه الزيادة ولعله اشتباه من الرواة فنسبوا ذلك إلى
النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حين أن النسبة الصحيحة كانت إلى عمر ( ره )
.
ولذلك قال الشافعي في ( الأم ) : " والأذان والإقامة كما حكيت عن آل أبي محذورة
فمن نقص منها شيئا أو قدم مؤخرا أعاد حتى يأتي بما نقص وكل شئ منه في موضعه
والمؤذن الأول والآخر سواء في الأذان ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها لأن
أبا محذورة لم يحك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالتثويب فأكره
الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده " ( 1 ) .
وعلى أية حال فإن إيراد " حي على خير العمل " كفصل من فصول الأذان لا غضاضة فيه
البتة بل هو أمر مرغوب فيه أوليست الصلاة هي عمود الدين وهي أول ما يسأل عنه
العبد يوم القيامة فإذا صلحت صلح سائر عمله وإذا فسدت فسد سائر
عمله ؟ وهي الركن الإسلامي والعبادة الوحيدة التي لم يرخص
الشرع في تركها ؟ كل ذلك يجعلها تتبوأ موقعا فريدا ومكانة متميزة في الإسلام
تجعلها جديرة بأن تكون خير العمل وأحبه إلى الله تعالى .
أما في ما يتعلق بالسؤال الثاني حول وجود مسوغ لاستحباب قول : " أشهد أن عليا
ولي الله " أجابوا : أن مكانة أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
الأم
للشافعي : ج 1 ص 73 . ( * )
|
|
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا مكانة عظيمة راقية وأن مودتهم
وموالاتهم واجبة على سائر الأمة إذ يقول تعالى : (
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
) [ الشورى / 23 ] والقربى هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الذين نشأوا في كنفه ورعايته .
وفي ما يخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه يحظى بمنرلة فريدة
مرموقة ويتبوأ مكانة عظيمة متميزة فهو سيد العترة المحمدية وأبو الأئمة الأطهار
عليهم السلام وأن ولايته مفروضة على جميع المؤمنين كما جاء بذلك الكتاب المجيد
والسنة المطهرة ففيه نزل قول الحق تبارك وتعالى في " سورة
المائدة " : ( إنما
وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون
* ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب
الله هم الغالبون ) [ المائدة / 55 و 56 ]
( 1 ) .
فقد أخرج الإمام الثعلبي في ( تفسيره الكبير ) عند بلوغه هاتين الآيتين
بالإسناد إلى أبي ذر الغفاري قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بهاتين وإلا صمتا ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول : علي قائد البررة وقاتل
الكفرة منصور من نصره
مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ذات يوم فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا وكان علي راكعا فأومأ
بخنصره إليه وكان يتختم بها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره فتضرع النبي
صلى الله عليه
وآله وسلم إلى الله - عز وجل - يدعوه فقال : اللهم إن أخي
موسى سالك ( قال رب اشرح
لي صدري * ويسر لي
أمري * واحلل عقدة
من
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أخرج السيوطي في الدر
المنثور : ج 2 ص 293 ثلاث عشرة رواية نزلت في الإمام علي إذ تصدق
بخاتمه وهو راكع . وكذلك في لباب النقول ص 90 ونقله عن الطبراني وابن
مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم وأخرج الطبري ست روايات نزلت فيه
وأقر بنزولها فيه
أيضا الرازي والزمخشري والبيضاوي وغيرهم من
المفسرين وأخرج ذلك أيضا النسائي في صحيحه وصاحب الجمع بين الصحاح الستة من
حديث ابن سلام مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومثله حديث
ابن عباس في تفسير هذه الآية من كتاب : أسباب النزول
للواحدي ص 148 . ( * )
|
لساني *
يفقهوا قولي *
واجعل لي وزيرا من أهلي
* هارون أخي *
اشدد به أزري *
وأشركه في أمري *
كي نسبحك
كثيرا *
ونذكرك كثيرا *
إنك كنت بنا بصيرا ) [ طه / 25 - 35 ]
فأوحيت إليه : ( قد أوتيت
سؤلك يا موسى ) [ طه / 36 ] . اللهم وإني
عبدك ونبيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أخي اشدد
به ظهري .
قال أبو ذر : فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة حتى
هبط عليه الأمين جبريل بهاتين الآيتين : (
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون *
ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم
الغالبون ) " .
فتأمل قوله تعالى : ( إنما وليكم ) الذي تصدر بأقوى أدوات القصر " إنما " بحيث
يفيد حصر الولاية وقصرها إذ أن المقصود بالولاية هنا هو الولاية عن النفس
والأولوية في التصرف على غرار قوله تعالى : (
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم
)
[ الأحزاب / 6 ] وليست الولاية هنا بمعنى النصرة أو المحبة كما زعم بعضهم وإلا
فلا يصبح ثمة وجه للحصر كما لا يخفى
وكان الله - عز وجل - يريد أن يبين للمؤمنين : إنما وليكم الأولى بكم من أنفسكم
هو الله ورسوله وعلي فكما أن ولاية الله عامة فكذلك ولاية رسوله صلى الله عليه
وآله وسلم وولاية الإمام علي عليه السلام على ذات الأسلوب وبلا فرق .
