|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 324 :
|
|
الشيعة في
إيران :
إن التشيع هو المذهب الساحق في إيران من أوائل
القرن العاشر ( 905 ه ) إلى يومنا هذا وذلك أن الدولة الصفوية الشيعية هي التي أشاعت التشيع في إيران ، وفي
عصرها ثبتت أركانه ، وتعلق به المسلمون تعلقا عظيما ،
وتزايد عدد الشيعة بتقادم السنين ، فإن بلغ عدد النفوس
في إيران الإسلامية قرابة ستين مليونا ، فالأكثرية هم
الشيعة ، ولا يتجاوز عدد سائر الطوائف عن أربعة ملايين
نسمة ، يرفل الجميع بثوب الأخوة الإسلامية والمحبة
والتفاهم في ظل العقائد العظيمة التي يتمسك بها الشيعة
والتي تحدد علاقتهم بإخوانهم من سائر المذاهب
الإسلامية ، والتي كرسها قيام الجمهورية الإسلامية
المباركة ، بزعيمها الراحل الإمام الخميني ( قدس سره )
والذي دعا إلى تقوية الترابط بين المذاهب الإسلامية
المختلفة ، وأمر بإثبات أيام معينة خلال العام سميت
بأسبوع الوحدة ، وعلى نفس خطاه واصل خلفه سماحة آية
الله السيد علي الخامنئي تعهد شجرة الوحدة بتكافل جميع
المسؤولين في الدولة الإسلامية المباركة ، والتي
يلمسها بوضوح كل من زار هذه الدولة أو مر بها .
أسباب اعتناق الفرس للإسلام ولمذهب التشيع :
ثم إن هنا
أمورا لا محيص عن طرحها وتحليلها ، لأنها من المواضيع
التي كثر فيها اللغط ، وقد أكثر المستشرقون وغيرهم
فيها الصخب والهياج وهي :
1 - ما هو السبب الحقيقي
لدخول الفرس في الإسلام ؟
2 - ما هو السبب الحقيقي
لجنوحهم إلى آل البيت ؟
3 - سببان مزعومان : الأصهار ،
وإرادة هدم الإسلام .
وإليك تحليل تلك النقاط :
1 - ما
هو السبب الحقيقي لدخول الفرس في الإسلام ؟ إن الفرس
دخلوا في الإسلام كدخول سائر الشعوب ، والعلة في
الجميع واحدة أو متقاربة ، وحاصلها : أنهم وقفوا على
أن في هذه الشريعة الغراء من سمات العدل والمساواة ،
ورفض التمييز العنصري ، والنظام الطبقي ، وأن الناس
فيه كأسنان المشط لا فضل لأعجمي على عربي ولا لعربي
على أعجمي إلا بالتقوى ، وكانت الثورة الإسلامية تحمل
يوم تفجرها رايات العدل العظيمة ، فكان ذلك هو الدافع
المهم للشعوب للدخول في الإسلام ، والانضواء تحت رايته
، من غير فرق بين قوم دون قوم وشعب دون شعب .
2 - ما
هو السبب الحقيقي لولائهم آل البيت ( عليهم السلام ) ؟
إن السبب الحقيقي لولائهم وجنوحهم إلى أهل البيت هو
أنهم شاهدوا أن عليا وأهل بيته - خلافا للخلفاء عامتهم
- يكافحون فكرة القومية ويطبقون المساواة ، فأخذوا يتحننون إليهم حينا بعد حين ، وشبرا بعد شبر ، فكان
ذلك نواة لبذر الولاء في قلوب بعضهم ، يرثه الأبناء من
الآباء ، وإن لم يكن الحب - يوم ذاك - ملازما للقول
بخلافتهم عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وإمامتهم
بعده ، بل كان حبا وودا خالصا لأسباب نفسية لا قيادية
، وتدل على ذلك عشرات من القضايا نذكر بعضها :
1
- روى الفضل بن أبي قرة عن الإمام الصادق ( عليه
السلام ) قال : " أتت الموالي أمير المؤمنين ( عليه
السلام ) فقالوا : نشكو إليك هؤلاء العرب ، إن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يعطينا معهم العطايا
بالسوية ، وزوج سلمان ، وبلالا ، وصهيبا ، وأبوا علينا
هؤلاء ، فقالوا : لا نفعل ، فذهب إليهم أمير المؤمنين
( عليه السلام ) فكلمهم فيهم ، فصاح الأعاريب : أبينا
ذلك يا أبا الحسن ، أبينا ذلك ، فخرج وهو مغضب يجر
رداءه وهو يقول : يا معشر الموالي إن هؤلاء قد صيروكم
بمنزلة اليهود والنصارى ، يتزوجون إليكم ولا يزوجونكم
، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون ، فاتجروا بارك الله لكم
، فإني قد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول
: الرزق عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء في التجارة وواحد في
غيرها " ( 1 ) .
