- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 165 :

 * عصمة الإمام :

تنبع فكرة العصمة عند الشيعة من فكرة الوصية . فالرسول المعصوم لا يوصي إلا لمعصوم مثله . ومثلما مهمة الرسول تحتاج إلى عصمة كذلك مهمة الإمام التي هي امتداد لمهمته تحتاج لعصمة .


ولو لم يكن الإمام معصوما لتساوى مع بقية الناس ، ولما كانت هناك حاجة لوصيته وهو في هذه الحالة لن ينجح في حفظ الدين وإقامة الحجة على الناس .


إن الإيمان بتميز الإمام " علي " على الآخرين سوف يقود إلى الإيمان بالوصية . والإيمان بالوصية سوف يقود إلى الإيمان بالعصمة . ونظرا لكون أهل السنة لا يؤمنون بتميز الإمام " علي " على بقية الصحابة فمن ثم هم لا يؤمنون بالوصية وبالتالي يستهجنون فكرة العصمة .
 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 166 :

يقول العلامة الحلي : ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش . من الصغر إلى الموت عمدا أو سهوا ، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم في ذلك حال النبي ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي

للانتصاف من المظلوم عن الظالم . ورفع الفساد وحسم مادة الفتن . وأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي ، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم الحدود والفرائض ويؤاخذ الفساق ويعزر من يستحق التعزير .

فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر وتسلسل . . ( 1 ) .


إن العصمة ترتبط بنوع الدور والمهمة الملقاة على عاتق الإمام . ولما كان دور الإمام ومهمته تتطلب وجود مواصفات خاصة حتى يمكن القيام بها فمن ثم كانت العصمة ضرورة لا بد منها للإمام تدفع الجماهير إلى الثقة به والتلقي منه ولزوم الطاعة له وتحول دون منازعته من قبل الأدعياء . .


يقول الشيخ جعفر السبحاني : إن الإجابة عن الأسئلة الشرعية على وجه الحق وتفسير القرآن على الصحيح وتفنيد الشبهات على وجه يطابق الواقع وصيانة الدين عن أي تحريف لا يحصل إلا بمن يعتصم بحبل العصمة ويكون قوله وفعله مميزين

للحق والباطل . . نعم إن الإنسان الجليل ربما يملأ هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة جدا ، ولأجل ذلك نرى أن الأمة افترقت في الأصول والفروع إلى فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها ، فلأجل هذه الأمور لا محيص عن وجود إنسان كامل عارف

بالشريعة ، أصولها وفروعها ، عالم بالقرآن واقف على الشبهات وكيفية الإجابة عنها ، قائم على الصراط السوي ليرجع إليه من تقدم على الصراط ومن تأخر عنه . هذا يقتضي كون الإمام منصوبا من جانبه سبحانه معصوما بعصمته . . ( 2 ) .


إن تقصي حال الأمة من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله يظهر لنا ما يلي :
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر نهج الحق وكشف الصدق . . ( 2 ) معالم النبوة في القرآن . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 167 :

 أولا : منحت الشريعة لكل الحكام - ومن بعدهم - وألزم الجميع بالسمع والطاعة لهم .

 ثانيا : اخترعت الكثير من الأحاديث والروايات وتمت نسبتها إلى الرسول .

 ثالثا : إن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين باركوا هذا الوضع كما باركوا الحكام ودعوا الجماهير إلى طاعتهم .

 رابعا : إن سيرة هؤلاء الحكام وسلوكهم ومواقفهم متناقضة مع الإسلام وتصطدم بقواعده .

 خامسا : إن القرآن قد حرفت معانيه وأولت آياته بحيث تخدم أغراض القوى الحاكمة .

 سادسا : إن الفقهاء ساروا في ركاب الحكام وأضفوا على ممارساتهم ومواقفهم الشرعية .


ومن يتبين لنا أن الإسلام قد أخضع للأهواء والسياسة من بعد الرسول . ومال الفقهاء نحو الحكام . وتفرقت الأمة بسبب هذا الإسلام وصارت شيعا .


