|
|
|
|
* عصمة الإمام : تنبع فكرة العصمة عند الشيعة من فكرة الوصية . فالرسول المعصوم لا يوصي إلا لمعصوم مثله . ومثلما مهمة الرسول تحتاج إلى عصمة كذلك مهمة الإمام التي هي امتداد لمهمته تحتاج لعصمة .
يقول العلامة الحلي : ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش . من الصغر إلى الموت عمدا أو سهوا ، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم في ذلك حال النبي ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف من المظلوم عن الظالم . ورفع الفساد وحسم مادة الفتن . وأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي ، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم الحدود والفرائض ويؤاخذ الفساق ويعزر من يستحق التعزير . فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر وتسلسل . . ( 1 ) .
للحق والباطل . . نعم إن الإنسان الجليل ربما يملأ هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة جدا ، ولأجل ذلك نرى أن الأمة افترقت في الأصول والفروع إلى فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها ، فلأجل هذه الأمور لا محيص عن وجود إنسان كامل عارف بالشريعة ، أصولها وفروعها ، عالم بالقرآن واقف على الشبهات وكيفية الإجابة عنها ، قائم على الصراط السوي ليرجع إليه من تقدم على الصراط ومن تأخر عنه . هذا يقتضي كون الإمام منصوبا من جانبه سبحانه معصوما بعصمته . . ( 2 ) .
أولا : منحت الشريعة لكل الحكام - ومن بعدهم - وألزم الجميع بالسمع والطاعة لهم . ثانيا : اخترعت الكثير من الأحاديث والروايات وتمت نسبتها إلى الرسول . ثالثا : إن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين باركوا هذا الوضع كما باركوا الحكام ودعوا الجماهير إلى طاعتهم . رابعا : إن سيرة هؤلاء الحكام وسلوكهم ومواقفهم متناقضة مع الإسلام وتصطدم بقواعده . خامسا : إن القرآن قد حرفت معانيه وأولت آياته بحيث تخدم أغراض القوى الحاكمة . سادسا : إن الفقهاء ساروا في ركاب الحكام وأضفوا على ممارساتهم ومواقفهم الشرعية .
به مذاهب شتى مما يؤدي في النهاية إلى ضلال الأمة . وضلال الأمة يقتضي إرسال رسول جديد . وقد ختمت الرسالات بمحمد ، إذن لا بد أن يكون هناك عاصم للأمة تتوافر به مؤهلات الرسول ليقوم بمهمته من بعد ه وفي مقدمة هذه المؤهلات العصمة . إن ضرورة العصمة سوف تتضع لنا أكثر إذا ما اتجهنا
بأبصارنا إلى الجانب الآخر الذي غيبته السياسة عن أعيننا وهو جانب آل البيت .
بعد أن ألقينا الضوء على جانب الصحابة والتابعين والفقهاء والإسلام الذي
يعرضونه
والمتمثل في مذهب أهل السنة . فإن إلقاء الضوء على هذا الجانب سوف يظهر لنا ما يلي : أولا : إن أئمة آل البيت
عليهم السلام تصدوا لمحاولات الانحراف بالإسلام وصدعوا بالحق في مواجهة الصحابة
والتابعين ثانيا : إن أئمة آل البيت
تصدوا لعملية اختراع الأحاديث ونسبتها للرسول والتزموا في مواجهة هذا الأمر
بضرورة عرض ثالثا : إن آل البيت قادوا الثورات ضد الحكام وتصدوا لفسادهم وانحرافاتهم . رابعا : إن أئمة آل البيت بداية من الإمام علي وحتى الإمام الحادي عشر ماتوا قتلا بأيدي الحكام .
النبوة . هذا على المستوى الذاتي الذي أهله إلى العصمة التكوينية كعصمة الرسل غير أنها أقل منها درجة . وبما أن الرسول معصوم ومما ينطق عن الهوى ، فعندما يختار وصية فإن هذا الاختيار يكون بوحي من قبل الله سبحانه يقتضي أن تكون عصمة المختار عصمة تكوينية أيضا . وعلى المستوى الفردي العادي
يمكن للمرء أن يقوم بتربية ولده تربية دقيقة يبذل فيها قصارى جهده في تقويمه
وإصلاحه وعزله عن المؤثرات وعوامل
الانحراف فينشأ الولد معصوما بدرجة كبيرة بحيث يصبح مثلا يحتذى به في الخلق والسلوك السوي المستقيم . وإذا كان هذا على مستوى الأفراد فكيف يكون الأمر على مستوى الأنبياء ؟ إذا الفرد العادي يستطيع أن يوصل ولده إلى مستوى عال من الأدب والخلق فإلى أي مدى يمكن أن يوصل النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليا عليه السلام وهو الذي رباه وصنعه على يده وأعده ليكون إماما . . ؟
* وموقف آل البيت .
