- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 318 :

الشيعة في اليمن :

دخل التشيع في اليمن بعد أن أسلموا على يد علي ( عليه السلام ) ، حيث يحدثنا التاريخ : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعث خالد بن الوليد إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام ، فأقام هناك ستة أشهر فلم يجيبوه إلى شئ . فبعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأمره أن يرجع خالد بن الوليد ومن معه .

قال البراء : فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له فصلى بنا علي الفجر ، فلما فرغ صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأسلمت همدان كلها في يوم واحد ، وكتب بذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلما قرأ كتابه خر ساجدا ثم جلس فقال : " السلام على همدان ، السلام على همدان " ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام ( 3 ) . فكان تمسكهم بعرى الإسلام على يد علي ( عليه السلام ) ، وصار هذا أكبر العوامل

 

( 3 ) ابن الأثير ، الكامل 2 : 300 في حوادث السنة العاشرة ، ط دار صادر . ( * )

 
 

- ص 319 -

لصيرورتهم علويين مذهبا ونزعة .
وفي ظل هذه النزعة ضحوا بأنفسهم ونفيسهم بين يدي علي ( عليه السلام ) في حروبه .
أضف إليه أنهم سمعوا من المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) فضائل إمامهم ومناقبه غير مرة ، وهذا مما زادهم شوقا وملأ قلوبهم حبا وولاء له ، فقد روى المحدثون : أن اليمانيين طلبوا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يبعث إليهم رجلا يفقههم في الدين ويعلمهم السنن ويحكم بينهم بكتاب الله ، فبعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليا وضرب على صدره وقال : " اللهم اهد قلبه ، وثبت لسانه " . قال الإمام علي ( عليه السلام ) : " فما شككت في قضاء بين اثنين حتى الساعة " ( 1 ) .
بقي الإمام علي ( عليه السلام ) بينهم مدة يفقههم في الدين ، ويقضي بكتاب الله ، ويحل المشاكل القضائية ، بما تنبهر به العقول .

ومن هنا تتوضح الصورة عن حقد الأمويين على أهل اليمن وقسوتهم في تعاملهم معهم ، كما فعل ذلك بسر بن أرطاة عند حملته على اليمن ، حيث لم يترك محرما إلا استحله ، ولا جريمة إلا فعلها فلحقته اللعنة في الدارين .

نعم إن شيعة أهل اليمن كانوا من خلص شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فلا غرو ولا غرابة أن يذكرهم في شعره بقوله :

فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلي بسلام

ومما يدل على فرط حبهم وولائهم لعلي ( عليه السلام ) ما قاله سيدهم سعيد بن قيس الهمداني - رضوان الله عليه - في وقعة الجمل : قل للوصي أقبلت قحطانها * فادع بها تكفيكها همدانها هم بنوها وهم إخوانها ( 2 )

 

( 1 ) كنز العمال 6 : 158 و 392 باب فضائل علي .

( 2 ) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 1 : 144 - 145 . ( * )  
 

- ص 320 -

نعم رحل يحيى بن الحسين الرسي العلوي من العراق إلى اليمن في القرن الثالث ودعا إلى المذهب الزيدي في ظل ولاء أهل البيت وأخذ بمجامع القلوب وانتشرت دعوته فانتموا إلى زيد ، فالشيعة إلى اليوم في اليمن زيديو المذهب يهتفون في الأذان ب‍ " حي على خير العمل " .
ويوجد هناك شيعة إمامية قليلون .

كانت الحكومة منذ دعوة الرسي العلوي بيد الزيدية ، وكان آخر حاكم مقتدر زيدي يحكم البلاد هو حميد الدين يحيى المتوكل على الله ، ولما اغتيل هو وولداه الحسن والمحسن ، وحفيده الحسين بن الحسن بيد بعض وزرائه عام ( 1367 ه‍ ) في ظل مؤامرة أجنبية ، قام مكانه ولده الإمام بدر الدين ، ولم يكن له نصيب من الحكم إلا مدة قليلة حتى أزيل عن الحكم عن طريق انقلاب عسكري ، وبذلك انتهى الحكم الزيدي في اليمن ، ولكن اليمنيين بقوا على انتمائهم إلى التشيع .

