|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 80 :
|
|
الفرضية
الثالثة : التشيع فارسي المبدأ أو الصبغة
وهناك فرضية
ثالثة اخترعها المستشرقون لتكون مذهب الشيعة في
المجتمع الإسلامي ، وهذه الفرضية كسابقتيها تعتمد
اعتبار حداثة هذا المذهب قصدا أم جهلا ، فقادها هذا
التصور الخاطئ إلى اعتماد نظرية تقول بفارسية المبدأ
أو الصبغة لمذهب التشيع ، وهذا الترديد بين الأمرين
مرجعه رأيان لأصحاب هذه النظرية في المقام :
1
- إن التشيع من مخترعات الفرس ، اخترعوه لأغراض سياسية
ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس ، ولكنهم لما
أسلموا اخترعوا تلك الفكرة لغاية خاصة .
2 - إن التشيع
عربي المبدأ ، وإن لفيفا من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل
الفرس في الإسلام ، ولما أسلموا اعتنقوه وصبغوه بصبغة
فارسية لم تكن من قبل .
وهذان الرأيان هما اللذان
عبرنا عنهما في العنوان بما عرفت ، وإليك تفصيل أمرهما
:
أما النظرية الأولى : فقد اخترعها المستشرق دوزي ،
وملخصها : أن للمذهب الشيعي نزعة فارسية ، لأن العرب
كانت تدين بالحرية ، والفرس تدين بالملك والوراثة ،
ولا يعرفون معنى الانتخاب ، ولما انتقل النبي إلى دار
البقاء ولم يترك ولدا ، قالوا : علي أولى بالخلافة من
بعده . وحاصله : أن الانسجام الفكري بين الفرس والشيعة
- أعني : كون الخلافة أمرا وراثيا - دليل على أن
التشيع وليد الفرس . وهذا التصور مردود لجملة واسعة من
البديهيات ، منها :
أولا : أن التشيع حسبما عرفت ظهر
في عصر النبي الأكرم ، وهو الذي سمى أتباع علي بالشيعة
، وكانوا موجودين في عصر النبي وبعده ، إلى زمن لم
يدخل أحد من الفرس - سوى سلمان - في الإسلام .
بلى ،
فإن رواد التشيع في عصر الرسول والوصي كانوا كلهم عربا
ولم يكن بينهم أي فارسي سوى سلمان المحمدي ، وكلهم
كانوا يتبنون فكرة التشيع . وكان لأبي الحسن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أيام خلافته
ثلاثة حروب : حرب الجمل ، وصفين ، والنهروان . وكان
جيشه كله عربا ينتمون إلى أصول وقبائل عربية مشهورة
بين عدنانية وقحطانية ، فقد انضم إلى جيشه
زرافات من قريش والأوس والخزرج ، ومن قبائل مذحج ، وهمدان ، وطي ، وكندة ، وتميم ، ومضر ، بل كان زعماء
جيشه من رؤوس هذه القبائل كعمار بن ياسر ، وهاشم
المرقال ، ومالك الأشتر ، وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد ،
وقيس بن سعد بن عبادة ، وعبد الله بن عباس ، ومحمد بن
أبي بكر ، وحجر بن عدي ، وعدي بن حاتم ، وأضرابهم .
وبهذا الجند وبأولئك الزعماء فتح أمير المؤمنين البصرة
، وحارب القاسطين - معاوية وجنوده - يوم صفين ، وبهم
قضى على المارقين .
فأين الفرس في ذلك الجيش وأولئك
القادة كي نحتمل أنهم كانوا الحجر الأساس للتشيع ؟ ثم
إن الفرس لم يكونوا الوحيدين ممن اعتنقوا هذا المذهب
دون غيرهم ، بل اعتنقه الأتراك والهنود وغيرهم من غير
العرب .