وصورة الإسلام الذي يقدمه كل من الجانبين للناس . . سوف يتبين لنا أن جانب آل البيت لا بد وأن يكون معصوما . فإن الثبات في مواجهة الفتن ، والانتصار على الهوى هو أعلى درجات العصمة .
الناس حتى يومنا هذا . . وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن عصمة الإمام أقل من عصمة الرسول ، لأن دور الإمام أقل من دور الرسول ، وهو مكمل له إلا أنها وإن كانت درجتها أقل من الرسول فهي أعلى من مستوى البشر بدرجات باعتبار أن كل إنسان إنما هو معصوم بدرجة ما .
أما الذي اختار المسكرات وترك الصلوات فهو غير معصوم . والمرء
من الممكن أن يتفوه بأي شئ ، من الممكن أن يسب ويشتم ، من الممكن أن ينطق بكلمة
الكفر . فإذا ملك لسانه عن أن يتكلم مثل هذا الكلام فهو معصوم اللسان .
والفتاة التي تصبر محتسبة حتى ترزق بزوج صالح هي معصومة . أما الفتاة التي مالت بها شهوتها وانحرفت فهي غير معصومة . إن كلا منا من الممكن أن يكون معصوما ضمن حدود وإطار معين . من الممكن أن يعصم لسانه عن الكذب . من الممكن أن يعصم فرجه عن الزنا .
غير معصومين على وجه العموم إنما المعصوم منهم طائفة محددة بالنصوص هم الأئمة الاثنا عشر أولهم الإمام علي وآخرهم الإمام المهدي المنتظر عليهم السلام .
يقول الشيخ الوائلي : إن أولي الأمر الواجب طاعتهم يجب أن تكون أوامرهم موافقة لا حكام الله تعالى لتجب لهم هذه الطاعة . ولا يتسنى هذا إلا بعصمتهم إذ لو وقع الخطأ منهم لوجب الإنكار عليهم وذلك ينافي أمر الله بالطاعة لهم . . ( 1 ) .
المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام والتالي باطل ، فالمقدم مثله بيان الشرطية أن الغرض من إمامته انقياد الأمة له وامتثال أوامره واتباعه فيما يفعله . فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ أقل من ذلك وهو مناف لنصبه . الدليل الثالث : إنه لو وقعت من الإمام المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام لأن عقله أشد
ومعرفته بالله تعالى وعقابه وثوابه أكثر فلو وقعت منه المعصية كان أقل حالا من
الرعية وكل ذلك باطل قطعا فيجب أن يكون الإمام معصوما . .
( 2 ) .
بين الخالق والمخلوق كمال المباينة فصل بالفعل . ومن المعلوم
أن الله سبحانه لا يأمر المؤمنين - لا سيما الصلحاء العلماء الفضلاء - بإطاعة
كل ذي أمر وحكم لأن فيهم الفساق والظلمة ومن يأمر بمعصية الله تعالى ، فيجب أن
يكون أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم مثل النبي صلى الله عليه وآله في عدم صدور الخطأ والنسيان والكذب والمعاصي . ومثل هذا لا يكون إلا من قبل الله تعالى العالم بالسرائر كما في النبي صلى الله عليه وآله . . ( 1 ) .
وأمن منه
الغلط والأمر القبيح ، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء - كما يفسر النص
أهل السنة - سواهم جل الله ما اختلفوا فيه . ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلا وأولو الأمر فوق الخلق جميعا كما أن الرسول فوق أولي الأمر وسائر الخلق ، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم واتفقت الأمة على رتبتهم وعدالتهم . . ( 2 ) .
طاعة الله وطاعة رسوله وعدم التقيد بها . إذ أن الحاكم المنحرف الفاسد لن يتقيد بطاعة الله وطاعة رسوله ، وبالتالي سوف يجر الأمة إلى التفلت من طاعة الله ورسوله وهو ما حدث في تاريخ هؤلاء الحكام الذين دانت لهم الأمة بالسمع والطاعة بأحاديث مخترعة تتناقض مع النص القرآني الذي نحن بصدده . والذين حلوا محل
الأئمة الأطهار المقصودين بقوله تعالى :
* والنص الثالث : هو قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا . . ) الأحزاب / 33 . يقول الشيخ السبحاني : استدلت الشيعة الإمامية عن بكرة أبيها بهذه الآية على عصمة آل البيت الذين نزلت هذه الآية في حقهم . وأن الإرادة المقصودة من النص إرادة تكوينية لا تشريعية ، بمعنى أن إرادته التكوينية التي تعلقت بتكوين الأشياء في عالم الوجود تعلقت أيضا بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم من كل رجس وقذر ومن كل عمل يستنفر منه ( 1 ) .
على ما ثبت في محله ومتعلق التطهير وهو " الرجس " مطلق محلى بألف ولام الجنس . فالآية الشريفة تعلن نفي مما هو الرجس بنحو العام الاستيعابي المجموعي عن أهل البيت المذكورين فيها . . ( 2 ) .
وليس في الدار سوى زيد . وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في
الآية من أن تكون في الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب
الرجس . ولا يجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة
المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ، ولأن هذا
القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجردة ، فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح . وقد علمنا أن من عدا من ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم ، ومتى قيل إن صدور الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه إن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه ، والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم . . ( 1 ) .
إلا أنهم فاتهم عدة نقاط هامة تتعلق بالنص المذكور : الأولى : لغوية وقد
ألقينا الضوء عليها من أقوال فقهاء الشيعة حول الآية . الثانية : تتعلق بالسياق فهم يعتبرون السياق العام للنص يخاطب نساء النبي إلا أن المعروف أن السياق ليس بحجة لأن ترتيب الآيات ليس توقيفيا على الأرجح ، ولا هناك من النصوص القرآنية ما يقتضي سياقه اختلال المعنى على الظاهر مثل قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فإن الآيات التالية لهذه الآية في سورة المائدة آيات أحكام ، وإذا اعتبرنا السياق حجة فيجب أن تكون هذه الآيات سابقة لآية كمال الدين .
الرابعة : إن هناك روايات وردت على لسان الرسول تخصص الآية وتحصرها في حدود الخمسة ، وتعرف آل البيت في حدود علي وفاطمة والحسن والحسين دون غيرهم وعلى رأس هذه الروايات حديث الكساء . . ( 1 ) .
بعد الرسول وإبلاغه للناس على الوجه الأكمل دون تحريف أو تأويل أو ميل للباطل أو القبلية أو الهوى أو الحكام ، وهذا الدور في ذاته يتطلب عصمة . ومثل هذا النص يشير إلى أن العترة هي وارثة الكتاب من بعد الرسول والمعبر الحقيقي عن الإسلام مما يوجب إمامتهم ويوجب بالتالي عصمتهم . وهذا ينفي فكرة الإمامة عند أهل السنة ويبطل خلافة الثلاثة من بعد الرسول . كما ينفي من جانب آخر ما قيل حول جمع القرآن من قبل أبو بكر فالرسول قد أورث الكتاب كاملا لعترته ممثلة في رأس العترة الإمام علي ولا يعقل أن يتركه مبعثرا هنا وهناك مهددا بالفقد والضياع والنسيان ، ولو صح ما يعتقده أهل السنة من أفضلية أبو بكر على الأمة وعلى الإمام علي ، لترك الرسول القرآن لديه أو لدى عمر أو لدى عثمان وعم جميعهم مقدمون على الإمام عندهم . لكن الثلاثة كما هو معروف لم
يكونوا من حفظة القرآن ولا من كتبته مما يدل على أن هناك طرفا آخر ورث الكتاب
عن الرسول غير هؤلاء ، تتوافر لديه مقومات حمل هذه
التبعية ويتحلى بمؤهلات ليست في هؤلاء من التقوى والعلم والشجاعة تعينه على القيام بهذه المهمة من بعد الرسول . . صاحب هذه المؤهلات هو الإمام علي . ومهمته هذه هي امتداد لمهمة الرسول ومكملة لها مما يفرض أن يكون معصوما هو ومن يتسلم المهمة من بعد أئمة آل البيت . .
|
|