|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 583 : |
|
مصحف فاطمة :
لا شك أنه كان عند فاطمة مصحف ، حسبما تضافرت عليه
الروايات ، ولكن المصحف ليس اسما مختصا بالقرآن ، حتى
تختص بنت المصطفى بقرآن خاص ، وإنما كان كتابا فيه
الملاحم والأخبار .
المصحف : من أصحف ، بمعنى ما جعل
فيه الصحف ، وإنما سمي المصحف مصحفا ، لأنه جعل جامعا
للصحف المكتوبة بين الدفتين .
ولم يكن ذلك اللفظ علما
للقرآن في عصر نزوله ، وإنما صار علما له بعد رحيل
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال السيوطي : روى
ابن أشتة في كتاب المصاحف أنه لما جمعوا القرآن فكتبوه
في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال بعضهم
: السفر ، وقال بعضهم : المصحف ، فإن الحبشة يسمونه
المصحف قال : وكان أبو بكر أول من جمع
كتاب الله وسماه المصحف ( 1 ) .
وأما ما هو واقع هذا
الكتاب ؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل
البيت ، وقد جمع قسما كبيرا منها العلامة الشيخ مصطفى
قصير العاملي في دراسته كتاب علي ومصحف فاطمة . وإليك
بعضها :
1 - روى أبو عبيدة عن أبي عبد الله ( عليه
السلام ) قال : " . . . إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) خمسة وسبعين يوما ، وكان دخلها
حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل ( عليه السلام )
يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ،
ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في
ذريتها ، وكان علي ( عليه السلام ) يكتب ذلك ، فهذا
مصحف فاطمة " ( 2 ) .
2 - روى أبو حمزة عن أبي عبد
الله ( عليه السلام ) قال : " مصحف فاطمة ما فيه شئ من
كتاب الله ، وإنما هو شئ ألقي إليها بعد موت أبيها
صلوات الله عليهما " ( 3 ) .
والعجب أن الدس الإعلامي
قد اتخذ لفظ " مصحف فاطمة " ذريعة لاتهام الشيعة بأن
عندهم قرآنا يسمى " مصحف فاطمة " ، وقد سعى غير واحد
من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين
المسلمين ، ولكن خاب سعيهم ، فإن للحق دولة ، وللباطل
جولة .
ولعل القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدثة
تحدثها الملائكة ، كما ورد في الرواية السابقة ، غير
أن فاطمة ( عليها السلام ) لا تقل شأنا عن مريم البتول
، ولا عن امرأة الخليل ، قال سبحانه : {
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ
اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
| |
( 1 ) السيوطي ،
الإتقان في علوم القرآن 1 : 185 .
( 2 )
الكليني ، الكافي 1 : 241 .
|
( 3 ) الصفار ، بصائر
الدرجات : ص 195 ، ط مكتبة المرعشي . ( * )
|
|
|
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ
} ( 1 ) إلى غير ذلك من
الآيات الواردة في سورتي آل عمران ، ومريم . وهذه
امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك ، يقول سبحانه : {
وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا
إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى . . . وَامْرَأَتُهُ
قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ
وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ
*
قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ
وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ
عَجِيبٌ *
قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ
اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } ( 2 ) .
فإذا كانت مريم
وامرأة الخليل محدثتين ، ففاطمة سيدة نساء العالمين
أولى بأن تكون محدثة .
ما هو مصدر روايات أئمة أهل
البيت ؟
هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة الثلاثة
المطروحة حول الخاتمية لدى الشيعة فنقول : إن لعلوم
أئمة أهل البيت مصادر مختلفة ، ونشير إلى أصولها
تاركين البحث في فروعها :
1 - النقل عن آبائهم عن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) إنهم ( عليهم السلام )
كثيرا ما يروون الحديث عن آبائهم عن رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) معنعنا ، من دون أن يتوسط بين
الأسانيد شخص بين آبائهم وأجدادهم .
