|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 314
:
|
|
التشيع عراقي
النشوء والنمو :
قد عرفت أنه لما غادر الإمام المدينة
المنورة متوجها إلى العراق واستوطن الكوفة هاجر كثير
من شيعته معه واستوطنوا العراق ، فصار ذلك أقوى سبب
لنشوء التشيع ونموه في العراق ، ولا سيما في الكوفة ،
فصارت معقل الشيعة ، ولما قضى الإمام نحبه حاولت
السلطة الأموية وعمالها استئصال التشيع منها بأبشع
صورة مستخدمة في ذلك شتى الأساليب الإجرامية الرهيبة
من دون أي وازع من ضمير .
وبالرغم من أن العراق وأخص
منه الكوفة كان علوي النزعة هاشمي الولاء ، إلا أن
الحسين ابن الإمام علي ( عليهما السلام ) قتل بسيف
الكوفيين ، وسقط عطشان وحوله أجساد أبنائه وأبناء أخيه
وأصحابه ، إلا أن ذلك لا يدل على انسلاخهم عن التشيع ،
لأن الشيعة يوم ذاك كانوا بين مسجون في زنزانات
الأمويين ، أو مرعوب
متخاذل فاقد للتصميم والحمية ، أو منتظر لما تؤول إليه
الأمور ، أو ناصر التحق بالحسين في أحلك الظروف .
هؤلاء هم الشيعة .
وأما الذين شاركوا في قتل الحسين
فلم يكونوا من الشيعة أبدا ، بل كانوا أتباع الأمويين
والمنضوين تحت راياتهم .
فلما قتل الحسين أثار قتله
شجون الشيعة ، وبقوا يتحينون الفرص للانقضاض على الحكم
الأموي الفاسد وأتباعه ، حتى تهيأت الفرصة عند خروج
المختار من سجنه ، فالتفوا حوله في ثورة كبيرة اقتلعت
جذور الأمويين واقتصت من أعوانهم قتلة الحسين وأهل
بيته وأصحابه .
وقد حاول الأمويون جعل العراق أمويا ،
وبذلوا جهودا حثيثة في سبيل هذا الأمر ، إلا أن جهودهم
ذهبت أدراج الرياح ، وبقي العراق هاشميا وعلويا ، حتى
أن دعوة العباسيين نجحت في بداية الأمر في العراق في
ظل طلب ثأر الحسين وأهل بيته ، وكانت الدعوة للرضا من
آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
لقد تبلور التشيع
بعد حادثة الطف بقليل واتسع نطاقه وصار العراق مركزه ،
وكانت القوافل من أنحاء العراق وغيره من بلاد المسلمين
تؤم قبر الحسين وأصحابه ، فصارت مشاهد أهل البيت فيها
معمورة بالزائرين والمجاورين ، وكانت المآتم تقام في
حواضرها تخليدا لذكرى استشهاد الإمام الحسين المفجع ،
واتخذت الشيعة قرب مشاهد أئمتهم ، حوزات علمية ومعاهد
فكرية ، فازدهر العراق بعمالقة الفكر ، وأساتذة الفقه
، وأساطين الكلام ، وأعان على نشر التشيع ونموه في
العراق نشوء دول وإمارات للشيعة في القرن الرابع وما
بعده .
يقول الشيخ المظفر ( 1 ) : وساعد على نمو
التشيع وانتشاره في العراق ، أن تكونت من الشيعة فيه
سلطنات دول وإمارات كسلطنة آل بويه ، وإمارة بني مزيد
في الحلة
| |
( 1 ) أنظر : محمد
حسين المظفر ، تاريخ الشيعة : 69 - 71 و 110 - 111 . ( * )
|
|
|
والنيل ، وبني شاهين في البطائح ، وبني حمدان وآل
المسيب في الموصل ، ونصيبين ، وكدولة بعض المغول أمثال
محمد خدابنده وابنه أبي سعيد ، وأما محمود غازان فقد
قيل بتشيعه وهناك أمارات عليه إلا أنه لم يصارح به ،
وكدولة الجلائرية التي أسسها الشيخ حسن الجلائري أحد
قواد المغول وابن أخت محمود غازان ومحمد خدابنده ،
وكانت بغداد عاصمة ملكه ، وكالدولة الصفوية التي ناصرت
التشيع ونشرته في البلاد بشتى الطرق ، فكأنما هي دولة
دينية تأسست لنشر مذهب أهل البيت .
وأيد مذهب التشيع
أيضا أن انعقدت عدة وزارات من رجاله ، فقد استوزر
السفاح أول ملوك بني العباس أبا سلمة الخلال الكوفي
الهمداني داعية أهل البيت ، وقتله على التشيع .
