|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 498 : |
|
المسألة العاشرة : السجود على الأرض
لعل من أوضح مظاهر
العبودية والانقياد والتذلل من قبل المخلوق لخالقه ،
هو السجود ، وبه يؤكد المؤمن عبوديته المؤكدة لله
تعالى ، ومن هنا فإن البارئ عز اسمه يقدر لعبده هذا
التصاغر وهذه الطاعة ، فيضفي على الساجد فيض لطفه
وعظيم إحسانه ، لذا روي في بعض المأثورات : " أقرب ما
يكون العبد إلى ربه حال سجوده " .
ولما كانت الصلاة من
بين العبادات معراجا يتميز بها المؤمن عن الكافر ،
وكان السجود ركنا من أركانها ، فليس هناك أوضح في
إعلان التذلل لله تعالى من السجود على التراب والرمل
والحجر والحصى ، لما فيه من تذلل أوضح وأبين من السجود
على الحصر والبواري ، فضلا عن السجود على الألبسة
الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضة ، وإن كان الكل
سجودا ، إلا أن العبودية تتجلى في الأول بما لا تتجلى
في غيره .
والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في
حضرهم وسفرهم ، ولا يعدلون عنها إلا إلى ما أنبت منها
من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس ، ولا
يرون السجود على غيرهما صحيحا في حال الصلاة أخذا
بالسنة المتواترة عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه
وآله ) وأهل بيته وصحبه . وسيظهر - في ثنايا البحث -
أن الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت ، كانت هي
السنة بين الصحابة ، وأن العدول عنها حدث في الأزمنة
المتأخرة ، ولأجل توضيح المقام نقدم أمورا :
1 -
اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه : اتفق المسلمون
على وجوب السجود في الصلاة في كل ركعة مرتين ، ولم
يختلفوا في المسجود له ، فإنه هو الله سبحانه الذي له
يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ( 1 ) وشعار كل
مسلم قوله سبحانه : { لَا
تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا
لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ } ( 2 ) وإنما اختلفوا في شروط المسجود عليه - أعني : ما يضع الساجد جبهته عليه -
فالشيعة الإمامية تشترط على أن يكون المسجود عليه أرضا
أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري
، وما أشبه ذلك . وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب ،
وإليك نقل الآراء :
قال الشيخ الطوسي وهو يبين آراء
الفقهاء : لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته
الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع
الاختيار .
وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأجازوا السجود
على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك - إلى أن
قال - : لا يجوز السجود على شئ هو حامل له ككور
العمامة ، وطرف الرداء ، وكم القميص ، وبه قال الشافعي
، وروي ذلك عن علي - عليه الصلاة
| |
( 1 ) إشارة إلى قوله
سبحانه : { وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ
وَالآصَالِ } ، الرعد :
15 .
( 2 ) فصلت : 37 . ( * ) |
|
|
والسلام - وابن عمر ، وعبادة بن الصامت ، ومالك ،
وأحمد بن حنبل . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا سجد على
ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه . وإن سجد على
ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه
لكنه مكروه ، وروي ذلك عن الحسن البصري ( 1 ) .
وقال
العلامة الحلي - وهو يبين آراء الفقهاء فيما يسجد عليه
- : لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها
كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع ، وأطبق الجمهور على
الجواز .
وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين ، ونحن نكتفي
هنا بإيراد جانب مما روي في هذا الجانب : روى الصدوق
بإسناده عن هشام بن الحكم أنه قال لأبي عبد الله (
عليه السلام ) : أخبرني عما يجوز السجود عليه ، وعما
لا يجوز قال : " السجود لا يجوز إلا على الأرض ، أو
على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس " . فقال له :
جعلت فداك ما العلة في ذلك ؟ قال : " لأن السجود خضوع
لله عز وجل فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ، لأن
أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في
سجوده في عبادة الله عز وجل ، فلا ينبغي أن يضع جبهته
في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها
" ( 2 ) .
فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على
الأرض أو ما أنبتته ، إذا لم يكن
| |
( 1 )
الخلاف 1 : 357 - 358 كتاب الصلاة ، المسألة 112 - 113
.
( 2 ) الوسائل 3 الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه ،
الحديث 1 ، وهناك روايات بمضمونه . والكل يتضمن أن
الغاية من السجود التي هي التذلل لا تحصل بالسجود على
غيرها ، فلاحظ . ( * ) |
|
|
مأكولا ولا ملبوسا اقتداء بأئمتهم ، على أن ما رواه
أهل السنة في المقام ، يدعم نظرية الشيعة ، وسيظهر لك
فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم ، ويتضح أن السنة
كانت هي السجود على الأرض ، ثم جاءت الرخصة في الحصر
والبواري فقط ، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع
عنه كما سيوافيك .
2 - الفرق بين المسجود له والمسجود
عليه : كثيرا ما يتصور أن الالتزام بالسجود على الأرض أو
ما أنبتت منها بدعة ، ويتخيل الحجر المسجود عليه وثنا
، وهؤلاء هم الذين لا يفرقون بين المسجود له ،
والمسجود عليه ، ويزعمون أن الحجر أو التربة الموضوعة
أمام المصلي وثنا يعبده المصلي بوضع الجبهة عليه .
ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف ، ولم
يفرق بين الأمرين ، وزعم المسجود عليه مسجودا له ،
وقاس أمر الموحد بأمر المشرك بحجة المشاركة في الظاهر
، فأخذ بالصور والظواهر ، مع أن الملاك هو الأخذ
بالبواطن والضمائر ، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود
له يضعه أمامه ويركع ويسجد له ، ولكن الموحد الذي يريد
أن يصلي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها ، يخضع
لله سبحانه ويسجد له ، ويضع جبهته ووجهه على التراب
والحجر والرمال والحصى ، مظهرا بذلك مساواته معها عند
التقييم قائلا : أين التراب ورب الأرباب .
نعم ،
الساجد على التربة غير عابد لها ، بل يتذلل إلى ربه
بالسجود عليها ، ومن توهم عكس ذلك فهو من البلاهة
بمكان ، وسيؤدي إلى إرباك كل المصلين والحكم بإشراكهم
، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لا بد أن يكون
عابدا لها على هذا المنوال ، فيا للعجب العجاب ! !
3
- السنة في السجود في عصر الرسول ( صلى الله عليه وآله
) وبعده : إن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وصحبه
كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدة لا يستهان بها ،
متحملين شدة الرمضاء ، وغبار التراب ، ورطوبة الطين ،
طيلة أعوام .
ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور
العمامة ، بل ولا على الحصر والبواري والخمر ، وأقصى
ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة ، هو تبريد الحصى
بأكفهم ثم السجود عليها ، وقد شكا بعضهم رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) من شدة الحر ، فلم يجبه ، إذ لم
يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه ، إلى أن
وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر ، فوسع الأمر
للمسلمين لكن في إطار محدود ، وعلى ضوء هذا فقد مرت في
ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير :
1 - ما كان
الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها
المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين ، ولم تكن
هناك أية رخصة .
2 - المرحلة التي ورد فيها الرخصة
بالسجود على نبات الأرض من الحصى والبواري والخمر ،
تسهيلا للأمر ، ورفعا للحرج والمشقة ، ولم تكن هناك
أية مرحلة أخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما
يدعيه البعض ، وإليك البيان :
المرحلة الأولى : السجود
على الأرض :
1 - روى الفريقان عن النبي الأكرم ( صلى
الله عليه وآله ) أنه قال :" وجعلت لي الأرض مسجدا
وطهورا " ( 1 ).
| |
( 1 )
صحيح البخاري 1 :
91 كتاب التيمم الحديث 2 ، سنن البيهقي 2 : 433 باب :
أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ، ورواه غيرهما من
أصحاب الصحاح والسنن . ( * ) |
|
|
والمتبادر من الحديث أن كل جزء من الأرض مسجد وطهور
يسجد عليه ويقصد للتيمم ، وعلى ذلك فالأرض تقصد
للجهتين : للسجود تارة ، وللتيمم أخرى .
وأما تفسير
الرواية بأن العبادة والسجود لله سبحانه لا يختص بمكان
دون مكان ، بل الأرض كلها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم ،
حيث خصوا العبادة بالبيع والكنائس ، فهذا المعنى ليس
مغايرا لما ذكرناه ، فإنه إذا كانت الأرض على وجه
الإطلاق مسجدا للمصلي فيكون لازمه كون الأرض كلها
صالحة للعبادة ، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه ،
ويعرب عن كونه المراد ذكر " طهورا " بعد " مسجدا "
وجعلهما مفعولين ل " جعلت " والنتيجة هو توصيف الأرض
بوصفين : كونها مسجدا ، وكونها طهورا ، وهذا هو الذي
فهمه الجصاص وقال : إن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي
جعله طهورا ( 1 ) . ومثله غيره من شراح الحديث .