فمثلا لما ترك علي
بن موسى الرضا نيسابور عازما إلى مرو ، اجتمعت حوله
مجموعة كبيرة من المحدثين وطلبوا منه أن يحدثهم بحديث
عن جده ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال :
| |
( 1 )
آل عمران : 42 .
|
( 2 )
هود : 69 - 73 . ( * )
|
|
|
"
حدثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدثني أبي جعفر الصادق
، قال : حدثني أبي أبو جعفر الباقر ، قال : حدثني أبي
علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي الحسين بن علي ، قال
: حدثني أبي علي بن أبي طالب ، قال : حدثني رسول الله
عن جبرئيل ( عليه السلام ) عن الله قال : لا إله إلا
الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي " ( 1 ) .
إن
هذا النوع من الأحاديث متوفر في الجوامع الحديثية
للشيعة ، فلو قام باحث بجمع هذا النوع الذي يروي فيه
كابر عن كابر والإمام بعد الإمام لبلغ موسوعة كبيرة .
وهذا هو هشام بن سلمان ، وحماد بن عثمان ، وغيرهما من
أصحاب الإمام الصادق ، قالوا : سمعنا أبا عبد الله (
عليه السلام ) يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث
جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث
الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام
) ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ( صلى الله
عليه وآله ) وحديث رسول الله قول الله عز وجل ( 2 ) .
2 - النقل عن كتاب علي إن أئمة أهل البيت كانوا
يستندون إلى كتاب علي ويحتجون به ، فكان الكتاب أحد
مصادر علومهم التي يصدرون عنها ، وقد وقفت على قسم
قليل منها فيما تقدم .
3 - الإلهام أو تحديث الملائكة
إن أئمة أهل البيت حسب النصوص محدثون ، تحدثهم
الملائكة ، كما كانت
| |
( 1 ) الصدوق ،
عيون
أخبار الرضا 2 : 143 . |
( 2 )
الكافي 1 : 53 / 14 . ( *
) |
|
|
تحدث مريم البتول وامرأة الخليل ، فما كان يخبرون به
من الملاحم أو يجيبون عن الأسئلة فالكل مما كان يلقى
في روعهم . وهذا النوع من المصدر وإن كان ثقيلا على من
لم يعرف مقاماتهم ، إلا أنه صحيح لمن درس حياتهم ،
ووقف على أحوالهم .
ولأجل إيقاف القارئ على أن (
المحدث ) أمر مما اتفق عليه الأعلام نبحث عنه على وجه
الإيجاز :
المحدث في الإسلام : المحدث - بصيغة المفعول
- : من تكلمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة ، أو
يلهم له ويلقى في روعه شئ من العلم على وجه الإلهام
والمكاشفة من المبدأ الأعلى ، أو ينكت له في قلبه من
حقائق تخفى على غيره .
المحدث بهذا المعنى ممن اتفق
عليه الفريقان : الشيعة والسنة ، ولو كان هناك خلاف
فإنما هو في مصداقه .
وقبل ذلك نجد المحدث في الأمم
السالفة ، فهذا صاحب موسى كان محدثا ، فقد أخبره عن
مصير السفينة والغلام والجدار على وجه جاء في سورة
الكهف ( 1 ) فهو لم يكن نبيا ، ولكنه كان عارفا بما
سيحدث ، وقد عرفه بإحدى الطرق المذكورة .
وهذه مريم
البتول ، كانت الملائكة تكلمها وتحدثها ولم تكن نبية ،
قال سبحانه : {
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ
اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى
نِسَاء الْعَالَمِينَ } ( 2 ) .
وقال سبحانه : {
إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ
يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ
| |
( 1 ) من الآية : 60 -
82 . |
( 2 )
آل عمران : 42 . ( * )
|
|
|
الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
} ( 1 ) .
وهذه أم موسى يلقى في روعها ويوحى
إليها ولم تكن نبية ، قال سبحانه : {
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ
مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ
فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا
تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ }
( 2 ) .