وهذا كله بسبب أن الذين تصدوا لحمله لم يصمدوا في وجه الباطل وانهاروا أمامه مما يدل على عدم صلاحيتهم للقيام بهذه المهمة . وليس من المعقول بل من المحال في حق الله سبحانه أن يترك الدين من بعد الرسول يتنازعه أهل الأهواء ويذهبون

به مذاهب شتى مما يؤدي في النهاية إلى ضلال الأمة . وضلال الأمة يقتضي إرسال رسول جديد . وقد ختمت الرسالات بمحمد ، إذن لا بد أن يكون هناك عاصم للأمة تتوافر به مؤهلات الرسول ليقوم بمهمته من بعد ه وفي مقدمة هذه المؤهلات

العصمة . إن ضرورة العصمة سوف تتضع لنا أكثر إذا ما اتجهنا بأبصارنا إلى الجانب الآخر الذي غيبته السياسة عن أعيننا وهو جانب آل البيت . بعد أن ألقينا الضوء على جانب الصحابة والتابعين والفقهاء والإسلام الذي يعرضونه
 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 168 :

والمتمثل في مذهب أهل السنة .

فإن إلقاء الضوء على هذا الجانب سوف يظهر لنا ما يلي :

 أولا : إن أئمة آل البيت عليهم السلام تصدوا لمحاولات الانحراف بالإسلام وصدعوا بالحق في مواجهة الصحابة والتابعين
       والحكام .

 ثانيا : إن أئمة آل البيت تصدوا لعملية اختراع الأحاديث ونسبتها للرسول والتزموا في مواجهة هذا الأمر بضرورة عرض
      الحديث على القرآن والعقل ، فما وافق القرآن والعقل كان سليما وما خالفهما كان موضوعا .

 ثالثا : إن آل البيت قادوا الثورات ضد الحكام وتصدوا لفسادهم وانحرافاتهم .

 رابعا : إن أئمة آل البيت بداية من الإمام علي وحتى الإمام الحادي عشر ماتوا قتلا بأيدي الحكام .


إن أئمة آل البيت قد امتحنوا وابتلوا بلاء عظيما وتعرضوا لضغوط شديدة من قبل الحكام كي يسايروا الوضع القائم لكنهم صبروا وثبتوا ورفضوا التعايش مع الواقع المنحرف وإضفاء الشرعية على الحكام .


ولا شك أنه بعد استعراض موقف الجانبين : إلا أنه في النهاية معصوم بدرجة ما ليست كاملة . إذ أنه لا بد أن تبدر منه
بعض الهفوات ولا بد أن يرتكب بعض المعاصي . أما الإمام فقدرته على عصمة نفسه أكبر من ذلك بحكم كونه تربية بيت

النبوة . هذا على المستوى الذاتي الذي أهله إلى العصمة التكوينية كعصمة الرسل غير أنها أقل منها درجة . وبما أن الرسول معصوم ومما ينطق عن الهوى ، فعندما يختار وصية فإن هذا الاختيار يكون بوحي من قبل الله سبحانه يقتضي أن تكون

عصمة المختار عصمة تكوينية أيضا . وعلى المستوى الفردي العادي يمكن للمرء أن يقوم بتربية ولده تربية دقيقة يبذل فيها قصارى جهده في تقويمه وإصلاحه وعزله عن المؤثرات وعوامل
 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 169 :

الانحراف فينشأ الولد معصوما بدرجة كبيرة بحيث يصبح مثلا يحتذى به في الخلق والسلوك السوي المستقيم .

وإذا كان هذا على مستوى الأفراد فكيف يكون الأمر على مستوى الأنبياء ؟

إذا الفرد العادي يستطيع أن يوصل ولده إلى مستوى عال من الأدب والخلق فإلى أي مدى يمكن أن يوصل النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليا عليه السلام وهو الذي رباه وصنعه على يده وأعده ليكون إماما . . ؟


ونظرا لكون أهل السنة ينظرون لمسألة العصمة نظرة مبتورة ومنقوصة كما ذكرنا فإنهم ينظرون بعين الشك إلى مسألة
عصمة الإمام عند الشيعة . أو بصورة أخرى إذا كان أهل السنة لا يعتقدون بعصمة الرسل عصمة كلية فهل يعتقدون بعصمة الإمام . . ! وهم يرتكزون في هجومهم على الشيعة دائما على فكرة العصمة وفكرة الغيبة التي سوف نعرض لها فيما بعد .