وهذه الآية الكريمة تثبت أن ولاية الإمام علي عليه السلام مفروضة على جميع
المؤمنين مثل ولاية رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم بنص الكتاب
المحكم المبين .
ثم جاءت السنة المطهرة لتعضد ما جاء في الكتاب المجيد وتضفي عليه مزيدا من
التأكيد فقد أخرج أبو داود الطيالسي - كما في أحوال علي من القسم الثالث من (
الإستيعاب ) لابن عبد البر - بالإسناد إلى ابن عباس قال : " قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب : أنت ولي كل مؤمن بعدي "
( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أخرجه أبو داود الطيالسي وغيره من أصحاب السنن
عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم
الفزاري عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن عباس مرفوعا ورجال هذا السند كلهم
حجج وقد احتج بكل منهم الشيخان في صحيحيهما إلا يحيى بن أبي
سليم لم يخرجا له لكن أئمة الجرح والتعديل
صرحوا بوثاقته وقد نقل الذهبي - حيث ترجمه من الميزان - توثيقه عن يحيى بن
معين والدار قطني ومحمد بن سعيد وأبي حاتم وغيرهم وكذلك نقل وثاقته ابن أبي
حاتم في كتابه الجرح والتعديل احتج به أصحاب السنن الأربعة . ( * )
|
ومثله ما صح عن عمران بن حصين إذ قال : " بعث رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية واستعمل عليهم علي بن أبي طالب فاصطفى لنفسه
من الخمس جارية فأنكروا ذلك عليه وتعاقد أربعة عنهم على شكايته إلى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم
فلما قدموا قام أحد الأربعة فقال : يا رسول الله ألم تر أن
عليا صنع كذا وكذا ؟ فأعرض عنه فقام الثاني فقال مثل ذلك فأعرض عنه وقام الثالث
فقال مثل ما قال صاحباه فأعرض عنه وقام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل عليهم
رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم والغضب يبصر في وجهه فقال : ما تريدون من
علي ؟ ! إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي "
( 1 ) .
وكذلك ما جاء عن
ابن عباس عن بريدة قال : " غزوت مع العلي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم يتغير فقال : يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟
فقلت : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولا هذا علي مولاه "
( 2 ) .
ومثله ما أخرجه ابن السكن عن وهب بن حمزة - كما في ترجمة وهب من ( الإصابة ) -
قال : " سافرت مع علي فرأيت منه جفاء فقلت : لئن رجعت لأشكونه فرجعت فذكرت عليا
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت عنه فقال : لا
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أخرجه غير واحد من أصحاب السنن كالإمام النسائي
في خصائصه العلوية وأحمد بن حنبل في مسنده من
حديث عمران : ج 4 ص 438 والحاكم في مستدركه :
ج 3 ص 111 مسلما بصحته على شرط مسلم وأقره الذهبي في التلخيص وأخرجه بن أبي
شيبة وابن جرير وصححه في ما نقله عنهما المتقي الهندي في كنز العمال : ج 6
ص 400 .
(2) أخرجه
أحمد : ج 5 ص 347 من مسنده والحاكم : ج 3 ص
110 من المستدرك وغير واحد من المحدثين . ( *
)
|
تقولن هذا لعلي فإنه وليكم بعدي " .
وأخرجه الطبراني في ( الكبير ) عن وهب غير أنه قال : " لا تقل
هذا لعلي فإنه أولى الناس بكم بعدي " ( 1 ) .
وأخرج الطبراني وغيره بسند مجمع على صحته عن زيد بن أرقم قال
: " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم تحت شجرات فقال : أيها
الناس يوشك أن أدعى فأجيب وأني مسؤول وأنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا
: نشهد أنك
قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيرا فقال : أليس تشهدون أن
لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حق وأن الموت حق
وأن البعث بعد الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في
القبور ؟ قالوا :
بلى نشهد بذلك . قال : اللهم اشهد ثم قال : يا أيها الناس إن
الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا
مولاه [ يعني عليا ] اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . ثم قال : يا أيها
الناس إني فرطكم وإنكم واردون على
الحوض حوض أعرض مما بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان
من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما كتاب الله عز
وجل سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا
وعترتي
أهل بيتي فإنه قد نباتي اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى
يردا على الحوض " ( 2 ) .
وعن البراء بن عازب قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلنا
بغدير خم فنودي فينا : الصلاة جامعة وكسح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
تحت شجرتين فصلى
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
نقله المتقي عن ابن أبي عاصم : ج 6 ص 397 من
الكنز .
(2) هذا لفظ
الحديث عن الطبراني وابن جرير والحكيم الترمذي عن زيد بن أرقم وقد نقله ابن
حجر عن الطبراني وغيره بهذا اللفظ وأرسل صحته إرسال المسلمات عند ذكره
الشبهة الحادية عشرة ص 43 من الصواعق . ( * )
|
الظهر وأخذ بيد علي فقال : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين
من أنفسهم ؟ قالوا : بلي . قال : ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟
قالوا : بلى . قال : فأخذ بيد علي فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من
والاه وعاد من عاداه قال : فلفيه عمر بعد ذلك فقال له : هنيئا لك يا ابن أبي
طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 1 ) .