الشيعة في سورية ولبنان :

ظل التشيع سائدا في الشام وحلب وبعلبك وجبل عامل منذ القرن الأول إلى يومنا هذا ، ومن المعروف أن أبا ذر الصحابي الجليل هو الذي بذر بذرته ، أو غرس شجرته ، وذلك عندما نفاه عثمان من المدينة إلى الشام ، وكان يجول في الشام وضواحيه وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، من دون أن يخاف قوة أو سطوة ، أو إهانة أو قسوة ، وطبع الحال يقتضي أن يبوح بما انطوت عليه جوانحه من الولاء لعلي وأهل بيته ، يدعو له على القدر المستطاع ، فنمت بذرة التشيع في ظل التستر والتقية ، وأما اليوم فالشيعة مجاهرون ولهم شأن عند الدولة ، ولهم مظاهر في الشام وضواحيه ، ترى اسم علي والحسين مكتوبين تحت قبة المسجد الأموي ، وفي الجانب الشرقي مسجد خاص باسم رأس الحسين ، وفي نفس البلد قباب مشيدة

- ص 321 -

لأهل البيت ، أمثال زينب بنت علي ( عليهما السلام ) ورقية بنت الحسين ( عليهما السلام ) في الوقت نفسه لا تجد أثرا لمعاوية ( 1 ) ويزيد والحكام الأمويين .
إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب .

قويت شوكة التشيع في سورية بعد قيام دولة الحمدانيين في الشام والجزيرة ، وكان لسيف الدولة أياد بيضاء في رفع منارة التشيع ، كيف وأبو فراس صاحب القصيدة الميمية هو ابن عمه الذي يقول :

الحق مهتضم والدين مخترم * وفئ آل رسول الله مقتسم

وأما جبل عامل فقد انتشر فيه التشيع منذ دخل إلى الشام ووجد في تلك البقاع مرتعا خصبا ونفوسا متلهفة ، فتعلق به أهله تعلقا شديدا حتى لقد برز منهم العديد من العلماء الكبار طبقوا البلاد شهرة وصيتا أخص منهم بالذكر :

 1 - محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأول ( 734 - 786 ه‍ ) وكان إماما في الفقه ، ولكنه صلب بيد الجور ، ثم رجم ، ثم أحرق ، بذنب أنه شيعي موال لأهل البيت ولا يفتي بفتوى أئمة المذاهب الأربعة . وله كتب فقهية أشهرها كتاب اللمعة الدمشقية ، ألفه في السجن خلال أسبوع ولم يكن عنده من الكتب الفقهية سوى المختصر النافع للمحقق الحلي ( 600 - 676 ه‍ ) .

 2 - زين الدين بن علي الجبعي ( 911 - 966 ه‍ ) المعروف بالشهيد الثاني صاحب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، والمسالك في شرح الشرائع الذي يتضمن مجموع الكتب الفقهية مع ذكر المستند والدليل .
وقد امتدت إليه أيدي الظلم كسلفه الشهيد الأول ، حيث اعتقل بأمر الخليفة العثماني ثم قتله معتقلوه قرب

 

( 1 ) نعم في داخل البلد بيت يقال فيه قبر معاوية لا يزوره أحد إلا للعبرة والاطلاع على ما آلت إليه أعمالهم من مصير بائس بعد مماتهم . ( * )

 
 

- ص 322 -

شاطئ البحر وحز رأسه من جسده وأرسل إلى السلطان .
وتاالله إنها لجرائم بشعة تقشعر منها الأبدان ، ويندى لها جبين البشرية خجلا ، فما معنى هذه القسوة المتناهية في قتل الشيعة وعلمائها ، وإذا كان هذا مصير الشيعة من قبل الحكومات المتعاقبة والظالمة ، فهل يلومهم أحد على اتخاذهم التقية حجابا لحقن دمائهم وحفظ أعراضهم ؟ ! لا أعتقد أن يلومهم عليها عاقل ، لأن الملام من دفعهم إليها لا هم .

أقول : ورغم هذا الإسراف في مطاردة الشيعة وقتلهم ، فقد ظهر في جبل عامل بعد هذين العالمين الجليلين ، علماء فضلاء وفقهاء عظام ، ولم يزل منار التشيع مرتفعا ولواؤه خفاقا بهم ، ولقد تحملوا عبر القرون وخصوصا في عهد السلطة العثمانية المصاعب الجسام والتي ذكرها التاريخ في صفحات سوداء لا تنسى ، ولا سيما في عهد أحمد باشا الجزار ، ممثل الدولة العثمانية في بلاد الشام من ( 1195 - 1198 ه‍ ) .