كما نعتبر كثير من المعاصرين المعتدلين من أهل الفقه والثقافة إن هاتين الفكرتين هما نقطة الضعف في الفكر الشيعي .


ويتهم البعض الشيعة بالتناقض لتبنيها العقل الذي نبذه أهل السنة ثم تبنيها فكرة العصمة والغيبة في آن واحد ، وهما فكرتان نبذهما أهل السنة على الرغم من أنهم لا يعطون للعقل المساحة التي تعطيها له الشيعة . . ومثل هذه التهم إنما توجه للشيعة على غير علم بطبيعة العقيدة الشيعية وأصولها المستمدة من أئمة آل البيت .


ومن العسير هضم فكرة العصمة أو فكرة الغيبة على أي باحث دون هضم فكرة الإمامة التي تتميز بها الشيعة عما هاتان الفكرتان سوى نتيجتين للإمامة ومن الصعب فهم النتائج دون فهم المقدمات .


 * موقف الصحابة والتابعين والفقهاء بعد الرسول .

 * وموقف آل البيت .

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 170 :

وصورة الإسلام الذي يقدمه كل من الجانبين للناس . . سوف يتبين لنا أن جانب آل البيت لا بد وأن يكون معصوما . فإن الثبات في مواجهة الفتن ، والانتصار على الهوى هو أعلى درجات العصمة .


وهو ما يبدو من سلوك أئمة آل البيت ومواقفهم ولا يبدو من سلوك ومواقف الجانب الآخر . ولا يتصور من هذا الطرح أن الشيعة يقدمون الأئمة على الرسل أو حتى يساوونهم بهم كما يشيع ذلك خصومهم . . فإن الإمام إنما يتلقى مهمته من الرسول الذي أوصى به فكيف يكون الوصي أعلى من الموصى .


والإمام علي نال مكانته من الرسول صلى الله عليه وآله وهو ينتسب إليه بحكم القرابة فهو إمام آل بيت الرسول من بعده . والرسول وهو على قيد الحياة جمع بين الرسالة والإمامة كما جمعها إبراهيم عليه السلام من قبله . وبعد وفاته انتهى دور الرسالة وبقي دور الإمامة متمثلا في الإمام علي .


إذن الإمام علي استمد قداسته من الرسول ، فكيف يتقدم عليه ؟ وكيف بعد هذا يقال إن الشيعة يعتقدون أن عليا أحق بالرسالة من محمد وأن جبريل أخطأ في الرسالة وبدلا من أن يهبط على علي هبط على محمد وهي مقولة تتردد كثيرا على ألسنة

الناس حتى يومنا هذا . . وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن عصمة الإمام أقل من عصمة الرسول ، لأن دور الإمام أقل من دور الرسول ، وهو مكمل له إلا أنها وإن كانت درجتها أقل من الرسول فهي أعلى من مستوى البشر بدرجات باعتبار أن كل إنسان إنما هو معصوم بدرجة ما .


إن المؤمن المداوم على الصلوات مثلا هو معصوم في حدود هذا الفعل ، فهو يملك القدرة على الاختيار بين المداومة على الصلوات وبين المداومة على المسكرات مثلا . واختياره الصلوات يعني عصمته من الانحراف نحو المسكرات .

أما الذي اختار المسكرات وترك الصلوات فهو غير معصوم . والمرء من الممكن أن يتفوه بأي شئ ، من الممكن أن يسب ويشتم ، من الممكن أن ينطق بكلمة الكفر . فإذا ملك لسانه عن أن يتكلم مثل هذا الكلام فهو معصوم اللسان .
 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 171 :

والفتاة التي تصبر محتسبة حتى ترزق بزوج صالح هي معصومة . أما الفتاة التي مالت بها شهوتها وانحرفت فهي غير معصومة .

إن كلا منا من الممكن أن يكون معصوما ضمن حدود وإطار معين . من الممكن أن يعصم لسانه عن الكذب . من الممكن أن يعصم فرجه عن الزنا .


