|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 96 :
|
|
الفرضية
السابعة : الشيعة والصفويون
والكلام عن هذه الأسرة هو
عين الكلام عن البويهيين .
إن الصفويين هم أسرة الشيخ
صفي الدين العارف المشهور في أردبيل المتوفى عام ( 735
ه ) . فعندما انقرضت دولة المغول ، انقسمت البلاد
التي كانت تحت نفوذهم إلى دويلات صغيرة شيعية وغير
شيعية ، إلى أن قام أحد أحفاد صفي الدين ، الشاه
إسماعيل عام ( 905 ه ) بتسلم مقاليد الحكم والسيطرة
على بلاد فارس وإقامة حكومة خاصة به استطاع أن يمد
نفوذها ويبسط سلطتها ، واستمر في الحكم إلى عام ( 930
ه ) ، ثم ورثه أولاده إلى أن أقصوا عن الحكم بسيطرة
الأفاغنة على إيران عام ( 1135 ه ) فكان الصفويون خير
الملوك ، لقلة شرورهم وكثرة بركاتهم ، وقد راج العلم
والأدب والفنون المعمارية أثناء حكمهم ، ولهم آثار
خالدة إلى الآن في إيران والعراق ، ومن وقف على
أحوالهم ووقف على تاريخ الشيعة يقف على أن عصرهم كان
عصر ازدهار التشيع لا تكونه ، وهو أمر لا مراء فيه ،
ولا يقتنع به إلا السذج والجهلاء .
نعم إن هذه الآراء
الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة ومبدأ تكونهم ، كلها
كانت أمورا افتراضية بنوها على أساس خاطئ وهو أن
الشيعة ظاهرة طارئة على المجتمع الإسلامي بعد عهد
النبي ، سامح الله الذين لم يتعمدوا التزييف وغفر الله
لنا ولهم .
زلة لا تستقال : إن الدكتور عبد الله فياض زعم أن
التشيع بمعني الموالاة لعلي ( عليه السلام ) نضج في
مراحل ثلاث :
1 - التشيع الروحي ، يقول : إن التشيع
لعلي بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبي وتمت قبل
توليه الخلافة . ثم ساق الأدلة على ذلك وجاء بأحاديث
يوم الدار أو بدء الدعوة وأحاديث الغدير وما قال النبي
في حق علي من التسليم على علي بإمرة المؤمنين .
2 -
التشيع السياسي ، ويريد من التشيع السياسي : كون علي
أحق بالإمامة لا لأجل النص بل لأجل مناقبه وفضائله ،
ويقول : إن التشيع السياسي ظهرت بوادره - دون الالتزام
بقضية الاعتراف بإمامته الدينية ( يريد النص ) - في
سقيفة بني ساعدة ، حين أسند حق علي بالخلافة عدد من
المسلمين أمثال الزبير والعباس وغيرهما ، وبلغ التشيع
السياسي أقصى مداه حين بويع علي بالخلافة بعد مقتل
عثمان .
3 - ظهوره بصورة فرقة ، فإنما كان ذلك بعد
فاجعة كربلاء سنة ( 61 ه ) ولم يظهر التشيع قبل ذلك
بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة . ثم استشهد بكلام
المقدسي حيث قال : إن أصل مذاهب المسلمين كلها منشعبة
من أربع : الشيعة ، والخوارج ، والمرجئة ، والمعتزلة .
وأصل افتراقهم قتل عثمان ، ثم تشعبوا ( 1 ) .
وأيد
نظريته بما ذكره المستشرق " فلهوزن " من قوله : تمكن
الشيعة أولا في العراق ولم يكونوا في الأصل فرقة دينية
، بل تعبيرا عن الرأي السياسي في هذا الإقليم كله ،
فكان جميع سكان العراق خصوصا أهل الكوفة شيعة علي على
| |
( 1 )
أحسن التقاسيم : 38 ط ليدن 1906 م
. ( * ) |
|
|
تفاوت بينهم ( 1 ) .
وهذا التصور المذكور يمكن تثبيت
جملة من الملاحظات عليه :
أولا : إن التفكيك بين
المرحلتين الأوليين ، وإن الأولى منهما كانت في عصر
النبي ، وظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبي ،
قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال : كان رواد
التشيع الروحي يلتزمون بآراء علي الفقهية إلى جانب
الالتزام بإسناده سياسيا ( 2 ) .
وثانيا : إن ما ذكره
من النصوص في مجال التشيع الروحي كما يدل على أن عليا
هو القائد الروحي ، فإنه يدل بوضوح على أنه القائد
السياسي ، وقد نقل الكاتب جل النصوص الواردة في هذا
المبنى ، فمعنى التفكيك بينهما هو أن الصحابة الواعين
أخذوا ببعض مضامينها وتركوا بعضها ، ولو صح إسناد ذلك
إلى بعض الصحابة فلا يصح إسناده إلى سلمان ، وأبي ذر ،
وعمار ، الذين لا يتركون الحق وإن بلغ الأمر ما بلغ .
وبما أن النبي كان هو القائد المحنك للمسلمين ، فإنه
لم تكن هناك حاجة لظهور التشيع السياسي في حياته ، بل
كان المجال واسعا لظهور التشيع الروحي ورجوع الناس إلى
علي في القضايا والأحكام الفقهية ، وهذا لا يعني عدم
كونه قائدا سياسيا وإن وصايا النبي لم تكن هادفة إلى
ذلك الجانب .
