|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 311 :
|
|
بلدان الشيعة وأماكن تواجدهم
يمثل الشيعة شريحة كبيرة
من المجتمع الإسلامي الكبير المتوزع في بقاع العالم
المختلفة ، حيث ساهموا كما أسلفنا مع إخوانهم المسلمين
في بناء الحضارة الإسلامية ، وإقامة صرح الدين الحنيف
، ونشره في أصقاع المعمورة ، وسنحاول في بحثنا هذا
استعراض وجود الشيعة في بلدان العالم مع ذكر مختصر عن
جوامعهم ومعاهدهم ودورهم وأعدادهم ، لكي يكون القارئ
الكريم على تصور واضح عنهم .
بلدان الشيعة :
ينتشر
الشيعة في جميع أنحاء العالم بنسب مختلفة ، وربما تعد
بعض البلدان معقل الشيعة ومزدحمها حيث يكون المذهب
السائد فيها هو مذهب التشيع ، في حين تتفاوت هذه
النسبة في بلدان أخرى .
وإليك أسماء بعضها ، وهي إيران
، والعراق ، وسورية ، والسعودية ، وتركيا ، وأفغانستان
، والباكستان ، والهند ، واليمن ، ومصر ، والإمارات
العربية المتحدة ، والبحرين ، والكويت ، ومسقط ، وعمان
، والتبت ، والصين ، وآذربيجان ، وطاجيكستان ، وباقي
الجمهوريات المتحررة بانحلال الاتحاد السوفيتي ،
وماليزيا ، وإندونيسيا ، وسيلان ، وتايلند ، وسنغافورة
، وشمال إفريقيا ، والصومال ، والأرجنتين ، وبريطانيا
، وألمانيا ، وفرنسا ، وألبانيا ، والولايات المتحدة ،
وكندا وغيرها من الدول المختلفة التي يضيق المجال
بحصرها .
ولا بأس بالإيعاز إلى خصوصيات بعض البلدان ،
إذ فيه تسليط لبعض الضوء للتعرف على ماضي التشيع وما
لاقاه أتباعه من العدوان والويلات والمصائب .
التشيع حجازي المحتد والمولد :
التشيع حجازي المحتد
والمولد ، إذ فيه نشأ ، وفي تربته غرست شجرته ، ثم نمت
وكبرت ، فصارت شجرة طيبة ذات أغصان متسقة وثمار يانعة
.
وفيه حث النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) على
ولاء الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وسمى
أولياءه شيعة ، وحدث بحديث الثقلين ، وجعل أئمة أهل
البيت قرناء الكتاب في العصمة ولزوم الاقتفاء والطاعة
، وفيه رقى النبي ( صلى الله عليه وآله ) المنبر الذي
صنعوه من رحال الإبل وأخذ بيد وصيه وولي عهده علي
المرتضى وحمد الله وأثنى عليه وقال : " ألست أولى
بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " فقالوا : اللهم بلى ، ولما
أخذ من الجمع المحتشد الإقرار بأولويته على النفس
والنفيس عرف عليا خليفة بعده وقال : " من كنت مولاه
فهذا علي مولاه " ونزل من المنبر ثم نزلت آيات من
الذكر الحكيم تشير إلى هذه البيعة وتؤكدها ، ومن ثم تبودلت التهاني والتحيات بين الإمام والصحابة ( 1 ) .
وقد أشار إلى بعض ما ذكر مؤلف خطط الشام وقال : " إن
النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو الذي حث على ولاء علي
وأهل بيته ( عليهم السلام ) وهو أول من سمى أولياءه
بالشيعة ، وفي عهده ظهر التشيع وسمي جماعة بالشيعة ( 2
) .
ولما ارتحل النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله )
إلى دار البقاء تناسى أولو القوة والمنعة من الصحابة
عهد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) فحالوا بين
النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمنيته كما حالوا بين
أمته وإمامها ، فتداولوا كرة الخلافة بينهم ، وأخذوا
بمقاليد الحكم واحدا بعد آخر ، والإمام منعزل عن الحكم
، لا عمل له إلا هداية الأمة وإرشادها بلسانه وبيانه
وقلمه وبنانه .
| |
( 1 ) لقد أفرد علماء
الإمامية كتبا كثيرة أشاروا فيها إلى بيعة الغدير التي حدثت بعد عودة
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمين من حجة الوداع ، وقد بسطوا
القول فيها وعضدوها بالأدلة القوية والثابتة ، كما أن كتب أهل السنة
حافلة بهذا الخبر تصريحا أو إشارة إليه ، فمن شاء فليراجع .
( 2 ) محمد كرد علي ، خطط الشام 5 : 251
. ( * ) |
|
|
ولقد كان الذي دعا عليا إلى السكوت والانحياز ، هو
مشاهدة ظاهرة الردة الطارئة على المجتمع الإسلامي عن
طريق مسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خويلد الأفاك ، وسجاح
بنت الحرث الدجالة ، وأتباعهم الرعاع الذين كانوا على
الدين الفتي خطرا جديا كان من الممكن أن يؤدي إلى محق
الإسلام وسحق المسلمين .
ويحدث عن هذه الحقيقة الإمام
في رسالته التي أرسلها مع مالك الأشتر إلى أهل مصر ،
حيث يقول فيها : " فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد
رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ( صلى الله
عليه وآله ) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى
فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم " ( 1 ) .
رأي الإمام أن صيانة الإسلام ورد عادية الأعداء
تتوقفان على المسالمة والموادعة ، فألقى حبل الخلافة
على غاربها ، تقديما للأهم على المهم ، وتبعته شيعته
صابرين على مضض الحياة ومرها .
بقي الإمام منعزلا عن
الحكم قرابة ربع قرن إلى أن قتل عثمان في عقر داره ، وانثال الناس إلى دار علي من كل جانب مجتمعين حوله
كربيضة الغنم ، يطلبون منه القيام بالأمر وأخذ مقاليد
الحكم ، وفيهم شيعته المخلصون الأوفياء ، فلم ير بدا
من قبول دعوتهم لقيام الحجة بوجود الناصر ( 2 ) .
ولما
نكث الناكثون البيعة ، وقادوا حبيسة رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) " عائشة " معهم إلى البصرة ، ارتحل
الإمام بأنصاره وشيعته إلى العراق إلا قليلا بقوا في
الحجاز لقلع مادة الفساد قبل أن تستفحل ، ولما قلع عين
الفتنة ، استوطن الإمام الكوفة ، واستوطنها معه شيعته
، وصارت الكوفة عاصمة التشيع ، ومعقله ، وفيها نما
وأينع
| |
( 1 ) الشريف الرضي ،
نهج البلاغة
، الكتاب 62 .
( 2 ) إشارة إلى قوله ( عليه السلام ) :
" أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر
وقيام الحجة بوجود الناصر . . . لألقيت حبلها على غاربها "
نهج البلاغة ، الخطبة 3 . ( * )
|
|
|
وأثمر ومنها انحدر إلى سائر البلدان ، بعد ما كان
الحجاز مهبط التشيع ومغرسه ومحتده . فكان حجازي المحتد
والمغرس ، عراقي النشوء والنمو ، ولم يكن يوم ذاك
يتظلل في ظلال التشيع إلا عربي صميم ، من عدناني
وقحطاني ، ولم يكن بينهم فارسي ولا بربري الأصل ولا
شعوبي العقيدة يمقت العرب .
وهكذا فإنا يمكننا القول
بأن مهد التشيع الأول كان في أرض الحجاز الطيبة ومنها
درج واشتد حتى تسامق وتطاول وأصبح له وجود في كل بقاع
المعمورة .
ولا زال الشيعة يعيشون مع إخوانهم المسلمين
في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، وحضرموت ، ونجران
، وغيرها ، كما توجد في أنحاء من أرض الحجاز الكثير من
القبائل العربية الشيعية أمثال بني جهم ، وبنو علي ،
وغيرهم .
وأما المنطقة الشرقية كالأحساء والقطيف
والدمام ، فأكثر سكانها من الشيعة .
|