2 - وروى أبو إسحاق إبراهيم بن محمد
بن سعيد الثقفي في غاراته : عن عباد ابن عبد الله
الأسدي ، قال : كنت جالسا يوم الجمعة ، وعلي ( عليه
السلام ) يخطب على منبر من آجر ، وابن صوحان جالس ،
فجاء الأشعث ، فجعل يتخطى الناس فقال : يا أمير
المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على وجهك ، فغضب ، فقال
ابن صوحان : ليبين اليوم من أمر العرب ما كان يخفى ،
فقال علي ( عليه السلام ) : " من يعذرني من هؤلاء
الضياطرة ، يقبل أحدهم يتقلب على حشاياه ، ويهجد قوم
لذكر الله ، فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين ،
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت محمدا ( صلى
الله عليه وآله ) يقول : ليضربنكم والله على الدين
عودا كما ضربتموهم عليه بدءا " . قال المغيرة : كان
علي ( عليه السلام ) أميل إلى الموالي وألطف بهم ،
وكان عمر أشد تباعدا منهم ( 2 ) .
| |
( 1 ) الكليني ،
الكافي 5 : 318 .
( 2 ) الثقفي ، الغارات :
340 ط بيروت ، الحمراء : الموالي ، الضياطرة جمع
الضياطر : الضخام الذين لا عناد عندهم . ( * )
|
|
|
3
- روى ابن شهرآشوب : لما ورد بسبي الفرس إلى المدينة
أراد عمر بيع النساء ، وأن يجعل الرجال عبيد العرب ،
وعزم على أن يحملوا العليل والضعيف ، والشيخ الكبير في
الطواف وحول البيت على ظهورهم ، فقال أمير المؤمنين (
عليه السلام ) : " إن النبي ( صلى الله عليه وآله )
قال : أكرموا كريم قوم وإن خالفوكم ، وهؤلاء الفرس
حكماء كرماء ، فقد ألقوا إلينا بالسلام ، ورغبوا في
الإسلام ، وقد أعتقت منهم لوجه الله حقي وحق بني هاشم
" فقالت المهاجرون والأنصار : قد وهبنا حقنا لك يا أخا
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " اللهم
فاشهد أنهم قد وهبوا ، وقبلت وأعتقت " ، فقال عمر :
سبق إليها علي ابن أبي طالب ( عليه السلام ) ونقض عزمي
في الأعاجم ( 1 ) .
4 - روى الصدوق عن الإمام الصادق (
عليه السلام ) : قال : قال رجل له : إن الناس يقولون :
من لم يكن عربيا صلبا ، أو مولى صريحا ، فهو سفلي ،
فقال : " وأي شئ المولى الصريح " ؟ ! فقال له الرجل :
من ملك أبواه ، فقال : " ولم قالوا هذا " ؟ ! قال :
يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : مولى القوم
من أنفسهم ، فقال : " سبحان الله ، أما بلغك أن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : أنا مولى من لا
مولى له ، أنا مولى كل مسلم ، عربيها وعجميها ، فمن
والى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أليس يكون من
نفس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ " ثم قال : "
أيهما أشرف ، من كان من نفس رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) أو من كان من نفس أعرابي جلف بائل على عقبيه ؟
ثم قال : من دخل في الإسلام رغبة ، خير ممن دخل رهبة ،
ودخل المنافقون رهبة ، والموالي دخلوا رغبة " ( 2 ) .
