|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 286 :
|
|
13 -
قدماء الشيعة والعلوم العقلية
جاء الإسلام ليحرر عقل
الإنسان وتفكيره من الأغلال المتراكمة الموروثة التي
توارثها قهرا من الأجيال الماضية ، فهو يخاطب العقل
ويدعوه إلى التأمل والتفكير ، ويخاطب القلب والضمير
بما حوله من الأدلة الناطقة ، ويكفي في توضيح ذلك أن
الذكر الحكيم استعمل مادة " العقل " بمختلف صورها ( 47
) مرة ، و " التفكر " ( 18 ) مرة ، و " اللب " ( 16 )
مرة و " التدبر " ( 4 ) مرات و " النهى " مرتين .
فبذلك نهى عن التقليد وحث على التعقل ببيانات مختلفة .
فتارة يدعو الإنسان إلى التأمل فيما حوله من الكائنات
لما فيها من دلائل ناطقة على وجوده سبحانه وصفاته .
قال سبحانه : " أَأَنتُمْ
أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا
*
رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا
*
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا
*
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
*
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا
*
وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
*
مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ " ( 1 ) .
وأخرى يدعوه إلى
التفكير والاستدلال المنطقي ، فقال سبحانه : {
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ
شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
*
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا
يُوقِنُونَ } ( 2 ) فعالج المشاكل العلمية
والفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة
فاحصة ، وأخرى بالحث على التفكير في المعارف بأسلوب
منطقي وبرهاني ، وبذلك أيقظ عقول المسلمين وحثهم على
التأمل والتدبر في العلوم المختلفة ، دون التقليد
الأعمى والتتبع غير المتبصر ، وجعل لأولئك المكانة
المتميزة .
غير أن المسلمين سوى قليل منهم تنكبوا عن
هذا الطريق ، خصوصا فيما يرجع إلى المعارف العليا ،
فصاروا بين مشبه ومعطل ، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم
بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب والسنة ،
وبذلك استغنوا عن أي تعقل وتفكر ، إلى أن بلغت جرأتهم
إلى حد قال بعضهم في الخالق : اعفوني عن الفرج واللحية
واسألوني عما وراء ذلك ( 3 ) ! ! ! فهؤلاء هم المجسمة
والمشبهة ، وأما غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن
التفكر في الله سبحانه ، فقالوا : أعطينا العقل لإقامة
العبودية لا لإدراك الربوبية ، فمن شغل ما أعطي لإقامة
العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ، ولم يدرك
الربوبية ( 4 ) .
| |
( 1 )
النازعات : 27 -
33 . ( 2 ) الطور : 35 - 36 .
( 3 ) الشهرستاني ،
الملل والنحل 1 : 105 ط دار المعرفة ، لبنان .
( 4 ) علاقة الأثبات والتفويض نقلا عن
الحجة في بيان المحجة
: 33 . ( * ) |
|
|
فالأكثرية الساحقة في القرون الأولى كانوا بين مشبه
ومعطل ، غير أنه سبحانه شملت عنايته أمة من المسلمين
رفضوا التشبيه والتعطيل ، وسلكوا طريقا ثالثا وقالوا
بأنه يمكن للإنسان التعرف على ما وراء الطبيعة بما
فيها من الجمال والكمال عن طريقين :
1 - النظرة
الفاحصة إلى عالم الوجود وجمال الطبيعة كما وردت في
القرآن الكريم .
2 - ترتيب المقاييس المنطقية للوصول
إلى الحقائق العليا ، وهذا أيضا هو الخط الذي رسمه
القرآن الكريم ، وسار على هذا الخط الأئمة ( عليهم
السلام ) من أولهم إلى آخرهم .
ترى ذلك في كلام الإمام
علي ( عليه السلام ) بوضوح ، في أحاديثه وخطبه ورسائله
، ولا يسعنا هنا أن نستعرض ولو بعضا مما له ( عليه
السلام ) في هذا المجال ، إلا أنا نكتفي بحديث واحد .
سأله سائل : هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من
غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة ؟ فقال : " إن الله
تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا
يكون " ( 1 ) .