وثالثا : إن التشيع السياسي ظهر في أيام
السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية ، فإن الطبري
وغيره وإن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير والعباس إلى علي
، ولكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة
من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية .
فقد روى الصدوق عن زيد بن وهب أنه قال : كان الذين
أنكروا على أبي بكر
| |
( 1 )
تاريخ الإمامية
: 38 - 47 .
|
( 2 )
تاريخ الإمامية : 45 . ( * )
|
|
|
تقدمه على علي بن أبي طالب اثني عشر رجلا من المهاجرين
والأنصار ، فمن المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص ،
والمقداد بن الأسود ، وأبي بن كعب ، وعمار بن ياسر ،
وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن
مسعود ، وبريدة الأسلمي . ومن الأنصار : زيد بن ثابت ،
وذو الشهادتين ، وابن حنيف ، وأبو أيوب الأنصاري ،
وأبو الهيثم بن التيهان . وبعدما صعد أبو بكر على
المنبر قال خالد بن سعيد : يا أبا بكر اتق الله . . .
ثم استدل على تقدم علي بما ذكره النبي فقال : " معاشر
المهاجرين والأنصار ، أوصيكم بوصية فاحفظوها ، وإني
مؤد إليكم أمرا فاقبلوه : ألا إن عليا أميركم من بعدي
وخليفتي فيكم " - إلى آخر ما ذكره - ثم قام أبو ذر
وقال : يا معاشر المهاجرين والأنصار . . . طرحتم قول
نبيكم وتناسيتم ما أوعز إليكم . ثم ذكر مناشدة كل منهم
مستندين في احتجاجهم على أبي بكر بالأحاديث التي
سمعوها من النبي الأكرم ( 1 ) .
وهذا يعرب عن أن
التشيع السياسي - الذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال
بعد الرحلة - كان مستفادا من نصوص النبي ( صلى الله
عليه وآله ) .
رابعا : ماذا يريد من الفرقة وأن الشيعة
تكونت بصورة فرقة بعد مقتل الإمام الحسين ؟ فهل يريد
الفرقة الكلامية التي تبتني على آراء في العقائد تخالف
فيها الفرق الأخرى ؟ فهذا الأمر لم يعلم له أي وجود
يذكر إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة ، ولم تكن يومذاك أية مسألة كلامية مطروحة حتى تأخذ شيعة علي
بجانب والآخرون بجانب آخر ، بل كان المسلمون متسالمين
في العقائد والأحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول ، ولم
يكن آنذاك أي اختلاف عقائدي إلا في مسألة القيادة ،
| |
( 1 )
الخصال : 461 ط مكتبة الصدوق لاحظ
المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لإثبات
الخلافة للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . ( * )
|
|
|
فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين
.
وإن أراد من الفرقة الجماعة المتبنية ولاية علي
روحيا وسياسيا وأنه أحق بالقيادة على جميع الموازين ،
فإنها كانت موجودة في يوم السقيفة وبعدها .
نعم إن
توسع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية وما رافق ذلك
من احتكاك مباشر بكثير من الفرق والجماعات صاحبة
الأفكار العقائدية المختلفة ، وتأثر بعض الفرق
الإسلامية ومفكريها بجملة من تلك الآراء والتصورات ،
ساعد بشكل كبير في إيجاد مدارس كلامية متعددة في كيان
المجتمع الإسلامي ، ولما كان الشيعة أشد تمسكا بحديث
الثقلين المشهور ، فقد رجعوا إلى أئمة أهل البيت
فصاروا فرقة كلامية متشعبة الأفنان ، ضاربة جذورها في
الكتاب والسنة والعقل .
وهكذا فلا مرية من القول بخطأ
كل الافتراضات السابقة وعدم حجيتها في محاولة تثبيت
كون التشيع ظاهرة طارئة على الإسلام ، وإنما هو نفس
الإسلام في إطار ثبوت القيادة لعلي بعد رحلة النبي
بتنصيصه ، وتبناه منذ بعثة النبي الأكرم جملة من
الصحابة والتابعين وامتد ذلك حسب الأجيال والقرون ، بل
وظهر بفضل التمسك بالثقلين علماء مجاهدون ، وشعراء
مجاهرون ، وعباقرة في الحديث ، والفقه ، والتفسير ،
والفلسفة ، والكلام ، واللغة ، والأدب ، وشاركوا جميع
المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية بجوانبها المختلفة
، يتفقون مع جميع الفرق في أكثر الأصول والفروع وإن
اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض الفرق مع بعضها
الآخر .
وسيوافيك تفصيل عقائدهم في مبحث خاص بإذن الله
.
كما يظهر لك أيضا وهن ما ذهب إليه الدكتور عبد
العزيز الدوري من أن التشيع باعتباره عقيدة روحية ظهر
في عصر النبي وباعتباره حزبا سياسيا قد حدث بعد قتل
علي ( 1 ) .
| |
( 1 ) لاحظ الصلة بين
التصوف والتشيع : 18 . ( * ) |
|
|
|