5 - روى الفضل بن شاذان ( ت 260 ه ) : أن عمر بن
الخطاب نهى عن أن يتزوج العجم في العرب وقال : لأمنعن
فروجهن إلا من الأكفاء ( 3 ) .
| |
( 1 ) ابن شهرآشوب ،
مناقب آل أبي طالب 4 : 48 .
( 2 ) الصدوق ، معاني الأخبار : 405 . |
( 3 ) الفضل بن شاذان ، الإيضاح
: 280 . ( * )
|
|
|
6
- روى المفيد : أن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - دخل
مجلس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم فعظموه
وقدموه وصدروه إجلالا لحقه ، وإعظاما لشيبته ،
واختصاصه بالمصطفى ( صلى الله عليه وآله ) وآله فدخل
عمر فنظر إليه ، فقال : من هذا العجمي المتصدر فيما
بين العرب ؟ فصعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
المنبر فخطب ، فقال : " إن الناس من عهد آدم إلى يومنا
هذا مثل أسنان المشط ، لا فضل للعربي على العجمى ، ولا
للأحمر على الأسود إلا بالتقوى ، سلمان بحر لا ينزف ،
وكنز لا ينفد ، سلمان منا أهل البيت ، سلسل يمنح
الحكمة ويؤتي البرهان " ( 1 ) .
7 - روى الثقفي في
الغارات : أن امرأتين أتتا عليا ( عليه السلام ) عند
القسمة ، إحداهما من العرب ، والأخرى من الموالي ،
فأعطى كل واحدة خمسة وعشرين درهما ، وكرا من الطعام ،
فقالت العربية : يا أمير المؤمنين ، إني امرأة من
العرب ، وهذه امرأة من العجم ، فقال علي ( عليه السلام
) : " إني لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفئ فضلا على
بني إسحاق " ( 2 ) .
8 - روى المفيد عن ربيعة وعمارة
وغيرهما : أن طائفة من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب مشوا إليه عند تفرق الناس عنه وفرار كثير منهم
إلى معاوية ، طلبا لما في يديه من الدنيا ، فقالوا له
: يا أمير المؤمنين ، أعط هذه الأموال ، وفضل هؤلاء
الأشراف من العرب وقريشا على الموالي والعجم ، ومن
يخاف خلافه عليك من الناس وفراره إلى معاوية . فقال
لهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " أتأمروني أن
أطلب النصر بالجور ؟ ! لا والله لا أفعل ما طلعت شمس
ولاح في السماء نجم ، ولو كانت أموالهم لي لواسيت
| |
( 1 ) المفيد ،
الإختصاص : 341 . |
( 2 ) الغارات : 341 . ( * )
|
|
|
بينهم ، فكيف وإنما هي أموالهم " ( 1 ) .
9 - روى
المبرد : قال الأشعث بن قيس لعلي بن أبي طالب ( عليه
السلام ) وأتاه يتخطى رقاب الناس وعلي على المنبر ،
فقال : يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك
، قال : فركض على المنبر برجله ، فقال صعصعة بن صوحان
العبدي : ما لنا ولهذا ؟ - يعني الأشعث - ليقولن أمير
المؤمنين اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر ، فقال علي
: " من يعذرني من هذه الضياطرة ، يتمرغ أحدهم على
فراشه تمرغ الحمار ، ويهجر قوم للذكر ، فيأمرني أن
أطردهم ، ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين ، والذي
فلق الحبة ، وبرأ النسمة ليضربنكم على الدين عودا كما
ضربتموهم عليه بدءا " ( 2 ) .
هذه الشواهد الكثيرة
توقفنا على السبب الحقيقي لتوجه الفرس والموالي إلى آل
البيت ، وأنه لم يكن إلا لصمودهم في طريق تحقيق العدل
والمساواة ، والمكافحة ضد العنصرية والتعصب .
3 -
سببان مزعومان : الإصهار ، وإرادة هدم الإسلام :
أولا
: هل الإصهار كان سببا للولاء : روى الزمخشري في ربيع
الأبرار وغيره : أن الصحابة جاءوا بسبي فارس في خلافة
الخليفة الثاني كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد ، فباعوا
السبايا ، وأمر الخليفة ببيع بنات يزدجرد فقال الإمام
علي : " إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن " فقال
الخليفة : كيف الطريق إلى العمل معهن ؟ فقال : " يقومن
ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن " فقومن فأخذهن علي
فدفع واحدة لعبد الله بن عمر ،
| |
( 1 ) المفيد ،
المجالس : 57 طبعة النجف . |
( 2 ) الكامل 2 :
53 ، ط مصر سنة 1339 ه . ( * )
|
|
|
وأخرى لولده الحسين ، وأخرى لمحمد بن أبي بكر ، فأولد
عبد الله بن عمر : ولده سالما ، وأولد الحسين : زين
العابدين ، وأولد محمد : ولده القاسم ، فهؤلاء أولاد
خالة ، وأمهاتهم بنات يزدجرد ( 1 ) .
وقد استند إلى
هذه القصة أحمد أمين في فجر الإسلام ، والدكتور حسن
إبراهيم في التاريخ السياسي للإسلام ( 2 ) ، وذهبا إلى
أن الإصهار صار سببا لتشيع الفرس .
لن ندخل في نقاش مع
هذه القصة وأنها هل هي صادقة أو مما وضعه أصحاب
الأساطير ، وكفانا في هذا الأمر ما ألفه زميلنا العزيز
الدكتور السيد جعفر شهيدي ( 3 ) ، ولو وقفنا إلى جانب
هذه القصة وسلمنا بها ، فإنا نسأل أي صلة بين دخول
الفرس في التشيع ومصاهرة الإمام الحسين يزدجرد ، فلو
كانت تلك علة فليكن تسنن الفرس لأصهار عبد الله بن عمر
ومحمد بن أبي بكر لهم ، فإن الرجلين من أبناء
الخليفتين ، على أن هذا التفسير يدل على سطحية في
التفكير وسقم في المنطق لا يقر به العقلاء .
ثانيا :
إرادة هدم الإسلام : أثار بعض أعداء الإسلام ، ومن
أعماه الحقد وخبث السريرة ، الكثير من الشبهات حول
تمسك الفرس بالمذهب الشيعي ، وولائهم العميق لأهل
البيت ( عليهم السلام ) ، ومن هذه الشبهات السقيمة
التي وجدت من يطبل لها ويزمر ، هي أن الفرس ما دخلوا
في المذهب الشيعي إلا للتستر من أجل هدم الإسلام تحت
هذا الغطاء .
وإلى هذا الرأي السقيم يذهب ضمنا أحمد
أمين في تخرصاته دون أن يحاسب نفسه على تقولاته التي
هي أشد المعاول هدما في صرح الإسلام لا الفرس الذين
| |
( 1 ) ربيع الأبرار 3 : 19 .
( 2 ) تاريخ
الإسلام السياسي 2 : 7 . |
( 3 )
الإمام علي بن الحسين ،
باللغة الفارسية . ( * ) |
|
|
يتهمهم ظلما وجورا ، حيث قال : والحق أن التشيع كان
مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد
، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية ، ومن يريد استقلال بلاده والخروج
على مملكته ، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت
ستارا ! ! ( 1 ) وقد استغل هذه الأطروحة الخبيثة
الكاتب الأمريكي " لو تروب ستودارد " في كتابه " حاضر
العالم الإسلامي " الذي نقله إلى العربية الأمير شكيب
أرسلان ، وتجد الفكرة أيضا عند صاحب المنار ، ومحب
الدين الخطيب ، وغيرهم من كتاب العصر .
وهذا الكلام
أشبه بكلام من أعمى الله بصره وبصيرته ، فإن من نظر
إلى تاريخ الفرس يجد أنهم خدموا الإسلام بنفسهم ونفيسهم وأقلامهم وآرائهم من غير فرق بين الشيعي
والسني ، وخدمات المذهب الشيعي للإسلام أعظم من أن
تحصى ، وأوضح من أن تخفيها إرهاصات الحاقدين ، وقد
تقدم منا في الصفحات الأولى وما بعدها دور الشيعة في
بناء الحضارة الإسلامية ، وما شيعة الفرس إلا جزءا من
عموم الشيعة المسلمين ، ولهم أياد بيضاء مشكورة في
خدمة الإسلام ، ولن يضرهم نفث السموم وتخرص المتخرصين
.
| |
( 1 )
فجر الإسلام : فصل الشيعة
. ( * ) |
|
|
|