( إن مذهباً يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع ، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه )

- فقهيات بين السنة والشيعة - عاطف سلام ص 7 :

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين وعلى آله الأطهار الطيبين وصحابته المنتجبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

وبعد إن هذه الشرعة الغراء مثالية في غزارة عطائها وتواصل نمائها ولها من السعة والمرونة ما يجعلها صالحة - على نحو الضرورة - في جميع العصور وفي شتى البقاع .


وقد نشأ عن تلك المرونة والثراء في العطاء أن تعددت وجهات النظر وتفاوتت الأفهام في استنباط الأحكام الشرعية منها .
 

ومن هنا ظهرت المذاهب والاجتهادات الفقهية لكنها لا تختلف في ما بينها حول الأصول الاعتقادية التي تشملهم جميعا ، أمة واحدة متميزة منضوية تحت لواء الإسلام العظيم .


وينبغي أن نشير إلى أن الاجتهاد وتعدد النظر أمران لا غضاضة فيهما البتة من حيث المبدأ بيد أنه لا بد أن يكونا في إطارهما الصحيح حتى يؤديا دورهما البناء ولا يخرجا عن جادة الصواب وهذا الإطار تتلخص عناصره في ثلاث نقاط :

 اولا : أن يكون مستندا إلى الدليل المنطقي المستنبط من مصادر التشريع المعتمدة .

 ثانيا : أن لا يكون عن هوى أو تعصب أو تقليد أعمى بلا بينة واضحة .
 

- ص 8 -

 ثالثا : أن يكون هادئا منصفا مقدرا لغيره من الاجتهادات وإن كانت مخالفة بحيث لا يوجب ذلك شقاقا أو تفرقا أو خصومة في الدين أو يورث شحناء أو بغضاء في النفوس الأمر الذي قد يشكل خطرا كبيرا على الدين ذاته ويفضي إلى ضعفه وزعزعة كيانه .


هذا هو الإطار العام الذي يجب أن يسير الاجتهاد على ضوئه حتى يكون منطويا على مصداقية تعبر عن حقيقته وواقعه . أما إذا انحرف عن ذلك الإطار فإنه يتحول - حينئذ - إلى تخبط وعشوائية لا دخل لهما بواقع الاجتهاد وأبعاده الحقيقية .


ولذلك يجب أن نجعل هذا الإطار نصب أعيننا باعتباره أرضية مناسبة لقيام صرح الوحدة الإسلامية الكبرى بين جميع المذاهب على تعدد آرائها ووجهات نظرها .


ولا نعني بالوحدة الإسلامية أن يتخلى كل ذي مذهب عن فكره واجتهاده الذي يطمئن إليه بل نقصد من وراء ذلك إلى الوحدة في الموقف والتلاحم بين الصفوف والتنسيق في العمل وبذل الجهود في مواجهة التحديات التاريخية والحضارية التي تواجه الأمة وتكتنف مسيرتها وتحيط بها من كل جانب .


ويلزم التمهيد لذلك بعاملين :

الأول : استساغة تعدد النظر وتباين الآراء باعتبارهما أمرين فطريين ناشئين عن تفاوت الأفهام بين البشر ومحاولة إيجاد صيغة للالتقاء بينها .

 الثاني : جعل المصلحة العليا للإسلام الهدف الأسمى من وراء كل تحرك ونشاط . ومن هذا المنطق أردنا أن نسلك هذا الدرب الرسالي في إرساء دعائم التلاحم والتقارب بين المذهبين العريقين والأخوة المتحابين من الشيعة والسنة حتى تسير الأمة في إطارها الوحدوي المرسوم لها من قبل الله عز وجل .

( إن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) [ الأنبياء / 92 ] .

( وإن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) [ المؤمنون / 52 ] .
 

- ص 9 -

وقد سار في هذه السبيل الراشدة - وبخاصة في المجال الفقهي - بعض السادة الفضلاء والأساتذة الأجلاء الذين آثروا بكتاباتهم القيمة الفكر الإسلامي وأخذوا على عاتقهم تبعة توحيد صفوف الأمة ونظم عقد اجتماعها وتقريب وجهات النظر في ما بينها

فهذا الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت ( رحمه الله ) عندما كان شيخا للأزهر يقول في فتواه التاريخية التي أصدرها : قيل لفضيلته : إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب

الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون - فضيلتكم - على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مثلا ؟ فأجاب فضيلته :
 

 1 - إن الإسلام لا يوجب على أحد من اتباع مذهب معين بل نقول : إن لكم مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة . ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك .


 2 - إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة .

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير حق لمذاهب معينة فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب فالجميع مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات .
 

- ص 10 -

ولا شك أن هذه الفتوى التاريخية كان لها صدى واسع ودور بالغ في إصلاح ذات البين وفتح باب التقارب والتجاوب بين المسلمين .


ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ( الإمام الصادق ص 16 ) : " وأن المسائل التي يتخلف فيها الفقه الإمامي نجد من بينها - حتما - ما يتفق مع رأي الجمهور ونجد ما لا يوافق الجمهور وليس فيه معارضة لكتاب أو سنة نجد له وجهة معقولة

يقبلها الدارس الفاحص كقولهم بجواز إنهاء الوقف وتقسيمه بين المستحقين إذا طلبه بعضهم ولو كان الوقف مرتب الطبقات وقد ذكرنا في بعض بحوثنا أن القانون ( رقم 180 لسنة 1952 ) ) الذي أنهى الوقف الأهلي يتلاقى مع ذلك الرأي الذي نص

عليه في فقه الإمامية وأن الأقوال التي نرى أنها تخالف إجماع جماهير المسلمين ليست كثيرة ولهذا نقرر أن الفقه الاثني عشريا ليس بعيدا كل البعد عن فقه أئمة الأمصار " .


ويقول - أيضا - عند حديثه عن البلاد التي ينتشر فيها التشيع ( ص 567 ) : " إن أكثر البلاد الإسلامية وخصوصا النائية عن البلاد العربية فيها تشيع بفئات كبيرة أو أعداد صغيرة ولكنه في مجموعه لا يكون كثرة إسلامية ولا عددا قريبا من الكثرة

المطلقة وإن كان عددا كبيرا في جملته فالكثرة الكبيرة سنية بلا ريب وإننا نأمل أن يندمج الجميع في وحدة شاملة لا تكون فيها كثرة وقلة طائفية بل يكون فيها جمع موحد . وإن كانت فيه مذاهب مختلفة وتفسيرات للشريعة في دائرة المقررات الشرعية

متعددة فتعدد التفسيرات في دائرة المقررات الإسلامية دليل على الحيوية الفكرية والانقسام إلى طوائف دليل على التفرق والانقسام ، والفرق بين الأمرين عظيم " .


ويقول الأستاذ المستشار عبد الحليم الجندي في كتابه ( الإمام الصادق ص 3 ) : " فقد تأكد في كتابنا ( توحيد الأمة العربية ) أن " الوحدة القانونية " هي الطريقة المثلى لربط المسلمين في شتى أقطارهم بتشريع إسلامي شامل تضال دونه التشريعات المعاصرة في الغرب أو في الشرق . والفقه " الشيعي " واحد من النهرين اللذين تسقى منهما حضارة أهل الإسلام وإليه لجأ الشارع

- ص 11 -

المصري في هذا القرن لإجراء إصلاحات ذات بال في نظم الأسرة المصرية .


والإمام جعفر الصادق يقف شامخا في قمة فقه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الفقه إمام وحياته للمسلمين إمام . والمسلمون - اليوم - يلتمسون في كنوزهم الذاتية مصادر أصلية للنهضة مسلمة غير مخلطة ولا مستوردة " .


ويقول في ( ص 6 ) : " فالكتاب الحالي يبلغ غرضه إذا كان صوتا يدعو للوحدة والمسلمون تجمعهم أصول فكرية واحدة وإن اختلفت الفروع أو تعددت الآراء ، وفي تعدد الآراء ثراء " .


هذا الاتجاه البناء الهادف إلى تقريب وجهات النظر بين المذاهب الفقهية المتعددة إن دل على شئ فإنما هو دليل على سعة الأفق وارتقاء درجة الوعي والفهم الحقيقي لطبيعة هذا الدين .


وخلال هذا البحث نود فحص بعض الأمور الفقهية البارزة التي كانت مثارا للجدال والنقاش لفترات عديدة حتى يومنا هذا وكانت تمثل موضع خلاف لا يرجي له نهاية .


مع إننا إذا نظرنا إلى هذه المسائل بتجرد وموضوعية لوجدناها تستند إلى دلائل لا غبار عليها مستنبطة من مصادر التشريع المعتمدة لا سيما من كتب أهل السنة أنفسهم لكن الفجوة القائمة وانغلاق باب الحوار والعزلة الفكرية التي سادت بين الطرفين ردحا طويلا من الزمن أدت إلى طمس معالم هذه الدلائل وجعلتها خافية عن الأذهان .


وهذه المسائل قد تناولتها كثير من الرسائل والمصنفات ومن أهمها أبحاث سماحة الإمام العلامة السيد شرف الدين العاملي ( قدس سره ) وقد استقينا هذا البحث من عدة مصادر عند إخواننا الشيعة ذكرناها في آخره ولم نخصص موضعا لذكر المصادر السنية نظرا لإدراجها في ثنايا المواضيع مع تعيين كل منها .


وقد توخينا في هذا البحث أن نعرض وجهة نظر إخواننا كاملة وأدلتهم التي ساقوها واستندوا إليها بحذافيرها الواردة في كتب أهل السنة
 

- ص 12 -

المعتبرة وحرصنا على أن ننقلها كما هي من دون أن نمسها بشئ ولا يعدو دورنا في هذا المقام أن يكون بمثابة داعية خير قام بإزالة سوء الفهم القائم بين أخوين مسلمين أراد المغرضون أن يغرسوا بذور الشقاق والفرقة بينهما ، بحيث يحول ذلك دون التقائهما .


ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أننا قمنا قبل ذلك بتصنيف كتاب آخر بعنوان : ( الوحدة العقائدية عند الشيعة والسنة ) من أجل خدمة هذا الغرض النبيل نفسه ، وهو وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم .
 

فلا يفوتن الباحثين حقيقة مطالعته بالإضافة إلى مطالعة هذا البحث الذي بين يدي القارئ فإن في الإطلاع عليهما بغية الطالب ومنية الراغب في هذا المجال الحيوي ، وهو توحيد صفوف المسلمين وطمس معالم الفرقة والتشتت التي دأب المستكبرون وأذنابهم على إشاعتها بينهم .


ونرجو أن نكون قد وفقنا في عرض رأي إخواننا وبيان نظرتهم بلا تزيد أو انتقاص حرصا على الأمانة العلمية التي أناطها الله بأعناق الدعاة إلى سبيله ورعاية لحقوق الأخوة التي أوجبها الله على المسلمين كافة .


والله تعالى من وراء القصد ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وعليه أنيب ) .

 المؤلف


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب