|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 519 : |
|
الصحابة في
القرآن الكريم
1 - إن القرآن الكريم يصنف الصحابة إلى
أصناف مختلفة ، فهو يتكلم عن السابقين الأولين ،
والمبايعين تحت الشجرة ، والمهاجرين المهجرين عن
ديارهم وأموالهم ، وأصحاب الفتح ، إلى غير ذلك من
الأصناف المثالية ، الذين يثني عليهم ويذكرهم بالفضل
والفضيلة ، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافا أخر يجب أن لا
تغيب عن أذهاننا وتلك الأصناف هي التالية :
1 -
المنافقون المعروفون ( 1 ) .
2 - المنافقون المتسترون
الذين لا يعرفهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 2 ) .
3 - ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب ( 3 ) .
4 - السماعون
لأهل الفتنة ( 4 ) .
5 - المسلمون الذين خلطوا عملا
صالحا وآخر سيئا ( 5 ) .
| |
( 1 ) المنافقون
: 1 . ( 2 ) التوبة : 101 . ( 3 )
الأحزاب : 11 . ( 4
) التوبة : 45 - 47 . ( 5 )
التوبة : 102 . ( * )
|
|
|
6
- المشرفون على الارتداد عندما دارت عليهم الدوائر ( 1
) .
7 - الفاسق أو الفساق الذين لا يصدق قولهم ولا
فعلهم ( 2 ) .
8 - المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في
قلوبهم ( 3 ) .
9 - المؤلفة قلوبهم الذين يظهرون
الإسلام ويتآلفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف
يقينهم ( 4 ) .
10 - المولون أمام الكفار ( 5 ) .
هذه
الأصناف إذا انضمت إلى الأصناف المتقدمة ، فإنها تعرب
عن أن صحابة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) لم
يكونوا على نمط واحد ، بل كانوا مختلفين من حيث قوة
الإيمان وضعفه ، والقيام بالوظائف والتخلي عنها ، فيجب
إخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس
، وعندئذ يتحقق أن الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلا
إذا كان أهلا لها ، وتوضح بجلاء أن محاولة المساواة في
الفضل بين جميع الصحابة أمر فيه مجافاة صريحة للحق
وكلمة الصدق ، وهذا ما ذهبت إليه الشيعة ، وهو نفس
النتيجة التي يخرج بها الإنسان المتدبر للقرآن الكريم
.
2 - إن
الآيات التي تناولت المهاجرين والأنصار وغيرهم بالمدح
والثناء ، لا تدل على أكثر من أنهم كانوا حين نزول
القرآن مثلا للفضل والفضيلة ، ولكن الأمور إنما تعتبر
بخواتيمها ، فيحكم عليهم - بعد نزول الآيات - بالصلاح
والفلاح إذا بقوا على ما كانوا عليه من الصفات ، وأما
لو ثبت عن طريق السنة أو التاريخ الصحيح أنه صدر عن
بعضهم ما لا تحمد عاقبته ، فحينئذ لا مندوحة لنا إلا
الحكم
| |
( 1 )
آل عمران
: 154 .
( 2 ) الحجرات : 6 ،
السجدة : 18 . |
( 3 ) الحجرات : 14 .
( 4 ) التوبة : 60 .
|
( 5 ) الأنفال :
15 - 16 . ( * ) |
|
|
بذلك ، ولا يعد مثل ذلك معارضا للقرآن الكريم ، لأنه
ناظر إلى أحوالهم في ظروف خاصة ، لا في جميع فصول
حياتهم ، فليس علينا رفع اليد عن السنة والتاريخ
الصحيح بحجة أن القرآن الكريم مدحهم ، وأن الله تعالى
كان في وقت ما راضيا عنهم ، لما عرفت من أن المقياس
القاطع للقضاء هو دراسة جميع أحوالهم وإخضاعها للقرآن
والسنة ، فكم من مؤمن زلت قدمه في الحياة ، فعاد
منافقا ، أو مرتدا ، وكم من ضال شملته العناية الإلهية
، فبصر الطريق وصار رجلا إلهيا .
وبالجملة : فمن ثبت
عن طريق الدليل الصحيح انحرافه وزيغه عن الصراط
المستقيم وشوب إيمانه بالظلم والعيث والفساد ، فيؤخذ
بما هو الثابت في ذينك المصدرين ، وأما من لم يثبت
زيغه فلا نتكلم في حقه بشئ سوى ما أمر الله به سبحانه
من طلب الرحمة لهم حيث قال : {
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } ( 1 ) .
3 - ومن
سوء الحظ أن شرذمة قليلة من الصحابة زلت أقدامهم
وانحرفوا عن الطريق ، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء
القليلين ، وتبيين مواقفهم ، وانحرافهم عن الطريق
المستقيم بكرامة الباقين ، ولعل عدد المنحرفين ( غير
المنافقين ) لا يتجاوز العشرة إلا بقليل .
أفيسوغ في
ميزان العدل رمي الشيعة بأنهم يكفرون الصحابة
ويفسقونهم بحجة أنهم يدرسون حياة عدة قليلة منهم
ويذكرون مساوئ أعمالهم ، وما يؤاخذ عليهم على ضوء
الكتاب والسنة والتاريخ الصحيح .
وما نسب إلى الحسن
البصري فهو أولى بالإعراض عنه ، إذ لو كانت النجاة في
ترك ذكرهم ، فلماذا اهتم ببيان أفعالهم وصفاتهم
التاريخ المؤلف بيد السلف الصالح
الذين كانوا يحترمون الصحابة مثلما يحترمهم الخلف ؟
فلو كان الحق ترك التكلم فيهم وإعذارهم بالاجتهاد ،
فلماذا وصف النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بعضهم
بالارتداد ، كما رواه البخاري وغيره ؟ ( 1 ) .
وإذا
دار الأمر بين كون القرآن أو النبي ( صلى الله عليه
وآله ) أسوة ، أو الكلمة المأثورة عن الحسن البصري ،
فالأول هو المتعين ، ويضرب بالثاني عرض الجدار .
الردة
بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بقيت هنا كلمة
وهي : إذا كان موقف الشيعة وأئمتهم من الصحابة ما ذكر
آنفا ، فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشي من أنه ارتد
الناس بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا ثلاثة
؟ إذ لو صح ما ذكر ، وجب الالتزام بأن النبي الأكرم (
صلى الله عليه وآله ) لم ينجح في دعوته ، ولم يتخرج من
مدرسته إلا قلائل لا يعتد بهم في مقابل ما ضحى به من
النفس والنفيس .
والإجابة على هذا السؤال واضحة لمن
تفحص عنها سندا ومتنا ، فإن ما رواه لا يتجاوز السبع
روايات ، وهي بين ضعيف لا يعول عليه ، وموثق - حسب
اصطلاح علماء الإمامية في تصنيف الأحاديث - وصحيح
قابلين للتأويل ، ولا يدلان على الارتداد عن الدين ،
والخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر .
أما
الضعيف فهو ما رواه الكشي عن حمدويه وإبراهيم ابني
نصير قال : حدثنا محمد بن عثمان ، عن حنان بن سدير ،
عن أبيه ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : " كان
الناس أهل الردة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا
ثلاثة . . . " ( 2 ) .
وكفى في ضعفها وجود محمد بن
عثمان في سندها ، وهو من المجاهيل .
| |
( 1 )
صحيح البخاري 5 : 118 - 119 في تفسير
سورة النور . |
(
2 ) رجال الكشي : 12 / 1 . ( * ) |
|
|
ما رواه أيضا عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن
أبي بكر الحضرمي قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) :
" ارتد الناس إلا ثلاثة نفر : سلمان ، وأبو ذر ،
والمقداد " ( 1 ) .
وكفى في ضعفها أن الكشي من أعلام
القرن الرابع الهجري القمري ، فلا يصح أن يروي عن علي
بن الحكم ، سواء أكان المراد منه الأنباري الراوي عن
ابن عميرة المتوفى عام ( 217 ه ) أو كان المراد
الزبيري الذي عده الشيخ من أصحاب الرضا ( عليه السلام
) المتوفى عام 203 ه .
وما نقله أيضا عن حمدويه بن
نصير قال : حدثني محمد بن عيسى ومحمد بن مسعود قال :
حدثنا جبرئيل بن أحمد قال : حدثنا محمد بن عيسى ، عن
النضر بن سويد ، عن محمد بن البشير ، عمن حدثه قال : "
ما بقي أحد إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود ،
فإن قلبه كان مثل زبر الحديد " ( 2 ) .
والرواية ضعيفة بجبرئيل بن أحمد ، فإنه مجهول كما أنها مرسلة في آخرها
.
وأما الروايات الباقية فالموثق عبارة عما ورد في
سنده علي بن الحسن الفضال ، والثلاثة الباقية صحيحة ،
ومن أراد الوقوف على أسنادها ومتونها فليرجع إلى رجال
الكشي ( 3 ) .
ومع ذلك كله فإن هذه الروايات لا يحتج بها أبدا لجهات عديدة نشير إلى بعض منها :
1 - كيف
يمكن أن يقال إنه ارتد الناس بعد رسول الله ( صلى الله
عليه وآله ) ولم يبق إلا ثلاثة تمسكوا بولاية علي ولم
يعدلوا عنها ، مع أن ابن قتيبة والطبري رويا أن جماعة
من
| |
( 1 )
رجال الكشي : 16 / 13 . ( 2 )
رجال الكشي : 16 الحديث 11 . ( 3 ) المصدر نفسه : 13 /
3 و 4 و 6 و 7 . ( * ) |
|
|
بني هاشم وغيرهم تحصنوا في بيت علي معترضين على ما آل
إليه أمر السقيفة ، ولم يتركوا بيت الإمام إلا بعد
التهديد والوعيد وإضرام النار أمام البيت .
وهذا يدل
على أنه كان هناك جماعة مخلصون بقوا أوفياء لما تعهدوا به في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإليك نص
التاريخ : قال ابن قتيبة : إن بني هاشم اجتمعت عند
بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب ، ومعهم الزبير ابن
العوام - رضي الله عنه - ( 1 ) .
وقال في موضع آخر :
إن أبا بكر - رضي الله عنه - تفقد قوما تخلفوا عن
بيعته عند علي - كرم الله وجهه - فبعث إليهم عمر فجاء
فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا
بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها
على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ،
فقال : وإن . . . ( 2 ) .
روى الطبري : قال : أتى عمر
بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من
المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى
البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط
السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه ( 3 ) .
وقال ابن
واضح الأخباري : وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من
المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم
: العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير
بن العوام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن
عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن
ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبي بن كعب .
فأرسل أبو بكر
إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن
شعبة فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس
بن عبد المطلب فتجعل له في
| |
( 1 )
الإمامة
والسياسة 1 : 10 - 12 . |
( 2 ) المصدر نفسه .
|
( 3 )
تاريخ الطبري 2 : 442 . ( * )
|
|
|
هذا الأمر نصيبا . . . ( 1 ) .
كل ذلك يشهد على أنه
كان هناك أمة بقوا على ما كانوا عليه ، في عصر الرسول
الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يغتروا بانثيال
الأكثرية إلى غير من كان الحق يدور مداره . وكيف يمكن
ادعاء الردة لعامة الصحابة إلا القليل .
2 - كيف يمكن
أن يقال : ارتد الناس إلا ثلاثة مع أن الصدوق - رضي
الله عنه - ذكر عدة من المنكرين للخلافة في أوائل
الأمر وقد بلغ عددهم اثنا عشر رجلا من المهاجرين
والأنصار وهم : خالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن
الأسود ، وأبي ابن كعب ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر
الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن مسعود ، وبريدة الأسلمي ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وسهل
بن حنيف ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأبو هيثم بن التيهان
وغيرهم . ثم ذكر اعتراضاتهم على مسألة الخلافة واحدا
بعد واحد ( 2 ) .
3 - إن وجود الاضطراب والاختلاف في
عدد من استثناهم الإمام يورث الشك في صحتها ، ففي
بعضها " إلا ثلاثة " وفي البعض الآخر " إلا سبعة " وفي
ثالث " إلا ستة " فإن التعارض وإن كان يمكن رفعه
بالحمل على اختلافهم في درجات الإيمان غير أنه على كل
تقدير يوهن الرواية .
4 - كيف يمكن إنكار إيمان أعلام
من الصحابة مع اتفاق كلمة الشيعة والسنة على علو شأنهم
، أمثال : بلال الحبشي ، وحجر بن عدي ، وأويس القرني ،
ومالك ابن نويرة المقتول ظلما على يد خالد بن الوليد ،
والعباس بن عبد المطلب وابنه حبر الأمة وعشرات من
أمثالهم ، وقد عرفت أسماء المتخلفين عن بيعة أبي بكر
في كلام اليعقوبي ، أضف إلى ذلك أن رجال البيت الهاشمي
كانوا على خط الإمام ولم يتخلفوا
| |
( 1 )
تاريخ اليعقوبي 2 : 124 . |
( 2 ) الخصال ، الشيخ الصدوق
أبواب الاثني عشر : 461 - 465 . ( * )
|
|
|
عنه ، وإنما غمدوا سيوفهم اقتداء بالإمام لمصلحة عالية
ذكرها في بعض كلماته ( 1 ) .
وأقصى ما يمكن أن يقال في
حق هذه الروايات هو أنه ليس المراد من الارتداد الكفر
والضلال والرجوع إلى الجاهلية ، وإنما المراد عدم
الوفاء بالعهد الذي أخذ منهم في غير واحد من المواقف
وأهمها غدير خم .
ويؤيد ذلك : ما رواه وهب بن حفص ، عن
أبي بصير ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : " جاء
المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك ( 2 ) إلى علي (
عليه السلام ) فقالوا له : أنت والله أمير المؤمنين
وأنت والله أحق الناس وأولاهم بالنبي ( صلى الله عليه
وآله ) هلم يدك نبايعك فوالله لنموتن قدامك . فقال علي
( عليه السلام ) : إن كنتم صادقين فاغدوا غدا علي
محلقين . فحلق أمير المؤمنين وحلق سلمان وحلق المقداد
وحلق أبو ذر ولم يحلق غيرهم ( 3 ) .
وهذه الرواية
قرينة واضحة على أن المراد هو نصرة الإمام ( عليه
السلام ) لأخذ الحق المغتصب ، فيكون المراد من الردة
هو عدم القتال معه .
ومما يؤيد ذلك أيضا الرواية التي
جاء فيها أن قلب المقداد بن الأسود كزبر الحديد ، فهي
وإن كانت ضعيفة السند لكن فيها إشعارا على ذلك ، لأن
وصف قلب المقداد إشارة إلى إرادته القوية وثباته في
سبيل استرداد الخلافة . وظني أن هذه الروايات صدرت من
الغلاة والحشوية دعما لأمر الولاية وتغابنا في الإخلاص
، غافلين عن أنها تضاد القرآن الكريم ، وما روي عن
أمير المؤمنين وحفيده سيد الساجدين ، من الثناء والمدح
لعدة من الصحابة .
وهناك كلام قيم للعلامة السيد محسن
الأمين العاملي نذكر نصه وهو يمثل عقيدة الشيعة فقال :
وقالت الشيعة : حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم ،
ولا يتحتم الحكم بها
| |
( 1 )
نهج البلاغة ،
الكتاب 62 . ( 2 ) أي بعد بيعة أبي بكر . ( 3 ) لاحظ
رجال الكشي : 14 / 7 من هذا الباب . ( * )
|
|
|
بمجرد الصحبة ، وهي لقاء النبي ( صلى الله عليه وآله )
مؤمنا به ومات على الإسلام . وإن ذلك ليس كافيا في
ثبوت العدالة بعد الاتفاق على عدم العصمة المانعة من
صدور الذنب ، فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا
روايته ، ولزمنا له من التعظيم والتوقير ، بسبب شرف
الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله ما هو أهله
، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته ، أمثال
مروان بن الحكم ، والمغيرة بن شعبة ، والوليد بن عقبة
، وبسر بن أرطاة وبعض بني أمية وأعوانهم ، ومن جهلنا
حاله في العدالة توقفنا في قبول روايته .
ومما يمكن أن
يذكر في المقام أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) توفي
ومن رآه وسمع عنه يتجاوز مائة ألف إنسان من رجل وامرأة
على ما حكاه ابن حجر في الإصابة عن أبي زرعة الرازي :
" وقيل مات ( صلى الله عليه وآله ) عن مائة وأربعة عشر
ألف صحابي " ومن الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في
كثرته وتفرق أهوائه وكون النفوس البشرية مطبوعة على حب
الشهوات كلهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور
الكبائر ، والإصرار على الصغائر بمجرد رؤية النبي (
صلى الله عليه وآله ) والإيمان به ، ونحن نعلم أن منهم
من أسلم طوعا ورغبة في الإسلام ، ومنهم من أسلم خوفا
وكرها ، ومنهم المؤلفة قلوبهم ، وما كانت هذه الأمة
إلا كغيرها من الأمم التي جبلت على حب الشهوات وخلقت
فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع والكل
من بني آدم ، وقد صح عنه ( صلى الله عليه وآله ) أنه
قال : " لتسلكن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة
بالقذة حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه " .
ولو منعت
رؤية النبي ( صلى الله عليه وآله ) من وقوع الذنب
لمنعت من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبد الله
بن جحش ، وعبيد الله بن خطل ، وربيعة بن أمية بن خلف ،
والأشعث بن قيس ( 1 ) وغيرهم .
| |
( 1 ) الثلاثة الأولون
ارتدوا وماتوا على الردة ، والأشعث ارتد فأتي به إلى الخليفة أبي بكر
أسيرا فعاد إلى الإسلام وزوجه أخته ، وكانت عوراء ،
فأولدها محمدا أحد قتلة الحسين ( عليه السلام ) . ( *
) |
|
|
هذا مع ما شوهد
من صدور أمور من بعضهم لا تتفق مع العدالة ، كالخروج
على أئمة العدل ، وشق عصا المسلمين ، وقتل النفوس
المحترمة ، وسلب الأموال المعصومة ، والسب والشتم وحرب
المسلمين وغشهم ، وإلقاح الفتن ، والرغبة في الدنيا ،
والتزاحم على الإمارة والرئاسة وغير ذلك مما تكفلت به
كتب الآثار والتواريخ وملأ الخافقين .
وأعمال مروان بن
الحكم في خلافة عثمان معلومة مشهورة ، وكذلك بسر بن أرطاة والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة ، وكلهم من
الصحابة ( 1 ) .
وحصيلة البحث : أن موضع الاختلاف ،
ومصب النزاع ليس إلا كون عدالة الصحابة قضية كلية أو
جزئية ؟ فالسنة على الأولى ، والشيعة على الثانية ،
وأما ما سواها من سب الصحابة ولعنهم ، أو ارتدادهم عن
الدين بعد رحلة الرسول ، أو عدم حجية رواياتهم على وجه
الإطلاق ، فإنها تهم أموية ناصبية ، اتهم بها شيعة آل
محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهم براء منها .
ونعم
الحكم الله .
فالشيعة يعطون لكل ذي حق حقه ، فيأخذون
معالم دينهم عن ثقات الصحابة ، ولا يتكلمون في حق من
لم يتعرفوا على حاله ، ويحكمون على القسم الثالث على
ضوء الكتاب والسنة .
إن هناك رجالا من السلف لا يسوغ
لمنصف يمتلك مقياسا شرعيا سليما أن يذهب إلى جواز حبهم
أو الترحم عليهم ، لأن في ذلك خروجا صارخا عن أبسط
المقاييس والموازين الشرعية ، ومن هؤلاء :
1 - معاوية
بن أبي سفيان - ويكفي في حقه إيراد ما ذكره الجاحظ في
رسالته في بني أمية والآثام التي اقترفوها - : استوى
معاوية على الملك ، واستبد على بقية أهل الشورى ، وعلى
جماعة المسلمين من المهاجرين والأنصار في العام الذي
سموه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام
فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام الذي
| |
( 1 ) الأمين ،
أعيان الشيعة 1 : 113 - 114 . ( * )
|
|
|
تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا ، والخلافة غصبا قيصريا
، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكيناه ، وعلى منازل ما
رتبناه ، حتى رد قضية رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) ردا مكشوفا وجحد حكمه جحدا ظاهرا ( 1 ) ، فخرج بذلك
من حكم الفجار إلى حكم الكفار .
أو ليس قتل حجر بن عدي
، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع
، والاستئثار بالفئ ، واختيار الولاة على الهوى ،
وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس الأحكام
المنصوصة والشرائع المشهورة ، والسنن المنصوبة ، وسواء
جحد الكتاب ، ورد السنة إذا كانت في شهرة الكتاب
وظهوره ، إلا أن أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشد (
2 ) .
وقد أربت نابتة عصرنا ومبدعة دهرنا فقالت : لا
تسبوه ، فإن له صحبة ، وسب معاوية بدعة ، ومن بغضه فقد
خالف السنة ، فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد
السنة ( 3 ) .
2 - عمرو بن العاص ، الذي ألب على عثمان
وسر بقتله ، ثم اجتمع مع معاوية يطالب بدمه علي بن أبي
طالب ( عليه السلام ) الذي كان من أشد المدافعين عنه ، وأعطفهم عليه يوم أمر طلحة بمنع الماء عنه وتعجيل قتله
.
كل ذلك كان من ابن العاص حبا بخراج مصر ، لا بعثمان
ولا بمعاوية أيضا ، والعجب أن الرسول ( صلى الله عليه
وآله ) تنبأ بذلك وصرح بأنهما لا يجتمعان إلا على غدر
( 4 ) .
3 - يزيد الخليع المستهتر خليفة معاوية الذي
ولي ثلاث سنين بعده ، فقتل في
| |
( 1 ) إشارة إلى استلحاق زياد بن أبيه وليد فراش غير أبي
سفيان .
( 2 ) أي رد السنة مثل رد الكتاب إذا بلغت
السنة في الشهرة شهرة الكتاب .
( 3 ) الجاحظ : رسائل
الجاحظ : 294 طبع مصر .
( 4 ) ابن حجر ، تطهير الجنان
المطبوع على هامش الصواعق المحرقة : 102 . ( * )
|
|
|
الأولى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وفي الثانية
أغار على المدينة وقتل من الصحابة والتابعين ما لا
يحصى وأباح أعراضهم ، وفي الثالثة رمي الكعبة ( 1 ) ،
وكفى في كفره وإلحاده جهره بقول ابن الزبعرى :
لعبت
هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل .
4 - مروان بن
الحكم ، الذي كان من أشد الناس بغضا لأهل البيت . قال
ابن حجر : ومن أشد الناس بغضا لأهل البيت مروان بن
الحكم . روى الحاكم : أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله
عنه - قال : كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلا أتي به
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأدخل عليه مروان بن
الحكم ، فقال : " هو الوزغ بن الوزغ ، الملعون بن
الملعون " ( 2 ) .
5 - الوليد بن عقبة شارب الخمر ،
والزائد في الفريضة ( 3 ) .
6 - وعبد الله بن سعد بن
أبي سرح الذي أهدر النبي دمه ( 4 ) .
7 - الوليد بن
يزيد بن عبد الملك ، الذي يخاطب كتاب الله العزيز بعد
أن ألقاه ورماه بالسهام بقوله :
تهددني بجبار عنيد *
فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل
يا رب مزقني الوليد ( 5 )
ويقول السيوطي : إن الوليد
هذا كان فاسقا خميرا لواطا ، راود أخاه سليمان
| |
( 1 ) ابن الجوزي :
تذكرة الخواص ، فصل يزيد
بن معاوية : 257 .
( 2 ) الحاكم ، المستدرك 4 : 479 .
( 3 ) البلاذري : الأنساب 5 : 33 ، وأحمد بن حنبل ،
المسند 1 : 144 .
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 300 ، فصل :
ذكر الخبر عن فتح مكة .
( 5 ) ابن الأثير ، الكامل في
التاريخ 5 : 107 . ( * ) |
|
|
عن نفسه ، ونكح زوجات أبيه ( 1 ) .
هؤلاء وأضرابهم هم
الذين تتبرأ الشيعة منهم وتحكم عليهم بما حكم الله به
عليهم .
أفيصح تكفير الشيعة وتفسيقهم لأجل سب هؤلاء
والتبري منهم ؟ !
إن أعمال هؤلاء يندى لها جبين
الإنسانية ولا يمكن أن تغضي عنها ، فيا لله ! ! أمن
الإنصاف أن تتهم الشيعة بالانحراف والخروج عن الدين
لأنها تدين هؤلاء وتلعنهم ، والله تعالى لعن أقواما
كثيرين في كتابه الحكيم وكذلك رسوله ( صلى الله عليه
وآله ) ؟ ولعل أعمال أولئك لو وزنت بأعمال هؤلاء لما
رجحت عليها .
| |
( 1 ) جلال الدين
السيوطي ، تاريخ الخلفاء : 97 . ( * ) |
|
|
|