|
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 83 : |
* أهل السنة والقرآن :
إن الحديث عن النبوة يفرض علينا الحديث عن القرآن الذي جاء به
النبي صلى الله عليه وآله ما هي ملامحه ، وكيف ينظر أهل السنة إلى كتاب الله .
. ؟
يروي البخاري كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
. . ؟ . .
إن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال يا رسول الله كيف يأتيك
الوحي . . ؟ فقال الرسول : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم
عني وقد وعيت لما قال . . وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول .
.
وقالت عائشة : أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم . .
ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو في غار حراء . . وكان يتعبد الليالي ثم يعود إلى
خديجة ويتزود ثم يرجع ويكرر ذلك حتى جاءه الحق وهو في الغار . . ورجع
الرسول إلى خديجة يرجف فؤاده قائلا : زملوني . . زملوني . .
وزملوه حتى ذهب عنه الروع . . وأخبر خديجة بالأمر فأخذته إلى ورقة بن نوفل
النصراني . . وقال ورقة هذا الناموس الذي نزل على موسى . . وتنبأ بإخراج الرسول
من مكة
ومعاداة قومه له . . وقابل الرسول هذه النبوات بالدهشة . . ثم
ظهر الوحي مرة أخرى بعد انقطاع ينادي الرسول من السماء . . ورفع الرسول بصره
فوجد الملك الذي جاءه بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه ورجع
إلى خديجة قائلا : زملوني . . وأنزل الله تعالى :
( يا أيها المدثر
* قم فأنذر )
.
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 84 : |
ثم حمى الوحي وتتابع . . وكان الرسول يعالج من التنزيل شدة .
. كان الوحي يلقاه في كل ليلة في رمضان . . هذه قصة الوحي كما وردت في البخاري
وهي تعكس لنا صورة تحمل الكثير من الملاحظات حول الوحي وحول شخصية الرسول وحول
دور ورقة . .
الملاحظة الأولى : هذا الوحي الذي يأتي تارة
كصلصلة الجرس ويكون شديدا على الرسول . وتارة يأني صورة رجل فيعي الرسول كلامه
. . في الصورة الأولى لا يعي الرسول منه شيئا إلا بعد معاناة . . وفي الثانية
يعي منه كل شئ . . في الأولى يكون عنيفا . . وفي الثانية يكون لينا . .
والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا يأتي الوحي بهذه
الصورة المتناقضة إن الإجابة على هذا السؤال تقودنا للخوض في بحر لجي يغشاه موج
من فوقه موج . . تقودنا للخوض في مسألة الروايات ومدى تأثيرها في العقيدة وكيف
أن العقيدة أصبحت
تصاغ وتتشكل حسب الروايات وليس حسب نصوص القرآن القطعية . .
تقودنا للخوض في قضية الاسرائيليات ومدى الاختراق اليهودي لعقائد المسلمين .
وهي قصية شائكة وليست محور بحثنا هذا . فقط ما أردنا بيانه هو أن هذه الملاحظات
ليست إلا دعوة لإعمال العقل في هذه النصوص .
الملاحظة الثانية : هذه الرؤى المنامية التي كانت
أول صورة من صور الوحي يراها الرسول كيف تتواءم مع خروجه إلى الخلاء وخلوته في
غار حراء . . ؟
إذا كان ما يراه في المنام وحيا . فمعنى هذا أن خروجه وخلوته صورة من صور العبث
. وهي توحي بأنه لم يكن يثق فيما يرى ويضطر إلى الخروج والخلوة بحثا عن الحقيقة
. فهل كان الرسول عابثا . وهل كان شاكا . . ؟
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 85 : |
ثم كيف لرسول يتحرك لإبلاغ أمته رسالة ربه عن طريق الرؤى
والمنام . . ؟
وهو لم يخبر حتى ماذا رأى في المنامات من أمر الوحي . . أليست
قضية المنامات هذه ثغرة للخصوم والمناوئين لدعوته كي ينفذوا منها لضرب الدعوة
والتشكيك فيها . . ؟
الملاحظة الثالثة : ذهاب الرسول المتكرر إلى غار
حراء . ما هي دوافعه . . ؟
هل كان الرسول يأمل أن يختاره الله ويهيئ نفسه لهذا الدور ؟
ومن أين أتاه الأمل ؟
ولماذا اختار غار حراء ليكون ميدان تحقيق رغبته . . ؟
وإذا كان الأمر كذلك لماذا فر الرسول مرعوبا من الوحي . . ؟
هل اعتبره مفاجأة له . . ؟
أم لم يكن يتوقعه من الأصل . . ؟
وما معنى أن يفر نبي من أمام الوحي هارعا نحو زوجته مرتين . .