والمقدمة عند الشيعة تحتمها النصوص ، والنتيجة لا بد أن تكون شرعية أيضا ، أي أن الإمامة مسألة شرعية والعصمة والغيبة مسألتان شرعيتان كذلك . وإذا كنا قد عرضنا لقضية العصمة من الجانب العقلي فيما مضى فإن الأمر يحتم الآن أن نعرض للقضية من الجانب الشرعي .


 * في مقدمة النصوص القرآنية التي يعتمد عليها الشيعة في إثبات عصمة الإمام قوله تعالى لنبيه إبراهيم : ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) البقرة / 124 .


يقول الطبرسي : استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون معصوما عن القبائح لأن الله سبحانه نفى أن ينال عهده - الذي هو الإمامة - ظالم . ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالما إما لنفسه وإما لغيره ( 1 ) .


ويقول السيد محسن الأمين : قوله تعالى خطابا لإبراهيم : ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) غير المعصوم ظالم لنفسه فلا ينال عند الإمامة الذي هو من الله تعالى . وأنه يجب أن يكون أفضل أهل زمانه وأكملهم لأن تقديم المفضول على الفاضل قبيح . . ( 2 ) .


وهذا النص يشير إلى أن سلالات الأنبياء فيها المحسن والمسئ والعادل والظالم والفاجر والتقي . وآل البيت إنما هم امتداد لذرية إبراهيم عليه السلام لكنهم
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، ج 1 . . ( 2 ) أعيان الشيعة . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 172 :

غير معصومين على وجه العموم إنما المعصوم منهم طائفة محددة بالنصوص هم الأئمة الاثنا عشر أولهم الإمام علي وآخرهم الإمام المهدي المنتظر عليهم السلام .


 * أما النص الثاني من نصوص العصمة فهو قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) النساء / 59 .

يقول الشيخ الوائلي : إن أولي الأمر الواجب طاعتهم يجب أن تكون أوامرهم موافقة لا حكام الله تعالى لتجب لهم هذه الطاعة . ولا يتسنى هذا إلا بعصمتهم إذ لو وقع الخطأ منهم لوجب الإنكار عليهم وذلك ينافي أمر الله بالطاعة لهم . . ( 1 ) .


وقول السيد الزنجاني : إن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما وإنه لو وقع من الإمام الخطأ لوجب الإنكار عليه وذلك يضاد أمر الطاعة له بقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وأيضا أنه لو وقعت منه

المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام والتالي باطل ، فالمقدم مثله بيان الشرطية أن الغرض من إمامته انقياد الأمة له وامتثال أوامره واتباعه فيما يفعله . فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ أقل من ذلك وهو مناف لنصبه . الدليل الثالث : إنه

لو وقعت من الإمام المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام لأن عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وعقابه وثوابه أكثر فلو وقعت منه المعصية كان أقل حالا من الرعية وكل ذلك باطل قطعا فيجب أن يكون الإمام معصوما . . ( 2 ) .
 


ويقول السيد شبر : قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) دل على وجوب إطاعة أولي الأمر كإطاعة الرسول . ولهذا لم يفصل بينهما بالفعل لكمال الاتحاد والمجانسة بخلاف إطاعة الله وإطاعة الرسول . إذ لما كان

بين الخالق والمخلوق كمال المباينة فصل بالفعل . ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يأمر المؤمنين - لا سيما الصلحاء العلماء الفضلاء - بإطاعة كل ذي أمر وحكم لأن فيهم الفساق والظلمة ومن يأمر بمعصية الله تعالى ، فيجب أن
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) هوية التشيع ط . بيروت . ( 2 ) نهاية الفلسفة الإسلامية . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 173 :

يكون أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم مثل النبي صلى الله عليه وآله في عدم صدور الخطأ والنسيان والكذب والمعاصي . ومثل هذا لا يكون إلا من قبل الله تعالى العالم بالسرائر كما في النبي صلى الله عليه وآله . . ( 1 ) .