تبريد
الحصى للسجود عليها :
2 - عن جابر بن عبد الله
الأنصاري ، قال : كنت أصلي مع النبي ( صلى الله عليه
وآله ) الظهر ، فآخذ قبضة من الحصى ، فأجعلها في كفي
ثم أحولها إلى الكف الأخرى حتى تبرد ثم أضعها لجبيني ،
حتى أسجد عليها من شدة الحر ( 2 ) .
وعلق عليه البيهقي
بقوله : قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متصل به
لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود ( 3
) .
ونقول : ولو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان
متصلا أم منفصلا جائزا
| |
( 1 )
أحكام
القرآن للجصاص 2 : 389 ط بيروت .
( 2 ) مسند أحمد 3 :
327 عن جابر ، سنن البيهقي 1 : 439 باب ما روي في
التعجيل بها في شدة الحر .
( 3 ) سنن البيهقي 2 : 105
. ( * ) |
|
|
لكان أسهل من تبريد الحصى ، ولأمكن حمل منديل أو ما
شابه للسجود عليه .
3 - روى أنس قال : كنا مع رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) في شدة الحر فيأخذ أحدنا
الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه ( 1 ) .
4 -
عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا ، فلم
يشكنا ( 2 ) . قال ابن الأثير في معنى الحديث : إنهم
لما شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا
على طرف ثيابهم ( 3 ) .
هذه المأثورات تعرب عن أن
السنة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط
، حتى أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يفسح
للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتصلة أو المنفصلة
، وهو ( صلى الله عليه وآله ) مع كونه بالمؤمنين رؤوفا
رحيما أوجب عليهم مس جباههم الأرض ، وإن آذتهم شدة
الحر .
والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على
الأرض ، وعن إصرار النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله
) بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتصلة ككور
العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد ، ما روي من
حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات .
الأمر
بالتتريب :
5 - عن خالد الجهني : قال : رأى النبي (
صلى الله عليه وآله ) صهيبا يسجد كأنه يتقي التراب
فقال له : " ترب وجهك يا صهيب " ( 4 ) .
| |
( 1 ) السنن الكبرى 2 : 106 .
( 2 ) سنن البيهقي 2 :
105 باب الكشف عن الجبهة . |
( 3 ) ابن الأثير ، النهاية
2 : 497 مادة " شكا " .
( 4 ) المتقي الهندي ، كنز
العمال 7 : 465 / 19810 . ( * )
|
|
|
6
- والظاهر أن صهيبا كان يتقي عن التتريب بالسجود على
الثوب المتصل والمنفصل ، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية ، وعلى كل تقدير ، فالحديث
شاهد على أفضلية السجود على التراب في مقابل السجود
على الحصى ، لما دل من جواز السجدة على الحصى في مقابل
السجود على غير الأرض .
7 - روت أم سلمة - رضي الله
عنها - : رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) غلاما لنا
يقال له أفلح ينفخ إذا سجد ، فقال : " يا أفلح ترب " (
1 ) .
8 - وفي رواية : " يا رباح ترب وجهك " ( 2 ) .
9
- روى أبو صالح قال : دخلت على أم سلمة ، فدخل عليها
ابن أخ لها فصلى في بيتها ركعتين ، فلما سجد نفخ
التراب ، فقالت أم سلمة : ابن أخي لا تنفخ ، فإني سمعت
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لغلام له يقال
له يسار - ونفخ - : " ترب وجهك لله " ( 3 ) .
الأمر
بحسر العمامة عن الجبهة :
10 - روي : أن النبي ( صلى
الله عليه وآله ) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته (
4 ) .
11 - روي عن علي أمير المؤمنين أنه قال : " إذا
كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن وجهه " ، يعني حتى
لا يسجد على كور العمامة ( 5 ) .
12 - روي عن صالح بن
حيوان السبائي : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبهته ( 6 ) .
| |
( 1 ) المتقي الهندي ،
كنز العمال 7 : 459 /
19776 .
( 2 ) المصدر نفسه / 19777 .
( 3 ) كنز العمال
7 : 465 / 19809 ، مسند أحمد 6 : 301 .
( 4 ) ابن سعد
، الطبقات الكبرى 1 : 151 كما في
السجود على الأرض :
41 .
( 5 ) منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند 3
: 194 .
( 6 ) البيهقي ، السنن الكبرى 2 : 105 . ( * )
|
|
|
13 - عن عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ
بيده : " ارفع عمامتك " وأومأ إلى جبهته ( 1 ) .
هذه
الروايات تكشف عن أنه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف
إلا السجود على الأرض ، ولم يكن هناك أي رخصة سوى
تبريد الحصى ، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك ،
ولما أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالتتريب ،
وحسر العمامة عن الجبهة .
المرحلة الثانية : الترخيص
في السجود على الخمر والحصر :
هذه الأحاديث والمأثورات
المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب
عن التزام النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه
بالسجود على الأرض بأنواعها ، وأنهم كانوا لا يعدلون
عنه ، وإن صعب الأمر واشتد الحر ، لكن هناك نصوصا تعرب
عن ترخيص النبي ( صلى الله عليه وآله ) - بإيحاء من
الله سبحانه إليه - السجود على ما أنبتت الأرض ، فسهل
لهم بذلك أمر السجود ، ورفع عنهم الإصر والمشقة في
الحر والبرد ، وفيما إذا كانت الأرض مبتلة ، وإليك تلك
النصوص :
1 - عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 2 ) .
2 - عن
ابن عباس : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي
على الخمرة ، وفي لفظ : وكان النبي ( صلى الله عليه
وآله ) يصلي على الخمرة ( 3 ) .
3 - عن عائشة : كان
النبي ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 4 ) .
4 - عن أم سلمة : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) يصلي على الخمرة ( 5 ) .
| |
( 1 ) البيهقي ،
السنن الكبرى 2 : 105 .
( 2 ) أبو نعيم الأصفهاني ، أخبار أصبهان 2 : 141 .
( 3 ) مسند أحمد 1 : 269 ، 303
، 309 و 358 .
( 4 ) المصدر نفسه 6 : 179 وفيه أيضا
قال للجارية وهو في المسجد : ناوليني الخمرة .
( 5 )
المصدر نفسه : 302 . ( * ) |
|
|
5
- عن ميمونة : ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي
على الخمرة فيسجد ( 1 ) .
6 - عن أم سليم قالت : كان
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي على الخمرة ( 2
) .
7 - عن عبد الله بن عمر : كان رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) يصلي على الخمر ( 3 ) .
المرحلة
الثالثة : السجود على الثياب لعذر :
قد عرفت المرحلتين
الماضيتين ، ولو كان هناك مرحلة ثالثة فإنما مرحلة
جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة
.
ويبدو أن هذا الترخيص جاء متأخرا عن المرحلتين لما
عرفت أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يجب شكوى
الأصحاب من شدة الحر والرمضاء ، وراح هو وأصحابه
يسجدون على الأرض متحملين الحر والأذى ، ولكن الباري
عز اسمه رخص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة
، وإليك ما ورد في هذا المقام .
1 - عن أنس بن مالك :
كنا إذا صلينا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فلم
يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض ، طرح ثوبه ثم سجد
عليه .
2 - وفي صحيح البخاري : كنا نصلي مع النبي (
صلى الله عليه وآله ) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة
الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض
بسط ثوبه .
3 - وفي لفظ ثالث : كنا إذا صلينا مع النبي
( صلى الله عليه وآله ) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة
الحر مكان السجود ( 4 ) .
وهذه الرواية التي نقلها
أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك
المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة
الاختيار أيضا .
| |
( 1 )
مسند أحمد 1 : 331
- 335 .
( 2 ) المصدر نفسه : 377 . |
( 3 ) المصدر نفسه
2 : 92 - 98 .
|
|
|
( 4 ) صحيح البخاري 1 : 101 ،
صحيح مسلم
2 : 109 ، مسند أحمد 1 : 100 ،
السنن الكبرى 2 : 106 .
( * )
|
|
وذلك لأن رواية أنس نص في اختصاص الجواز على حالة
الضرورة ، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات ،
وإليك بعض ما روي في هذا المجال :
1 - عبد الله بن
محرز عن أبي هريرة : كان رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) يصلي على كور عمامته ( 1 ) .
إن هذه الرواية مع
أنها معارضة لما مر من نهي النبي ( صلى الله عليه وآله
) عن السجود عليه ، محمولة على العذر والضرورة ، وقد
صرح بذلك الشيخ البيهقي في سننه ، حيث قال : قال الشيخ
: " وأما ما روي في ذلك عن النبي ( صلى الله عليه وآله
) من السجود على كور العمامة فلا يثبت شئ من ذلك ،
وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 2 ) .
وقد روي عن ابن
راشد قال : " رأيت مكحولا يسجد على عمامته فقلت : لما
تسجد عليها ؟ قال أتقي البرد على أسناني " ( 3 ) .
2 -
ما روي عن أنس : " كنا نصلي مع النبي ( صلى الله عليه
وآله ) فيسجد أحدنا على ثوبه " ( 4 ) .
والرواية
محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه ، وبما
رواه عنه البخاري : " كنا نصلي مع النبي ( صلى الله
عليه وآله ) في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن
يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه " ( 5 ) .
ويؤيده ما رواه النسائي أيضا : " كنا إذا صلينا خلف
النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالظهائر سجدنا على
ثيابنا اتقاء الحر " ( 6 ) .
وهناك روايات قاصرة
الدلالة حيث لا تدل إلا على أن النبي ( صلى الله عليه
وآله ) صلى على
| |
( 1 )
كنز العمال 8 : 130
/ 22238 .
( 2 ) السنن الكبرى 2 : 106 .
( 3 ) المصنف
لعبد الرزاق 1 : 400 كما في
سيرتنا وسنتنا ، والسجدة
على التربة : 93 .
( 4 ) السنن الكبرى 2 : 106 ، باب
من بسط ثوبا فسجد عليه .
( 5 ) البخاري 2 : 64 كتاب
الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود .
( 6 ) ابن
الأثير ، الجامع للأصول 5 : 468 / 3660 . ( * )
|
|
|
الفرو . وأما أنه سجد عليه فلا دلالة لها عليه .
3 -
عن المغيرة بن شعبة : كان رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) يصلي على الحصير والفرو المدبوغة ( 1 ) .
والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث ، ليست ظاهرة
في السجود عليه . ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو
والسجدة عليه ، ولعله ( صلى الله عليه وآله ) وضع
جبهته على الأرض أو ما ينبت منها .
وعلى فرض الملازمة
لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في
المرحلتين الماضيتين .
حصيلة البحث : إن المتأمل في
الروايات يجد وبدون لبس أن قضية السجود في الصلاة مرت
بمرحلتين أو ثلاث مراحل ، ففي المرحلة الأولى كان
الفرض السجود على الأرض ولم يرخص للمسلمين السجود على
غيرها ، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض ،
وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أخرى إلا جواز
السجود على الثياب لعذر وضرورة ، فما يظهر من بعض
الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقا
فمحمولة على الضرورة ، أو لا دلالة لها على السجود
عليها ، بل غايتها الصلاة عليها .
ومن هنا فإن ما يظهر
بوضوح أن ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنة
النبوية ، ولم تنحرف عنه قيد أنملة ، ولعل الفقهاء هم
أدرى بذلك من غيرهم ، لأنهم الأمناء على الرسالة
والأدلاء في طريق الشريعة ، ونحن ندعو إلى برهة من
التأمل لإحقاق الحق وتجاوز البدع .
| |
( 1 )
أبو داود ، السنن باب ما جاء في الصلاة على الخمرة /
331 . ( * ) |
|
|
ما هو السر في اتخاذ تربة طاهرة ؟ بقي هنا سؤال يطرحه
كثيرا إخواننا أهل السنة حول سبب اتخاذ الشيعة تربة
طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها .
وربما يتخيل البسطاء - كما ذكرنا سابقا - أن الشيعة
يسجدون لها لا عليها ، ويعبدون الحجر والتربة ، وذلك
لأن هؤلاء المساكين لا يفرقون بين السجود على التربة ،
والسجود لها .
وعلى أي تقدير فالإجابة عنها واضحة ،
فإن المستحسن عند الشيعة هو اتخاذ تربة طاهرة طيبة
ليتيقن من طهارتها ، من أي أرض أخذت ، ومن أي صقع من
أرجاء العالم كانت ، وهي كلها في ذلك سواء .
وليس هذا
الالتزام إلا مثل التزام المصلي بطهارة جسده وملبسه
ومصلاه ، وأما سر الالتزام في اتخاذ التربة هو أن
الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ، ويتخذها مسجدا ، لا
تتأتى له في كل موضع من المواضع التي يرتادها المسلم
في حله وترحاله ، بل وأنى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها
أصناف مختلفة من البشر ، مسلمين كانوا أم غيرهم ،
ملتزمين بأصول الطهارة أم غير ذلك ، وفي ذلك محنة
كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصا من أن يتخذ
لنفسه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى
صلاته حذرا من السجدة على الرجاسة والنجاسة ، والأوساخ
التي لا يتقرب بها إلى الله قط ولا تجوز السنة السجود
عليها ولا يقبله العقل السليم ، خصوصا بعد ورود
التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلي ولباسه
والنهي عن الصلاة في مواطن منها : 1 - المزبلة ،
والمجزرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ، ومعاطن الإبل ،
بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها ( 1 ) .
وهذه
القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ
عن نقلها ، فقد
| |
( 1 ) العلامة الأميني ،
سيرتنا وسنتنا : 135 ، المطبعة الحيدرية . ( * )
|
|
|
روي : أن التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع ( ت 62 ه )
كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها . كما
أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف ، باب من كان حمل
في السفينة شيئا يسجد عليه . فأخرج بإسنادين أن مسروقا
كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها ( 1
) .
إلى هنا تبين أن التزام الشيعة باتخاذ التربة
مسجدا ليس إلا تسهيل الأمر للمصلي في سفره وحضره خوفا
من أن لا يجد أرضا طاهرة أو حصيرا طاهرا فيصعب الأمر
عليه ، وهذا كادخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمم
عليها .
وأما السر في التزام الشيعة استحبابا بالسجود
على التربة الحسينية ، فإن من الأغراض العالية
والمقاصد السامية منها ، أن يتذكر المصلي حين يضع
جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل
بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ
ومقارعة الجور والفساد . ولما كان السجود أعظم أركان
الصلاة ، وفي الحديث " أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال
سجوده " فيناسب أن يتذكر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية ، أولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحق ،
وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى ، ليخشع ويخضع
ويتلازم الوضع والرفع ، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة ،
وزخارفها الزائلة ، ولعل هذا هو المقصود من أن السجود
عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر ، فيكون حينئذ في
السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى رب الأرباب (
2 ) .
وقال العلامة الأميني : نحن نتخذ من تربة كربلاء
قطعا لمعا ، وأقراصا نسجد عليها كما كان فقيه السلف
مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة
المنورة يسجد عليها ، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة ،
فقيه المدينة ، ومعلم السنة
| |
( 1 )
أبو
بكر بن أبي شيبة ، المصنف 1 : 400 كما في
السجدة على
التربة : 93 . ( 2 ) الأرض والتربة الحسينية : 24 . (
* ) |
|
|
بها ، وحاشاه من البدعة .
فليس في ذلك أي حزازة وتعسف
أو شئ يضاد نداء القرآن الكريم أو يخالف سنة الله وسنة
رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أو خروج من حكم العقل
والاعتبار .
وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة
من الفرض المحتم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا مما
ألزمه المذهب ، ولا يفرق أي أحد منهم منذ أول يومها
بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود
عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم ، وإن هو
عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا ، واختيارا لما هو
الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما
سمعت ، وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم
غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف
يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم (
1 ) .
هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل
موكول إلى محله ، وقد أغنانا عن ذلك ما سطره أعلام
العصر وأكابره ، وأخص بالذكر منهم .
1 - المصلح الكبير
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ( 1295 - 1373 ه ) في
كتابه " الأرض والتربة الحسينية " .
2 - العلامة
الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني مؤلف الغدير ( 1320 -
1390 ه ) فقد دون رسالة في هذا الموضوع طبعت في آخر
كتابه " سيرتنا وسنتنا " .
3 - السجود على الأرض
للعلامة الشيخ علي الأحمدي - دام عزه - فقد أجاد في
التتبع والتحقيق .
وما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من
أنوار علومهم . رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الله
الباقين منهم .
| |
( 1 ) العلامة الأميني ،
سيرتنا وسنتنا : 142 ، المطبعة الحيدرية . ( * )
|
|
|
|