إن خطب الإمام علي ( عليه السلام )
ورسائله وقصار حكمه كانت هي الحجر الأساس لكلام الشيعة
وآرائهم في العقائد والمعارف ، ولم يتوقف نشاط الشيعة
في ذلك المجال ، بل ونتيجة لتوالي الأئمة ( عليهم
السلام ) إمام بعد إمام ، كان يعني ذلك استمرار عين
المنهج السابق الذي ربى عليه الإمام علي ( عليه السلام
) شيعته ، فواصل الأئمة من بعده - عليهم وعليه السلام
- في حياتهم تربية شيعتهم ، فشحذوا عقولهم بالدعوة إلى
التدبر والتفكر في المعارف ، حتى تربى في مدرستهم
عمالقة الفكر من عصر سيد
| |
( 1 ) الصدوق ،
التوحيد : 130 باب " القدرة " برقم 9 . ( * )
|
|
|
الساجدين إلى عصر الإمام العسكري ، تجد أسماءهم وتآليفهم وأفكارهم في المعاجم وكتب الرجال ، وقد نبغ
في عصر أئمة أهل البيت مفكرون بارزون أدوا لعموم
المسلمين خدمات لا تنكر ، وأشرعوا أبواب المعرفة
للباحثين والمفكرين الذين تلوهم ، ومن هؤلاء :
متكلمو
الشيعة في القرن الثاني :
1 - زرارة بن أعين : مولى
بني عبد الله بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن مرة
بن ذهل بن شيبان ، أبو الحسن : شيخ أصحابنا في زمانه ،
ومتقدمهم ، وكان قارئا ، فقيها ، متكلما ، شاعرا ،
أديبا ، قد اجتمعت فيه خصال الفضل والدين ، صادقا فيما
يرويه . قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه
: رأيت له كتابا في الاستطاعة والجبر ( 1 ) .
وقال ابن
النديم : وزرارة أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة
بالكلام والتشيع ( 2 ) . وهو من الشخصيات البارزة
للشيعة التي أجمعت الطائفة على تصديقهم ، وهو غني عن
التعريف والتوصيف .
2 - محمد بن علي بن النعمان بن أبي
طريفة البجلي : مولى الأحول " أبو جعفر " كوفي ، صيرفي
يلقب ب " مؤمن الطاق " و " صاحب الطاق " ، ويلقبه
المخالفون ب " شيطان الطاق " . . . وكان دكانه في طاق
المحامل في الكوفة ، فيرجع إليه في النقد فيرد ردا
فيخرج كما يقول ، فيقال " شيطان الطاق " .
أما منزلته
في العلم وحسن الخاطر فأشهر ، وقد نسبت إليه أشياء لم
تثبت عندنا .
| |
( 1 )
النجاشي ،
الرجال 1 : 397 / 481 ، الطوسي ، الفهرست / 314 ،
الكشي ، الرجال
/ 62 ، الذهبي ، ميزان الاعتدال ج 2 / 2853 .
( 2 )
ابن النديم ، الفهرست : 323 . ( * )
|
|
|
وله كتاب " افعل لا تفعل " وهو كتاب حسن كبير ، وقد
أدخل فيه بعض المتأخرين أحاديث تدل على فسادها ، ويذكر
تباين أقاويل الصحابة . وله كتاب " الإحتجاج في إمامة
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) " وكتاب كلامه على
الخوارج ، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة . . . (
1 ) .
وقال ابن النديم : وكان متكلما حاذقا ، وله من
الكتب كتاب الإمامة ، كتاب المعرفة ، كتاب الرد على
المعتزلة في إمامة المفضول ، كتاب في أمر طلحة والزبير
وعائشة ( 2 ) .
3 - هشام بن الحكم : قال ابن النديم :
هو من متكلمي الشيعة الإمامية وبطانتهم ، وممن دعا له
الصادق ( عليه السلام ) ، فقال : " أقول لك ما قال
رسول الله لحسان : لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا
بلسانك " . وهو الذي فتق الكلام في الإمامة ، وهذب
المذهب ، وسهل طريق الحجاج فيه ، وكان حاذقا بصناعة
الكلام حاضر الجواب ( 3 ) .