ويروى عن الباقر والصادق عليهما السلام أن أولي الأمر في الآية هم الأئمة من آل محمد ، أوجب الله طاعتهم بالاطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته وعلم أن باطنه كظاهره

وأمن منه الغلط والأمر القبيح ، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء - كما يفسر النص أهل السنة - سواهم جل الله
عن أن يأمر بطاعة من يعصيه أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل لأنه محال أن يطاع المختلفون كما أنه محال أن يجتمع

ما اختلفوا فيه . ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلا وأولو الأمر فوق الخلق جميعا كما أن الرسول فوق أولي الأمر وسائر الخلق ، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم واتفقت الأمة على رتبتهم وعدالتهم . . ( 2 ) .


إن النص يخاطب المجتمع المؤمن المتقيد بطاعة الله وطاعة رسوله وهذا التقيد بوجب طاعة من يلتزم بطاعة الله ورسوله من أولي الأمر وإلا أصبح النص معدوم القيمة . ولو جازت طاعة الله ورسوله من أولي الأمر والفاسقين منهم لجاز التفلت من

طاعة الله وطاعة رسوله وعدم التقيد بها . إذ أن الحاكم المنحرف الفاسد لن يتقيد بطاعة الله وطاعة رسوله ، وبالتالي سوف يجر الأمة إلى التفلت من طاعة الله ورسوله وهو ما حدث في تاريخ هؤلاء الحكام الذين دانت لهم الأمة بالسمع والطاعة

بأحاديث مخترعة تتناقض مع النص القرآني الذي نحن بصدده . والذين حلوا محل الأئمة الأطهار المقصودين بقوله تعالى :
(
وأولي الأمر منكم ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) حق اليقين في أصول الدين ، ج 2 . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 174 :

 * والنص الثالث : هو قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا . . ) الأحزاب / 33 .

يقول الشيخ السبحاني : استدلت الشيعة الإمامية عن بكرة أبيها بهذه الآية على عصمة آل البيت الذين نزلت هذه الآية في حقهم . وأن الإرادة المقصودة من النص إرادة تكوينية لا تشريعية ، بمعنى أن إرادته التكوينية التي تعلقت بتكوين الأشياء في عالم الوجود تعلقت أيضا بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم من كل رجس وقذر ومن كل عمل يستنفر منه ( 1 ) .


يقول الشيخ فرج الله الحسني : دلالة الآية على عصمة الخمسة الرسول وعلي وفاطمة والحسن والحسين لأنها صدرت بأداة الحصر وهي كلمة " إنما " ، وتعلق إرادته تعالى بالتطهير وبإذهاب الرجس وهو فعله تعالى يدل على أن الإرادة تكوينية

على ما ثبت في محله ومتعلق التطهير وهو " الرجس " مطلق محلى بألف ولام الجنس . فالآية الشريفة تعلن نفي مما هو الرجس بنحو العام الاستيعابي المجموعي عن أهل البيت المذكورين فيها . . ( 2 ) .


ويقول الشيخ الوائلي : معنى ذهاب الرجس نفي كل ذنب وخطأ عنهم ، والإرادة هنا تكوينية لا تشريعية لوضوح أن التشريعية مرادة لكل الناس ( 3 ) .


ويقول الطبرسي : استدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة عليهم السلام بأن قالوا أن لفظة " إنما " محققة لما أثبت بعدها نافية لما لم يثبت ، فإن قول القائل إنما لك عندي درهم وإنما في الدار زيد يقتضي أنه ليس عنده سوى الدرهم

وليس في الدار سوى زيد . وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية من أن تكون في الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس . ولا يجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ، ولأن هذا
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) معالم النبوة . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) هوية التشيع . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 175 :

القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجردة ، فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح . وقد علمنا أن من عدا من ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته فثبت أن الآية

مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم ، ومتى قيل إن صدور الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه إن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه ، والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم . . ( 1 ) .


ونظرا لدلالة نص التطهير القطعية ومعناه الظاهر المحدد بآل البيت لم يجد أهل السنة في مواجهته سوى التسلح بالتعويم أي إطلاق النص على نساء النبي صلى الله عليه وآله وآل البيت بشكل عام حسب تعريفهم العائم له على ما سوف نبين .