واستوزر المنصور : محمد بن الأشعث الخزاعي . واستوزر
المهدي : أبا عبد الله يعقوب بن داود ، وحبسه لتشيعه ،
واستوزر الرشيد : علي بن يقطين ، وجعفر بن الأشعث
الخزاعي . واستوزر المأمون : الفضل بن سهل ذا الرياستين لجمعه بين القلم والسيف ، وقتله عندما أحس
بميله إلى الرضا ( عليه السلام ) ، واستوزر من بعده
أخاه الحسن بن سهل . واستوزر المعتز والمهتدي : أبا
الفضل جعفر بن محمود الإسكافي . واستوزر المقتدي : أبا
شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الهمداني ، وعزله
لتشيعه . واستوزر المستظهر : أبا المعالي هبة الدين بن
محمد بن المطلب ، وعزله لتشيعه ، ثم أعاده على أن لا
يخرج من مذهب أهل السنة ، ثم تغير عليه وعزله .
واستوزر الناصر والظاهر والمستنصر : مؤيد الدين محمد
بن عبد الكريم القمي من ذرية المقداد - رضوان الله
عليه - .
واستوزر المستعصم آخر ملوك بني العباس : أبا طالب محمد
بن أحمد العلقمي الأسدي ، وأقره هولاكو على الوزارة ،
ولما مات - رحمه الله - استوزر : ولده أبا الفضل عز
الدين . إلى ما سوى هؤلاء .
وأما الإمارات ، والقيادات
، والكتابة ، والخزانة ، فما أكثرها ، أمثال : إمارة
آل قشتمر ، وآل أبي فراس الشيباني ، وآل دبيس كما
أشرنا إليهم . وقيادة طاهر بن الحسين الخزاعي ، وقيادة
أولاده كابنه عبد الله ، ومحمد بن عبد الله وغيرهما ،
وتوليهم إمارة هراة . وكان عبد الله بن سنان خازنا
للمنصور والمهدي والهادي والرشيد ، وكان من ثقات
الرواة لأبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) . إلى ما
يعسر استقصاؤه .
وكفاك برهانا على أن التشيع كان ضاربا
أطنابه على بسيطة العراق ، ما كان من نقابة الطالبيين
في بغداد ، فما أكثر ما كان يتولاها الشيعة ، أمثال
الشريف الرضي وأبيه وابنه وأخيه المرتضى ، وقد تولوا
المظالم أيضا ، وتولى الشريف الرضي وأبوه أيضا إمارة
الحاج ، كما تولاها ثلاث عشرة حجة حسام الدين أبو فراس
جعفر بن أبي فراس الشيباني . وتولى آل طاووس نقابة
الطالبيين في العراق عامة ، تولاها منهم السيدان
العلمان رضي الدين وغياث الدين عبد الكريم ( 1 ) .
كما
تولى الأوقاف في العراق وغيرها مما كان تحت حكم المغول الخواجا نصير الدين الطوسي - طاب ثراه - وعندما قبض
عليها ، أقام ببغداد ، وتصفح الأوقاف ، وأدار أخبار
الفقهاء والمدرسين ، وقرر القواعد في الوقف ، وأصلحها
بعد
| |
( 1 ) أنظر :
الحوادث الجامعة ، في
حوادث عام ( 661 ه ) وما ذكره فيها من تولي السيد رضي
الدين بن طاووس نقابة الطالبيين بالعراق ، وذكر أن
وفاته عام ( 664 ه ) ، وفي حوادث عام ( 693 ه ) قال
: وفيها توفي النقيب غياث الدين عبد الكريم بن طاووس .
( * ) |
|
|
اختلالها ( 1 ) ، ومن بعده تولاها ابنه أحمد فخر الدين
، ولما وليها حذف الحصة الديوانية في الوقوف ، ووفرت
على أربابها ( 2 ) .
وهكذا فإن الاستقراء الموضوعي
لسكان العراق يكشف بوضوح التفوق الكبير في عدد الشيعة
على ما عداهم ، فجنوب العراق يغلب على سكانه الشيعة
بشكل واضح جدا ، وأما وسطه فتتركز شيعته في أغلب
محافظاته أمثال محافظة النجف وكربلاء وبابل وواسط
والسماوة والديوانية وغيرها ، وأما شمال العراق فتقل
نسبة الشيعة فيه بشكل ملحوظ ، إلا أن هناك أعدادا لا
بأس بها في محافظتي الموصل وكركوك .
| |
( 1 ) أنظر :
تاريخ مختصر الدول ، للعبري :
500 ، والحوادث الجامعة ، في حوادث عام ( 672 ه ) .
(
2 ) أنظر : الحوادث الجامعة ، في حوادث عام ( 683 ه )
. ( * ) |
|
|
|