هذا الحديث يعرف بحديث الغدير وقد قال ابن كثير - كما في مقدمة ( تاريخ الطبري
) ط 1 دار المعارف - : رأيت للإمام الطبري كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في
مجلدين .
وقال فيه ابن حجر الهيثمي : إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة
كالترمذي وأحمد وطرقة كثيرة جدا ومن ثم رواه ستة عشر صحابيا وفي رواية لأحمد
أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيا . فراجع ما ذكره في
الشبهة الحادية عشرة من ( صواعقه ص 42 ) .
وهذا الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من حجة الوداع
فنزل بغدير يقال له " خم " بين مكة ومدينة فجمع الناس ثم قام فيهم خطيبا فقال :
" ألستم تشهدون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى . فأخذ بيد علي
وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من
نصره واخذل من خذله " .
فاقبل على هذا الحديث بقلبك وتدبره بلبك وتأمل مقاصده وانظر أي منزلة عظيمة وأي
مكانة مرموقة قد حباها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لسيد العترة
الطاهرة وأبي الأئمة الميامين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ألا
وهي الولاية العامة على جميع المؤمنين .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
هذا الحديث يعرف بحديث الغدير وقد أخرجه بألفاظ
متقاربة كثير من الحفاظ والمحدثين فقد أخرجه أحمد عن البراء بن عازب في
المستدرك عن زيد بن أرقم من طريقين وصححهما
على شرط الشيخين : ج 3 ص 109 وأقره الذهبي في التلخيص وأخرجه النسائي في
خصائصه العلوية من حديث سعد ص 25 ومن حديث عائشة بنت سعد ص 4 ومن حديث زيد
بن أرقم ص 21 . ( * )
|
وفي يوم الغدير - هذا - نزل قوله تعالى في " سورة المائدة "
الآية 67 : ( يا أيها
الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من
الناس . . . ) ( 1 ) . وفي هذه الآية
المباركة قد جاء الأمر الأكيد في ما يشبه الوعيد من رب العرش المجيد إلى رسوله
صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ ولاية الإمام علي عليه السلام إلى الناس كافة .
وإلا فإن " سورة المائدة " كانت آخر سورة نزلت من القرآن والشرائع والأحكام قد
اكتملت والحلال بين والحرام بين فما هو هذا الأمر العظيم الذي شدد الله على
رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه للناس بحيث إن التقاعس عن تبليغه أو
التهاون
في أدائه يعدل عدم تبليغ الرسالة كلها ؟ ! إن هذا الأمر
الخطير الذي أنزل من عند الله - سبحانه - هو ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب عليه السلام المفروضة على كل مؤمن ومؤمنة والتي صدع بها الرسول الأعظم صلى
الله عليه وآله وسلم
يوم غدير خم على رؤوس الأشهاد يشيد بها ويعلنها حقيقة واقعة
بين تلك الجموع الحاشدة والأعداد البشرية الكبيرة عند عودته من حجة الوداع وأكد
على أهميتها وضرورة الالتزام بها .
وقد قال حسان بن ثابت في هذا اليوم المهيب :
يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع
بالرسول مناديا
وقال : فمن مولاكم ووليكم ؟ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا :
إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
نص على ذلك الإمام الواحدي في أسباب النزول من
طريقين معتبرين عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية ( يا أيها
الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب وأخرجه
الحافظ أبو نعيم في تفسيرها من كتابه نزول القرآن بسندين
أحدهما عن أبي رافع والآخر عن أبي سعيد ورواه
الحمويني الشافعي في كتابه فرائد السمطين بطرق متعددة وأخرجه الإمام
الثعلبي في معنى الآية من تفسيره بسندين معتبرين وكذلك أخرجه السيوطي في
الدر المنثور عند بلوغه الآية من تفسيره . ( * )
|
فقال لهم : قم يا علي فإنني * رضيتك
من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا : اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تزال - يا
حسان - مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك " .
هذه الولاية العامة التي افترضها الله في كتابه والتي صدع بها الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم وأعلنها على رؤوس الملأ في ذلك اليوم المشهود هي التي دفعتنا
على استحباب الإشادة بها وإعلانها كل يوم مع الأذان مثلما أعلنها رسول الله صلى
الله
عليه وآله وسلم على مسامع الأمة وقد شدد الله عليه في تبليغها
بحيث إن عدم القيام بذلك يعادل عدم تبليغ الرسالة بأجمعها ولهذا فإن إعلان تلك
الولاية في الأذان ما هو إلا بمثابة تبليغ لها وإعلام بها وتأكيد على عظيم
شأنها حتى تكون الأمة على دراية بها كما أنزلها الله في كتابه وأمر بها رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وعلى أية حال فإن الشهادة بالولاية - كما أومأنا من قبل - ليست من فصول الأذان
الجزئية ولكن يؤتى بها على سبيل الاستحباب والاستحسان لما تقدم وأما من لم يأت
بها فلا شئ عليه البتة وأذانه صحيح مائة بالمائة . هذا وبالله التوفيق .
|