إلا أنهم فاتهم عدة نقاط هامة تتعلق بالنص المذكور :

 الأولى : لغوية وقد ألقينا الضوء عليها من أقوال فقهاء الشيعة حول الآية .
 

 الثانية : تتعلق بالسياق فهم يعتبرون السياق العام للنص يخاطب نساء النبي إلا أن المعروف أن السياق ليس بحجة لأن ترتيب الآيات ليس توقيفيا على الأرجح ، ولا هناك من النصوص القرآنية ما يقتضي سياقه اختلال المعنى على الظاهر مثل قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فإن الآيات التالية لهذه الآية في سورة المائدة آيات أحكام ، وإذا اعتبرنا السياق حجة فيجب أن تكون هذه الآيات سابقة لآية كمال الدين .


 الثالثة : إن نساء النبي ذكرن بالذم في نفس السورة وفي سورة التحريم وعلى لسان الرسول في أحاديث كثيرة وهذا يتناقض مع طهارتهن ويدل على أنهن لسن مقصودات بآية التطهير .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مجمع البيان تفسير سورة الأحزاب . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 176 :

 الرابعة : إن هناك روايات وردت على لسان الرسول تخصص الآية وتحصرها في حدود الخمسة ، وتعرف آل البيت في حدود علي وفاطمة والحسن والحسين دون غيرهم وعلى رأس هذه الروايات حديث الكساء . . ( 1 ) .


وبالإضافة إلى هذه النصوص القرآنية هناك حديث وارد عن الرسول صلى الله عليه وآله يفيد ثبوت العصمة لآل البيت . . وهذا النص النبوي هو حديث الثقلين الذي ذكرناه سابقا في نصوص الإمامة . فهذا النص قد قرن الكتاب بالعترة الطاهرة
( كتاب الله وعترتي ) وربط العترة بالكتاب دليل على عصمة العترة أئمة آل البيت .


فما دام الكتاب معصوما فلا بد أن تكون العترة المقرونة به معصومة أيضا ، إذ ليس من المقبول عقلا أن يربط الرسول بالقرآن فئة غير جديرة بهذا الارتباط وليست على مستواه . فلا بد أن تكون هذه الفئة تتوافر بها مؤهلات حفظ الكتاب من

بعد الرسول وإبلاغه للناس على الوجه الأكمل دون تحريف أو تأويل أو ميل للباطل أو القبلية أو الهوى أو الحكام ، وهذا الدور في ذاته يتطلب عصمة . ومثل هذا النص يشير إلى أن العترة هي وارثة الكتاب من بعد الرسول والمعبر الحقيقي عن

الإسلام مما يوجب إمامتهم ويوجب بالتالي عصمتهم . وهذا ينفي فكرة الإمامة عند أهل السنة ويبطل خلافة الثلاثة من بعد الرسول . كما ينفي من جانب آخر ما قيل حول جمع القرآن من قبل أبو بكر فالرسول قد أورث الكتاب كاملا لعترته ممثلة

في رأس العترة الإمام علي ولا يعقل أن يتركه مبعثرا هنا وهناك مهددا بالفقد والضياع والنسيان ، ولو صح ما يعتقده أهل السنة من أفضلية أبو بكر على الأمة وعلى الإمام علي ، لترك الرسول القرآن لديه أو لدى عمر أو لدى عثمان وعم جميعهم

مقدمون على الإمام عندهم . لكن الثلاثة كما هو معروف لم يكونوا من حفظة القرآن ولا من كتبته مما يدل على أن هناك طرفا آخر ورث الكتاب عن الرسول غير هؤلاء ، تتوافر لديه مقومات حمل هذه
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر باب الرجال فصل آل البيت . . ( * )
 

 

- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 177 :

التبعية ويتحلى بمؤهلات ليست في هؤلاء من التقوى والعلم والشجاعة تعينه على القيام بهذه المهمة من بعد الرسول . . صاحب هذه المؤهلات هو الإمام علي . ومهمته هذه هي امتداد لمهمة الرسول ومكملة لها مما يفرض أن يكون معصوما هو ومن يتسلم المهمة من بعد أئمة آل البيت . .

 


 
 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة ؟

 

فهرس الكتاب