ولقد ألف الشيخ الحر العاملي كتابا أسماه أمل الآمل في علماء جبل عامل طبع في جزأين ، واستدرك عليه السيد الجليل حسن الصدر . وأما بالنسبة إلى بعلبك فهي من المدن الشيعية العريقة ، والتي ظهر بها التشيع منذ دخل بلاد الشام وراج في ظل الدولة الحمدانية ، ووجد في نفوس أهلها خير موطن ، فاحتضنوه وتمسكوا به .

الشيعة في مصر :

دخل التشيع مصر في اليوم الذي دخل فيه الإسلام ، ولقد شهد جماعة من شيعة علي ( عليه السلام ) فتح مصر ، منهم : المقداد بن الأسود الكندي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو رافع ، وأبو أيوب الأنصاري ، وزارها عمار بن ياسر في خلافة عثمان ( 1 ) .

 

( 1 ) الخطط المقريزية 2 : 74 . ( * )

 
 

- ص 323 -

وهؤلاء ما كانوا يبطنون فكرة التشيع التي كانوا يؤمنون بها منذ عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . ولأجل ذلك حين قتل عثمان ، بإجهاز المصريين عليه ، بايعوا عليا كما بايع أهلها طوعا ورغبة .
لما بعث علي ( عليه السلام ) قيس بن سعد أميرا على مصر بايع أهلها طوعا ، إلا قرية يقال لها خربتاء ( 1 ) .

كان هذا نواة لمذهب التشيع في تلك البلاد ، وإن تغلب عليها الأمويون بعد ذلك حين قتل عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج - اللذين أرسلهما معاوية بن أبي سفيان إلى مصر - والي علي ( عليه السلام ) على مصر محمد بن أبي بكر بشكل بشع ، ثم جعلوا جثته في جيفة حمار وأحرقوها بالنار ، وهو أسلوب يدل على انحراف كبير عن الدين ، وانسلاخ عن أبسط معاني الإنسانية ، ولكن للحق دولة وللباطل جولة ، فهذه الأعمال الإجرامية وما ارتكبه العباسيون من الجرائم صارت سببا لابتعاد الناس عن السلطات المتعاقبة الظالمة وتعاطفهم مع العلويين واحتضانهم لهم ، ويظهر ذلك بوضوح عند قيام الدولة الفاطمية الشيعية هناك والتفاف المسلمين حولها ، والتي كان لها الدور الأكبر في انتشار التشيع واعتناق المسلمين له في شمال إفريقيا ، حيث امتد نفوذها وسلطانها إلى الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ، وكذا إلى السودان جنوب مصر .

لقد اعتنق المصريون التشيع برغبة وجهروا بحي على خير العمل ، وتفضيل علي على غيره ، كما جهروا بالصلاة على النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) .
لقد قامت في عهد الفاطميين مراسم عاشوراء ، وعيد الغدير ، ولم تزل هذه المراسم إلى يومنا هذا . وكان التشيع مخيما على مصر في عهد الفاطميين وضاربا أطنابه في القرى والبلدان ، لولا أن صلاح الدين الأيوبي أزال سلطتهم

 

( 1 ) المصدر نفسه 4 : 149 ، الجزري ، الكامل 3 : 61 حوادث عام ( 36 ) . ( * )

 
 

- ص 324 -

ومذهبهم من مصر بقوة السيف والنار ، والتاريخ يشهد على عظم الجرائم وقسوتها التي قام بها صلاح الدين وأتباعه في سبيل هذا الأمر .

وهذه الصفحة من تاريخ مصر مليئة بالأسى والحزن ، راح ضحيتها العديد من أتباع المذهب المحمدي ، إلا أنها لم تستطع أن تقضي عليه ، فلا زال هناك الكثير من الشيعة ومن المتعاطفين روحيا معهم ، والذين يعبرون عن ذلك بوضوح في حرصهم على زيارة المشاهد المعروفة برأس الإمام الحسين ( عليه السلام ) ومرقد أخته السيدة زينب - رضوان الله عليها - .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب