|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 383 : |
|
الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق
إذا تعرفت
على الفوارق الموجودة بين الشيعة وبعض طوائف المسلمين
، فهلم معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم وبين سائر
الطوائف التي صيرتهم إلى فرقتين متمايزتين ، وأكثرها
يرجع إلى مسألة القيادة والخلافة بعد الرسول الأكرم (
صلى الله عليه وآله ) ، فنأخذ بالبحث عنها على وجه
الإجمال .
المسألة الأولى : وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه
تتفق جميع الفرق الإسلامية على وجوب نصب الإمام ، سوى العجاردة من الخوارج ، ومنهم حاتم الأصم أحد شيوخ
المعتزلة ( ت 237 ) ( 1 ) قد شذوا عن ذلك ، واعتقاد
المسلمين بذلك يفترق إلى مذهبين اثنين في ماهية هذا
الوجوب ، فالشيعة يذهبون إلى وجوبه على الله تعالى ،
وباقي الفرق على الأمة ، فوجوب نصب الإمام لا خلاف فيه
بين المسلمين ، وإنما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك
. وليس المراد من وجوبه على الله سبحانه ، هو إصدار
الحكم من العباد على الله سبحانه ، حتى يقال : {
إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ } ( 2 ) بل المراد كما ذكرنا غير مرة :
أن العقل - حسب التعرف على صفاته سبحانه ، من كونه
حكيما غير عابث - يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم
النصب أو عدمه ، وإلا فالعباد أقصر من أن
| |
( 1 ) ادعت العجاردة بأن الواجب على الأمة التعاون
والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل ، ومع قيام الأمة
بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلطه على
العباد ، أما إذا اختلفت الأمة ولم تتعاون على نشر
العدل وإحقاق الحق فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه
المهمات ، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل
، وإنما تجب للمصلحة أحيانا .
( 2 ) يوسف : 40 . ( * )
|
|
|
يكونوا حاكمين على الله سبحانه .
ثم إن اختلاف
المسلمين في كون النصب فرضا على الله أو على الأمة
ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والإمامة عن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فمن ينظر إلى الإمام
بوصفه رئيس دولة ليس له وظيفة إلا تأمين الطرق والسبل
، وتوفير الأرزاق ، وإجراء الحدود ، والجهاد في سبيل
الله ، إلى غير ذلك مما يقوم به رؤساء الدول بأشكالها
المختلفة ، فقد قال بوجوب نصبه على الأمة ، إذ لا
يشترط فيه من المواصفات إلا الكفاءة والمقدرة على
تدبير الأمور ، وهذا ما يمكن أن تقوم به الأمة
الإسلامية .
وأما على القول بأن الإمامة استمرار
لوظائف الرسالة ( لا لنفس الرسالة فإن الرسالة والنبوة
مختومتان بالتحاق النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله )
بالرفيق الأعلى ) فمن المتفق عليه أن تعهد هذا الأمر
يتوقف على توفر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلا إذا
حظي بعناية إلهية خاصة ، فيخلف النبي في علمه بالأصول
والفروع ، وفي سد جميع الفراغات الحاصلة بموته ، ومن
المعلوم أن هذا الأمر لا تتعرف عليه الأمة إلا عن طريق
الرسول ، ولا يتوفر وجوده إلا بتربية غيبية وعناية
سماوية خاصة .
وهكذا فلا يخفى أن كون القيادة
الإسلامية بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بيد الله
أو بيد الأمة ، أو أن التعيين هل هو واجب عليه سبحانه
أو عليهم ، ينجم عن الاختلاف في تفسير ماهية الخلافة .
فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الأمة بأحد
الطرق ، قال في حقه : " لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه
بغصب الأموال وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة ،
وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه
، بل يجب وعظه وتخويفه ، وترك طاعته في شئ مما يدعو
إليه من معاصي الله " ( 1 ) .
| |
( 1 )
التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني ( ت 403
ه ) 181. ( * ) |
|
|
ومن قال : بأن الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة أو
أحد الحكام ، وتنتخبه الأمة الإسلامية ، قال في حقه :
" ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ،
ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يدا من طاعتهم ، ونرى
طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية ،
وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . والحج والجهاد ماضيان
مع أولي الأمر من المسلمين ، برهم وفاجرهم ، إلى قيام
الساعة ، ولا يبطلهما شئ ، ولا ينقضهما " ( 1 ) .
وقد
درج على هذه الفكرة متكلمو السنة ومحدثوهم ، حتى قال
التفتازاني : " ولا ينعزل الإمام بالفسق ، أو بالخروج
عن طاعة الله تعالى ، والجور ( الظلم على عباد الله )
لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء
بعد الخلفاء الراشدين ، والسلف كانوا ينقادون لهم ،
ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج
عليهم ، ونقل عن كتب الشافعية : أن القاضي ينعزل
بالفسق بخلاف الإمام ، والفرق أن في انعزاله ووجوب نصب
غيره إثارة الفتنة ، لما له من الشوكة ، بخلاف القاضي
" ( 2 ) .
أما من فسر الإمامة بأنها عبارة عن إمرة
إلهية واستمرار لوظائف النبوة كلها سوى تحمل الوحي
الإلهي ، فلا مناص له عن القول بوجوب نصبه على الله
سبحانه .
وقد استدلت الإمامية على وجوب نصب الإمام على
الله سبحانه : بأن وجود الإمام الذي اختاره الله
سبحانه ، مقرب من الطاعات ، ومبعد عن المعاصي ، وقد
| |
( 1 )
العقيدة الطحاوية : 379 - 387 .
( 2 ) شرح العقائد النسفية لأبي حفص عمرو
بن محمد النسفي ( ت 573 ه ) والشرح لسعد الدين التفتازاني ( ت 791 ه )
185 - 186 ، ولاحظ في هذا المجال مقالات
الإسلاميين للأشعري : 323 ، وأصول الدين
لمحمد بن عبد الكريم البزدوي إمام الماتريدية : 190 . ( * )
|
|
|
أوضحوه في كتبهم الكلامية .
والمراد من اللطف المقرب
هنا ما عرفت من أن رحلة النبي الأكرم تترك فراغات
هائلة بين الأمة في مجالي العقيدة والشريعة ، كما تترك
جدالا ونزاعا عنيفا بين الأمة في تعيين الإمام .
فالواجب على الله سبحانه من باب اللطف هو سد هذه
الفراغات بنصب من هو صنو النبي الأكرم ( صلى الله عليه
وآله ) في علمه بالعقيدة والشريعة ، وفي العدالة
والعصمة ، والتدبير والحنكة ، وحسم مادة النزاع
المشتعل برحلة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم شعث الأمة ، وجمعهم على خط واحد .
والغريب أن المعتزلة
الذين يذهبون إلى وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه
، يشذون في هذا المقام عن معتقدهم هذا ، مع العلم بأن
هذا المورد من جزئياته ، والذي منعهم عن الالتزام
بالقاعدة في المقام بأنهم لو قالوا بها في هذه المسألة
لزمهم أن يقولوا بعدم صحة خلافة الخلفاء المتقدمين على
علي ، لأن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصا
عليه من الله سبحانه .
ثم إنك قد تعرفت على أن الرسول
الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) - وبوحي من الله سبحانه
- قام بتطبيق القاعدة ، ونصب إماما للأمة ، ليقود
أمرهم ويسد جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق
الأعلى ، وبذلك حسم مادة النزاع ، وقطع الطريق على
المشاغبين ، ولكنه - وللأسف - تناست الأمة وصية الرسول
( صلى الله عليه وآله ) وأمره ، فانقسموا إلى طوائف
وأحزاب ، وقامت بينهم المعارك والحروب التي أريقت فيها
الدماء ، واستبيحت بسببها الأعراض ، وتبدلت نتيجة لذلك
المفاهيم ، واختلفت القيم ، واستثمر أعداء الدين هذه
الاختلافات بين المسلمين فعمدوا إلى زيادة الهوة بينهم
وكرسوا لذلك أقصى جهودهم حتى أصبح التقريب فضلا عن
الوحدة أمرا متعسرا على المفكرين ، نسأل الله سبحانه
أن يسد تلك الفجوة العميقة بإيقاظ شعور علماء الأمة
ومصلحيهم في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .
|