وأما السنة النبوية ففيها تصريح بأن في الأمة
الإسلامية - نظير الأمم السالفة - رجالا يكلمون من دون
أن يكونوا أنبياء ، وإليك بعض هذه النصوص :
1 - أخرج
البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال النبي : "
لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من
غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر
بن الخطاب " ( 3 ) .
2 - أخرج البخاري عن أبي هريرة
مرفوعا " أنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون ،
إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب " ( 4 ) .
قال القسطلاني في شرح الحديث : يجري على ألسنتهم
الصواب من غير نبوة . وقال الخطابي : يلقى الشئ في
روعه فكأنه قد حدث به ، يظن فيصيب ، ويخطر الشئ بباله
فيكون . وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء ( 5 ) .
3
- أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ( صلى الله
عليه وآله ) : " قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن
في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم " ، قال ابن
وهب : تفسير " محدثون " ملهمون . قال النووي في شرح
صحيح مسلم : اختلف العلماء في تفسير المراد
| |
( 1 )
آل عمران : 45 .
( 2 ) القصص : 7 . |
( 3 ) البخاري 2 : 194 باب مناقب عمر بن الخطاب .
( 4 ) البخاري 2 : 171 ، بعد حديث الغار .
|
|
|
( 5 ) القسطلاني ، إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 : 431 ، وانظر
أيضا 6 : 99 . ( * )
|
|
ب " محدثون " فقال ابن وهب : ملهمون ، وقيل : مصيبون
إذا ظنوا ، فكأنهم حدثوا بشئ فظنوه ، وقيل تكلمهم
الملائكة ، وجاء في رواية " مكلمون " وقال البخاري :
يجري الصواب على ألسنتهم ، وفيه كرامات الأولياء ( 1 )
.
ومن راجع شروح الصحيحين يجد نظير هذه الكلمات بوفرة
، والرأي السائد في تفسير المحدث هو تكليم الملائكة أو
الإلقاء في الروع . هذا ما لدى السنة .
روايات الشيعة
حول المحدث وأما الشيعة ، فعندهم أخبار عن أئمتهم تصرح
بأنهم محدثون وفي الوقت نفسه ليسوا بأنبياء ، فقد روى
الكليني في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث
أحاديث أربعة : قال : " المحدث الذي يسمع الصوت ولا
يرى الصورة " .
وفي رواية أخرى : سألته عن الإمام ما
منزلته ؟ قال : " يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك
" . إلى غير ذلك من الروايات المصرحة بأن الأئمة الاثني عشر محدثون ( 2 ) .
روى الصفار في بصائر
الدرجات عن بريد : قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله (
عليهما السلام ) : ما منزلتكم بمن تشبهون ممن مضى ؟
فقال : " كصاحب موسى وذي القرنين كانا عالمين ولم
يكونا نبيين " ( 3 ) .
هذا ما لدى الفريقين .
وبذلك
يعلم أن الإخبار عن الغيب بإذن من الله سبحانه لا
يلازم كون المخبر نبيا ، وأن تكلم الملائكة مع إنسان
لا يصلح دليلا على كونه مبعوثا من الله سبحانه للنبوة
.
| |
( 1 )
النووي ، شرح صحيح مسلم 15 : 166
.
( 2 ) الكافي 1 : 176 باب الفرق بين الرسول والنبي
والمحدث .
|
( 3 ) بصائر الدرجات : 368 . ( * )
|
|
|
ولو اعتمدت الشيعة على علم الأئمة فلكونهم وارثين لعلم
النبي ، ووارثين لما عند علي من الكتب التي كتبها
بإملاء من رسول الله ، أو محدثين تلقى في روعهم
الإجابات على الأسئلة ، فلا يدل على أنهم أنبياء ، ومن
نسبهم إلى تلك الفرية الشائنة بحجة إخبارهم عن الملاحم
، فقد ضل عن سواء السبيل ، ولم يفرق بين النبوة
والرسالة والتحدث .
|