ويقول الشهرستاني : وهذا
هشام بن الحكم ، صاحب غور في الأصول ، لا ينبغي أن
يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما
يلزم به على الخصم ، ودون ما يظهره من التشبيه ، وذلك
أنه ألزم الغلاة . . . ( 4 ) .
وقال النجاشي : هشام بن
الحكم ، أبو محمد مولى كندة ، وكان ينزل بني شيبان
بالكوفة ، انتقل إلى بغداد سنة ( 199 ه ) ، ويقال :
إنه مات في هذه السنة ، له كتاب
| |
( 1 ) النجاشي ، الرجال 2 : 203 / 887 ، الطوسي ،
الرجال
أصحاب الكاظم / 18 ، والفهرست
للطوسي / 594 ، الكشي ،
الرجال / 77 .
( 2 ) ابن النديم ، الفهرست : 264 وأيضا
258 . ( 3 ) المصدر نفسه : 257 . ( 4 ) الشهرستاني ،
الملل والنحل 1 : 185 . ( * ) |
|
|
يرويه جماعة . ثم ذكر أسماء كتبه فبلغت ثلاثين كتابا (
1 ) .
وأما أحمد أمين فيقول عنه : أكبر شخصية شيعية في
الكلام ، وكان جدا قوي الحجة ، ناظر المعتزلة وناظروه
، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على
حضور بديهيته وقوة حججه .
إن الرجل كان في بداية أمره
من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني ، صاحب النزعة
الإلحادية في الإسلام ، ثم تبع الجهم بن صفوان الجبري
المتطرف المقتول بترمذ عام ( 128 ه ) ، ثم لحق
بالإمام الصادق ( عليه السلام ) ودان بمذهب الإمامية ،
وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أصول الإمامية ،
فإنما هي راجعة إلى العصرين اللذين كان فيهما على
النزعة الإلحادية أو الجهمية ، وأما بعد ما لحق
بالإمام الصادق ( عليه السلام ) فقد انطبعت عقليته
بمعارف أهل البيت إلى حد كبير ، حتى صار أحد المناضلين
عن عقائد الشيعة الإمامية ( 2 ) .
4 - قيس الماصر :
أحد أعلام المتكلمين ، تعلم الكلام من علي بن الحسين (
عليهما السلام ) .
روى الكليني : أنه أتى شامي إلى أبي
عبد الله الصادق ( عليه السلام ) ليناظر أصحابه ، فقال
( عليه السلام ) ليونس بن يعقوب : أنظر من ترى بالباب
من المتكلمين . . . إلى أن قال
| |
( 1 )
النجاشي ، الرجال 2 : 397 / 1165 . وذكر أسماء كتبه
على النحو التالي : علل التحريم ، الفرائض ، الإمامة ،
الدلالة على حدث الأجسام ، الرد على الزنادقة ، الرد
على أصحاب الاثنين ، التوحيد ، الرد على هشام الجواليقي ، الرد على أصحاب الطبائع ، الشيخ والغلام
في التوحيد ، التدبير في الإمامة ، الميزان ، إمامة
المفضول ، الوصية والرد على منكريها ، الميدان ،
اختلاف الناس في الإمامة ، الجبر والقدر ، كتاب
الحكمين ، الرد على المعتزلة وطلحة والزبير ، القدر ،
الألفاظ ، الاستطاعة ، المعرفة ، الثمانية أبواب ، على
شيطان الطاق ، الأخبار ، الرد على المعتزلة ، الرد على
أرسطاطاليس في التوحيد ، المجالس في التوحيد ، المجالس
في الإمامة .
( 2 ) إن للعلامة الحجة الشيخ عبد الله
نعمة كتابا في حياة هشام بن الحكم ، وقد أغرق نزعا في
التحقيق ، وأغنانا عن كل بحث وتنقيب . ( * )
|
|
|
يونس : فأدخلت زرارة بن أعين وكان يحسن الكلام ،
وأدخلت الأحول وكان يحسن الكلام ، وأدخلت هشام بن
الحكم وهو يحسن الكلام ، وأدخلت قيس الماصر وكان عندي
أحسنهم كلاما وقد تعلم الكلام من علي بن الحسين (
عليهما السلام ) ( 1 ) .