؟
والاجابة على هذه التساؤلات تضع الرسول
بين أمرين :
إما أن يكون هذا الرسول مهزوزا
ضعيفا ليس على مستوى الرسالة .
وإما أن يكون جاهلا أقحم نفسه
فيما لا شأن له به وكلا الأمرين يدفعان إلى التشكيك بالوحي وبالرسول . . وكان
لا بد من هذه الوقفة مع قضية الوحي قبل استعراض رؤية أهل السنة للقرآن .
يقول القرطبي في تفسيره : كان القرآن في مدة
النبي صلى الله عليه وآله متفرقا في صدور الرجال . وقد كتب الناس منه في صحف
وفي جريد وفي لخاف وظرر وغير ذلك . . ( 1 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 )
الجامع لأحكام القرآن . . ( * ) |
|
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 86 : |
فلما استحر القتل بالقراء يوم اليمامة في زمن أبي بكر . .
وقتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة . أشار ابن الخطاب على أبي بكر بجمع
القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء كأبي وابن مسعود وزيد . فندبا زيد بن ثابت
إلى ذلك ، فجمعه غير مرتب السور بعد تعب شديد . . ( 1 )
.
وروى البخاري عن زيد بن ثابت قال : أرسل إلي أبو
بكر يوم مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال أن القتل
قد استحر يوم اليمامة بالناس . وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن .
فيذهب كثير من القرآن إلا
أن تجمعوه . وإني لأرى أن تجمع القرآن . قال أبو بكر : فقلت
لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله . . ؟ فقال هو
والله خير . فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري . ورأيت الذي رأى عمر .
قال زيد : وعنده عمر جالس لا يتكلم .
فقال لي أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك . كنت تكتب
الوحي لرسول الله . فتتبع القرآن فاجمعه . فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال
ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن . قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله
رسول الله .
فقال أبو بكر هو والله خير . فلم أزل أراجعه حتى شرح الله
صدري للذي شرح له صدر أبو بكر وعمر . فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع
والأكتاف والعسب وصدر الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري
ولم
أجدهما مع غيره . (
لقد جاءكم رسول من أنفسكم . .
) إلى آخرها . فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر
حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر . .
وقال الترمذي : فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن
ثابت . . وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت
آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله يقرؤها . لم أجدها إلا مع خزيمة
الأنصاري ( رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه ) . . وروى الترمذي نفس
الكلام .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع
السابق . وانظر تاريخ القرآن للزنجاني . . ( * ) |
|
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 87 : |
يقول القرطبي عن الجمع الثاني
للقرآن الذي قام به عثمان . أرسل إلى أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف
ثم نردها إليك . . وكان سبب ذلك أن القوم اختلفوا وعظم اختلافهم وتشبثهم وأظهر
بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا .
. ( 1 ) . وكان أن قام عبد الله
بن الزبير وزيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخ
القرآن
في المصاحف ورد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر
بما سوى ذلك من القرآن
في كل صحيفة أو مصحف أن تحرق . وكان هذا من عثمان بعد أن جمع
المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك فاتفقوا على جمعه بما صح
وثبت في القراءات المشهورة عن النبي وإطراح ما سواها . .
ونقل القرطبي عددا من الروايات التي تشير إلى أن
هناك خلافات وقعت بين الصحابة حول مسألة جمع القرآن . . ومن هذه الروايات رواية
تقول إن ابن مسعود كره لزيد نسخ المصاحف . وقال يا معشر المسلمين : أعزل عن نسخ
المصاحف ويتولاه رجل - يريد زيد بن ثابت - والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل
كافر . . ( 2 ) .
ونقل الترمذي أن ابن مسعود خطب في أهل العراق
يقول : يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها . فإن الله عز وجل يقول
: ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة . . فالقوا الله بالمصاحف . .
( 3 ) .
ودافع أبو بكر الأنباري عن موقف أبو بكر وعمر تجاه زيد وتقديمه على ابن مسعود
في جمع القرآن . . ( 4 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 )
الجامع لأحكام القرآن . .
( 2 ) المرجع السابق ، وانظر رفض ابن مسعود الاعتراف بمصحف عثمان في
البخاري . كتاب فضل القرآن .
( 3 ) أنظر الترمذي ، وكتب تاريخ القرآن .
( 4 ) أنظر تاريخ القرآن لعبد الصبور
شاهين والزنجاني وغيرهما . . ( * ) |
|
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 88 : |
وقال يزيد بن هارون : المعوذتان بمنزلة البقرة وآل عمران . من
زعم أنهما ليستا من القرآن فهو كافر بالقرآن العظيم . فقيل له : فقول ابن مسعود
فيهما ؟ فقال : لا خلاف بين المسلمين في أن عبد الله بن مسعود مات وهو لا يحفظ
القرآن كله ( 1 ) .
وقال أنس بن مالك جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه
وآله أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب . ومعاذ بن جبل . وزيد بن ثابت . وأبو
زيد . . ( 2 ) .
ويبدو من خلال استقراء تاريخ القرآن أن هناك طعونا كثيرة وجهت
لمصحف عثمان من الصحابة والسلف . فمن المعروف أن الإمام عليا كان له مصحف يبدأ
بسورة العلق وكان لابن عباس مصحف فيه كلمات لا توجد في مصحف عثمان وكذلك أبي بن
كعب . . ( 3 ) .
وروى مسلم : بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل
البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن . فقال أنتم أخيار أهل البصرة
وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم
. وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد
حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف
ابن آدم إلا التراب . . ( 4 ) .
وقال عمر : لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها : الشيخ
والشيخة فارجموهما البتة . . ( 5 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر
المراجع السابقة . . ( 2 ) المراجع السابقة .
( 3 ) المرجع السابقة .
( 4 ) مسلم : ج 3 / 100 باب الزكاة . . وانظر
موطأ مالك ومسند أحمد .
( 5 ) أنظر مستدرك الحاكم ، والاتقان في علوم القرآن للسيوطي والمراجع
السابقة . ( * ) |
|
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص 89 : |
وروى الحاكم وابن جرير : أن عمر
قال لما نزلت - آية الرجم - أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت اكتبها .
فكأنه كره ذلك . وقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وأن الشاب إذا
زنى وقد أحصن رجم . . ( 1 ) .
وعن أ بي بن كعب قال : إن رسول الله صلى الله
عليه وآله قال : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن . قال : فقرأ ( لم يكن
الذين كفروا من أهل الكتاب فقرأ فيها ( لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه
لسأل ثانيا . فلو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا . ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب ويتوب الله على من تاب . وأن ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير
المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره ) . .
( 2 ) .
وفي مسند أحمد عن أبي واقد الليثي قال كنا نأتي
النبي صلى الله عليه وآله إذا أنزل عليه فيحدثنا . فقال لنا ذات يوم إن الله عز
وجل قال : إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد
لأحب أن يكون له ثان . ولو كان له واديان لأحب أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف
ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب . . ) ( 3 )
.
وروى الطبراني والبيهقي أن من القرآن سورتين .
الأولى منهما : ( بسم الله
الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع
ونترك من يفجرك . . ) .
والثانية منهما : ( بسم الله
الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك
ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق . . ) ( 4 )
.
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) المراجع
السابقة . . ( 2 ) أنظر
مسند أحمد والمراجع السابقة . . ( 3 )
المراجع السابقة . . ( 4 ) المراجع السابقة . . (
* ) |
|
|
- عقائد السنة وعقائد الشيعة - صالح الورداني ص
90 : |
ويروي ابن عباس أن عمر قال وهو
على المنبر : إن الله بعث محمدا بالحق . وأنزل عليه الكتاب . كان مما أنزل الله
آية الرجم . فقرأناها وعقلناها ووعيناها فلذا رجم رسول الله صلى الله عليه وآله
ورجمنا بعده . فأخشى إن طال بالناس زمان أن
يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك
فريضة أنزلها الله . والرجم في كتاب الله حق على من زنى
إذا أحصن من الرجال . . ثم إنا كنا نقرأ من كتاب الله : ( إن لا ترغبوا عن
آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . أو
كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . . ) (
1 ) . ومثل هذه الرويات كثير تكتظ بها كتب القوم . .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر البخاري : ج 8 / 26 . ومسلم
: ج 5 / 116 .
وللتوسع في هذا الأمر انظر المراجع السابقة والبيان
في تفسير القرآن للخوئي ،
وآلاء الرحمن في تفسير القرآن للبلاغي ومجمع
البيان للطبرسي لترى كيف جنى القوم على القرآن برواياتهم . . ( * ) |
|
|