|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 550 : |
|
أسئلة حول الخاتمية
هناك أسئلة حول الخاتمية تثار بين
آن وآخر ، وهي بين سؤال قرآني وفلسفي وفقهي ، ونكتفي
من الأول بواحد من الأسئلة .
السؤال الأول : تنصيص
القرآن على أن جميع أهل الشرائع ينالون ثواب الله . إن
القرآن الكريم ينص على أن المؤمنين بالله وباليوم
الآخر من جميع الشرائع سينالون ثواب الله ، وأنه لا
خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ومعنى ذلك أن جميع الشرائع
السماوية تحفظ إلى جانب الإسلام ، وأن أتباعها ناجون
شأنهم شأن من اعترف بالإسلام وصار تحت لوائه تماما ،
وعلى ضوء هذا ، فكيف تكون الشريعة الإسلامية واقعة في
آخر مسلسل الشرائع السماوية ؟ وكيف تكون رسالته خاتمة
الشرائع ؟ وإليك ما يدل على ذلك حسب نظر السائل :
1 -
قال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى
وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ } ( 1 ) .
2 - {
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ
وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى
مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ
صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ } ( 2 ) .
3 - {
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا
وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
( 3 ) .
| |
( 1 )
البقرة : 62 .
|
( 2 )
المائدة : 69 .
|
( 3 )
الحج : 17 . ( * )
|
|
|
إن استنتاج بقاء شرعية الشرائع السماوية من هذه الآيات
مبني على غض النظر عما تهدف إليه الآيات ، وذلك أن
الآيات بصدد رد مزاعم ثلاثة كانت اليهود تتبناها ، لا
بصدد بيان بقاء شرائعهم بعد بعثة الرسول الأكرم ( صلى
الله عليه وآله ) . وهي :
1 - فكرة " الشعب المختار "
! كانت اليهود والنصارى يستولون على المسلمين بل
العالم بادعائهم فكرة " الشعب المختار " بل إن كل
واحدة من هاتين الطائفتين : اليهود والنصارى ، كانت
تدعي أنها أرقى أنواع البشر ، وكانت اليهود أكثرهم
تمسكا بهذا الزعم وقد نقل عنهم سبحانه قولهم : {
وَقَالَتِ الْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم
بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ . . . } ( 1 ) والله
سبحانه يرد هذا الزعم بكل قوة عندما يقول : {
فَلِمَ يُعَذِّبُكُم
بِذُنُوبِكُم } ، وقد بلغت أنانية اليهود واستعلاؤهم
الزائف حدا بالغا وكأنهم قد أخذوا على الله عهدا بأن
يستخلصهم ويختارهم ، حيث قالوا : {
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا
النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } ( 2 ) .
2 - الانتماء إلى
اليهودية والنصرانية مفتاح الجنة ! قد كانت اليهود
والنصارى تبثان وراء فكرة : " الشعب المختار " ، فكرة
أخرى ، وهي : أن الجنة نصيب كل من ينتسب إلى بني
إسرائيل أو يسمى مسيحيا ليس إلا ، وكأن الأسماء
والانتساب مفاتيح للجنة ، قال سبحانه ناقلا عنهم : {
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ
الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى
} ( 3 ) .
| |
( 1 )
المائدة : 18 . |
( 2 )
البقرة :
80 . |
( 3 )
البقرة : 111 . ( * ) |
|
|
ولكن القرآن يرد عليهم ويقول : {
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ
هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
*
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
( 1 ) فإن قوله سبحانه : {
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ } يعني الإيمان
الخالص وقوله : { وَهُوَ
مُحْسِنٌ } يعني العمل وفق ذلك
الإيمان ، وكلتا الجملتين تدلان على أن السبيل الوحيد
إلى النجاة يوم القيامة هو الإيمان والعمل لا الانتساب
إلى اليهودية والنصرانية ، فليست المسألة مسألة أسماء
، وإنما هي مسألة إيمان صادق وعمل صالح .
3 - الهداية
في اعتناق اليهودية والنصرانية ! وهذا الزعم غير الزعم
الثاني ، ففي الثاني كانوا يقتصرون في النجاة
بالانتماء إلى الأسماء ، وفي الأخير يتصورون أن
الهداية الحقيقية تنحصر في الاعتناق باليهودية
والنصرانية { وَقَالُواْ
كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ } ( 2
) والقرآن الكريم يرد هذه الفكرة كما سبق ، ويقول إن الهداية الحقيقية تنحصر في الاقتداء بملة إبراهيم
واعتناق مذهبه في التوحيد الخالص الذي أمر الأنبياء
بإشاعته بين أممهم ، قال سبحانه : {
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
} ( 3 ) وفي آية أخرى {
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ
نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 4 ) .
نستخلص من كل هذه
الآيات أن اليهود والمسيحيين وبخاصة القدامى منهم
كانوا يحاولون - بهذه الأفكار الواهية - التفوق على
البشر ، والتمرد على تعاليم الله ،
| |
( 1 )
البقرة : 111 - 112 .
|
( 2 ) البقرة : 135 .
|
( 3 ) البقرة : 135 .
|
( 4 ) آل عمران : 67 . ( * )
|
|
|
والتخلص بصورة خاصة من الانضواء تحت لواء الإسلام ،
مرة بافتعال أكذوبة " الشعب المختار " الذي لا ينبغي
أن يخضع لأي تكليف ، ومرة أخرى بافتعال خرافة "
الأسماء والانتساب " وادعاء النجاة بسبب ذلك ، والحصول
على مغفرة الله وجنته وثوابه ، ومرة ثالثة بتخصيص " الهداية " وحصرها في الانتساب إلى إحدى الطائفتين
بينما نجد أنه كلما مر القرآن على ذكر هذه المزاعم
الخرافية أعلن بكل صراحة وتأكيد : أنه لا فرق بين
إنسان وآخر إلا بتقوى الله ، فإن أكرمكم عند الله
أتقاكم .
وأما النجاة والجنة فمن نصيب من يؤمن بالله ،
ويعمل بأوامره دونما نقصان لا غير ، وهو بهذا يقصد
تفنيد مزاعم اليهود والنصارى الجوفاء .
بهذا البحث حول
الآيات الثلاث ( المذكورة في مطلع البحث ) نكشف بطلان
الرأي القائل بأن الإسلام أقر - في هذه الآيات - مبدأ
" الوفاق الإسلامي المسيحي واليهودي " تمهيدا لإنكار
عالمية الرسالة الإسلامية وخاتميتها ، بينما نجد أن
غاية ما يتوخاه القرآن - في هذه الآيات - إنما هو فقط
نسف وإبطال عقيدة اليهود والنصارى ، وليعلن مكانه بأن
النجاة إنما هي بالإيمان الصادق والعمل الصالح .
فلا
استعلاء ولا تفوق لطائفة على غيرها من البشر مطلقا ،
كما أن هذا التشبث الفارغ بالأسماء والدعاوى ليس إلا
من نتائج العناد والاستكبار عن الحق .
فليست الأسماء
ولا الانتساب هي التي تنجي أحدا في العالم الآخر ،
وإنما هو الإيمان والعمل الصالح ، وهذا الباب مفتوح في
وجه كل إنسان يهوديا كان أو نصرانيا ، مجوسيا أو غيرهم
.
ويوضح المراد من هذه الآية قوله سبحانه : {
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ
آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } ( 1 ) .
| |
( 1 )
المائدة : 65 . ( * ) |
|
|
فتصرح الآية بانفتاح هذا الباب بمصراعيه في وجه البشر
كافة من غير فرق بين جماعة دون جماعة ، حتى أن أهل
الكتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون لقبلنا إيمانهم
وكفرنا عنهم سيئاتهم .
هذا هو كل ما كان يريد القرآن
بيانه من خلال هذه الآيات ، وليس أي شئ آخر . إذن فلا
دلالة لهذه الآيات الثلاث على إقرار الإسلام لشرعية
الشرائع بعد ظهوره . . . وإنما تدل على أن القرآن
يحاول بها إبطال بعض المزاعم .
هذا كله حول السؤال
القرآني ، وهناك أسئلة أخرى جديرة بالذكر والتحليل ،
وإليك بيانها :
السؤال الثاني : لماذا ختمت النبوة التبليغية ؟ إن الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة
الأركان ، فلا شريعة بعدها ، ومع الاعتراف بذلك يطرح
هذا السؤال : إن الأنبياء كانوا على قسمين : منهم من
كان صاحب شريعة ، ومنهم من كان مبلغا لشريعة من قبله
من الأنبياء ، كأكثر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا
يبلغون شريعة موسى بين أقوامهم . فهب أنه ختم باب
النبوة التشريعية لكون الشريعة الإسلامية متكاملة ،
فلماذا ختم باب النبوة التبليغية ؟ والجواب عنه ، غنى
الأمة الإسلامية عن هذا النوع من النبوة ، وذلك لوجهين
:
الوجه الأول : أن النبي الأكرم ترك بين الأمة الكتاب والعترة وعرفهما إليها ، وقال : لن تضل الأمة ما دامت
متمسكة بهما . فإذا كانت الهداية تكمن في التمسك بهما
فالأمة الإسلامية في غنى عن المهمة
التبليغية ، إذ مهمتها موجدة بالتمسك بهما فالعترة
الطاهرة مشاعل الحق ، ومنارات التوحيد ، أغنت الأمة ،
علومهم وتوجيهاتهم عن بعث نبي يبلغ رسالات الله ، وهذا
إجمال الكلام في أئمة أهل البيت ( عليهم السلام )
والتفصيل موكول إلى محله .
الوجه الثاني : أن علماء
الأمة المأمورين بالتبليغ بعد التفقه أغنوا الأمة عن
أي نبوة تبليغية ، قال سبحانه : {
فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ
فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي
الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ
إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ( 1 ) وقال سبحانه : {
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } ( 2 ) .
السؤال الثالث : لماذا حرم
الخلف من المكاشفة الغيبية والاتصال بعالم الغيب
واستطلاع ما هناك من المعارف والحقائق ؟ الجواب : إن
الفتوحات الغيبية من المكاشفات والمشاهدات الروحية لم
توصد بابها ، وإنما أوصد باب خاص وهو باب النبوة الذي
يحمل الوحي التشريعي أو التبليغي .
قال سبحانه : { سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } ( 3 ) .
فالفتوحات الباطنية من المكاشفات والإلقاءات في الروع
غير مسدودة بنص الكتاب العزيز قال سبحانه : {
يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ
اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } ( 4 ) أي
يجعل في قلوبكم نورا تفرقون به بين الحق والباطل
| |
( 1 ) التوبة : 122 .
|
( 2 )
آل عمران : 104 .
|
( 3 )
فصلت : 53 .
|
( 4 )
الأنفال : 29 . ( * )
|
|
|
وتميزون به بين الصحيح والزائف لا بالبرهنة والاستدلال
، بل بالشهود والمكاشفة ، قال سبحانه : {
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن
رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ( 1 ) .
وهناك آيات وروايات تدل بوضوح على
انفتاح هذا الباب في وجه الإنسان ، نكتفي بما ذكرناه .
| |
( 1 )
الحديد : 28 . ( * )
|
|
|
|