5 - عيسى بن روضة حاجب
المنصور : قال عنه النجاشي : كان متكلما ، جيد الكلام
، وله كتاب في الإمامة . وقرأت في بعض الكتب : أن
المنصور لما كان بالحيرة ، تسمع على عيسى بن روضة ،
وكان مولاه ، وهو يتكلم في الإمامة فأعجب به واستجاد
كلامه ( 2 ) .
6 - الضحاك ، أبو مالك الحضرمي : كوفي ،
عربي ، أدرك أبا عبد الله ( عليه السلام ) وقال قوم من
أصحابنا : روى عنه ، وقال آخرون : لم يرو عنه ، روى عن
أبي الحسن ، وكان متكلما ثقة ثقة في الحديث ، وله كتاب
في التوحيد رواه عنه علي بن الحسن الطاطري ( 3 )
فالرجل من متكلمي القرن الثاني .
وقال ابن النديم : من متكلمي الشيعة ، وله مع أبي علي الجبائي مجلس في
الإمامة وتثبيتها بحضرة أبي محمد القاسم بن محمد
الكوفي ، وله من الكتب : كتاب الإمامة ، نقض الإمامة
على أبي علي ولم يتمه ( 4 ) .
7 - علي بن الحسن بن
محمد الطائي : المعروف ب " الطاطري " كان فقيها ثقة
في حديثه ، له كتب منها : التوحيد ، الإمامة ، الفطرة
، المعرفة ، الولاية ( 5 ) وغيرها .
وعده ابن النديم
من متكلمي الإمامية وقال : ومن القدماء الطاطري ، وكان
| |
( 1 ) الكليني ، الكافي 1 : 171 .
( 2 )
النجاشي ، الرجال 2 : 145 / 794 .
( 3 ) المصدر نفسه 1
: 451 / 544 .
|
( 4 ) ابن النديم ، الفهرست
: 266 .
( 5
) النجاشي ، الرجال 2 : 77 / 665 . ( * )
|
|
|
شيعيا ، وله من الكتب كتاب الإمامة حسن ( 1 ) .
8 -
الحسن بن علي بن يقطين بن موسى ، مولى بني هاشم ، وقيل
مولى بني أسد ، كان فقيها متكلما ، روى عن أبي الحسن
والرضا ( عليهما السلام ) ، وله كتاب مسائل أبي الحسن
موسى ( عليه السلام ) ( 2 ) وبما أن أبا الحسن الأول
توفي عام ( 183 ه ) ، والثاني توفي عام ( 203 ه ) ،
فالرجل من متكلمي القرن الثاني وأوائل الثالث .
وذكره
الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام )
( 3 ) .
9 - حديد بن حكيم : أبو علي الأزدي المدائني ،
ثقة ، وجه ، متكلم ، روى عن أبي عبد الله ، وأبي الحسن
( عليهما السلام ) وله كتاب يرويه محمد بن خالد ( 4 )
.
10 - فضال بن الحسن بن فضال : وهو من متكلمي عصر
الصادق ( عليه السلام ) وذكره الطبرسي في احتجاجه
ومناظرته مع أبي حنيفة ، فلاحظ ( 5 ) .
إن ما ذكرناه
من أساتذة الكلام كانوا نماذج مصغرة من تلامذة أهل
البيت ( عليهم السلام ) وخريجي مدرستهم ، وقد اكتفينا
بذكر هذه الطائفة تجنبا عن الإطالة والإسهاب ، ومن
ابتغى الاستزادة فعليه بالمراجع التاريخية وكتب الكلام
المختلفة التي حفلت بأسماء الأعلام الباقين ، أمثال حمران بن أعين الشيباني ، وهشام بن سالم الجواليقي ،
والسيد الحميري ، والكميت الأسدي ( 6 ) .
| |
( 1 )
ابن النديم ، الفهرست
: 266 .
( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 148 / 9 .
( 3 ) الشيخ الطوسي ، الرجال / 7
. |
( 4 ) النجاشي ، الرجال 1 : 377 / 383 ، وذكره
الخطيب في تاريخه ج 8 / 4377 .
( 5 ) التستري ، قاموس
الرجال 4 : 313 .
( 6 ) لاحظ
أعيان الشيعة 1 : 134 -
135 . ( * ) |
|
|
|