شهادة المستشرقين على أن التشيع عربي المبدأ :
إن عددا من المستشرقين وغيرهم صرحوا بأن العرب اعتنقت
التشيع قبل الفرس وإليك نصوصهم :
1 - قال الدكتور أحمد
أمين : الذي أرى - كما يدلنا التاريخ - أن التشيع لعلي
بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام ولكن بمعنى ساذج ،
ولكن هذا التشيع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأخرى
في الإسلام ، وحيث إن أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس
فلهم أكبر الأثر في التشيع ( 1 ) . وسيوافيك الكلام
على ما في ذيل كلامه من أن التشيع أخذ صبغة جديدة بعد
فترة من حدوثه .
2 - وقال المستشرق فلهوزن : كان جميع
سكان العراق في عهد معاوية - خصوصا أهل الكوفة - شيعة
، ولم يقتصر هذا على الأفراد ، بل شمل القبائل
| |
( 1 )
فجر الإسلام : 176 . ( * )
|
|
|
ورؤساء العرب ( 1 ) .
3 - وقال المستشرق جولد تسيهر :
إن من الخطأ القول بأن التشيع في نشأته ومراحل نموه
يمثل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأمم
الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته ، أو خضعت
لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية ، وهذا الوهم الشائع
مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية ، فالحركة العلوية
نشأت في أرض عربية بحتة ( 2 ) .
4 - وأما المستشرق آدم متز فإنه قال : إن مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد
فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام ، فقد كانت
جزيرة العرب شيعة كلها عدا المدن الكبرى مثل مكة
وتهامة وصنعاء ، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضا
مثل عمان ، وهجر ، وصعدة ، أما إيران فكانت كلها سنة ،
ما عدا قم ، وكان أهل إصفهان يغالون في معاوية حتى
اعتقد بعض أهلها أنه نبي مرسل ( 3 ) .
ولعل المتأمل في
كلمات هؤلاء يجد بوضوح أنهم يقطعون بفساد الرأي الذاهب
إلى فارسية التشيع ، وأنهم لم يجدوا له تبريرا معقولا
، بالرغم من عدم تعاطفهم أصلا مع التشيع ، فتأمل .
5 -
يقول الشيخ أبو زهرة : إن الفرس تشيعوا على أيدي العرب
وليس التشيع مخلوقا لهم ، ويضيف : وأما فارس وخراسان
وما وراءهما من بلدان الإسلام ، فقد هاجر إليها كثيرون
من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيعون فرارا بعقيدتهم
من الأمويين أولا ، ثم العباسيين ثانيا ، وأن التشيع
كان منتشرا في هذه البلاد انتشارا
| |
( 1 )
الخوارج والشيعة : 113 .
|
( 2 ) العقيدة والشريعة : 204
.
|
( 3 )
الحضارة الإسلامية : 102 . ( * )
|
|
|
عظيما قبل سقوط الدولة الأموية بفرار أتباع زيد ومن
قبله إليها ( 1 ) .
6 - وقال السيد الأمين : إن الفرس
الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أول الأمر إلا
القليل ، وجل علماء السنة وأجلائهم من الفرس ،
كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم
النيسابوري والبيهقي ، وهكذا غيرهم ممن أتوا في الطبقة
التالية ( 2 ) .
وأما النظرية الثانية فإن التاريخ
يدلنا على أن الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا
بالصبغة السنية ، وهذا هو البلاذري يحدثنا في كتابه عن
ذلك بقوله : كان ابرويز وجه إلى الديلم فأتى بأربعة
آلاف ، وكانوا خدمه وخاصته ، ثم كانوا على تلك المنزلة
بعده ، وشهدوا القادسية مع رستم ، ولما قتل وانهزم
المجوس اعتزلوا ، قالوا : ما نحن كهؤلاء ولا لنا ملجأ
، وأثرنا عندهم غير جميل ، والرأي لنا أن ندخل معهم في
دينهم ، فاعتزلوا . فقال سعد : ما لهؤلاء ؟ فأتاهم
المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم ، فأخبروا بخبرهم ،
وقالوا : ندخل في دينكم ، فرجع إلى سعد فأخبره فآمنهم
، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد ، وشهدوا فتح
جلولاء ، ثم تحولوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين ( 3 ) .
لم يكن إسلامهم - يوم ذاك - إلا كإسلام سائر الشعوب ،
فهل يمكن أن يقال : إن إسلامهم يوم ذاك كان إسلاما
شيعيا ؟
وأما النظرية الثالثة : فإن الإسلام كان ينتشر
بين الفرس بالمعنى الذي كان ينتشر به في سائر الشعوب ،
ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفا بالتشيع إلى أن
انتقل قسم من الأشعريين الشيعة إلى قم وكاشان ، فبذروا
بذرة التشيع ، وكان ذلك
| |
( 1 )
الإمام
جعفر الصادق : 545 .
( 2 ) أعيان الشيعة ج 1 ، القسم
الأول : 50 - 51 ط 2 - دمشق سنة 1363 ه
|
( 3 ) البلاذري ،
فتوح البلدان : 279 . ( * )
|
|
|
في
أواخر القرن الأول ، مع أن الفرس دخلوا في الإسلام في
عهد الخليفة الثاني ، أي ابتداء من عام ( 17 ه ) ،
وهذا يعني أنه قد انقضت أعوام كثيرة قبل أن يدركوا
ويعلموا معنى ومفهوم التشيع ، فأين هذا من ذاك .
وهذا
هو ياقوت الحموي يحدثنا في معجم البلدان بقوله : قم ،
مدينة تذكر مع قاشان ، وهي مدينة مستحدثة إسلامية لا
أثر للأعاجم فيها ، وأول من مصرها طلحة بن الأحوص
الأشعري ، وكان بدو تمصيرها في أيام الحجاج بن يوسف
سنة ( 83 ه ) ، وذلك أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث
بن قيس ، كان أمير سجستان من جهة الحجاج ، ثم خرج عليه
، وكان في عسكره سبعة عشر نفسا من علماء التابعين من
العراقيين ، فلما انهزم ابن الأشعث ورجع إلى كابل
منهزما كان في جملة إخوة يقال لهم : عبد الله ،
والأحوص ، وعبد الرحمن ، وإسحاق ، ونعيم ، وهم بنو سعد
بن مالك بن عامر الأشعري ، وقعوا في ناحية قم ، وكان
هناك سبع قرى اسم إحداها " كمندان " فنزل هؤلاء الأخوة
على هذه القرى حتى افتتحوها واستولوا عليها ، وانتقلوا
إليها واستوطنوها ، واجتمع عليهم بنو عمهم وصارت السبع
قرى سبع محال بها ، وسميت باسم إحداها " كمندان " ،
فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قما ، وكان متقدم
هؤلاء الأخوة عبد الله ابن سعد ، وكان له ولد قد ربي
بالكوفة ، فانتقل منها إلى قم ، وكان إماميا ، وهو
الذي نقل التشيع إلى أهلها ، فلا يوجد بها سني قط ( 1
) .
إذن فهذا كله راجع إلى تحليل النظرية من منظار
التاريخ ، وأما دليله فهو أوهن من بيت العنكبوت ، فإذا
كان الفرس لا يعرفون معنى الانتخاب والحرية ، فإن
العرب أيضا مثلهم ، فالعربي الذي كان يعيش بالبادية
عيشة فردية كان يحب
| |
( 1 ) معجم البلدان 4
: 396 ، مادة قم ، ويقول في مراصد الاطلاع بأن أهل قم
، وكاشان كلهم شيعة إمامية . ولاحظ رجال النجاشي ،
ترجمة الرواة الأشعريين فيه . ( * )
|
|
|
الحرية ويمارسها ، وأما العربي الذي يعيش عيشة قبلية ،
فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام أمورهم وشؤونهم وعند
موته يقوم أبناؤه وأولاده مكانه واحدا بعد الآخر ، فما
معنى الحرية بعد هذا ؟ !
تحليل النظرية : إن هذه
النظرية وإن كانت تعترف بأن التشيع عربي المولد
والمنشأ ، ولكنها تدعي أنه اصطبغ بصبغة فارسية بعد
دخول الفرس في الإسلام ، وهذا هو الذي اختاره الدكتور
أحمد أمين كما عرفت ولفيف من المستشرقين ك " فلهوزن "
فيما ذهبوا إليه في تفسير نشأة التشيع .
يقول الثاني :
إن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين ، أما كون هذه
الآراء قد انبثقت من الإيرانيين فليست تلك الملاءمة
دليلا عليه ، بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك ،
إذ تقول إن التشيع الواضح الصريح كان قائما أولا في
الأوساط العربية ، ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي
، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الأوساط . ولكن لما ارتبطت
الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلت عن تربية
القومية العربية ، وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام ،
ولكنه لم يكن ذلك الإسلام القديم ، بل نوعا جديدا من
الدين ( 1 ) .
أقول : إن مراده أن التشيع كان في عصر
الرسول وبعده بمعنى الحب والولاء لعلي لكنه انتقل بيد
الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة أمرا وراثيا في
بيت علي ( عليه السلام ) وهو الذي يصرح به الدكتور
أحمد أمين في قوله : إن الفكر الفارسي استولى على
التشيع ، والمقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمرا
وراثيا كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم .
| |
( 1 )
الخوارج والشيعة :
169 . ( * ) |
|
|
إلا أنه يلاحظ عليه : أن كون الحكم والملك أمرا وراثيا
لم يكن من خصائص الفرس ، بل إن مبدأ وراثية الحكم كان
سائدا في جميع المجتمعات ، فالنظام السائد بين ملوك
الحيرة وغسان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو
الوراثة ، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة
العربية كان وراثيا ، والمناصب المعروفة لدى قريش من
السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت
أمورا وراثية ، حتى أن النبي الأكرم لم يغيرها بل إنه
أمضاها كما في قضية دفعه لمفاتيح البيت إلى بني شيبة
وإقرارهم على منصبهم هذا إلى الأبد .
فإلصاق مسألة
الوراثة بالفرس دون غيرهم أمر عجيب لا يقره العقلاء
،
فعلى ذلك يجب أن نقول : إن التشيع اصطبغ بصبغة فارسية
وغسانية وحميرية وأخيرا عربية ، وإلا فما معنى تخصيص
فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامة عالمية
؟ !
إن النبوة والوصاية من الأمور الوراثية في الشرائع
السماوية ، لا بمعنى أن الوراثة هي الملاك المعين بل
بمعنى أنه سبحانه جعل نور النبوة والإمامة في بيوتات
خاصة ، فكان يتوارث نبي نبيا ، ووصي وصيا ، يقول
سبحانه : { وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي
ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } ( 1 ) .
{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ
رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي
قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } ( 2 ) .
{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ
آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا } ( 3 ) .
| |
( 1 ) الحديد : 26 . |
( 2 )
البقرة : 124
. |
( 3 ) النساء : 54 . ( * ) |
|
|
لماذا لا يكون سبب تشيع الفرس مفاد هذه الآيات
والروايات التي تصرح بأن الوصاية بين الأنبياء كانت
أمرا وراثيا ؟ وإن هذه سنة الله في الأمم كما هو ظاهر
قوله سبحانه : " لاَ
يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " فسمى الإمامة
عهد الله لا عهد الناس .
ثم إن من زعم أن التشيع من
صنع الفرس مبدأ وصبغة فهو جاهل بتاريخ الفرس ، وذلك
لأن التسنن كان هو السائد فيهم إلى أوائل القرن العاشر
حتى غلب عليهم التشيع في عصر الصفويين ، نعم كانت مدن
ري وقم وكاشان معقل التشيع ومع ذلك يقول أبو زهرة : إن
أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة ، وإن الشيعة
الأولين كانوا من فارس ( 1 ) .
أما غلبة التشيع عليهم
في الأوان الأخير فلا ينكره أحد ، إنما الكلام في
كونهم كذلك في بداية دخولهم إلى الإسلام ، فالذي يظهر
أن الرجل جاهل بتاريخ بلاد إيران وليس له معرفة حقيقية
بتفاصيل التركيبة المذهبية المختلفة التي كانت واضحة
في أطراف المجتمع الإيراني وبينة فيه .
وإليك ما ذكره
أحد الكتاب القدامى في كتابه " أحسن التقاسيم " لتقف
على أن المذهب السائد في ذلك القرن ، هل كان هو التشيع
أم التسنن ؟ يقول : " إقليم خراسان للمعتزلة والشيعة ،
والغلبة لأصحاب أبي حنيفة إلا في كورة الشاش ، فأنهم
شوافع وفيهم قوم على مذهب عبد الله السرخسي ، وإقليم
الرحاب مذاهبهم مستقيمة إلا أن أهل الحديث حنابلة
والغالب بدبيل - لعله يريد أردبيل - مذهب أبي حنيفة
وبالجبال ، أما بالري فمذاهبهم مختلفة ، والغلبة فيهم
للحنفية ، وبالري حنابلة كثيرة ، وأهل قم شيعة ،
والدينور غلبه مذهب سفيان الثوري ، وإقليم خوزستان
مذاهبهم مختلفة ، أكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق
حنابلة ، ونصف أهل الأهواز شيعة ، وبه أصحاب أبي حنيفة
كثير ، وبالأهواز مالكيون . . .
| |
( 1 )
تاريخ المذاهب الإسلامية : 35 . ( * )
|
|
|
إقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث وأصحاب أبي
حنيفة . . . إقليم كرمان المذاهب الغالبة للشافعي . .
. إقليم السند مذاهبهم أكثرها أصحاب حديث ، وأهل
الملتان شيعة يهوعلون في الأذان - أي يقولون حي على
خير العمل - ويثنون في الإقامة - أي يقولون الله أكبر
مرتين ، وأشهد أن لا إله إلا الله مرتين أيضا وهكذا -
ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة ( 1 ) .
وأما ابن بطوطة في رحلته فيقول : " كان ملك العراق
السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من
الروافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر - يعني
العلامة الحلي ( 648 - 726 ه ) - فلما أسلم السلطان
المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه
، فزين له مذهب الروافض وفضله على غيره . . . فأمر
السلطان بحمل الناس على الرفض ، وكتب بذلك إلى
العراقين وفارس وآذربايجان وإصفهان وكرمان وخراسان ،
وبعث الرسل إلى البلاد ، فكان أول بلاد وصل إليها
الأمر بغداد وشيراز وإصفهان ، فأما أهل بغداد فخرج
منهم أهل باب الأزج يقولون : لا سمعا ولا طاعة ،
وجاءوا للجامع وهددوا الخطيب بالقتل إن غير الخطبة ،
وهكذا فعل أهل شيراز وأهل إصفهان ( 2 ) .
وقال القاضي عياض في مقدمة " ترتيب المدارك " وهو يحكي انتشار مذهب
مالك : وأما خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق
فدخلها هذا المذهب أولا بيحيى بن يحيى التميمي ، وعبد
الله بن المبارك ، وقتيبة بن سعيد ، فكان له هناك أئمة
على مر الأزمان ، وتفشى بقزوين وما والاها من بلاد
الجبل .
وكان آخر من درس منه بنيسابور أبو إسحاق بن
القطان ، وغلب على تلك البلاد مذهبا
| |
( 1 ) شمس الدين محمد
بن أحمد المقدسي ، أحسن التقاسيم :
119 ( ألفه عام 375 ه ) .
( 2 ) رحلة ابن بطوطة : 219
- 220 . ( * ) |
|
|
أبي حنيفة والشافعي ( 1 ) .
قال " بروكلمان " : إن شاه
إسماعيل الصفوي بعد انتصاره على " الوند " توجه نحو
تبريز فأعلمه علماء الشيعة التبريزيون أن ثلثي سكان
المدينة - الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف - من السنة (
2 ) .
إذن فالنصوص المتقدمة تدل دلالة واضحة على أن
مذهب التسنن كان هو المذهب السائد إلى القرن العاشر
بين الفرس ، فكيف يمكن أن يقال : إن بلاد فارس كانت هي
الموطن الأصلي للتشيع ؟
ومما يؤكد ذلك أيضا ما رواه
ابن الأثير في تأريخه من أن أهل طوس كانوا سنة إلى عصر
محمود بن سبكتكين ، قال : إن محمود بن سبكتكين جدد
عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا
وأحسن عمارته ، وكان أبوه سبكتكين أخربه ، وكان أهل
طوس يؤذون من يزوره ، فمنعهم ابنه عن ذلك ، وكان سبب
فعله ذلك أنه رأى في المنام أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب وهو يقول : إلى متى هذا ؟ فعلم أنه يريد أمر
المشهد ، فأمر بعمارته ( 3 ) .
ويؤيد ذلك ما رواه
البيهقي : أن المأمون العباسي هم بأن يكتب كتابا في
الطعن على معاوية ، فقال له يحيي بن أكثم : يا أمير
المؤمنين ، العامة لا تتحمل هذا ولا سيما أهل خراسان ،
ولا تأمن أن يكون لهم نفرة ( 4 ) .
إلا أن المتوكل عمد وبصلافة وتهتك إلى هدم قبر الحسين ( عليه السلام ) وفي
ذلك قال الشاعر المعروف بالبسامي :
| |
( 1 )
ترتيب المدارك 1 : 53 .
( 2 ) تاريخ المذاهب الإسلامية 1 : 140 . |
( 3 )
الكامل في التاريخ 5 : 139 .
( 4 ) المحاسن والمساوئ 1 : 108 . ( * ) |
|
|
تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه
رميما ( 1 )
فقد بان مما ذكر أمران :
1 - إن التشيع
ليس فارسي المبدأ ، وإنما هو حجازي المولد والمنشأ ،
اعتنقه العرب فترة طويلة لم يدخل فيها أحد من الفرس -
سوى سلمان المحمدي - وإن الإسلام دخل بين الفرس مثل
دخوله بين سائر الشعوب ، وأنهم اعتنقوا الإسلام
بمذاهبه المختلفة مثل اعتناق سائر الأمم له ، وبقوا
على ذلك طويلا إلى أن اشتد عود التشيع وكثر معتنقوه في
عهد بعض ملوك المغول أو عهد الصفوية ( 905 ه ) .
2 -
إن كون الإمامة منحصرة في علي وأولاده ليس صبغة عارضة
على التشيع ، بل هو جوهر التشيع وحقيقته ، ولولاه فقد
التشيع روحه وجوهره ، فجعل الولاء لآل محمد أو تفضيل
علي على سائر الخلفاء أصله وجوهره ، واعتبار هذا الأمر
- كما يعتقده البعض - أمرا عرضيا دخيلا على مذهب
التشيع ، تصور لا دليل له إلا التخرص والاختلاق .
قال
المفيد - رحمه الله - : الشيعي من دان بوجوب الإمامة
ووجودها في كل زمان وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال
لكل إمام ، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي (
عليهما السلام ) وساقها إلى الرضا علي بن موسى (
عليهما السلام ) .
| |
( 1 )
تاريخ أبي
الفداء 2 : 68 ( * ) |
|
|
|